|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
6 تشرين الثاني 2005 |
|
استقالة المنهج في كتاب
[ الوهابيون والعراق ]
للدكتور رسول محمد رسول
كتابات - د.وليد محمود خالص *
وكأنّي أنظر إلى ما قرّره الدكتور محمد عابد الجابري في كتابه [ تكوين الفكر العربي ] من [ استقالة العقل ] في بعض مراحل الثقافة العربية وهي تؤسس لنفسها منهجاً فكرياً تتبعه يقوم على الحدس والتخمين والإلهام في مقابل العقل، وإن كان ما قرّره الدكتور الجابري محتاج إلى وقفات، فكذلك كتاب د. رسول محمد رسول محتاج هو الآخر إلى وقفات، ومن هنا [ استعرت ] كلمة الاستقالة لأطلقها على المنهج العلمي الواجب اتباعه، والسير على هداه وخصوصاً في تلك الدراسات التي يكتبها حملة الدرجات العلمية العالية لئلا يختلط الحابل بالنابل، والشوك بالشجر، وتنتهي القضية إلى أمشاج من العلم والإعلام والدعاية مما يقدم صورة ضبابية توحي للمتلقي الاعتيادي أنها الحقيقة وهي أبعد ما تكون عنها، ومردّ ذلك كله البعد الواضح عن المنهج الذي يفترض الموضوعية، والاستقصاء، ونبذ الآراء الجاهزة، والافتراضات التي تبنى عليها نتائج خطيرة في حين لم يحفظها مصدر معتبر، مع دراسة وافية للمصادر ومعرفة مقدار وثوقيتها، ومرجعية أصحابها الفكرية والعقدية إلى آخر ما يقول به المنهج الذي ولّد في حال تطبيقه تلك الدراسات الرصينة الناضجة التي ما تزال حية تعاند الزمن رغم قدمها، وظهور تيارات وأفكار جديدة؛ لأن سبب بقائها نابع من منهجها الرصين الذي يقرأ، ويحاكم، ويقبل، ويرفض ملتزماً بدقائق المنهجية مبتعداً عن الضجيج الإعلامي، والأضواء الزائلة التي تمنح بريقاً خلََّباً سرعان ما يذوى ويتلاشى. وأقول هذا الكلام ليس انتقاصاً من جهد د. رسول محمد رسول فليس بيننا من خلاف سابق، أو موقف نؤاخذ عليه، ويكمن الخلاف في هذا الكتاب وحده، وهو خلاف فكري بحت ليست له أبعاد أخرى، والقضية ببساطة أنّه كتب ونشر فأصبح ما كتبه ملكاً للآخرين أكثر مما هو ملكه كما يقرّر أستاذي علي جواد الطاهر تغمده الله برحمته، وما دمت قد قرأت، وبذلت الجهد في القراءة، وكوّنت رأياً فمن حقي أن أكتب وهذا ما يقرّره أيضاً الأستاذ العقاد في إثبات حق النقد للقارىء سابقاً، وما أفاضت به نظرية التلقي في مفاصلها المهمة حاضراً. جعل المؤلـف [ إضـاءة: أينما وردت كلمـة المـؤلف في هذا البحث فيراد بها د. رسول محمد رسول صاحب الكتاب ] كتابه في قسمين كبيرين سبقتهما مقدمة. ضمّ القسم الأول فصلين اثنين، بينما احتوى الثاني أربعة فصول، ولعلّه يريد بـ [ القسم ] هنا ما اصطلح عليه في منهج البحث بـ [ الباب ] الذي يضمّ فصولاً تزيد وتنقص وفق حاجة البحث، والمادة العلمية المجموعة له، المهم أن المؤلف اختار كلمة [ القسم ] ليشير إلى أن كتابه ذو قسمين كبيرين تحتهما مباحث، وستنضوي الملاحظات التي رأيتها على الكتاب تحت نوعين اثنين، أولهما: ملاحظات عامة تنتظم الكتاب كلّه وهي أشبه بالظواهر، وثانيهما: ملاحظات جزئية لا تتضح إلا بربطها في سياق المكان الذي وردت فيه. وسأبدأ بالنوع الأول. تمكن الباحث من رصد ثلاث ظواهر تنتشر انتشاراً واضحاً في الكتاب، ويعتمدها المؤلف كآليات عمل لا ينفك عن الرجوع إليها، والاتكاء عليها دوماً، وهي التي عملت عملها في خلخلة المنهج، والتوقف بعدها عن الركون إلى النتائج التي توصل إليها، وهذه الظواهر هي: 1- المصادر: من المعروف أن المصادر هي عماد أيّ بحث منهجي مع نقاط تفصيلية داخل هذه الكلمة الكبيرة وهي [ المصادر ]، منها استيفاء الباحث قدر الطاقة لمصادره، ونوعية هذه المصادر، أهي أصيلة أم وسيطة، والمعرفة الدقيقة بصاحب المصدر: عقيدته، وجهته الفكرية، قربه أو بعده عن الحدث المدروس، هذه كلّها تشكل عوامل هامة في الثقة بمصدر ما، أو ترك الثقة به، وفوق ذلك كلّه كيفية تعامل الباحث مع المصدر نفسه وطريقة اجتزائه النصوص منه، وقد لمسنا خمس حالات واضحة في تعامل المؤلف مع مصادره جانَب فيها الأسس المنهجية الرصينة، الأولى أنه يغفل إغفالاً واضحاً مجموعة من المصادر كان عليه أن يعود إليها وهو بصدد الكتابة عن [ الوهابيين والعراق ] إذ يعتمد مثلاً سبعة كتب ورسائل لسبعة مؤلفين تحت ما يطلق عليه [ نسق التمثيل النقدي ]، وهذه الكتب والرسائل هي: - منهج الرشاد لمن أراد السداد. جعفر كاشف الغطاء. - مطالع السعود بطيب أخبار الوالي داود. عثمان بن سند البصري. - عيون المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد. إبراهيم الحيدري البغدادي. - المنحة الوهبية في الرد على الوهابية. داود بن جرجيس. - الفجر الصادق في الرد على منكري التوسل والكرامات والخوارق. جميل صدقي الزهاوي. - الرد على الوهابية. محمد جواد البلاغي. - رسالة نقض فتاوى الوهابية وردّ كلية مذهبهم. محمد حسين كاشف الغطاء. ومعلوم أنّ ما كتب في الردّ على الوهابية كثير جداً نستطيع إحصاء أكثر من خمسين كتاب ورسالة في هذا الموضوع، ولكنّنا نقدم ثبتاً ينقصه الاستقصاء الكامل يتضمن بعض الكتب والرسائل التي أغفلها المؤلف وهي لمؤلفين عراقيين، ويتضمن الثبت الأسماء الآتية: - البراهين الجلية في دفع الوهابية. للعلامة الحائري. وهو مطبوع. - التحفة الوهبية في الرد على الوهابية. للنقشبندي. وهو مطبوع. - المشكاة المضيّة في الرد على الوهابية. علي بن عبدالله السويدي. وهو مطبوع. - صلح الأخوان في الرد على مَنْ قال على المسلمين بالشرك والكفران في الرد على الوهابية. داود النقشبندي. وهو مطبوع. - الآيات الجلية في ردّ شبهات الوهابية. مرتضى كاشف الغطاء. وهو مطبوع. - الأوراق البغدادية والجوابات النجدية. إبراهيم الراوي. وهو مطبوع. - صدق الخبر في خوارج القرن الثالث عشر. عبدالله الفضلي. وهو مطبوع. - المواهب الرحمانية في الردّ على الوهابية. أحمد بن داود النقشبندي. وهو مطبوع. - منشأ كلمة الوهابية. أحمد بن علي الكاظمي. وهو مطبوع. - الصواعق والرعود في الردّ على الوهابية. عبدالله بن داود. وهو مخطوط. فهذه عشرة كتب ورسائل يغفلها المؤلف وكان من الممكن أن تغني كتابه، وتقدّم له من الأيادي الشيء الكثير، وقد تمكنت من الوصول إليها بعد مراجعة سريعة لبعض ما يسمى في علم المنهج بـ [ الكتب المفاتيح ]، ومن المؤكد أن كتباً أخرى قد فاتتني إذ لست هنا في مجال الاستقصاء الكامل كما ذكرت، ولعلّ مردّ هذا الإغفال إلى التعجّل، وهو عدوُّ البحث العلمي اللدود، ومما يضاف هنا أن الكتابين الثاني والثالث في مسرد المؤلف لم يؤلفا خصيصاً للردّ على الوهابية بل جاء الحديث عنها ضمن مباحث الكتاب الكثيرة التي هي أقرب إلى التاريخ والسيرة الغيرية منها إلى الردّ الكلامي كما هو الحال في الكتب والرسائل الأخرى. وتتمثل الحالة الثانية في سرد المؤلف حوادث تاريخية هي بحاجة ماسّة إلى توثيق ابتغاء الوصول إلى نتائج يريد إثباتها مهما كانت الوسيلة، ولكنّه يلقيها هكذا بلا مصدر يسندها، مثال ذلك الصفحات الآتية: 32-33، 36-37، 41-42، 65-66، 72-73، 75-76، 80-81، 95-96، 98، 102، 137 وغيرها، وأودّ أن أقف عند موضعين فقط من تلك المواضع الكثيرة لتجلية هذا الموضوع المهم، يقول مثلاً في ص40: "تعود نشأة الوهابية التقليدية في العراق إلى الفترة التي كان فيها الشيخ محمد بن عبدالوهاب مقيماً في مدينة البصرة... في هذه المدينة وجد الشيخ الماء والخضراء، ووجد أيضاً من الناس من اهتم بحاله كضيف قادم من مكان آخر"، ويستمر على هذا المنوال في وصف حياة الشيخ في البصرة بمقدار صفحة ونصف بلا أي مصدر يرجع إليه مع أن المادة تاريخية صرفة، ولا يفوتنا التعريض الذي يرد في سياق كلامه عن الماء والخضراء، ولا ينقصه سوى الوجه الحسن الذي أضفناه من عندنا، فمادامت الأمور تجري هكذا فلتعمل الزيادة عملها، وليشتغل جهاز النقصان فليس من ضابط هناك مادامت المصادر غائبة. ويقول في ص95: "في كلّ هذه المناصب العلمية القيادية التي تدرّج فيها كان الآلوسي – يقصد محمود شكري – يدعو إلى المنهاج الوهابي في قراءة العقيدة الإسلامية، وأمسى ذائع الصيت في هذا المجال. كان أنموذجه الشيخ محمد بن عبدالوهاب، وكتابه المفضل بعد [ القرآن ] هو كتاب [ التوحيد ] للشيخ الوهابي، وكان كلما يذكر هذا الشيخ يقول: رضي الله عنه، وقد تمكن من التعبير عن هذه التبعية المذهبية أو الفرَقية الغريبة على المجتمع البغدادي من خلال مسارين"، ثمّ يذكر المسارين، هكذا بلا مصدر، وقولته عن الآلوسي إنَّ كتاب الوهابي كان المفضَّل لديه، وإنه يترضّى عليه، أقول إن هذا محتاج إلى مصدر، أو إلى معاصرة وسماع مباشر، ولم يتحقق هذان الأمران فكيف نصدّق؟ أمّا الحالة الثالثة فهي تكراره قولة: "... حيث أشارت المصادر" [ ص56 ] و"إذ ذكرت المصادر" [ ص57 ]، وهي تفيد وفرة في المصادر التي ساقت الحادثة التاريخية التي يودّ الحديث عنها. وعند الكشف عن إحالاته نتبين أن هناك [ مصدراً ] واحداً فقط، فلماذا هذا التكثر غير الواقعي للمصادر؟ أهو لإيهام القاريء أن ما يقدّمه من مادة تاريخية هي مادة موثقة مع أنها ليست كذلك؟ ونلمـس الحالـة الرابعة في تعامل المؤلف مع [ المصادر ] فيما نستطيع تسميته بـ [ الانتقائية ]، فهو يتبنّى رأي [ المصادر ] التي وقفت على الضدّ من الوهابية بسرعة وبلا أدنى تمهّل، بينما يسارع ليتهم [ مصادر ] الوهابية بـ [ التحامل ] و [ محاولات التجميل ]، ومعلوم أن الباحث المنهجي في أمثال هذه المواقف الحساسة يلتزم الحذر الشديد في قبول أو رفض أي من الروايات وذلك بالموازنة بين ما ورد في المصادر جميعها مع محاولة الاجتهاد للخروج بنتيجة متوازنة هي أقرب إلى الحقيقة، وإن كانت الحقيقة الكاملة بعيدة المنال، والغريب أن المؤلف يتهم الشيخ محمد بهجت الأثري باعتماده [ النزعة الاصطفائية ] [ ص110 ] في قراءة التاريخ، ويستنكر على محمد بن عبدالوهاب من أن "تعامله مع المراجع كان تعاملاً انتقائياً واصطفائياً متطرفاً" [ ص122 ]، مع أنه يقع مثلهما – مع الأسف – في هذا الأمر، وسأقف في موضع لاحق عند هذا الأمر، وأكتفي هنا بالإشارة إلى الصفحات الآتية التي وقع فيها هذا الاصطفاء: ص47-48، 69، 101، 122، 141، وغيرها، وسأقف عند شاهدين اثنين لهذه الحالة، أولهما ورد في ص47-48 وهو قوله: "لا نريد أن نذهب أبعد من معطيات الروايات التاريخية التي وصلتنا وأكثرها موثوق به؛ لأن كل الوقائع ليست غائرة في القدم، إنما هي قريبة، ووصلت إلينا في نصوص تاريخية على رغم أن بعض مؤرخة الوهابية أنفسهم حاولوا تجميل الوقائع بتجميل النصوص الواصلة إلينا إلا أن تنوع المصادر كان غالباً ما يفضح أكثر عمليات التجميل حنكة تلك التي جرت على النصوص من خلال تخفيف حدة بعض الكلمات الواردة في متون الوهابية الرئيسة أو نصوص الروايات التاريخية الخاصة بها"، أتفق مع المؤلف في ضرورة التوقف عند معطيات الروايات التاريخية، وليته فعل هذا، غير أنه سارع إلى توثيق تلك الروايات بلا إعمال منهج التوثيق الذي يعتمد نقد الخبر داخلياً وخارجياً، والتثبت من المصدر الذي نقله، بينما يسارع مرة أخرى إلى إلغاء عمل [ مؤرخة الوهابية ] الذين حاولوا تجميل الوقائع، راح بعدها يوهمنا أنه اطلع على [ متون الوهابية الرئيسة ]، وعند التفتيش والتنقيب لم نجد سوى مصادر ذات اتجاه واحد تعتمد الانتقائية التي أشرنا إليها، وثاني الشاهدين هو نقده اللاذع لكتاب محمود شكري الآلوسي [ المسك الأذفر في تراجم علماء القرن الثالث عشر ] الذي يصفه بأنه "موسوعة لعدد غير قليل من المثقفين العراقيين كتب عنهم الآلوسي مؤرخاً لحياتهم وأعمالهم وأدوارهم الفكرية والثقافية والدينية والسياسية" [ ص101 ] غير أنه يستدرك قائلاً: "ومن المعلوم أن الكتابة في هذا النمط من التآليف تفترض الموضوعية، هكذا فعل ابن النديم عندما كتب [ الفهرست ]، وهكذا فعل ابن أبي أصيبعة عندما كتب [ عيون الأنباء في طبقاء الأطباء ] قديماً، وهكذا فعل الزركلي في كتابه [ الأعلام ] حديثاً، أما الآلوسي فأبى إلا أن يمارس دوراً مذهبياً – طائفياً حتى في أعماله الببلوغرافية مثل المسك الأذفر"، ثم ينقل قسماً من ترجمة واحدة هي للشيخ عبدالله السويدي، ويترك الكتاب كله الذي يقع بـ [ 450 ] صفحة في إحدى طبعاته، وقد أدخلت [ الانتقائية ] المؤلف في مداخل صعبة، إذ هو يحاول الخوض في بحر خضمّ من بحور الثقافة العربية الإسلامية هو [ علم التراجم ] الذي بدأ الاهتمام به مبكراً في عمر الثقافة العربية الإسلامية، وهو يوهمنا هنا مرة أخرى أنه قد قرأ تلك الكتب الثلاثة قراءة انتقادية وتوصل إلى تلك النتائج، وإلا فما معنى الموضوعية التي يدّعيها لتلك الكتب وهي مختلفة في أهدافها، ومناهجها، وطرائق تأليفها، يعرف هذا مَنْ له مساس ضعيف بمصادر التراث العربي، فالفهرست كما يشير اسمه مسرد عام للكتب، والرسائل التي وضعها العرب وغير العرب إلى عصر المؤلف، وكتب عنه المستشرقون والباحثون العرب مباحث كثيرة في نقده، أما كتاب ابن أصيبعة فهو في [ تراجم الأطباء ] وحدهم، وقد أغفل جمهرة منهم كانوا قبله أو من معاصريه مما حدا بالدكتور أحمد عيسى وهو يؤلف معجمه [ معجم الأطباء ] أن يشير إلى هذا الأمر لأنه أراده [ ذيلاً ] لكتاب ابن أبي أصيبعة فهل نعتبر هذا الإغفال مؤكداً للموضوعية أم نافياً لها؟ أما أعلام الزركلي فله خبر آخر، فقد تناولته أقلام الباحثين بالنقد والتصويب، ووصل الأمر بالأستاذ المدقق أحمد العلاونة أن ينهد إلى تأليف كتاب كبير الحجم عظيم الفائدة في هذا الموضوع سماه [ نظرات في كتاب الأعلام ] يقع بـ [ 277 ] صفحة من القطع الكبير تعقّب فيه الزركلي رحمه الله، وبيّن جوانب من أوهامه، وعثراته، ولا أريد الإطالة في هذا الموضوع فهو متشعب المسالك، وعر المخارج، يعرف دارسه أن كتب التراجم تفصح عن مواقف مؤلفيها، واتجاهاتهم الفكرية، وليس الآلوسي بدعاً في هذا، وإلا ماذا نقول في تلك الكتب التي جعلها أصحابها لمذهب واحد كطبقات الحنفية، أو الشافعية، أو الحنابلة، وماذا نقول في [ أعيان الشيعة ] و [ طبقات المعتزلة ]، و [ معجم علماء الإباضية ]، إن الدارس المنهجي حين يترك [ الانتقائية ] وينظر بعين [ الموضوعية ] إلى تلك الكتب سيجد فيها أشياء وأشياء، وهو مما لم يفعله المؤلف فأدخل نفسه في تلك المداخل الضيقة وكان في مندوحة عنها. أما الحالة الأخيرة وهي الخامسة في تعامل المؤلف مع المصادر فتظهر في اعتماده على [ مراجع ] وسيطة للتدليل على رأيه، وقامت تلك المراجع بالإحالة إلى المصادر التي كان من المفترض بالمؤلف أن يكون قد اطلع عليها أو قرأها. وهذا ما يصطلح عليه بـ [ حجاب المرجع الوسيط ] ومن مظاهر هذا الحجاب سلطة المرجع الوسيط في توجيه المؤلف إلى قراءته الخاصة المستمدة من رؤية المرجع نفسه لا من رؤية المصدر الأصلي بالإضافة إلى الانتقائية التي يعتمدها المرجع الوسيط – وهذا شأنه – في اجتزاء النصوص مما يشكّل غياب الصورة المتكاملة التي أراد المصدر رسمها للحدث بلا ضغوط من سلطات أخرى. مثال ذلك: ص54، ص80، ص95، ص98، ص132، 139-140، ص191 [ إحالة رقم 31 ]، وسأتوقف عند ثلاثة شواهد على هذه الحالة، الأول تلك المجزرة المريعة التي قام بها الوهابيون حين استباحوا مدينة كربلاء سنة 1802، فنرى المؤلف ينقل عن كاتب روسي هو فاسيلييف تفاصيل تلك المجزرة ويأتي في سياق الوصف قوله: "... لأنهم – الوهابيين – يعتقدون بأن الحجر الذي بنيت منه القباب مصبوب من ذهب ويضيف نقلاً عن [ منجين ] أن الوهابيين حصلوا على سيوف مرصّعة..." [ ص54 ] إلى آخر الوصف، فمن هو [ منجين ] الذي ينقل عنه فاسيلييف؟ وما اسم كتابه أو دراسته؟ إنّ هذا كلّه لم يكن في حسبان المؤلف، بل القصد هو نقل المشهد وكفى. أما الثاني فقد ورد في ص80 حين يقول المؤلف: "... ولكن السيد نعمان – الآلوسي – كان قد وضع كتاباً نشر في مصر عام 1880 عنوانه [ جلاء العينين في محاكمة الأحمدين ] وهو كتاب حواري، وكان يقصد بالأحمدين: أحمد ابن حجر، وأحمد بن تيمية على ما يقول عبدالعزيز نوار"، ويحيل إلى كتاب د. عبدالعزيز [ تاريخ العراق الحديث ]، وهذا يعني أن المؤلف لم يطلع على كتاب جلاء العينين بنفسه كي يتثبت من وصف د. نوار له بل اكتفى بالمرجع الوسيط، وهو غير جائز في المنهج العلمي. أما الشاهد الثالث فهو يلخص تماماً ما سقناه سابقاً من قضية تعامل المؤلف مع المصادر، وذلك حين ينقل نصاً من كتاب [ مطالع السعود ] لعثمان بن سند وهو قوله: "لقد صنّف في مناقب ابن عبدالوهاب من مال إلى الباطل... وتداول كتابه هذا أراذل، لا يفرقون بين القويم والمائل... لم أر الكتاب بطرف، ولم أود أن أسمع عنه حرف، ولكن نقل إليّ من لا أتهمه في دينه ونقله... أنه كتاب اشتمل على قبائح ومعايب على أهل الإسلام... [ ص139 ]، يبني المؤلف على نصّ عثمان بن سند نتائج ونتائج بيد أنه لم يلتفت إلى الخطأ المنهجي القاتل الذي ارتكبه عثمان بن سند من إهماله قراءة [ الكتاب ] معتمداً على السماع وحده، راح بعده يكيل ما يكيل من الأوصاف، ولست معنياً هنا بالدفاع عن أحد بقدر رغبتي في قيام المؤلف بتصحيح خطأ عثمان بن سند، والإطلاع بنفسه على الكتاب فضلاً عن كتب محمد بن عبدالوهاب الأخرى، ولو فعل هذا لاعتدل الميزان، وجاءت الأحكام أكثر قرباً من الصواب، ولكن للمؤلف انشغالاته الأخرى التي ليس من ضمنها هذا الانشغال. 2- الافتراض وبناء النتائج عليه: هذه هي الظاهرة الثانية التي تنتظم الكتاب وهي من أخطر المشاكل التي تصيب مقتلاً في المنهج العلمي، ويلجأ الباحث – أيّ باحث – إلى الافتراض حين تعوزه المصادر، أو القرينة الواضحة الدالة، عند ذاك يلجأ إلى الافتراض والتخمين، وربما شطح به الخيال فتصوّر أموراً لم تقع، وحمّل النصوص مالا تحتمل، ولوى أعناق تلك النصوص لتنقاد له وربما أدّى هذا الليّ إلى الكسر الذي لا انجبار بعده، وقد كثر هذا الأمر في الكتاب منذ صفحاته الأولى مثال ذلك، ص28، ص85، ص92، ص68، 85-86، 91-92، ص94، ص103، ص117، ص158، وغيرها، ويكمن الخلل المنهجي الواضح في هذا الموضوع حين يرتب المؤلف نتائج غريبة على هذا الذي افترضه محاولاً بهذا كلّه إضفاء طابع من الاتساق والانسجام على مقدماته فنتائجه، والاتساق والانسجام أمران مطلوبان في منهجية البحث تشيران إلى مهارة الباحث وقدرته على التلقّي الذكي للنصوص، وبعد هذا تنظيم هذه النصوص وفق عمليات تراتبية تؤدي إلى النتائج المستقاة من النصوص نفسها، أمّا النتائج المبنية على الافتراض فتفتقر إلى هذا كله إذ سرعان ما تنهار لأنها كانت أشبه بـ [ مدن الملح ]، مثال ذلك ما جاء في ص92 حيث يقول: "ما أريد أن أصل إليه هنا أن علاقة متينة بين الشيخين تبقى رهن ما هو افتراضي، ولكن افتراض علاقة مذهبية – مرجعية بينهما هو أمر مرجّح لديّ، علاقة فكرية عن بُعد تأثر بها الشيخ السويدي بفكر شيخ الدرعية ولمشروعه الديني، وتواصل معه عبرها من دون لقاء معلوم"، والشيخان المقصودان في النص هما عبدالله السويدي ومحمد بن عبدالوهاب، ويلحّ المؤلف في مواضع أخرى في سبيل إثبات علاقة، أيّ علاقة من نوع ما بين السويدي وعبدالوهاب ليقدم بالاستناد إلى هذه العلاقة نسباً موثوقاً به لتاريخ دخول الوهابية إلى العراق، وحين أعوزه الدليل الواضح لجأ إلى [ افتراض ] علاقة مذهبية – مرجعية بينهما على حدّ قوله مع أن الحقائق التاريخية تضعف هذا الافتراض، فقد ولد السويدي سنة 1692، وتوفي سنة 1760، وولد محمد بن عبدالوهاب سنة 1702 وتوفي سنة 1791، أي إن السويدي توفي قبل وفاة شيخ الوهابية بنحو خمسة وثلاثين عاماً" [ ص86 ]، كما يقول المؤلف وهذا يجعل من قبول فكرة التأثر صعبة للغاية، كما إن الرواية التي تذهب إلى أن عبدالوهاب قد زار بغداد رواية يعتورها الشك، [ ينظر ص69 ] يضاف إلى هذا أن بغداد وهي تحت الحكم العثماني كانت تعيش مناخاً معادياً تماماً لدعوة الشيخ عبدالوهاب، فلم يكن بمكنته أن يفعل شيئاً وإلا سيكون مصيره كمصيره في البصرة، وهذا يؤكد أن السويدي نفسه وهو المقرب من الوالي العثماني لم يكن له أن يعتنق فكراً أو عقيدة هي على خلاف عقيدة أو فكر الحاكم، ومما يعزّز هذا الرأي ما رأيناه في المسرد الذي قدمناه آنفاً، وفيه أن واحداً من الكتب التي ألفت في الرد على الوهابية كان لعلي بن عبدالله السويدي وهو [ المشكاة المضية في الرد على الوهابية ]، ولعلّه ابن عبدالله السويدي نفسه، مما يعني أنَّ [ العائلة ] كانت مشغولة بهذا الطاريء الجديد على المجتمع البغدادي فقابلته بالتحفّظ والنقد لا بالاحتضان والتبني كما حاول المؤلف أن يصل إليه، وما يدعم هذا الرأي ذلك الردّ الشديد الذي جوبه به كتاب [ التوحيد الذي هو حق الله على العبيد ] لمحمد بن عبدالوهاب حين وصل إلى بغداد مصحوباً برسالة من الأمير عبدالعزيز بن محمد بن سعود، فقد كلَّف الوالي سليمان باشا الكبير أحد علماء بغداد وهو الشيخ عبدالله أفندي الراوي بالرد عليه، فقام بالمهمة خير قيام، [ ينظر الدولة السعودية الأولى، د. عبدالرحيم عبدالرحمن، 1/192 ]، مما يؤكد أن السويدي وغيره من علماء بغداد كانوا يدورون في فلك هو بعيد جداً عن فلك الوهابية ودعوتها الوافدة إليهم. ونكتفي بالشاهد الآتي على هذا الموضوع وهو قول المؤلف [ ص103 ]: "وكان اختيار الباب العالي للآلوسي كرسول إلى آل سعود فيه مقصد كبير، فالآلوسي صاحب حظوة لدى آل سعود لأن الأول كان قد تماهى مع عقيدة الوهابية التي تبناها آل سعود تباعاً، مما يعني أن دعماً معنوياً ومادياً أخذ ينهال على السيد محمود إكراماً له من آل سعود لمضيه قدماً في ما يريده الوهابيون وساستهم في نجد لنشر وتصريف الدعوة الوهابية بالعراق"، ومن الواضح أن المؤلف يعرّض هنا بالآلوسي تعريضاً بعيداً عن المنهجية، ومردّ هذا إلى [ الافتراض ]، فمادام الآلوسي يؤمن بمذهبهم فلابدّ من أن يعطوه، ولي على هذا [ الافتراض ] ذي الخيال الجامح ثلاثة ردود، أولها إن الأمراء السعوديين في ذلك الزمن الذي تمت فيه الوساطة وهو سنة 1914 لم يكونوا بذلك الثراء المعروف عنهم اليوم، إذ حتى عام 1930 لم يكن لهم من الموارد سوى تلك الغزوات المتكررة خارج الحدود بالإضافة إلى ما يجنونه في موسم الحج، حتى بدأ التنقيب عن البترول الذي ظهر سنة 1938 [ ينظر تفصيل هذا في لمحات اجتماعية، د. علي الوردي، ملحق 6/348، وما بعدها ]، ولهذا فلم يكن لهم ما يعطونه لا للآلوسي ولا لغيره، وثاني الردود هو إنَّ د. علي الوردي في كتابه لمحات اجتماعية، 4/101 وما بعدها مع مصادره يجمعون على أن تلك الوساطة التي قام بها الآلوسي قد فشلت فشلاً ذريعاً بسبب تكويـن الآلوسي العلمي الـذي يفتقر إلى الدبلوماسيـة، وبهذا الصدد يقول د. الوردي: "ويخيل لي أن إرسال الآلوسي لمفاوضة ابن سعود كان كمثل إرسال أبي موسى الأشعري لمفاوضة عمرو بن العاص عقب معركة صفين". [ 4/103 ]، كما لم يرد أي ذكر في تلك المصادر لدعم مادي انهال على الآلوسي حسب تعبير المؤلف، والسبب معروف يجيء على هيئة سؤال هو: لماذا يعطون الآلوسي أيّ شيء والمهمة نفسها قد فشلت؟ وثالث الردود هو الوصف الدقيق الذي حفظه لنا العلامة انستاس ماري الكرملي لصديق عمره محمود شكري الآلوسي الذي كان مطلعاً إطلاعاً قريباً على أوضاعه اليومية. يقول الأب انستاس: "... ومما دلّ على تدينه وزهده أنه كان يأكل فقط ما يسد به الرمق ومن الأكل البخس الثمن، وكان لا يلبس إلا الرث البالي... والخلاصة: كان الرجل آية في التواضع والفقر، كما كان آية في العلم والدين" [ ينظر أعلام العراق، ص209 ]، ولو صحّ ما توهّمه المؤلف من تلك العطايا التي انهالت عليه لوجب أن تظهر آثارها عليه لا أن ينزوي في بيته قانعاً بالقليل القليل، ومَنْ يقرأ كتاب [ أدب الرسائل بين الآلوسي والكرملي ] بتحقيق كوركيس عواد وميخائيل عواد يجد مصداق ما نذهب إليه، ففقه رسائل الآلوسي وحتى ردود الكرملي تشير إلى حال ضيقة، وعسر مستديم مما لا يستقيم بحال مع تلك العطايا المزعومة، ولكنّه [ الافتراض ] الذي يؤدي إلى تلك النتائج، وحق له أن يصنع هذا وأكثر. 3- غياب الوسط التاريخي: والمراد به افتقاد الكتاب للحسّ التاريخي من حيث ربط الأحداث بسياقاتها التاريخية، والقوى الكبرى الحاكمة في ذلك الوقت، وإلقاء الأحداث والقوى المؤثرة فيها إلقاءً يوحي أن |