|
القط زوربا
العظيم
الجزء الثاني
كتابات - ايــوب
ملحمة التحرير
لم يجب زوربا أيوباً عن سؤاله ، وذهب بعيدا ً حيث لا تراه العيون ، أو ترصده
كاميرات الفضائيات المنتشرة في كل مكان ، والتي تبحث بفضول مقرف عن أيّ حدث
خارق ، أو صورة مميزة ، تشبع بها شبق غريزتها ، وما أكثر الخوارق وأحداث
الخوارق والصور المميزة بعد التحرير يا عراق .
بعد التحرير ... هدأت النفوس المصابة بضجيج الأبدية الصارخ ... توقدت شموع
القبور الممنوعة من الزيارة ... ارتجفت مساحات الأرض اليابسة من الأهوار
العطشى لرحمة النهر ... سُمع نواح من بواطن الأرض هنا وهناك ... وهناك ...
وأصوات مفهومة وأخرى غير مفهومة من بقع الأرض التي كانت خرابات مطوقة ببساطيل
العساكر ...
إنــــّــا ... ها هنا ... نائمون ... ميتون ... مدفونون ... بلا غسل ولا
تكفين ... أفرادا ً وجماعات ...
إنــّــا ... ها هنا ... سمعنا صوت الشمس ... فأزيحوا عنا التراب ... فنحن
مشتاقون لحياة الحرية ... رغم أننا ... مجرد عظام ... عظام ... في أكياس أو
في ملابس عيد ...
كان زوربا يسمع تلكم الأصوات ، ويفهم تلكم الشفرات ، فقد تعلم في ظل حكومة
الاحتلال وفي سجون الطغاة ... شفرة المعذبين وأصوات الناعيات ... ومحالٌ على
من لم يذق طعم العذاب أن يسمع صوت العظام أو يفهم شفرة النواح .
فيما انتشر الناس في كرنفال السلب والنهب وحرق بيوت الطغاة وأركان النظام ،
كان زوربا يتأمل حال البلد والى أين ستسير سفينة التحرير ؟
انتشرت القرانب والطرانب والجسيمات المشوهة التي تكونت في عهد الاستبداد في
كل مكان ، كانوا من أولاد زوربا وأولاد أولاده حين زاوج القط العظيم الأرانب
فأنتجت القرانب والطرانب ، وحين تزاوجت القرانب مع الطرانب أنتجت الجسيمات
الغريبة التي لا تعرف أصلها وأصولها ، جسيمات متوحشة ، مشوهة ، لا تدري هي ما
تريد ، هل هي أرانب ؟ لا ... هل هي قطط ؟ لا ... هل هي قرنيب أو طرنوب أو
دورجهار لو دوبارا ؟ لا أحد يعلم ... المهم كلهم تولدوا في عصر الطغيان ...
وتنفسوا الحرية وخرجوا الى الحياة بعد التاسع من نيسان .
ترك زوربا الناس وودع أخيه فهلوان ، الذي قرر الرجوع الى منفاه ليلملم أغراضه
ويهيأ نفسه للعودة الى الوطن ...
ترك الناس وتوجه الى صوت الألم الذي كان يخرج من تحت الأرض النائمة على أضرحة
النور .
توجه الى مدينة المسيّب حيث اكتشفت مقبرة جماعية كبيرة في أطرافها ... فأخذ
مرتفعاً من الأرض وجلس عليها كالنمر الممتد تحت شمس أفريقيا الحارقة ، يحدق
ببصره الى الأشياء التي تتحرك أمامه ، ويتأمل بالأصوات التي تخرج من حناجر
حـُفـّار الأرض .
أي ويلٍ هذا الذي كان فيه الشعب يا زوربا ؟
أي صورٍ هذه من كفر البشرية ؟
أصواتٌ بُحّتْ من الصراخ نحو العظام الساكتة ... وترابٌ يتطاير على رؤوس
الثكالى ... وارتجافات لليدين ... وعجائزٌ كأنهم من سبايا يزيد للحسين ...
هذه تحفر الأرض كالمجنونة ...
وتلك تخاطب عظمة الكف الحزينة ...
وآخر يقبل جمجمة ولده المثقوبة ، عرفها من سنـّه العاجي الذي زرعه قبل الرحيل
...
وحبيبٌ وحبيبة ، واحد حيّ وآخر ملموم في قميصه ...
:آهٍ يا حبيبي كنتَ في الأيام الخوالي تأخذني في حجرك وكأني عصفورة ، واليوم
صغرتَ كثيراً حبيبي , بالكاد تملأ حضني عظامك ...
وامرأتان متقابلتان ، واحدة أمامها كومة من العظام والأخرى بلا عظام فتسأل
الأولى سؤالاً لم يسمعه زوربا لكنه سمع جوابها وهي تنوح به
: لا تدعوني ويكِ أم البنين ... تذكريني بليوث العرين
ثم تشير بأصابعها الستة نحوها وتبكي نحو السماء
: كانت بنون لي أدعى بهم ... واليوم أصبحتُ ولا من بنين
وعجوزٌ بضفائر تنشرها ، سقط عنها الحياء ، لا تلوموها ، بهدوء وحنان ، تجمع
من جوف الأرض العظام ، تقبـّلها عظمة عظمة ...
: يـُمّه وليدي ... عطشان لو بردان ... لو حالتك حاله ... يَمن فدوه لريحتك
يُمّــه ...
وسطورٌ تبكي عرش السماء ... ما ذنب هذه العجوز يا عالم ؟
تعب زوربا وأسند رأسه على كفه ... وغار في حلمٌ كبير ... كان يسمع صوت قلبه
وهو يبكي فرح التحرير ... كان يتحسس من خوف مجهول ... وقادم من وراء الأفق
...
كانت الشمس تهّم بالغروب ومازال الناس ينبشون في الأرض القاسية لتخرج لهم
عطاياها من كنوز وعظام ، والكثير منهم ملئوا أكياسهم برفات أحبتهم ... عجيب
أمر الدنيا ... أكياسٌ تتلوها أكياس ... أكياسٌ تحمل أحلى ذكريات من زمن
العشق الإنساني ...
فوالدٌ يحمل وََلدَيه في كيس واحد ، لا يدري أيهم أحمد وأيّهم حسن ، اختلطت
عظامهم ، كما حُبّهم اختلط لحظة الفراق ... قال سيبني قبرين ويوزع العظام
بالتساوي ... واحدة هنا وواحدة هنا ... وآه يا زمن ...
وأخٌ من الحزن لا يدري كيف يصنع ... هل هذا ما تبقى من أخيه ؟ يا وليتاه ...
فلم رأسه مقصوص بالمنشار هكذا ؟... هل كلهم هكذا ؟ سأل جاره عبداليمة ...
: انتَ هم أخوك راسه مكصوص ؟ لو بس اخُوي ؟ يا زمان ... يا زمان ... بس راس
اخوي مكصوص بالمنشار ...
بللوا الأرض بالدموع بعدما كانت عطشى للدموع ... أخرجوا شعب العراق من تحت
التراب ... أخرجوا للدنيا جثث الأحباب ... كتب الله لهم أن يروا نور الشمس
بعد طول انتظار ... ارتجفت العظام من نسيم الدنيا التي غدرت بهم , وهدأت على
صوت صراخات الأهل من بعد الملل ...
ها نحن عظام أهل العراق يا عالم ... فاشهدي لنا... أنــّا ظـُلمنا ...
وقبل أن يهم الناس بالرحيل بعدما جنوا من حرثهم الوفير ، صاح زوربا من مكانه
بهم أن اسمعوا لقولي وانتبهوا ...
: أيها الناس ... أيها المعذبين في الأرض الخضراء ... أيها المنكوبين في أرض
السواد ... ها قد حلـّت لحظة الخلاص والحرية ... فهل أنتم واعون حزنكم وواعون
أمركم ؟
إن الأحزان التي ملأت قلوبكم أخرجوها الى فسيح الفضاء ، فإن الحزن إذا نام في
الصدر أوقد جريمة في النفس ، وأنتم أدرى بجلادكم ، وأدرى بمن حفر قبوركم في
غير زمانها ومكانها , فلا تناموا على دكة القبر طويلا ، وتستسلموا للحزن دهرا
ً آخرا ...
أيها الناس ... أعظم ما في الحياة هي ... حرية المظلوم ... وكيف له أن يرى
النور بعد طول انتظار , هذه عظام أبناءكم وأحباءكم تخاطبكم النيل من عدوكم ،
فهل أنتم لها سامعون ؟ ارحموا العظام بلحم أجسادكم ودماء قلوبكم وقبضة كفكم
...فالموت إن كان حقٌ فالحياة مهزلة في ظل الهزيمة ...
أيها الناس لا تنهزموا في عهد التحرير ، فإن الأكياس التي بأيديكم كانت حرة
في زمن الهزيمة .
كان من بين أصحاب القبور قرانبٌ وطرانيبٌ لا يفقهون قول زوربا ... فصاح به
أحدهم
: اسكت ... ما بقــه بس العتاوي تتفلسف علينا .
***
القرانب والطرانب
يقول زوربا ...
القرانب مخلوقات مشوهة ! خليط من جينات قططية وأرنبية متحدة في ظروف صعبة ،
داخل أجسام معذبة ، من سنين الاحتلال البعثي الغابر ، مفردها قرنيب !
والقرنيب مخلوط الشبه ما بين القط والأرنب والجلاد ! فله رأس القط وأذني
الأرنب وعيون الجلاد ، وله كف المجرم وجسد الإنسان المعذب مُغطـاً بصوف
الأباعر ! وله قلب الطاغية وقسوة السادي وشراسة ضباط الأمن البعثيين ، وخلفه
ذيلٌ ، لا بالقصير ولا بالطويل . فترى القرانب دوماً بأزياء كثيفة تغطي
تشوهاتهم القميئة ! فيلبسون العمامة أو الطيلسان ليخفوا آذانهم القذرة
ويرتدون العباءة ليغطوا الذيل المنبت في مؤخرتهم ! وترى وجوههم فتعرفهم من
سيماهم ، في داخلهم حقدٌ بحجم الكون على كل شيء جميل ، وحين ينطقون ... آهٍ
حين ينطقون ... ترى القيء خارج من فمهم النتن ... لا للاحتلال ... لا
للسماوات ... لا للأرضين ... لا لروح ابهاتهم ، كل ساعة برأي ، وكل يوم في
شأن ، وكل فجر جديد على البلد المحرر هم بنكبة جديدة !
أما الطرانب ... فتحمل كل صفات القرانب ، إلاّ أن مفردها ليس ( طرنيب ) ! لأن
الطرنيب هو أحد ألعاب الورق بعد الكونكان والـ 21 والفرهود والبلاك جاك ،
والأصحّ هو ما اتفق عليه علماء الأنساب في كتابهم الموسوم ( القول الأقدَمْ
... في إيمان نانسي عجرَمْ ) من أن مفرد الطرانب هو ( طرنوب ) !
أغلب الطرانب هي من أصول وحشية ، غير نقية ، تحمل قذارة الإنسان الرافض
لمملكة الحب ، يخافون نور الشمس وبسمة الحياة وصوت المغنيين أغاني التحرير ،
فتراهم على الدوام ملثمين كديدان الجيف الملتفة حول أجساد الضحايا ، ملثمين ،
في الصيف ، في الشتاء ، في الحر والبرد ، منتشرين في البقع الطاهرة والقذرة
في المحافظات البيضاء واللا بيضاء ، روائحهم كأنها من جيف البعث المسحوقة تحت
أقدام الشعب ، في الليل والنهار يبكون على المُلك الذي عنهم زال .
والمصيبة حدثت حين زاوج القرنيب طرنوبة ً ! أو أنكح الطرنوب قرنيبة ، دائماً
أو منقطعاً أو بمُـلك اليمين ! فكان الهتك الجماعي لواقع البلد ، فالمخلوقات
التي تولدت في الحقبة التالية كانت سريالية الشكل ! فترى بعضهم بذيل يتدلى من
رقبته ، فيما صار لفصائل كبيرة أذنان في مؤخرتهم ! أو ترى ( سَرنطيبا ً أو
قفرطينا ً ) برأس مقلوب الاتجاه ! يرى خلفة فقط ولا يرى ما يجري أمامه ! وإذا
حاول أن يرى أمامه فعليه الرجوع الى الوراء !
كم عدد هؤلاء ؟ يسأل زوربا نفسه المقدسة ، ولا يدري كيف يجيب ... لقد ذاب
هؤلاء في زوايا الشعب كما الشعب ذاب في همومه !!!
الدنيا جميلة ، دنيا الحرية جميلة ، تمتعْ أيّ زوربا بهذا العطاء ، أيها القط
العظيم الذي ذاق ويلات الطغاة .
كان يمشي في الأزقة آمناً ، أمْنَ مَنْ لا خوفٌ عليهم ولاهم يحزنون ، عاد
يبحث عن أسرته التي فقدها في زمن الأوباش ، عاد الى حيّه القديم والشارع
القديم والقصاب القديم !
لم يزل القصاب في أول الزقاق يبيع اللحم .أخذ زوربا مكانا ً آمنا ً أمامه
وصار يتأمل فيه ...
: مِنْ ها هنا ... بدأت رحلة العذاب ... فعليّ مِنْ ها هنا أن أبدأ رحلة
الحرية ... ها أنت أمامي أيها القصاب قد شِبتَ كما دبّ الشيب فيـّـا ، يا
صاحب الرمية التي مِنْ رميها سُجنت سنين ثلاثون وأربع ... بسيطة آني ألـَـكْ
!!!
لاحظ زوربا المعاليق المعلقة واللشات المهشمة والليات المتدلية
والحَـلـَوْلـَوْ الملفوف ، وأبصر السكينة العملاقة في خاصرة الكهل السمين ،
فأخذ نفساً عميقاً ومطـّ جسده الشريف حتى تطقطقت عظامه ،
وانطلـــــــــــــــــق ...
الى القصاب انطلق ... الى المعلاك انطلق ...
تذكر عياله ... تذكر أم العيال ... تذكر سنبل والبنات الجميلات ، يتقدم الى
الأمام مخترقا ً عشرات الأقدام ، مناورا ً يمنة يسرة ، وفي خياله كل حزن
السنين الخوالي ، لكنه يتقدم ... الى الأمام ليمسح غبار الأمس ... حتى صار
أمام القصاب في لحظة واحدة ! فقدحت عيناهما من بريق ذاكرتهما , تذكره القصاب
، وتذكره زوربا جيدا ...
مَـدّ القصاب يده الى خاصرته ...
تأهب زوربا ... ورجع الى الوراء خطوتين ...
سحب السكينة ...
قفز زوربا ... على رجلي القصاب ثم على رأسه ثم الى الخشبة ...
هذه المرة هيأ مخالبه قبل أن يستقر على الخشبة ...
التفتَ القصاب ... وأخرج السكينة ...
قفز زوربا الى المعلاك ... لينبت أسنانه ومخالبه في المعلاك ... وصار يدور هو
والمعلاك حول الجنكال ... كان زوربا يغني في قلبه ويضحك في صدره ... حتى سقط
هو والغنيمة ...
رمى العجوز سلاحه ...
احترسْ ... زوربا ... حبيبي ... ديرْ بالك على نفسك ...
طفر زوربا كأنه النمر ... وخابت الرمية ... وانكسرت السكين
خرج زوربا من محل القصاب والمعلاك يزحف تحت قدميه حتى عبر الشارع الى الجهة
المجاورة ...
كان القصاب يصيح بالناس ... ولا من مجيب ...
صاح به زوربا ...
هــــــِـيْ ... يابـو كـَرشْ ... لا تحزن ... لا تبتئس ... تعالَ خذ اللحم
... لا حاجة لي به الآن ...
***
في الحارات والأزقة
يتمشى زوربا ، في الأحياء ، في الشوارع التي كانت مليئة بأنصاف الرجال ولا
رجال ، يصرخ نحو الزوايا ، كل الزوايا ...
: أين كتبة التقارير ؟ والراصدين لأنفاس الناس ؟ أين أولاد الحرام من أصحاب
البدل الزيتونية ؟ أين الرفاق ؟ تـُرى أين الرفاق ؟
لا تجيب سوى كومات الأزبال التي تركوها خلفهم ... ملئوا البلد بالأوساخ ...
كانوا مجرد وَهم ٍ بشع يا زوربا ... كانوا مجرد طراطير ورقية محشوة بأحقاد
زمرة العوجة .
عادت الصراصير الحزينة الى مراتعها القديمة ... عجبا ً حتى أوكار الصراصير
كانت مراقبة ومحتلة من قبل البعث ! وعادت اليرقات البيضاء الجميلة تنمو بهدوء
في بالعوات البيوت ، وصرصرٌ وصرصورة في عرس ٍ جميل وخلفهما الخنافس المدبدبة
تسير دون خوف أن تدوسها بساطيل الويلاد ، تحمل ما لذ وطاب للعرس الجديد ...
صادف زوربا ضفدعا ً من رفاق دربه الحزين وبيده مصياده !
: مرحبه عكـَروك ... شلونك حبيبي ...
: منو ...... ؟ .... ذوربا ... معقولة ؟
: اشلونك أغاتي ... سلامات
: اثــلونـّي ؟ الحمد لله ... هذوله الثــَفلة كـَـثو لــثاني !!! علمود عذة
الدوري ! الله يـُكـَث نـَـثـلهم ان ثاء الله.
: والمصياده شتسوي بيها حبوب ؟
: أثـيد بيها بَق ! بعدْ لثاني مَينوث !
: خالي يكلون الأمريكان جايبين بق معلب ، بمايونيز ، وأكو بكجب .
: هثـــــه مَمْحتاج ، كاعد ويّـه جماعة خوث ولد ، واللـّي يثيدوه نتقاثمـه
على حب الله ، ذبانة لو بقة لو دودة ... الله كريم ... أهم ثي ثـدام انتعل
ثـلفــه ثــلفاه .
رحمك الله من ضفدع ، أفقه بكثير من خبراء التنظير الساقطين ..
قال زوربا : ذين حبيبي عكروك ... ثلامات ... واثوفك بخير !!!
ذهب زوربا بعيدا عن العيون ... متجها ً الى مرتع عائلته القديم ، محاولا أن
يكمل عرس التحرير بلـّم شمل العائلة ...
لكن أين هم ؟
أين الزوجة والأولاد ؟
أين بناتي ؟ نوسة وبوسة وكردوسة ؟
أين أم العيال ؟
ينوح بميواته وهو يقترب من البيت ! ذات البيت ! الذي كان فيه التنور !
لكن في البيت ضجيج ... ونار وأقراص خبز ... وأطفال ...
قفز على الحائط واستقر وراء ظل النخلة ، وأخذ يزحف برهة ويقف أخرى ليقترب من
زاوية البيت ، كي ما يرى التنور ...
امرأة تقف أمامه ... أمام التنور ... ولهيب يتصاعد ... يتصاعد ... وعلى حافة
التنور ... صينية وقطع عجين ناضجة ... النار تخرج وتسلم على زوربا برقصة
الموت ...
أغمضَ عينيه ... تسمّر في مكانه ... أدخل رأسه بين ذراعيه ... وهزّ ذيله يمنة
يسرة كعقارب الساعة ... أنه يأن ... زوربا يأن ...
ومالي صحتْ يُــمّــه أحـّا ... جا وين أهلنا ؟
جا ويــــــــــــن ؟ ... جا وين أهلنا ؟
تراجع زوربا وأخذ نفساً عميقاً وترجل من الحائط ، وأخذ يسير في الأزقة
القريبة من المكان ، ويصيح بصوت مبحوح ، فيه بكاء الشوق ، ونداء الحب ، ولوعة
الفراق ...
ميــــــــــــــو ... ميــــــــــــو
ولج وينج ؟ ميـــــــــو
أم الفروخ وينج؟
ميـــو
يجول في الحارات ، يبكي ، يأن ، لا يقوى على حمل ذيله ، وعيونه تبحث في
الزوايا والثقوب ... خلف البراميل وتحت الأخشاب ...
وكلمن وليفــــه وياه
بس ولفي ضايع
ثم أتت رائحة !!!
ليست بالغريبة !!!
رائحة الحياة والموت ...
رائحة الجسد المسجى على رصيف بغداد !!!
كانت هناك ...
هناك ...
تنام بهدوء الموتى ...
بل ميتة بهدوء النيام ...
آهٍ حبيبي زوربا ... رحلتْ المسكينة قبل التحرير ... ماتت بغصّة الفراق
والظلم ... مطروحة على يمنيها كأنها قطعة أثرية ...
خاف زوربا من هذا المشهد ، أراد أن يتراجع ، لكن صوتها ظل في المكان يراوح ،
لم يبرح المكان ، وضعته أمانة الى حين قدوم زوربا ، لكن زوربا لا يريد أن
يبكي بعد التحرير ...
الصوت يناديه ...
: زوربا ... حبيبي ... أترككم في رعاية الله ... نموت ولا ندري متى الخلاص من
ظلم الأوباش ؟ ... حبيبي زوربا ... هل سترى الشمس التي حجبتها غربان البعث ؟
صرخ زوربا وتقدم ، بسرعة ، فتعثر ، قام ، تعثر ، قام ، وصل عندها ... كانت هي
... حبيبة القلب الراحلة ...
: تحرر الوطن يا حبيبة ... قد استعجلتي الرحيل ... هاهي الشمس !
كانت متيبسة ، كأنها خشبة ، قد خف وزن جثمانها ، وتطاير بعض الشعر منها ...
حملها زوربا وأخذ يمشي بها ...
الى مقبرة المدينة ...
في الطريق اجتمعت القطط خلفه ، تعزيه وتشارك في التشيع ...
قطط ٌ ، أرانب ، خراف ، ضفادع ، طيور ، حشرات ، ديدان ... تـُشيع فقيد زوربا
.
صار الموكب مهيباً والتحق به بعض المناضلين والسجناء السابقين ... من الذين
يعرفون زوربا ... ومحنة زوربا ...
وصلوا المقبرة ...
أسرعت الأرانب بحفر القبر ...
لم يُـنزل زوربا حبيبته من حضنه الشريف ...
أتاه الضفدع : ذوربا ... اثتحمل حبيبي ... كلنا على هه الدرب ...
قاطعه زوربا : أنت بالذات فـُـكْ من يا ختي ... امثي وَليّ ...
الكل صامتٌ ومتأملْ ومطأطأ رأسه ...
أنزلها قرب القبر وأخذ يتلو عليها ...
: اللهم هذه قطـّـتـُـك وبنتُ قطـّـتـُـك قد نزلت بك وأنت خير مُـنزل به ،
اللهم إنا لا نعرف منها إلا ّ ميوا ً ، فإن كانت ميوا ً فزد في ميواتها ، وإن
لم تكن ميوا ً ، فعرّف بينها وبين الميو ، اللهم جاف الأرض عن جنباتها وصَعّد
روحها الى أرواح السعداء من القطط الميامين في عليين وألحقها بالعتاوي
المبجلين ... آمين
قال صرصرٌ لصاحبه وهو يلعب بقرنه متأملا ً المشهد ...
: أكـَولك ... هذا زوربا لو السيد الخوئي ؟
ثم نودي بالصلاة جامعة ...
انسحب الصراصر على الفور ...
: يا صلاة عمي ؟ ... أحنه عايشين بالبلاليع
قال لهم الخروف : ولكم دتعالوا ... صلاة الميت مو شرط الطهارة ... خمس
تكبيرات وتخلص ... صلاة سفري ...
قيمت الصلاة وانزل الجسد الشريف الى اللحد بعدما غطوه بثوب من ثيابها وهالوا
التراب عليها بظهور أكفهم ... ثم رشوا القبر بالماء ووضعوا عليه جريدتين ...
الشرق الأوسط والزمان ...
وانتشر الحضور بعدما عزّوا زوربا ... وهو يجيبهم ...
: ماطول البلد بخير ... كلشي يهون .
***
مجلس القـُطـُـمْ !
بين الاضطراب المتولد نتيجة فراغ السلطة ، والفرح المتصاعد لشعب العراق بسقوط
الطاغية ، تولدت الحاجة الى لملمة هذا الوضع وتشكيل ركيزة داعمة لقيادة البلد
...
فجيش الجبناء قد تشتت وتبخر وصار شذر مذر ، وأركان الدولة كشفت انهيارها من
اللحظة الأولى ، ولم يبق طرطور واحد على كرسيه ، فقد هبت رياح الحواسم يا بو
قاسم ، وهبت رياح الهزيمة ... وطاش ما طاش !!!
زوربا _ باعتباره أحد المناضلين_ يتلقى دعوة من المندوب الأمريكي ، الهرّ
المدلل ( قطيمَـرْ ) ، لحضور اجتماع تداولي بشأن الوضع العام .
زوربا لا يتردد في تلبية الدعوة ويقرر الحضور ويطلب من قطيمَـرْ أن يرسل له
دبابة ! كي ما يحضر الى الاجتماع على ظهر دبابة ! .
تدخل الدبابة الى مكان الاجتماع بصوت زناجيلها وهدير محركها ، ويتأمل زوربا
من على ظهرها وجوه المدعوين ...
فيهم وجوه جميلة تتفاءل منها ، ووجوه تعِسة لعقول مفلسة ، ووجوه نورانية لقطط
عرفانية ، وغربان سوداء من مدن الصحراء ...
: ما يفعل هؤلاء ؟ غربانٌ يفكرون بمصلحة العراق ؟؟؟ قالها زوربا في نفسه ...
نزل زوربا وتصافح هو و قطيمَـرْ بالذيل وعرّفه على الحضور من أعضاء مجلس
القطم الذي تم تشكيله ...
• أقمط القطلبي ...
• سيد قطيط القـَطيم ...
• أبو أقمط القطفري ...
• قطقوط قطمان ...
• القاطباني ...
• القاطرزاني ...
• السيد قط القطوم ...
• قياط قطاوي ...
• السيدة قوط جوط قابوك... صاموت لاموط اللي يحجي يموت
• قارا قط الدين ...
• قميد مجيط ...
• المقمطاوي ...
• قطنان القاطجي ...
• موقط القطيعي ...
• يونادم كنه ( ليس بحاجة الى تغير ! ) ...
• قطير القاطرجي ...
وأسماء أخرى لأعضاء مجلس القطم الموقر ...
دخلوا الى صالة الاجتماع ...
كان قطيمَـرْ يبتسم ، وغيره يبتسم ، والبعض لا يبتسم ، وزوربا يتأمل في
الوجوه ... قال في نفسه المقدسة ...
: والله زمـــــــان ...
أين أصحاب الفكوك المعوّجة من أهل العَجَـلْ واليـابه ؟
أين الخراف التي كانت تهزّ برأسها للطاغية ؟
أين الجيف المنتفخة التي كانت تجلس فوق كراسي الحكم ؟
انظر الى هذه القطط الحلوة ووجوها البريئة وطلاقة لسانها ...
كل حال يزول ... وما يدوم إلا ّ وجه الكريم ...
بدأ قطيمَـرْ كلامه ... وقبل أن يخوض بالموضوع ، صرخ غراب من آخر الصالة !
: هذا ما يصير ... ما يصير ... العراق العظيم ... الشعب العظيم ... الأمة
العربية العظيمة ... فلسطين السليبة ... العراق البطل ... الـ....
قاطعه قطيمَـرْ : What are you talking about ?
: مِنْ فزلك اسكتْ ... خَـلـّيـكْ بالمَوزوء !
نعق الغراب على مجلس الحكم ... وصرخ ...
: هل العراق العظيم والشعب العظيم يقوده من عاش في الغرب الكافر ثم أتى على
ظهر دبا...
قاطعه زوربا على الفور ...
: لك اسكت ولك جايف ... مــو محترميك وجايبيك لهنا ... آني همْ جيت على ظهر
روح أبوك ... شنو ؟ اللي يصعد دبابة صار كخـّه ؟ لو منطيك مكان عليها جان مو
هيجي تحجي ...
وبعدين شنو ؟ عظيم وعظيم ... مو ابّهاتنا استلكـَوا من ورة هل الشعارات
الجايفة ...
صرخ الغراب وأراد أن ينعق مرة أخرى ، فصرخ به زوربا ...
: لكْ تسكت لو أجي أهلس ذيلكْ ؟ ها ؟
سكت الغراب ... وأكمل قطيمَـرْ ... والمترجم يترجم
: لابد من وضع قرارات هامة وتشكيل وزارت لتستلم شؤون البلد ، وعليه أرجو منكم
ترشيح قوائمكم لاستلام المناصب ...
انتعشت بعض القطط والغربان لهذا العرض ، ومسحوا على شواربهم ، وتلمسوا ذيولهم
، وعلت على رؤوسهم خيالات من أكوام الدولارات !!!
... إنه حـُكم العراق ... حـُكم العراق ...
اقترب أحد الهرر من زوربا وهمس في أذنه ...
: أنتَ مو ابنك كـَاعد عطـّال بطـّال ؟
: إي وشنو ؟
: رشحه ... وزارة ... مدير عام ... مسؤول مكتب ...
التفت اليه زوربا بعدما نتف شعرة كانت قرب أنفه تزعجه ، وقال له : ولك شايف
هاي الشعرة الصغيرة ؟ الله والزمن راح يحاسبنه عليهه ، خلوّا الله بين عيونكم
، مو البزازين البرّه تعبانة ... وكل الحيوانات تريد يصير خير للوضع ...
وعيونهم عليكم ...
طلب أحد الحضور أن يـُـأجل الاجتماع لدخول وقت الصلاة ! وحيل الموضوع الى
تصويت الحضور برفع الذيول !
قال زوربا : يعني مولانا أنت أبو الصلاة , الدنيا برّة محروكـَه حركك ،
والناس تنتظر لحظة لحظة ، وحضرت جنابك تريد يتوقف الاجتماع ؟ ... دروح صليّ
وحدك ... لو خايف تتوزع المناصب وما يبقـه لربعك مكان ؟ روح صلــّــــــي ...قبل
أن يُصلىّ عليك !
ما بين مخلص ٍ لوطنه ووفيّ لبني جلدته ... وما بين متصيدٍ في الماء العكر ...
وانتهازي يريد أن يوقف عجلة الحياة ... دارت مشاورات ومشاورات ، وتم الاتفاق
على صيغة لتأسيس قيادة للبلد ...
خرج السادة الأعضاء من الاجتماع لتناول وجبة طعام ، فتقدمت الحماية ! حماية
الأعضاء ، وكلٌ يلف ذيله حول سيده ويدور حوله .
كان الطعام من أفخر الطعام فرفض البعض من العرفانيين الأكل تأسياً بالقطط
الجوعى على قارعة الطرق ، والأرانب المتسكعة في الشوارع .
أخذ زوربا قطيمَـراً الى زاوية بعيدة عن العيون والكاميرات وخاطبه ...
: اسمع مني أيها الهرّ الأمريكي ... لست ممن يبحث عن سلطة أو جاه ، ولست ممن
يعارض وضعكم وما تفعلون ، أنا قط ٌ حر ٌ مستقل ، أريد أن أنهي ما تبقى من
حياتي وسط الحارات والبراميل ، بين القطط والعتاوي ، أعيش كما يعيشون ، وآكل
مما يأكلون ، أريد أن أكون كما كنت قبل نزوح البعث على حاراتنا ، لا حاجة لي
الى منصب ميوي ، أو كرسي أتخربش منه ، أو برميلٍ دبل فاليوم ، دعني أعيش
زوربا ... زوربا... ومشكورة ومباركة جهود كل القطط والعتاوي والهرر والهرّات
من الذين يسعون الى عراق أفضل ... ولكن حذاري ... اسمع قطيمَـرْ ... حذاري من
الغربان السود ... فلن يبني الغراب يوما ً عشـّـا ً لعصفور ٍ هدّه إعصار
البعث .
هزّ قطيمَـرْ رأسه ولفّ ذيله وجمعه تحته ، واحتضن زوربا وقبـّـل ما بين عينيه
، وشيعه الى الباب وعاد الى مجلسه .
خرج زوربا وأخذ يتمشى في حاراته القديمة وهو يدندن ...
سلامات ... سلامات
شعبي سلامات
ويّه الرايح ويّه الجاي
أبعث سلامات
راحت أيام الجور
راحت سلامات
***
وملامات ... ملامات
ما ظل ملامات
من راحوا الويلاد
ما ظل ملامات
***
والمواويل ... تحلـه المواويل
عكـَبك يا بو عداي
تحلـه المواويل
***
وقناديل ... تضوي القناديل
صبح ومسه يهواي
تضوي القناديل
من فطسوا العوجان
تضوي القناديل
***
وبساطيل ... بساطيل
جتيّ البساطيل
وانهزمت العربان
من جتيّ البساطيل
***
وجلاليق ... جلاليق
شبعَـوا جلاليق
كل الرفاق اليوم
شبعَـوا جلاليق
***
وبواسير ... بواسير
صارت بواسير
عند الرفاق السود
صارت بواسير
من طالتْ الكـَعدات صارت بواسير
***
وسلامات ... سلامات
شعبي سلامات
***
ســُُـنــبــل
يعود زوربا الى برميله الذي اختاره بين حارات باب الشيخ ، ويضطجع فيه على
أكوام القمامة الشهيّة !
لقد ارتفع منسوب البراميل الى مستويات لا بأس بها بعد التحرير ، فلعل زيادة
مدخولات الشعب وارتفاع القدرة الشرائية كان رحمة بالقطط أيضا ً . كان زوربا
يتمزمز ببقايا سمكة حين سمع صوت خربشة خارج البرميل ! وإذا المنادي ينادي من
مكان قريب ...
: يابــــه ... بويـــه ... ميو ... نايم لو كـَاعد ؟
طفر زوربا برشاقة ، واستقر على حافة البرميل ليرى ولده سنبل في الخارج . كان
سنبل يجود بذيله على الأرض ويتأمل خفة والده ورشاقة طفراته وهو بهذا العمر ،
فطلبه الى الحديث خارج البرميل ... ذهب الوالد والولد في عتمة الليل الى
جايخانة خداداي مقابل سينما فردوس الخالدة التي أغلقها البعث المجرم ،
واستقرا تحت أحد القنفات الخشبية الأثرية من زمن فتاح باشا !
كان سنبل خجلا ً ومرتبكا ً يتردد في طرحه! حتى لملم نفسه وصارح أباه ...
: يابـه ... أكو بزونـه عاقلة وبت عتاوي أشراف وهوايـه عاجبتـني ! وتدري آني
صار بيّــه جفاف طول هالمُدة ... والحمد لله خلصنا من البعثية المجرمين ،
وبلكي أتزوج وافتحلي برميل لو ختله ورة خرابة واستقر ، فأريدك تخطبها من
أهلها .
دمعت عيناه روحي فداه وأخذ نفسا ً عميقا ً وترحم على زوجته وهزّ رأسه
بالإيجاب . بعدها أغلق عينيه وغار في خيال بعيد .
: شوف ابني ، باجر تروح للوكـَفة مال الفيران وتشتري زوج فيران هرفيات من سيد
راضي ، وتاخذ الفيران وتذبهه جوّة برميل عمّك وتخبره إنه العصر راح نجيهم .
طار سنبل من الفرح وقبـّـل يدي والده وتمرغل أمامه على ظهره وزوربا يداعبه
بكفه الشريف .
وصلت الفيران ووصل الخبر الى بيت العم ، فطارت الدنفش من الفرح وأسرعت الى
أمها بثرثرتها الرهيبة ...
: يُوم ... ميو ... ر
|