أم المؤمنين تأكل أولادها
نبيل فياض
ملاحظة 1:
عنوان هذا الكتاب مستمدّ من الحكاية التالية:
دخلت أم أوفى العبدية على عائشة بعد وقعة الجمل، فقالت لها: يا أم المؤمنين، ما تقولين في امرأة قتلت ابناً لها صغيراً؟ قالت: وجبت لها النار! قالت: فما تقولين في امرأة قتلت من أولادها الأكابر عشرين ألفاً في صعيد واحد. قالت: خذوا بيد عدوة الله!!!
ابن عبد ربه، العقد الفريد، ذكر خاتمة وقعة الجمل.
عيون الأخبار لابن قتيبة 1 : 202
ملاحظة 2:
لقد آثرنا أن نستعين ببعض المراجع الشيعية الاثني عشرية في تحضيرنا لهذا الكتاب؛ لكن بما أن عملنا موجه للسنّة أولاً، كان استئناسنا بالشواهد الشيعية يقتصر على الهامش ليس إلا. وهذه المراجع أساساً هي: بحار الأنوار، الكافي، من لا يحضره الفقيه، التهذيب، الاستبصار، وسائل الشيعة، مستدرك الوسائل، الميزان في تفسير القرآن.
كلما ازدادت الفكرة هشاشة
كلما ازداد إرهاب أصحابها، في الدفاع عنها
هذا الكتاب ليس ردّاً على ما جاء في كتاب البوطي عائشة أم المؤمنين، الذي أشار فيه صاحبه، مرات كثيرة، إلينا، دون ذكر الاسم - بأسلوبه الباطني البالي. وهكذا، فنحن لن نذكر البوطي في كتابنا، لا من قريب ولا من بعيد، لأنه لا يستحق أن يذكر في كتاب أخذ من الجهد «العلمي» و «البحثي» ما لا طاقة - ولا وقت - للبوطي على تحمله.
إن من يقرأ كتاب البوطي «عائشة أم المؤمنين» ويلاحظ كم الشتائم² والألفاظ غير المهذبة والاتهامات غير الموثقة الواردة فيه، لن يندهش أبداً إذا ما عرف أن هذا البوطي إنما يأخذ مثالاً له وقدوة أم المؤمنين السيدة عائشة التي لا تقلّ عنه شتائماً وسباباً واتهامات وافتراءات: هذا ما تخبرنا به - على الأقل - تلك الأعمال الصفراء التي يعتبرها البوطي مصادره ومراجعه : نحن لا تعنينا بأي شيء، بل كنا نتمنى لو أن شاة عائشة - أو دويبتها أو دجاجتها، بحسب المرجع المعتمد - التي أكلت آية رضاع الكبير أكلتها كلها: فارتاحت وأراحت.
بقي أن نذكر، أن الذين اخترعوا أسطورة البوطي وسوقوها بين العامة والحشوية، سيسألون ذات يوم حين يكتشف هذا الوطن ذاك الكم من الدجل والتزييف والتطرّف والباطنية الذي دلف من هذه الأسطورة. والزمن لا يرحم! والتاريخ لا يرحم.
نبيل فياض
صفحة لابد منها
قبل الدخول في « ساحة وغى » هذا الكتاب الشائك، لابد من التوقف عند بعض التوضيحات الذاتية لإزالة كل لبس أو شك أو ريبة من نفوس الموضوعيين، وإغلاق أبواب الدّس على المغرضين، الذين نالنا ما يكفي من سهامهم بعد كل كتاب نقدم عليه أو نقترفه؛ ونبدأ ذلك بسرد الحادثة الشخصية التالية: فقبل سنوات، وكنت أعمل على تلخيص مايهمني من أمهات كتب التراث الإسلامي في واحدة من أشهر المكتبات العامة في دمشق ، تفاجأت بأحد القائمين على العمل في تلك المكتبة ممسكاً بأحد أعمالي، محاولاً التأكد من صدقية مصادري. تعرفت بالرجل، الذي ينتمي الى التيار السلفي؛ دارت بيننا حوارات غير مطولة، لكنها مفيدة، أوحت إلي بضرورة الاستمرار في نبش التراث الإسلامي لأنه المسؤول الأول والأخير عن تشويهنا ديناً وحضارة ونفوساً وتاريخاً؛ وفي أحد تلك الحوارات، أبديت استغرابي من الإساءات التي تلحقها كتب التراث بالنبي محمد وأهله وأصحابه، وأشرت تحديداً إلى حوادث من نمط قتل العرنيين بعد سمل أعينهم وقطع أيديهم وأرجلهم أو قتل بعض الاشخاص رغم تعلّقهم بأستار الكعبة أو التصرفات الأخلاقية أو الجنسية المشينة - المعزوة كلها زوراً، برأينا، للنبي! وكان رد السلفي المثقف بأنكم، معشر اليسار، تريدون نبيّاً على شاكلة جماعات الخضر والبيئة والديمقراطية وحقوق الإنسان!! ونبيّنا لم يكن كذلك !! نبيّنا كان يقتل ويسمل الأعين ويحب النساء ... نبيّنا ليس كما ترون!!! وراح الرجل يكيل التهم بأن ما نقوله هو ادعاء حق يراد به باطل!! فنحن، برأيه، لا نريد الدفاع عن النبي بقدر ما نريد الطعن بالتراث الإسلامي!!
الآن، ومع تزايد الخبرة وتراكم الإطلاع، يمكننا القول، إن البحث عن إبرة حقيقة في جبل القش الذي يسمونه التراث الإسلامي ضرب من الخيال!! وتصوّرنا للمسألة يمكن إيجازه بالقول إن المؤامرة الوحيدة الكبيرة التي هزت الإسلام هي وصول الأمويين إلى الحكم، فهؤلاء لم يكونوا مسلمين بأية حال: بل كانوا، بمعنى ما، أعداء للإسلام!! ومنذ أن تلقفها معاوية تلقف الكرة، راح وسلالته، يعمل على الإنتقام من محمد وهاشم بكل حقد القبلي وعنفه. وزمن الأمويين كانت بدايات التدوين لما يسمى بالتراث الإسلامي وازدهار تجارة الحديث، وهكذا بدأت صيرورة الاختلاق التشويهية لكل رموز الإسلام العظيمة: إذا كان أبو سفيان فشل في القضاء على الدعوة المحمدية خارجياً، فلا بأس من نسف سلالته لها داخلياً، عبر تقزيم كل ما هو عملاق فيها - صار مؤسس أول دولة عربية في التاريخ ذكراً لا هم له إلا النساء والطعام؛ صار الذي جاء لاتمام مكارم الأخلاق زوجاً يحرّض زوجاته على بعضهن بالسباب والشتائم؛ صار النبي الذي لا ينطق عن الهوى رجلاً يمكن للشيطان أن يلقي على لسانه بآياته؛ صار الذي عصمه الله كائناً يستطيع حتى اليهود أن يسحروه...وكانت السيدة عائشة الضحية الأولى للحملة الأموية. فقد حاول هؤلاء الإفراط في إضفاء القداسة على أم المؤمنين لأكثر من غاية: فمن جهة يمكن لأنوار هالة القداسة إعماء البصيرة عن تفعيل العقل في ما ينسبه الأمويون للسيدة عائشة من أحاديث مختلقة؛ ومن جهة أخرى يمكن لهكذا إفراط في القداسة أن يكسف أنوار قداسة فعلية لأكبر أعداء التوجه الأموي والذي حاربته أم المؤمنين ذاتها : علي بن أبي طالب!! ولعب الزمن والعباسيون الدور الأسوء في تقديس الأكاذيب وإسقاط الحقائق!
وهكذا، فنحن لا نؤمن بحرف واحد مما تحبل به التراثيات الإسلامية، بما في ذلك ما يرد في هذا الكتاب؛ أما تقديمنا لهذه الأكاذيب، بحسب اعتقادنا على الأقل، في عمل نأمل أن يكون باكورة لأشياء بعده، فهو يدخل أولاً وأخيراً تحت عنوان : إما تقديس النبي والجماعة الإسلامية الأولى أو تقديس التراث؛ وما لهجتنا المفعمة بالسخرية والنقد إلا لتحريض أعنف مشاعر السخط عند المتلقي!!!
كلمة البداية
هل الإله، كما تصوّره تلك الأديان التي نشأت في منطقة الشرق الأدنى، في كلّ تجلّياته ومفاهيمه التي لا نملك دليلاً «مادياً» على ما هو الأكثر منطقية بينها: أقوى أم الإنسان؟
هل الإله، كما تعارفت على تصويره تلك الأديان، هو الذي يحمي الإنسان: أم العكس؟ وهل يحتاج إلى وصاية بشرية عليه، ككائن ضعيف، قاصر، لا حول له ولا قوة؟
الإله، كما نتلمّسه في مفاهيم غالبية الإسلاميين الحاليين وتصوراتهم، أضعف من أي كائن بشري، مسلماً كان أم غير مسلم - لذلك فهو بحاجة إليهم كي يدافعوا عنه، بحميتهم المعهودة، وعنفهم التقليدي، وصيحات انتصارهم المخيفة.
الإسلاميون عموماً على استعداد الآن لأن يقصّوا كلّ لسان يتحدّث عن إلههم بما لا يعجبهم - أن يكسروا كلّ يد، يقطعوا كلّ رقبة، يحطّموا كلّ قلم، يمزقوا كلّ صفحة!
الإسلاميون عموماً يبيحون لأنفسهم شتم كلّ المعتقدات - وليس هذا بغريب، إذا كان فعلاً اعتيادياً شتم أمهات المؤمنين، زوجات النبي، إحداهن الأخرى - والآراء التي لا تنتمي إلى دوائرهم؛ لكنهم يصادرون على الآخر أدنى حق بانتقادهم، بما في ذلك الإشارة إلى ما في ركامهم الأصفر الورقي من فضائح ومؤامرات وإرهاب ممنهج: لا يحق للباطل، أي الآخر، الاقتراب من الحق الإسلامي، حتى من داخله.
الإله، في نهاية الأمر، فكرة تتجسد على نحو مختلف بحسب الزمان والمكان. وإيمان المرء بهذا التجسيد دون غيره يعتمد أولاً وأخيراً على ظروف هذا المرء الحياتية. فهل يعقل أن يُنحر الإنسان على مذبح الفكرة؟ وهل توجد فكرة في هذا العالم، مهما بدت عظيمة ورائعة، أهم من الإنسان؟ وكيف - ومتى، وأين - أعطى الإله إسلامييه هذا الحق؟ من الذي وكّلهم، عن الإله، كي ينفذوا تلك الأحكام التي يعتقدون أنه أعطاها، بطريقة ما، للبشرية؟
الصحوة الإسلامية... وقوة الصورة المتداولة للإسلام:
في وسائل الإعلام المموّلة بنقود أكبر كارثة عرفها العرب في تاريخهم، النفط، يُتداول مصطلح تفوح منه رائحة الإرهاب والمصادرة: «الصحوة الإسلامية». وكثيراً ما نرى رموز الإسلاميين - خاصة المصريين الذين اشتهروا على مرّ العصور بتسويق أفكار من يدفع جيداً - في محطات التلفاز النفطية تسوّق، بنوع من الاهتياج غير المعقلن، هذا المصطلح، لترفع سوية الذاتية عند مستمعيهم، في وطن أمّي، مستلب، مقهور، مقموع - داخلياً وخارجياً- إلى درجتها القصوى! وغالباً ما تربط تلك الرموز بين الصحوة المزعومة وقوة الصورة المتداولة للإسلام أيديولوجياً. بالمقابل، هنالك حديث مملّ في تكراريته، مزعج في لا علميته، حول تراجع الأديان الأخرى وانكماشها عالمياً، نتيجة لضعفها أيديولوجياً وتضعضعها بنيوياً. لكن: هل قوة الصورة المتداولة للإسلام في أيديولوجيتها، أم في أشياء أخرى؟
كلّ المؤشرات في ما يسمّى بالعالم الإسلامي تدلّ على أن قوة الصورة المتداولة للإسلام تكمن في سيفها وإرهابها: وبالتالي فإن أي حديث عن قوتها الأيديولوجية هو «حديث خرافة يا أم عمرو»! وإلا: فكيف نفسّر هذه المصادرات - للأفكار - المنتشرة كالسرطان في كلّ العالم الإسلامي:
مثال شخصي أول:
هل يوجد علم دين مقارن في الأدبيات الإسلامية؟ لا! بل إنّ محاولاتنا البسيطة في هذا الحقل قوبلت باهتياج شديد في الكويت، واتهمت أعمالي الثلاثة المتعلقة بالموضوع بالمسّ بالذات الإلهية! لكن لماذا يتهمون كتب الدين المقارن بالمس بالذات الإلهية؟ الدين المقارن لا يمسّ الذات الإلهية لأنها، مفاهيمياً، عصية على المسّ؛ وهم يصادرونها لأنها، في اعتقادنا، تكشف، دون لبس، أن الغالبية العظمى مما يقدسونه من أفكار جاء من الخزانة الحاخامية التي لا ينفكون يسيئون إلى سمعتها ويلطخون تاريخها ويشتمونه. ولا نقصد بالخزانة الحاخامية التوراة، بل التلمود أولاً والمدراش ثانياً. وحين يشتم الإسلامي الصغير حاخامه الأعظم، فذلك لن ينجيه من مأساة واقع أنه لو نُخز إصبعه بدبوس، لما تقطّر من ذاك الإصبع إلا الدم الحاخامي.
مثال شخصي ثان:
هل يمكن أن أنسى شخصياً ما حدث لكتابي «يوم انحدر الجمل من السقيفة» في أقطار عربية، مع أن العمل لا يعدو كونه أكثر من جمع، من هنا وهناك - كلّها مصادر إسلامية من الدرجة الأولى - لأخبار حول الصراعات الإسلامية الداخلية التي أعقبت وفاة محمد حتى معركة الجمل؟ ولماذا يتهمون الأعمال التي تتناول التاريخ الإسلامي بالتآمر على الإسلام وأهله، إذا كانت مصادر أصحاب تلك الأعمال هي التراث الإسلامي ذاته، وإذا كانت الصورة المتداولة للإسلام تنضح بالمؤامرات بحق؟ ومن أحاط هؤلاء المقدّسين بتلك الهالات الملائكية، إذا كانوا هم أنفسهم، كما يخبرنا بذلك التراث الإسلامي ذاته، في تعاملهم بين بعضهم، أبعد ما يكونون عن القداسة وهالات الملائكة؟
لقد ضاعت الحدود: امتزج الإله، بأنبيائه، بأصحابهم، بأتباعهم، بمشايخهم على مر العصور - حتى صار مسّ أغبى رجل دين مسّاً بالذات الإلهية، يستحق صاحبه القتل أو الزجر أو ما شابه! رموز التيار الإسلامي الفاعلة على الساحة الآن، تعرف أفضل من غيرها بكثير، مصائب تاريخها وفضائحه ومآسيه - لذلك فهي تحيط بالسيوف هذا التاريخ وتحاول، بكل ما لديها من وسائل، قطع أيّ يد تمتد إليه بغير الطريقة التي ترغب بها تلك الرموز، كي لا تشكّك العامة والحشوية بالأسس التي تعتمد عليها هذه الرموز في بناء مجدها المادي أولاً والمعنوي ثانياً.
السيوف في كلّ مكان - والعقل وحده هو المطلوب! الدين المقارن محظور حتى لا يُلقى بالشك على مصادر العقيدة والشرع وقصص الأنبياء..!!! النقدية التاريخية ممنوعة حتى لا يُلقى بالشك على حيوات أولئك الملائكة المقدسين..!!! الآراء والتيارات الجديدة محظورة، أو تقدّم بما يشوهها في عيون العامة، حتى لا ينجذب إليها المؤمنون - والشيطان حاضر! فهل القوة في العقيدة: أم في السيف الذي يحميها؟
الإسلاميون... والتاريخ:
في ظل الخرافية العمياء التي يعيشها المجتمع العربي، ونحن على أبواب القرن الحادي والعشرين - هل هي ردّة فعل على جنون التقدم التقني والحضاري في دول العالم الأول؟- صار رجال الدين المسلمون مرجع العامة في كلّ الأمور. فلو أراد العاميّ السؤال في الطب، رجع إلى شيخه؛ ولو أراد التفقه في الفلسفة، سأل شيخه؛ ولو أراد التبحّر في علم الفلك، عاد إلى شيخه؛ بل لقد تفاجأنا بتزاحم الشيوخ، وكأنهم على أبواب الجنّة ورضوان يحاول تنظيمهم، للإدلاء بآرائهم في مسألة الاستنساخ: تحوّلوا كلهم، بقدرة قادر، إلى مراجع في الهندسة الوراثية بكافة ضروبها وفروعها. فهل يعقل، إذاً، أن يتركوا لغيرهم «فسحة أمل» في إمكانية مقاربة عقلانية للتاريخ الإسلامي، الذي يعتبرونه ملكهم أصلاً؟!
«ما دام رجل الدين هو المعيار في مسألة الصح والخطأ - لن تكون هنالك إمكانية لمعرفة الإجابة على سؤال: ما هي الحقيقة؟».
رجال الدين المسلمون لا يكتبون في علم التاريخ، بل يستخدمون التاريخ لتسويغ عقائدهم وتوزيعها، كالخبز، بين العامة والحشوية. التاريخ عند رجال الدين المسلمين ليس غرضاً للدراسة بحدّ ذاته، بل وسيلة تمرّر عبرها أفكار بعينها، تساعد في ترسيخ قبضة هؤلاء الرجال على رقاب العامة والحشوية.(هل قرأتم كيف تقدّم كلية الشريعة في جامعة دمشق العقائد المخالفة لتلاميذها، الذين ، كما يُفترض، سيصبحون قادة شعبيين مستقبليين ذات يوم؟ اقرأوا إذاً كتاب الشتائم الأكاديمي العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر)! لا يوجد علم تاريخ عند المسلمين: توجد دفاعيات عقائدية؛ مع ذلك، وكي نكون منصفين، فالسنّة، في مقاربتهم للتاريخ، يختلفون تماماً عن الشيعة.
السنّة... ومقاربة التاريخ!
منذ أن سقط المعتزلة وساد التيار الأشعري بين السنّة، استشهد العقل على مذبح الخرافة، وصار التفكير التهمة الأبرز التي يمكن أن تودي بصاحبها إلى التهلكة. وهكذا فالسنّة، عموماً، يتحاشون التفكير، لأنه أقوى أعدائهم. لذلك فهم يقمعون أية محاولة لإعمال العقل في أية مسألة، ويجدون مبرّرات لكلّ الأخطاء والجرائم والمؤامرات والتناقضات التي تتحاشد في كتب التراث الإسلامي - حتى لو كانت بمستوى الجمل أو صفين أو الحرّة أو كربلاء! التاريخ كلّه سنّي؛ فالتاريخ، بالنسبة للسنّة، كلّه جيد. ورجال التاريخ، بالنسبة للسنّة، كلّهم قديسون وملائكة تمشي على الأرض - حتى لو كانوا من نمط يزيد بن معاوية أو الوليد الثاني أو الأمين أو المتوكل حتى آخر تلك السلسلة السيئة السمعة، النتنة الرائحة! اقطعوا اليد التي تمتد اليوم إلى يزيد بن معاوية والمتوكل «على الله» والوليد الثاني والأمين - حتى لا تمتد غداً إلى معاوية وهارون، وبعد غد إلى الزبير وطلحة، والأسبوع القادم إلى عمر بن الخطاب وعائشة...!!! . هذا هو منطق رجل الدين السنّي، الذي ينصّب ذاته أيضاً باحثاً في علم التاريخ - ويحظر على غيره ذلك! اقطعوا اليد التي تهزّ رموز هذا التاريخ، لأنها ستهزّ بالتالي أسسنا نحن. إرمٍ بعقلك... وامضِ!
Credo quia absurdum esse
الشيعة.. ومقاربة التاريخ:
يصدم الشيعة، بقدراتهم الجدلية الفائقة التي اكتسبوها عبر الزمان كأقلّية مستضعفة تصارع أغلبية إرهابية، السنّي العامي التقليدي بأدلتهم الدامغة وحججهم القوية: يعتقد المرء، للوهلة الأولى، أن مساحة العقل في الدائرة الشيعية أوسع منها في الدائرة السنّية - يفرح المرء!!!
يجد المرء الشيعة يكدّون ويجتهدون ويطاردون الزمان في البحث عن أدلّة تؤكّد صحة آرائهم واعتقاداتهم، وتؤكّد عمق مفاهيمهم ومعانيهم- يفرح المرء!!
يتفاجأ المرء بالشيعة يكفرون يزيد بن معاوية ويجرّمون الحجاج ويطعنون في شرف أم معاوية وأم عمرو بن العاص وينتقدون طلحة وعثمان والزبير وعائشة، وينتقصون من خلافة أبي بكر وعمر- يفرح المرء!
لكن الفرحة لا تدوم : فالزمن، وحده، كاف لأن يجتثها من جذورها؛ فهؤلاء الشيعة الذين ينقّبون التاريخ باحثين عن خبر صغير يدين خصومهم العقائديين - فيلمّعونه ويكبّرونه ويقدّمونه لعامتهم لحمايتهم عقائدياً من المعسكر الآخر - يتفهمون ذلك الركام الكبير من النصوص التي تدين رموزهم وتشير إليها بالاتهامات ذاتها التي يشيرون بها إلى رموز أعدائهم العقائديين ويحاولون الطعن به، بأسلوبهم الكلامي الجدلي الشهير، الذي لا تنطلي حيلة هشاشته على أحد؛ بل إنّ الشيعة يستخدمون بعض الأحاديث التي كانت في الأصل لإدانة بعض رموزهم، في إدانة رموز أعدائهم العقائديين. من ذلك، مثلاً، استخدام حديث محمد، «فاطمة بضع مني فمن أغضبها فقد أغضبني»، والذي قيل أساساً بحق علي، للطعن على أبي بكر حين أغضب فاطمة - مادياً - حين رفض إعطاءها فدك..!
«إذا كان السنّة يكرهون الاقتراب من الحقيقية ويحرّمون ذلك، فالشيعة يقدّمون وهم الحقيقة على أنه جوهر الحقيقة».
لقد أظهرت الوقائع التي أفرزتها ثورة الخميني وتجلّياتها في لبنان والعراق وغيرهما، أنّ الحرية التي كان الشيعة يندبونها - وهم سادة الندب - حين كانوا مقموعين من السنّة، صارت بحاجة إلى ندّابين أكثر خبرة من الشيعة في ظلّ تلك الأنظمة أو شبه الأنظمة ذات النَفَس الشيعي: التكفير السنّي الاعتباطي الشهير، صار تكفيراً منهجياً مثقفاً عند الشيعة؛ اعتقال حرية المرأة، بكافة أشكاله، السنّي الشهير، صار اعتقالاً للأنوثة في ظل الثيوقراطية الشيعية الصارمة؛ المركزية الدينية المهلهلة عند السنّة، صارت كهنوتية محاكم - تفتيشية، تقحم أنفها في كلّ شيء، عند الشيعة - كلّ ذلك مغلّف بقشرة وهم عقلانية زائفة حفاظاً على تماسك المضمون في عيون العامة والحشوية¯ .
لكن العلمانية تتفشى، وإن ببطء، في صفوف السنّة!! - صرخ الشيوخ في مصر والسعودية، قارعين أجراس الخطر على المستقبل. ما هو الحل؟ أعيدوا إخراج التاريخ! كيف؟ قصّوا من كتب التراث كلّ تلك الحوادث التي قد تشكّك الشخص العادي بتاريخه ورموزه؛ عقموه؛ طهروه! لكن: ماذا سيتبقى أخيراً؟!!!
إن عمليات «المونتاج» المدروسة التي تتمّ على كتب التاريخ عموماً في مصر والسعودية هي أكبر عملية تزييف عرفها التاريخ - لكنها غير مفيدة، ما دام أعداء هؤلاء العقائديين يمتلكون نصوصاً أصلية ومطابع ونقود ونفط!!!
محمد البراغماتي... وعلي الدوغماتي!
كما أشرنا، وكما قالت كتب التاريخ، فقد اعترض محمد على عليّ بشدّة، حين حاول الأخير، وكان شاباً يتفجّر حيوية وجنساً، أن يتزوج امرأة ثانية - وكانت الزوجة الأولى فاطمة بنت محمد ذاته. وتعدّد الزوجات، كما هو معروف، كان تقليداً شائعاً في ذلك الزمن. بالمقابل، فقد سمح محمد لذاته، وكان آنئذ يقارب الستين، أن يتزوج كلّ من وصفت له بالجمال أو الصبا، حتى تجاوز عدد اللواتي دخل بهن، خمس عشرة امرأة.
قَبِل عليّ اعتراض محمد لأنه دوغماتي. وحلّل محمد لنفسه ما حرّمه على غيره لأنه براغماتي. وبراغماتية محمد هي التي أدّت به، في نهاية الأمر، إلى وضع أسس أول دولة عربية في التاريخ؛ في حين أوصلت الدوغماتية عليّاً - مقابل ميكافيلية معاوية - إلى الاستشهاد «في سبيل العقيدة».
تحكي المصادر التاريخية أيضاً، أنّ محمداً قطع يد إحدى النساء من بني أسد لأنها سرقت، بغض النظر ما إذا كانت سرقتها قد تمّت تحت وطأة مرض نفسي أو حاجة مادية، وقال جملته الشهيرة حين حاول بعضهم مراجعته في ذلك: «لو أنّ فاطمة بنت محمد سرقت، لقطعت يدها». وتخبرنا المصادر التاريخية أيضاً، أنّ قوماً أغاروا على لقاح لمحمد، فأخذهم، فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم ورماهم تحت الشمس حتى ماتوا.
بالمقابل، فحين أغار خالد بن الوليد على بني جذيمة وقتل منهم الكثير، وكانوا آنئذ مسلمين، لا لسبب، إلا لأنهم قتلوا عمّه الفاكه بن المغيرة زمن الجاهلية، اكتفى محمد بأن رفع يديه إلى السماء، حتى «بان بياض إبطيه» - يبدو أن هذه المسألة هامة جداً إسلامياً - وقال: «اللهم إنّي أبرأ إليك مما صنع خالد!!!»، قالها ثلاثاً.
لماذا قطع محمد يد تلك المرأة المسكينة التي سرقت، ومثّل بالعرنيين وقتلهم صبراً لأنهم أغاروا على لقاحه، في حين اكتفى فقط بأن تبرّأ إلى الله مما فعل خالد، الذي قتل بعض المسلمين، دون أدنى ذنب، سوى أن تلك القبيلة - بنو جذيمة - قتلت عمّه في الجاهلية؟
كان خالد بن الوليد قائداً هاماً جداً في جيش محمد. والبراغماتية، عند الأخير، فوق الدوغماتية. لذلك، لا بأس من تقريع بسيط لسيف الله المسلول، دون غمده.
عليّ لم يكن كذلك. - وهذا سر إعجابنا بهذا الرجل، الذي لا يمكن مقارنته، شخصاً وفكراً ونتاجاً أدبياً بكل ما عرفه الإسلام الأولي من شخوص وأفكار ونتاجات أدبية - دون أدنى استثناء. والذين لا يفهمون لبّ إعجابنا، يخلطون بين عليّ والتشيع، فيشيعون علينا تهمة التشيع. عليّ، برأينا، شيء: والتشيع شيء آخر! عليّ، برأينا، شيء: والإسلام الذي يتداول في السوق هذه الأيام، كالمسواك وكتب الجن: شيء آخر.
كان محمد ، كما يصفه التراث الإسلامي، براغماتياً - وليس هذا بغريب. فالإسلام لم يأته إلا بعد أن بلغ الأربعين¯. في حين أن عليّ بن أبي طالب، الذي رضع حليب الإسلام منذ الطفولة - فرسخ في قلبه ولاوعيه منذ البداية الأولى - لم يعرف حقيقة غير الإسلام: وهو ما أهّله لأن يكون الدوغماتي بلا منازع، في جماعة الإسلام الأولى. عليّ بن أبي طالب: المؤمن الأول والأخير. وحين دفن عليّ، دفن معه الإيمان في الإسلام، وظلّ وجه معاوية القبيح وسلالته المبتذلة، المعادية للإسلام، يزين جدران المساجد وأبواب التكايا! وللأسف، فنسخة الإسلام الأموية وحدها التي تباع الآن في أروقة الأزهر وشوارع قم وبسطات الجامع الأموي.
القسم الأول
عائشة في البيت النبوي
I
الزوجة - الطفلة
ولدت عائشة في السنة الرابعة ، بعد البعثة. وأبوها، أبو بكر، أوّل خليفة، كان اسمه عبد الله بن أبي قحافة بن عثمان بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم القرشي. أمّا أمّها فهي أم رومان بنت عامر بن عويمر. لا يوجد اتفاق شامل حول تاريخ زواج محمّد منها، وربما أنّه تزوجها قبل هجرته بسنتين(1).كذلك فالأرجح أنّه بنى بها في شهر شوال، في الشهر الثامن عشر بعد الهجرة، بعد معركة بدر. وهكذا، فقد عاشت معه ثمانية عشر عاماً تقربباً. وكانت وفاتها ليلة الثلاثاء، لسبع عشر خلون من رمضان. لكن سنة وفاتها مختلف فيها: سبع وخمسون أو ثمان وخمسون(2) أو تسع وخمسون للهجرة. وصلّى عليها أبو هريرة، وكان قد خلف مروان بن الحكم، والي المدينة آنذاك، في إحدى غيباته عن ذاك المصر.ودفنت في البقيع بوصية منها مع غيرها من نساء محمد(3) .
زواجها:
لانمتلك معلومات كثيرة(4) حول عائشة قبل دخولها البيت النبوي - وهذا طبيعي: لأنّها لم تكن قبل ذلك سوى طفلة. لكن الأخبار تتزاحم فجأة عند ذكر نبأ زواجها وبعده. ورغم بعض التناقضات البسيطة بين خبر وآخر، إلاّ أنّها تتفق جميعاً في أنّ التي ذكرتها للنبي هي خولة بنت حكيم(5)؛ وأنّ أبا بكر رفض الفكرة في البداية، متذرعاً ، من ناحية، بأنّه وعد بها المطعم بن عدي لابنه؛ وبأنّ النبي أخوه، من ناحية أخرى. لكنّ محمداً رفض كلّ ذلك، وأصرّ على زواجه من عائشة. يقول الطبري: «لم يتزوج رسول الله على خديجة حتى مضت لسبيلها. فلمّا توفيت، تزوج بعدها؛ فاختلف فيمن بدأ بنكاحها منهن بعد خديجة. فقال بعضهم: كانت عائشة بنت أبي بكر؛ وقال بعضهم: بل كانت سودة بنت زمعة... فأمّا عائشة، فكانت يوم تزوجها صغيرة لا تصلح للجماع، وأمّا سودة فإنّها كانت امرأة ثيباً، قد كان لها قبل النبي (ص ) زوج، وكان زوجها السكران بن عمرو... من مهاجرة الحبشة... مات، فخلف عليها رسول الله (ص) وهو بمكّة... ولا خلاف أنّ رسول الله (ص) بنى بسودة قبل عائشة»(6).
في مسنده ، يفصّل أحمد نبأ زواج النبي من عائشة وسودة، فيقول: «لمّا هلكت خديجة، جاءت خولة بنت حكيم(7)، إمرأة عثمان بن مظعون، قالت: يا رسول الله! ألا تزوج؟ قال: من؟ قالت: إن شئت بكراً وإن شئت ثيباً! قال: فمن البكر(8)؟ قالت: ابنة أحب خلق الله - عزّ وجل - إليك! عائشة بنت أبي بكر! قال: ومن الثيب؟ قالت: سودة بنت زمعة، قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول! قال: فاذهبي. فاذكريهما علي!.
فدخلتْ بيت أبي بكر، فقالت: ماذا أدخل الله - عزّ وجلّ - من الخير والبركة! قالت[أم عائشة]: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله (ص) أخطب عليه عائشة! قالت: انتظري أبا بكر.
فجاء أبو بكر، فقالت: ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله (ص) أخطب عليه عائشة! قال: وهل تصلح له(9)؟! إنما هي ابنة أخيه! فرجعت إلى رسول الله (ص)، فذكرتْ له ذلك، قال: ارجعي فقولي له: أنا أخوك، وأنت أخي في الإسلام، وابنتك تصلح لي.
فرجعتْ، فذكرت ذلك له؛ قال: انتظري! وخرج. قالت أم رومان: إن مطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه، فوالله ما وعد موعداً قط فأخلفه...
فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي، وعنده امرأته، فقالت: يابن أبي قحافة! لعلك مصب صاحبنا [ابنها] مدخله في دينك الذي أنت عليه إذا تزوج إليك! قال أبو بكر للمطعم ابن عدي: أقول هذه تقول؟ قال: إنها تقول ذلك! فخرج من عنده، وقد أذهب الله - عزّ وجل - ما كان في نفسه من عدته التي وعده. فرجع، فقال لخولة: ادعي لي رسول الله! فدعته، فزوجها إياه، وعائشة يومئذ بنت ست سنين!.
ثم خرجتْ، فدخلتْ على سودة بنت زمعة، فقالت: [كما قالت لأبي بكر وزوجته]؛ فقالت [سودة]: وددت ادخلي إلى أبي فاذكري ذاك له! وكان شيخاً كبيراً قد أدركه السن، قد تخلّف عن الحج. فدخلت عليه، فحيته بتحيّة الجاهلية، فقال: من هذه؟ فقالت: خولة بنت حكيم! قال: فما شأنك؟! قالت: أرسلني محمد بن عبد الله أخطب عليه سودة! قال: كفء كريم؛ ماذا تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذاك! قال: ادعها لي! فدعيتها؛ قال: أي بنيّة؛ إن هذه تزعم أن محمد... قد أرسل يخطبك، وهو كفء كريم - أتحبين أن أزوجك به؟! قالت: نعم! قال: ادعيه لي! فجاء رسول الله (ص) إليه، فزوجها إياه، فجاءها أخوها عبد بن زمعة من الحج، فجعل يحثي في رأسه التراب! فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني سفيه! يوم أحثي في رأسي التراب أن تزوج رسول الله (ص) سودة بنت زمعة!.
قالت عائشة(10): فقدمنا المدينة، فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج في السنح. فجاء رسول الله (ص)، فدخل بيتنا، واجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء. فجاءتني أمي، وإني لفي أرجوحة بين عذقين ترجح بي، فأنزلتني من الأرجوحة ولي جميمة، ففرقتها، ومسحت وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودني، حتى وقفت بي عند الباب، وإني لأنهج، حتى سكن من نفسي. ثم دخلت بي، فإذا رسول الله (ص) جالس على سرير في بيتنا، وعنده رجال ونساء من الأنصار، فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك، فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك! فوثب الرجال والنساء، فخرجوا، وبنى بي رسول الله (ص) في بيتنا، ما نحرت(11) عليّ جزور ولا ذبحت عليّ شاة، حتى أرسل إلينا سعد ابن عبادة بجفنة، كان يرسل بها إلى رسول الله (ص) إذا دار إلى نسائه(12)، وأنا يومئذ بنت تسع سنين»(13).
من مكة إلى المدينة:
يقول المنتظم(14)، إنه في السنة الهجرية الأولى، «بعث النبي (ص) إلى بناته وزوجته(15) سودة بنت زمعة، زيد بن حارثة وأبا رافع، فحملاهن من مكة إلى المدينة».
يروي ابن سعد(16) الحديث، نقلاً عن عائشة ذاتها، فيقول: «لما هاجر رسول الله (ص) إلى المدينة، خلّفنا وخلّف بناته؛ فلما قدم المدينة، بعث إلينا زيد بن حارثة، وبعث معه أبا رافع مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم، أخذها رسول الله (ص) من أبي بكر، يشتريان بها ما يحتاجان إليه من الظهر، وبعث أبو بكر معهما عبد الله بن أريقط الديلمي ببعيرين أو ثلاثة؛ وكتب إلى عبد الله بن أبي بكر، يأمره أن يحمل أهله: أمي أم رومان، وأنا، وأختي أسماء، امرأة الزبير! فخرجوا مصطحبين، فلما انتهوا إلى قديد، اشترى زيد بن حارثة بتلك الخمسمئة ثلاثة أبعرة، ثم رحلوا من مكة جميعاً. وصادفوا طلحة بن عبيد الله، يريد الهجرة بآل أبي بكر، فخرجنا جميعاً، وخرج زيد بن حارثة وأبو رافع بفاطمة وأم كلثوم وسودة بنت زمعة. وحمل زيد أم أيمن وأسامة بن زيد؛ وخرج عبد الله بن أبي بكر بأم رومان وأختيه؛ وخرج طلحة بن عبيد الله، واصطحبنا جميعاً؛ حتى إذا كنّا بالبيض من منى، نفر بعيري وأنا في محفّة معي فيها أمي، فجعلت أمي تقول: وابنتاه! واعروساه! حتى أدرك بعيرنا، وقد هبط من لَفْت، فسلّم الله عز وجل! ونزل آل رسول الله، ورسول الله (ص) يومئذ يبني المسجد وأبياتاً حول المسجد، فأنزل فيها أهله. ومكثنا أياماً في منزل أبي بكر، ثم قال أبو بكر: ما يمنعك من أن تبني بأهلك؟ قال رسول الله (ص): الصداق! فأعطاه أبو بكر اثنتي عشرة أوقية ونشاً، فبعث بها رسول الله (ص) إلينا، وبنى بي رسول الله في بيتي هذا الذي أنا فيه، وهو الذي توفي فيه رسول الله (ص)، وجعل رسول الله لنفسه باباً في المسجد، وجاه باب عائشة. وبنى رسول الله (ص) بسودة في أحد تلك البيوت التي إلى جنبي، فكان رسول الله (ص) يكون عندها».
المرأة الطفلة:
كانت عائشة في علاقتها بالنبي، أقرب ما تكون إلى طفلة وجدّها. ويبدو أنه أدرك ذلك جيداً، فتركها تمارس طفولتها كما تشاء - وكان لهذا نتائجه الخطيرة على نفسيتها لاحقاً.
تحدّثنا عائشة عن أيام زواجها الأولى، فتقول(17): «دخلت عليه وإني لألعب بالبنات [الدمى] مع الجواري، فيدخل، فينقمع منه صواحبي، فيخرجن. فيخرج رسول الله (ص)، فيسرّبهن علي»(18). وتقول أيضاً: «إنها كانت مع النبي في سفر؛ قالت: فسابقته، فسبقته على رجلي؛ فلما حملتُ اللحم، سابقته، فسبقني، فقال: هذه بتلك السبقة»(19). ويروي أبو داود(20) عن عائشة، قولها: «قدم رسول الله (ص) من غزوة تبوك أو خيبر، وفي سهوتها ستر، فهبت الريح، فكشفت ناحية الستر من بنات لعائشة لعب، فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي! ورأى بينهن فرساً له جناحان من رقاع؛ فقال: ما هذا الذي أرى وسطهن؟ قال: فرس! قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان! قال: فرس له جناحان! قالت: أما سمعت أن لسليمان خيلاً لها أجنحة؟ فضحك حتى رأيت نواجذه».
عن عائشة أيضاً، يروى الحديث التالي(21): «دخل عليّ رسول الله (ص)، وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث(22)، فاضطجع على الفراش، وحوّل وجهه؛ ودخل أبو بكر، فانتهرني، وقال: مزمارة الشيطان عند النبي (ص)؟! فأقبل عليه رسول الله (ص)، فقال: دعها! فلما غفل، غمزتهما، فخرجتا. وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب، فإما سألت النبي، وإما قال: تشتهين تنظرين؟! فقلت: نعم! فأقامني وراءه، خدّي على خدّه، وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة! حتى إذا مللت، قال: حسبك؟ قلت: نعم! قال: فاذهبي». وفي صحيح مسلم(23)، تقول: «رأيت رسول الله (ص) يسترني بردائه، وأنا إنظر إلى الحبشة وهم يلعبون - وأنا جارية». وفي رواية أخرى(24)، تقول: «جاء حبش يزفنون في المسجد، في يوم عيد، فدعاني النبي (ص)، فوضعت رأسي على منكبه، فجعلت أنظر إلى لعبهم، حتى كنت أنا التي انصرفت»(25).
الزوجة الأثيرة:
تتحدّث روايات كثيرة - كلّها تقريباً منقولة عن عائشة - عن حب النبي الكبير لعائشة، وتفضيله إياها على سائر زوجاته. فهي تقول، على سبيل المثال: «كان رسول الله إذا سافر، يسهم بين نسائه، فكان إذا خرج سهم غيري، عرف فيه الكراهية؛ وما قدم من سفر قط، فدخل على أحد من أزواجه، أوّل مني، يبتدئ القسم فيما يستقبل من عندي»(26). ويذكر الزمخشري(27) أن النبي «كان يقسم بين نسائه، فيعدل(28)، ويقول: هذه قسمتي(29) فيما أملك، فلا تؤاخذني فيما تملك ولا أملك - يعني المحبة - لأن عائشة كانت أحبهن إليه». ويقال إن عمرو بن العاص سأل النبي مرة: « أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة. فقلت: من الرجال؟ قال: أبوها. قلت: ثم من؟ قال: عمر بن الخطاب »(30) .
وهكذا، فحين «جعله نساؤه في حلّ: يؤثر من يشاء منهن على من يشاء - كان يؤثر عائشة وزينب»(31) . وكان يقول عنها: «كمل في الرجال كثير، ولم يكمل في النساء إلا ثلاث: مريم بنت عمران، وآسية امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد - وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على الطعام»(32) .
II
أخلاق عائشة... والنبي
يبدو أن فارق السن بين النبي وعائشة، وإمكانيات هذه المرأة على كافة الأصعدة، جعلها الأثيرة عنده والأقرب إلى قلبه، وجعلته بالمقابل متساهلاً معها؛ يقال: «كان رسول الله (ص) رجلاً سهلاً، فإذا هويت [عائشة] شيئاً، تابعها عليه.. أخرجه مسلم»(1). لكن هذا لم يكن ينطبق على سائر نسائه. فقد قال عمر بن الخطاب، ذات يوم، لابنته حفصة: «لا يغرنّك حب رسول الله عائشة وحسنها أن تراجعيه بما تراجعه به عائشة»(2)، أو: «لعلّك تراجعين النبي بمثل ما تراجعه عائشة - إنه ليس لك مثل حظوة عائشة، ولا حسن زينب»(3). - وهذا التساهل أدّى بعائشة إلى التطاول على النبي، ووصل الأمر أحياناً إلى حدود لا تليق بإنسان عادي: فكيف بنبي؟
ففي إحدى المناسبات، «قال رسول الله (ص) لأبي بكر: يا أبا بكر، ألا تعذرني في عائشة؟ فرفع أبو بكر يده، فضرب صدرها ضربة شديدة. فجعل رسول الله، يقول: غفر الله لك، يا أبا بكر، ما أردت هذا»(4). وفي مناسبة أخرى- ربما تكون الروايتان تتعلقان بالحدث ذاته- تروي عائشة أنها قالت للنبي: «أليس تزعم أنك رسول الله؟ فتبسّم، وقال: أوفي شك أنت يا أم عبد الله؟ فقلت: ألستَ تزعم أنك رسول الله؟ فهلا عدلت! فسمعني أبو بكر، وكان فيه عرب، أي: حِدَّة، فأقبل عليّ، ولطم وجهي! فقال رسول الله (ص): مهلاً يا أبا بكر، إنّ الغيران لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه... أخرجه الحافظ أبو القاسم الدمشقي»(5).
تروي نصوص كثيرة، عن عائشة، أنها قالت للنبي: «أقصد! فرفع أبو بكر يده، فلطمني، قال: تقولين، يا بنت فلانة! لرسول الله (ص): أقصد»(6). وفي مناسبة أخرى. قيل إنه «كان بينها وبين النبي (ص) كلام، فقال لها: من ترضين بيني وبينك؟ أترضين بعمر؟ قالت: لا أرضى - عمر قط! عمر غليظ! قال: أترضين بأبيك بيني وبينك؟ قالت: نعم! فبعث إليه رسول الله (ص)، فقال: إن هذه من أمرها كذا ومن أمرها كذا! فقلت: اتقِ الله ولا تقل إلا حقاً... فرفع أبو بكر يده، فرثم أنفها»(7). ويروى أنها قالت له: «أنت الذي تزعم أنك نبي الله! »(8). ويذكر ابن ماجة(9)، عن عائشة، «أن رسول الله (ص)، إنما آلى لأن زينب ردّت عليه هدية، فقالت عائشة: لقد أقمأتك! فغضب، فآلى منهن». ومرّة، «جاء أبو بكر يستأذن على النبي (ص)، فسمع عائشة (رض)، وهي رافعة صوتها على النبي (ص)، فأذن له، فدخل، فقال: يا بنت أم رومان! أترفعين صوتك على رسول الله؟ وتناولها أبوها (رض)، فحال النبي (ص) بينه وبينها، فلما خرج سيدنا أبو بكر (رض)، جعل رسول الله (ص) يقول لها، يترضاها: ألا ترين أني حلت بينك وبين الرجل؟ ثم جاء سيدنا أبو بكر (رض)، فاستأذن عليه، فوجده يضاحكها، فأذن له، فقال: يا رسول الله، أشركاني في سلمكما، كما أشركتماني في حربكما»(10). وكثيراً ما كانت عائشة تغضب من النبي: يذكر مسلم(11) نقلاً عنها: «قالت: قال لي رسول الله (ص): إني لأعلم إذا كنتِ عني راضية، وإذا كنتِ عني غضبى! فقلت: ومن أين تعرف ذلك؟ قال: أما إذا كنتِ عني راضية؛ فإنك تقولين: لا وربّ محمد؛ وإذا كنتِ غضبى، قلت: لا ورب ابراهيم. قلت: والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك». ولم يذكر بعضهم جملتها الأخيرة(12).
وفي نص هام آخر، يقال: «إن رسول الله (ص)، كان يقول لها: إني أعرف غضبك إذا غضبتِ، ورضاك إذا رضيت! قالت: وكيف تعرف ذلك يا رسول الله؟ قال: إذا غضبتِ، قلت: يا محمد!. وإذا رضيتِ، قلت: يا رسول الله»(13).- فهل كان غضبها يحجب عنها ايمانها بنبوته؟ بالمقابل، كان النبي بدوره يغضب منها. يذكر ذكوان مولى عائشة، عنها قولها: «دخل عليّ النبي (ص) بأسير، فلهوت عنه، فذهب. فجاء النبي (ص)، فقال: ما فعل الأسير؟ قالت: لهوت عنه مع النسوة، فخرج! فقال: مالكِ، قطع الله يدك أو يديك!!! فآذن به الناس، فطلبوه، فجاءوا به، فدخل عليّ وأنا أقلّب يديّ، فقال: مالك، أجننت! قلت: دعوتَ عليّ! فأنا أقلّب يديّ، أنظر أيهما يقطعان! فحمد الله، وأثنى عليه، ورفع يديه مدّاً، وقال: اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر، فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوت عليه، فاجعله له زكاة وطهوراً»(14).
ظل سوء الخلق والحدّة يلازمانها، في علاقتها مع النبي، حتى أيامه الأخيرة. تقول عائشة: «رجع إليّ رسول الله (ص) ذات يوم من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صداعاً في رأسي، وأقول: وارأساه! قال: بل أنا، ورأساه! قال: ما ضرّكِ لو متِ قبلي، فغسلتك وكفنتك، ثم صليت عليك، ودفنتك؟! قلت: لكأني بك - والله - لو فعلت ذلك، لقد رجعت إلى بيتي، فأعرست فيه ببعض نسائك! فتبسّم رسول الله (ص)، ثم بدئ بوجعه الذي مات فيه»(15).
الله... يسارع في هواك:
في إشارتها إلى غيرة عائشة العنيفة، حين تزوج النبي زينب بنت جحش، ذكرت بنت الشاطئ، أن عائشة قالت له، بعدما صدّق القرآن على هذا الزواج من زينب، التي كانت اشترطت بدورها أن يتدخل الله بذاته حتى توافق: «ما أرى ربّك إلا يسارع في هواك»!. لكن، والحقّ يقال، لم نجد ما يؤكد صحة مزاعم بنت الشاطئ هذه في المصادر الإسلامية المعروفة. لقد وجدنا قول عائشة للنبي: «ما أرى ربك إلا يسارع في هواك»، لكننا لم نجد ربطاً بينه وبين حدث زواج النبي من زينب بنت جحش. وهنالك احتماليتان: إما أن تكون بنت الشاطئ وجدت هذا الربط في عمل لم نحظ بمصادفته حتى الآن، الأمر الذي يعني أن جملة عائشة الشهيرة تلك كانت ردة فعل اعتيادية لها على أي زواج لا يعجبها؛ أو أن تكون بنت الشاطئ أخطأت في تقديرها، فالروايات الشهيرة في التراث الإسلامي تربط هذه الجملة حصراً باللواتي كن يمنحن أنفسهن للنبي. وتبقى غيرة عائشة العارمة القاسم المشترك بين الاحتماليتين. - أي: المضمون واحد- ينزل القرآن يأمر بتلبية إحدى رغبات النبي الجنسية، فتفسّر ذلك عائشة، بأن الله يسارع له في هواه. وهكذا، يروي صحيح البخاري(16)، نقلاً عنها : «كنت أغار على اللائي وهبن أنفسهن لرسول الله (ص)، وأقول: أتهب المرأة نفسها؟! فلما أنزل الله تعالى: «ترجئ من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك»، قلت: ما أرى ربك إلا يسارع في هواك»(17). وفي نص صحيح مسلم(18)، تقول: «والله ما أرى ربك إلا يسارع لك في هواك»(19). وفي نص آخر، من المرجع ذاته(20) : «كانت [عائشة تقول]: أما تستحي من امرأة تهب نفسها لرجل؟» أو: «أوتهب الحرة نفسها»(21)؛ أو: «ألا تستحي المرأة أن تعرض نفسها بغير صداق»(22).
أخلاقها مع الآخرين... والنبي
كانت حدّة عائشة، على ما يبدو، محطّ نقد النبي باستمرار. وإذا ما غضينا الطرف عن تلك الحدّة في تعاملها مع نسائه الأخريات لأننا سنناقش المسألة تفصيلياً لاحقاً، يمكن لنا أن نتلمّس بوضوح أنّ أحداً لم ينج من تلك الحدّة - بما في ذلك الحيوانات.
يذكر مسلم في صحيحه(23)، على سبيل المثال، أن عائشة، قالت: «أتى النبي (ص) أناس من اليهود، فقالوا: السام عليك، يا أبا القاسم! قال: وعليكم. قالت عائشة: قلت: بل عليكم السام والذام! فقال رسول الله (ص): يا عائشة! لا تكوني فاحشة! فقالت: ما سمعت ما قالوا؟ فقال: أوليس قد رددت عليهم الذي قالوا - قلت: وعليكم». وفي نص آخر(24) : «ففطنت بهم عائشة، فسبتهم!!! فقال رسول الله (ص): مه، يا عائشة، فإن الله لا يحب الفحش والتفحش! وزاد: فأنزل الله عز وجل: «وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله» ، إلى آخر الآية؛ وفي نص ثالث(25)، نجدها تقول: «وغضب الله إخوان القردة والخنازير - أتحيون رسول الله بما لم يحيه به الله».
بالمقابل، يروي أبو داود(26) عن عائشة الحديث التالي: «إن رجلاً استأذن على النبي (ص)، فقال النبي (ص): بئس أخو العشيرة! فلما دخل، انبسط إليه رسول الله (ص)، وكلّمه. فلما خرج، قلت: يا رسول الله، لمّا استأذن، قلت: بئس أخو العشيرة! فلما دخل انبسطت إليه! فقال: يا عائشة، إن الله لا يحب الفاحش المتفحش؛ [أو]: إن من شرار الناس الذين يكرمون اتقاء ألسنتهم»(27).
وفي مسند أحمد(28)، «أنه سرق ثوب لها، فدعت على صاحبها، فقال [النبي]: لا تسبخي عليه».
وركبت عائشة جملاً مرة، «فلعنته، فقال لها النبي (ص): لا تركبيه»(29). وفي رواية أخرى(30) ، تقول: «كنت على بعير صعب، فجعلت أضربه، فقال لي رسول الله (ص): عليك بالرفق، فإن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه».
سلوك النبي بحسب عائشة:
كانت اليهود تقول عن النبي «انظروا إلى هذا الذي لا يشبع من طعام، ولا والله ماله همة إلا النساء»(31). وإذا كنا سنحكي عن مسألة شغف النبي بالجنس، كما تصوّر ذلك أحاديث عائشة، في فصل «عائشة... والجنس»، فسوف نحاول الآن أن نظهر أن عائشة، في أحاديث لها كثيرة، صوّرت النبي شغوفاً بالطعام أيضاً. من ذلك، قولها: «كان رسول الله (ص) يعجبه من هذه الدنيا ثلاثة: الطعام والنساء والطيب»(32). ومن ثم تؤكّد: «كان النبي (ص) يحب الحلواء والعسل»(33)؛ وتقول: «كان رسول الله (ص) يأتي القدر، فيأخذ الذراع منها، فيأكلها!!!، ثم يصلّي ولا يتوضأ»(34). وتخبرنا أيضاً أنه «كان يأكل البطيخ بالرطب»(35)، و «كان لا يجد اللحم إلا غباً»(36).
إضافة إلى ما سبق، نجد أن النبي في أحاديثها، قابل لأن يُسحر: «سحر رسول الله، فمكث كذا وكذا يوماً يخيل إليه أنه يأتي أهله، ولا يأتي؛ قال سفيان: هذا أشدّ ما يكون من السحر»(37). وفي نصّ لها آخر، تقول: «سحر حتى كان يخيل إليه أنه صنع شيئاً ولم يصنعه»(38). والغريب أن يهود بني زريق هم الذين كانوا قد سحروه(39).
وهو كثير الشتم: تروي عائشة أنّ رجلين دخلا على « النبي (ص)، فأغلظ لهما وسبّهما، فقلت: يا رسول الله، لمن أصاب منك خيراً، ما أصاب هذان منك خيراً! فقال: أوما علمت ما عاهدت عليه ربي عز وجل، قلت: اللهم أيما مؤمن سببته أو جلدته أو لعنته، فاجعلها له مغفرة وعافية وكذا وكذا»(40).
وتؤكّد عائشة على مسألة اللعن، فتقول: «إنّ أمداد العرب كثروا على رسول الله (ص) حتى غمّوه، وقام إليه المهاجرون والأنصار، يفرجون دونه، حتى قام على عتبة عائشة فرهقوه، فأسلم رداءه في أيديهم، ووثب على العتبة، فدخل وقال: اللهم العنهم! فقالت عائشة: يا رسول الله، هلك القوم! فقال: كلا والله يا بنت أبي بكر! لقد اشترطت!!! على ربي - عز وجل - شرطاً لا خلف له، فقلت: إنما أنا بشر أضيق بما يضيق به البشر، فأي المؤمنين بدرت إليه مني بادرة، فاجعلها له كفارة»(41).
وهو ينشغل عن صلاته بأبسط الأمور؛ تروي عائشة: «صلّى رسول الله (ص) في خميصة لها أعلام، ثم قال: شغلتني أعلام هذه، اذهبوا بها إلى أبي جهم، وأتوني بأنبجانية»(42).
كانت عائشة تقول: «اشربوا ولا تسكروا»(43). وتقول أيضاً: «كنا ننبذ للنبي (ص) في سقاء، فنأخذ قبضة من زبيب أو قبضة من تمر، فنطرحها في السقاء، ثم نصبّ عليها الماء ليلاً، فيشربه نهاراً، أو نهاراً، فيشربه ليلاً»(44).
أخيراً، تحدثنا عائشة عن سلوك للنبي، قبيل وفاته، لم نجد سبيلاً إلى فهمه أو تبريره؛ تقول: «إن رسول الله (ص) كانت تأخذه الخاصرة، فيشتد به جداً، فكنا نقول: أخذ رسول الله (ص) عرق الكلية! لا نهتدي أن نقول: الخاصرة! ثم أخذت رسول الله (ص) يوماً، فاشتدت به جداً، حتى أغمي عليه، وخفنا عليه، وفزع الناس إليه فظننا أن به ذات الجنب، فلددناه، ثم سري عن رسول الله (ص) وأفاق، فعرف أنه قد لُدّ، ووجد أثر اللدود، فقال: ظننتم أن الله عز وجل سلّطها عليّ؟ ما كان الله يسلّطها عليّ! والذي نفسي بيده، لا يبقى أحد في البيت إلاّ لُدّ - إلاّ عمي! فرأيتهم يلدّونهم رجلاً رجلاً... وبلغ اللدود أزواج النبي (ص)، فلددن امرأة امرأة، حتى بلغ اللدود امرأة منا؛ قال ابن أبي الزناد: لا أعلمها إلا ميمونة؛ وقال بعض الناس: أم سلمة! قالت: إني والله صائمة! فقلنا: بئسما ظننت أن نتركك، وقد أقسم رسول الله (ص)! فلددناها والله... وإنها لصائمة»(45).
كل هذا التناقض!!!
ظلت هذه الحدة متمكنة من عائشة حتى مراحل متأخرة من حياتها. فقد روي، على سبيل المثال، أن «ابن أبي عتيق، دخل على أم المؤمنين عائشة، وهو مشتمل على قرد، وقال لها: يا أمه، بركي مني! فقالت: بارك الله فيك! قال: وفيما معي! قالت: وفيما معك! فتكشف لها عنه، فقالت: لقد هممت أن أدعو عليك بدعوة تدخل معك قبرك»(46).
إن كلّ ما سبق، وغيره كثير، يدفعنا حتماً إلى التساؤل: هل يمكن أن تكون عائشة بالفعل أحب الناس إلى قلب النبي، أو أن يكون أمر حقاً أن يأخذ المسلمون شطر دينهم عنها؟ وهل قال في الواقع: إنّ فضلها على النساء، كفضل الثريد على الطعام؟
سنروي هنا بعض الأخبار التي تشكك في ما هو متعارف عليه من أن النبي كان يحبها - ويفضّلها - على سائر أهل عصره. تقول إحدى الروايات، نقلاً عن عائشة ذاتها، «إن رسول الله (ص) أهديت له قلادة جزع، قال: لأدفعنها إلى أحب أهلي إليّ ! فقالت النساء: ذهب بها إلى ابنة أبي قحافة [عائشة]. فعلّقها في عنق أمامة بنت زينب بنت رسول الله (ص)»(47).
أما بشأن ما يُنظر إليها كأحد أهم مراجع الدين، فقد ورد في صحيح البخاري: «قام النبي (ص)، فأشار إلى مسكن عائشة، فقال: ههنا الفتنة! ههنا الفتنة! حيث يطلع قرن الشيطان»(48) ؛ وورد في صحيح مسلم: «خرج رسول الله (ص) من بيت عائشة، فقال: رأس الكفر من ههنا حيث يطلع قرن الشيطان»(49)؛ وروي عن أبي حاتم أن النبي، «قال: أطعمينا يا عائشة؟ قالت: ما عندنا شيء! فقال أبو بكر: إن المرأة المؤمنة لا تحلف أن ليس عندها شيء وهو عندها. فقال النبي: وما يدريك أنها مؤمنة!!! إن المرأة المؤمنة كالغراب الأبقع بين الغربان»(50).
III
أخلاق عائشة... ونساء النبي
إذا كانت عائشة بهذه الحدّة وتلك الأخلاق في تعاملها مع النبي، فكم بالحري أن تزداد تطرفاً في حدّتها وعنفها في التعامل مع زوجاته، اللواتي كن ينافسنها في كلّ شيء. ولما كانت أخبار عائشة مع نساء النبي الأخريات كثيرة وهامة، ارتأينا أن نقدّمها بشيء من التفصيل والتصنيف، فنجعل لكل زوجة من زوجاته الهامات فصلاً مستقلاً، ثم نجمل الباقيات الثانويات في فصل واحد.
يذكر اليعقوبي في تاريخه أن النبي تزوج بإحدى وعشرين امرأة، وقيل ثلاثاً وعشرين. وهن: خديجة، سودة، غزية أم شريك، حفصة، زينب بنت خزيمة، أم حبيبة، زينب بنت جحش، أم سلمة، جويرية بنت الحارث، صفية، ميمونة بنت الحارث، مارية أم ابراهيم؛ أما اللواتي لم يدخل بهن فهن: خولة بنت الهذيل وشراف أخت دحية الكلبي وسنا بنت الصلت اللواتي متن قبل وصولهن اليه، ريحانة بنت شمعون، أسماء بنت النعمان، قتيلة بنت قيس، عمرة بنت يزيد، العالية بنت ظبيان، وجونية أخرى غير أسماء.
آ
عائشة وخديجة
رغم أن عائشة لم ترَ خديجة قط ولم تدركها، إلاّ أن ذكر النبي إياها كان غالباً ما يجعلها محط غيرة عائشة، وبالتالي تعابيرها القاسية. ورد في أسد الغابة(1) عن عائشة، قولها: «ما غرت على أحد من أزواج النبي، ما غرت على خديجة [نلاحظ تكرار هذا القول بالنسبة لأكثر من واحدة من نساء النبي]، وما بي أن أكون أدركتها، وما ذاك إلا لكثرة ذكر رسول الله (ص) لها... ذكرها يوماً من الأيام، فأدركتني الغيرة، فقلت: هل كانت إلا عجوزاً، أبدلك الله خيراً منها؟ فغضب حتى اهتز مقدم شعره من الغضب». وفي مسند أحمد(2)، ورد قولها عن خديجة: «لقد أعقبك الله، يا رسول الله، من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين... فتغير وجه رسول الله (ص) تغيراً لم أره إلا عند نزول الوحي أو عند المخيلة حتى يعلم رحمة أو عذاب». وفي نص آخر(3) من المرجع ذاته، نجد النبي يقول عن خديجة: «ما أبدلني الله خيراً منها؛ آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله - عز وجل - ولدها، إذ حرمني أولاد النساء». - ويبدو أن الجملة الأخيرة تختصر أحد أسباب غيرة عائشة، غير المبرّرة(4)!.
في السمط الثمين(5)، نصادف عائشة تقول: «ما حسدت امرأة ما حسدت خديجة... وذلك أن رسول الله (ص) بشّرها ببيت في الجنة، لا صخب فيه ولا نصب». ويضيف ابن ماجة(6)، «من قصب، يعني من ذهب». وفي سياق حديثها عن غيرتها، تذكر عائشة أيضاً، أن النبي «كان يذبح الشاة فيتتبع بها صدائق خديجة، فيهديها لهن»(7)؛ وتضيف: «ربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة! فيقول: إنها كانت وكانت وكان لي منها ولد»(8).
يبدو أن سبباً آخر لغيرة عائشة من خديجة هو أن النبي لم يتزوج عليها حتى ماتت! فكثيراً ما نجدها تكرر هذه المقولة: «لم يتزوج النبي (ص) على خديجة حتى ماتت»(9).
أخيراً، تذكر عائشة أنه حين «استأذنت هالة بنت خويلد، أخت خديجة، على رسول الله (ص)، فعرف استئذان خديجة، فارتاع لذلك، وقال: اللهم هالة! فغرت، فقلت: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش، حمراء الشدقين، هلكت في الدهر، وأبدلك الله خيراً منها»(10). «وقال ابن التنين في سكوت النبي على هذه المقالة دليل على أفضلية عائشة على خديجة، إلا أن يكون المراد بالخيرية هنا حسن الصورة وصغر السن»(11). ويبدو أن ابن التنين لم يصادف إلا هذا النص الذي لم نجد فيه ردّاً للنبي على تلفظات عائشة!!!
ب
عائشة وسودة
رغم اتفاق الروايات على أن زواجي النبي من سودة وعائشة لم يفصل بينهما زمن طويل، فالاختلاف بين تلك الروايات كبير في تحديد التواريخ على نحو دقيق. مع ذلك، يمكن أن نستشف من أخبارة سودة في التراث الإسلامي أن تلك المرأة كانت مجرّد أرملة أقرب إلى السذاجة، متقدّمة في السن، مقارنة بعائشة أو جويرية أو صفية، لكنها ليست أكبر من النبي، ضخمة، غير جميلة إلى حد ما. وقد تزوجها النبي في مرحلة صعبة، حرجة من حياته - إضطرارياً ربما - قبيل انتقاله من مكة إلى المدينة؛ أي: في مرحلة التحول من الدوغماتية إلى البراغماتية.
لا نمتلك سوى معلومات ضئيلة عن سودة، مقارنة بغيرها من نساء النبي البارزات. وأهم ذلك أنها كانت ضمن حزب عائشة، المواجه للحزب الآخر الذي تزعمته الزوجة البارزة الاخرى ، أم سلمة. من الأمور المعروفة عن سودة، أن النبي، لما أسنّت، طلقها، أو أراد طلاقها، فوهبت «ليلتها» لعائشة، فراجعها. يذكر المنتظم(12) ، على سبيل المثال، «أن رسول الله (ص) طلّق سودة، فجعلت يومها لعائشة، فراجعها». أما المحلّى (13) ، فيذكر أن سودة «وهبت يومها وليلتها، لما أسنّت، لعائشة (رض). وجاء أنه - عليه الصلاة والسلام - أراد فراقها، فلما رغبت إليه - عليه الصلاة والسلام - في إمساكها، وتجعل يومها وليلتها لعائشة، لم يفارقها». لكن هداية الباري(14) يزعم أنها «وهبت يومها وليلتها لعائشة، تبتغي بذلك رضا رسول الله (ص)».
روي أيضاً، أن النبي «كان يسوّي مع ما أطلق له وخيّر فيه، إلاّ سودة، فإنها وهبت ليلتها لعائشة، وقالت: لا تطلّقني حتى أحشر في زمرة نسائك»(15) . وفي حديث ابن عبّاس، أن «سودة خشيت أن يطلّقها رسول الله (ص)، فقالت: يا رسول الله، لا تطلّقني، وامسكني واجعلني حتى أحشر في زمرة نسائك»(16) . وفي حديث عائشة: «ما كان رسول الله (ص) يفضّل بعضنا على بعض في القسم. وكان قلّ يوم إلاّ وهو يطيف بنا ويدنو من كلّ واحدة منا من غير مسيس، حتى ينتهي إلى التي هي يومها، فيبيت عندها. ولقد قالت له سودة بنت زمعة، وقد أراد أن يفارقها: يومي منك ونصيبي لعائشة! فقبل ذلك منها»(17) . يقدّم ابن سعد(18) ، تفاصيل أخرى، نقلاً عن عائشة: «كانت سودة بنت زمعة قد أسنّت، وكان رسول الله (ص) لا يستكثر منها، وقد علمت مكاني من رسول الله (ص)، وأنه يستكثر مني، فخافت أن يفارقها، وضنّت مكانها عنده، فقالت: يا رسول الله، يومي الذي يصيبني لعائشة، وأنت منه في حلّ. فقبله النبي (ص)، وفي ذلك نزلت: «وإن امرأة خافت من بعلها نشوزاً أو إعراضاً» (نساء 128)»(19) . يذكر المرجع ذاته تفاصيل أخرى، فيقول: «قال رسول الله (ص) لسودة بنت زمعة: اعقدي! فقعدت له على طريقه ليلة، فقالت: يا رسول الله! مابي حب الرجال، ولكني أحب أن أبعث في أزواجك، فأرجعني. فأرجعها رسول الله (ص)»(20) . وفي رواية أخرى أن «النبي (ص) بعث إلى سودة بطلاقها، فلما أتاها، جلست على طريقه لبيت عائشة، فلما رأته، قالت: أنشدك بالذي أنزل عليك كتابه واصطفاك على خلقه! لم طلقتني؟ ألموجودة وجدتها فيّ؟ قال: لا! قالت: فإني أنشدك بمثل الأولى، أما راجعتني، وقد كبرت، ولا حاجة لي في الرجال، ولكني أحب أن أبعث في نسائك يوم القيامة. فراجعها النبي (ص). قالت: فإني قد جعلت يومي وليلتي لعائشة، حبة رسول الله (ص)»(21) . وفي نصّ آخر يقال: «لما أسنت سودة عند رسول الله (ص)، همّ بطلاقها؛ قالت: لا تطلّقني، وأنت في حلّ من شأني»(22) . وهكذا، «كان رسول الله (ص) يقسم لعائشة يومين: يومها ويوم سودة»(23) . فكانت عائشة تقول: «ما رأيت امرأة أحب إليّ أن أكون في مسلاخها من سودة بنت زمعة: امرأة فيها حدّة، فلما كبرت، جعلت يومها من رسول الله (ص) لعائشة»(24) . وفي رواية أخرى، تقول عائشة عن سودة: «إنها امرأة فيها حسد»(25) .
فلماذا طلّق(أو أراد طلاق) النبي سودة، وهل كانت بالفعل مسنّة؟
من المتعارف عليه أن سودة بنت زمعة «توفيت سنة أربع وخمسين بالمدينة، في خلافة معاوية»(26) . هذا يعني أنها عاشت بعد النبي أربعين عاماً على الأقل: ونعرف أن النبي توفي في السنة الحادية عشرة للهجرة. ولو أنها توفيت وعمرها مئة عام، فالنتيجة الحتمية التي لا مفر من الوصول إليها هي أنها لم تكن تتجاوز الستين من العمر حين توفي النبي - أي: كانت أصغر منه. إذن، لم تكن سودة مسنة مقارنة بالنبي، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار زواجه الطويل من خديجة التي كانت تكبره بحوالي خمسة عشر عاماً - فلماذا طلقها؟
إضافة إلى «الحدّة» و «الحسد»، اللذين وصمتها بهما عائشة - ولا يوجد في ما بين أيدينا من أحاديث ما يشير إلى شيء من ذلك - يمكن أن نستنتج من الروايات القليلة المتعلقة بسودة صفات أخرى في هذه المرأة، لا تجعلها مرغوبة من رجل عادي، فكيف برجل قوي متنفذ متمكّن!؟
مشكلة سودة، كما أشرنا، أنها كانت زوجة من مرحلة انتقالية صعبة، وكان لا بد من التخلص منها مع زوال تلك المرحلة.
عن صفات سودة الأخرى غير
المرغوبة، تتحدّث إحدى الروايات، نقلاً عن
عائشة - الحديث هنا عن سبب نزول آية الحجاب، والأمر غير متفق عليه -
فتقول: «كان أزواج رسول الله (ص) يخرجن بالليل، إلى حوائجهن بالمناصع. فكان عمر [بن
الخطاب] يقول لرسول الله: أحجب نساءك!!! فلم يكن يفعل!!! فخرجت سودة ليلة من
الليالي، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة!
حرصاً!!! على أن ينزل الحجاب»(27)
.
كانت سودة «امرأة يفرع الناس من جسمها»(28) ، وكانت «ثبطة، ثقيلة»، لطالما استأذنت النبي «في الإفاضة قبل الصبح من جمع»(29) .
إضافة إلى ضخامة سودة التي، على ما يبدو، لم تكن طبيعية، فالمصادر الإسلامية توحي أيضاً بأنها كانت تمتلك صفات أخرى جعلتها غير مرغوبة: من ذلك البساطة التي قد تلامس السذاجة أحياناً. يروي أسد الغابة الحدث التالي: «أن عائشة وحفصة (رض) كانتا جالستين تتحدثان، فأقبلت سودة زوج النبي (ص)، فقالت إحداهن للأخرى: أما ترين سودة ما أحسن حالها! لنفسدنّ عليها! وكانت من أحسنهن حالاً! كانت تعمل الأديم الطائفي. فلما دنت منهما، قالتا لها: يا سودة، أما شعرت؟ قالت: وما ذلك؟ قالتا: خرج الأعور الدجال! ففزعت، وخرجت حتى دخلت خيمة لهم، يوقدون فيها، وكان في مائتيها زعفران، فأقبل النبي (ص) فلما رأتاه استضحكتا، وجعلتا لا تستطيعان أن تكلماه، حتى أومأت إليه، فذهب حتى قام على باب الخيمة، فقالت: يا نبي الله! خرج الأعور الدجال؟! فقال: لا، ولا كان قد خرج! فخرجت، وجعلت تنفض عنها نسيج العنكبوت»(30) . - لا بد أن نلاحظ هنا جملة «كانت من أحسنهن حالاً».
وتقول رواية أخرى، نقلاً عن عائشة: «أتيتُ رسول الله (ص) بحريرة، طبختها له، فقلت لسودة، والنبي (ص) بيني وبينها: كلي! فأبت، فقلت لها: كلي، وإلا لطخت وجهك! فأبت، فوضعت يدي على الحريرة فطليت بها وجهها، فضحك النبي (ص)، ووضع فخذه لها، وقال لسودة: ألطخي وجهها! فلطخت وجهي، فضحك النبي»(31) . - لا بد أن نلاحظ هنا أيضاً فرق السن المفترض بين الاثنتين.
صراعات لا بد منها:
رغم أن سودة كانت من حلف عائشة، فهذا لم يمنع الأخيرة أن تكيد لها وتضايقها - لكن ليس بأسلوب تعاملها مع الحلف المعادي. يحكي أحد المصادر أن عائشة «سمعت سودة تنشد: عدي وتيم تبتغي من تحالف. فقالت عائشة لحفصة: ما تعرّض إلا بي وبك يا حفصة، فإذا رأيتني أخذت برأسها، فأعينيني! فقالت: فأخذت برأسها، وخافت حفصة، فأعانتها. وجاءت أم سلمة، فأعانت سودة. فأتى النبي (ص)، فأُخبر وقيل له: أدرك نساءك يقتتلن! فقال: ويحكن! مالكن؟ فقالت عائشة: يا رسول الله، ألا تسمعها، تقول: عدي وتيم تبتغي من تحالف؟ فقال: ويحكن! ليس عديكن ولا تيمكن؛ إنما هو عدي تميم وتيم تميم»(32) .
لا يبدو أن سودة استطاعت أن تنجو من براثن أسطورة المغافير الشهيرة. ففي إحدى نسخ الأسطورة، نجدها مستهدفة من عائشة وحفصة: «كان رسول الله (ص) يشرب عند سودة العسل، فدخل على عائشة، فقالت: إني أجد ريحاً! حتى دخل على حفصة، فقالت له مثل ذلك، فقال: أراه من شراب شربته عند سودة، والله لا أشربه! فنزلت: «يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك»» (33) .
نسخة ثانية، أكثر أهمية، تقدّمها لنا عائشة، التي تقول: «كان رسول الله (ص) يحب الحلوى ويحب العسل. وكان إذا صلّى العصر، دار على نسائه، فيدنو منهن. فدخل على حفصة، فاحتبس عندها أكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك، فقيل لي: أهدت لها امرأة من قومها عكة عسل، فسقت رسول الله (ص) منه. فقلت: أما - والله - لنحتالن له!!! فذكرت ذلك لسودة، وقلت: إذا دخل عليك، فإنه سيدنو منك، فقولي له: يا رسول الله! قد أكلت مغافير؟ فإنه سيقول لك: لا! فقولي له: ما هذه الريح؟ وكان رسول الله (ص) يشتد عليه أن يوجد منه ريح. فإنه سيقول لك: سقتني حفصة شربة عسل. فقولي له: جرست نحله العرفط. وسأقول له ذلك. فقولي له أنت يا صفية. فلما دخل على سودة، قالت سودة: والله الذي لا إله إلا هو، لقد كدت أن أبادئه بالذي قلت لي، وإنه لعلى اللباب، فرقاً منك. فلما دنا رسول الله (ص)، قلت: يا رسول الله، أكلت مغافير؟ قال: لا! قلت: فما هذه الريح؟ قال: جرست نحلة العرفط. فلما دخل علي، قلت له مثل ذلك. ثم دخل على صفية، فقالت له مثل ذلك. فلما دخل على حفصة، قالت: يا رسول الله، ألا أسقيك منه؟ قال: لا حاجة لي به! قالت: تقول سودة: سبحان الله، والله لقد حرمناه!! قلت لها: اسكتي»(34) .
أسطورة المغافير، رغم تبعثرها في معظم زوايا التراث الإسلامي، مخترعة في اعتقادنا، للتغطية على القصة الحقيقية الكامنة خلف سورة التحريم، والتي سنناقشها لاحقاً في فصل «عائشة ومارية».
ج
عائشة... وحفصة
كانت حفصة بنت عمر بن الخطاب أقرب نساء النبي إلى عائشة، وإحدى أهم ركائز حزبها. لكن يبدو أن محبة النبي لها لم تكن بقدر محبته لنسائه الأخريات.واحتفاظه بها ضمن نسائه، على ما يبدو، كان فقط لانها ابنة الرجل القوي، عمر بن الخطاب. وذكرها القليل نسبياً في التراث الإسلامي، ارتبط على نحو شبه مستمر بقصص مؤامراتها مع عائشة ضد النبي أو ضد نسائه الأخريات. وإذا ما تجاهلنا أسطورة المغافير الشهيرة، فإن نصوص تفاسير سورة التحريم تتضمن أكثر الإشارات إلى حفصة في التراث الإسلامي، حيث الكلام عن تكليف الله «عائشة وحفصة بالتوبة»(35) ، بعد الذي بدا منهما حين اكتشفتا أن النبي يضاجع مارية القبطية، جاريته، في فراش حفصة.(لا يوجد اتفاق شامل في المصادر الاسلامية حول ما اذا كان فعل المضاجعة حدث في فراش حفصة أم في فراش عائشة) - والقصة ستناقش في فصل «عائشة ومارية».
يبدو أن مشاكل حفصة مع النبي كانت كثيرة، حتى أنه طلّقها - على الأرجح - أكثر من مرة. فيقال إن عمر «دخل على حفصة، وهي تبكي. فقال: ما يبكيكِ؟ لعلّ رسول الله (ص) طلقك؟ إن كان طلقك مرة ثم راجعك من أجلي! والله لئن طلقك مرة أخرى، لا أكلمك أبداً»(36) . ويؤكد القرطبي أن النبي « تزوجها ثم طلقها »(37) . وتقول رواية أخرى، إن النبي طلّق «حفصة، فأتت أهلها، فأنزل الله تعالى: «يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن» [طلاق1]؛ فقيل له: راجعها، فإنها صداقة قوامة، وهي من أزواجك ونسائك في الجنة»(38) .
يبدو أن مشكلة حفصة، كانت عائشة: فقد أرادت أن تلعب في حياة النبي ونسائه دور عائشة، دون أن تمتلك ما يؤهلها لذلك. وكما أشرنا، فقد كان عمر، أبوها، يقول لها: «لا يغرنك حب رسول الله عائشة وحسنها أن تراجعيه بما تراجعه عائشة»(39) ؛ أو: «لعلك تراجعين النبي بمثل ما تراجعه به عائشة؛ إنه ليس لك مثل حظوة عائشة، ولا حسن زينب»(40) .
قليلة جداً هي الأخبار حول علاقة عائشة بحفصة: إذا ما استثنينا قصة مارية. من ذلك، ما قالته عائشة: «أهديت لحفصة شاة، ونحن صائمتان، ففطرتني، فكانت ابنة أبيها. فلما دخل علينا رسول الله (ص)، ذكرنا ذلك له، فقال: أبدلا يوماً مكانه»(41) . ومرة أخرى، «دخلت حفصة على عائشة، زوج النبي (ص)، وعلى حفصة خمار رقيق، فشقته عائشة، وكستها خماراً كثيفاً»(42) . - ولا نعرف إذا كان ذلك يوحي برقة الدين عند حفصة: أم بشيء آخر!!
رغم العلاقة الحميمة الشهيرة التي ربطت عائشة بحفصة، فقد كان لا بد من حضور غيرة الأولى، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بالتنافس على قلب النبي: «قالت عائشة: كان رسول الله (ص) إذا خرج أقرع بين نسائه، فطارت القرعة على عائشة وحفصة، فخرجتا معه جميعاً. وكان رسول الله (ص) إذا كان بالليل، سار مع عائشة يتحدّث معها، فقالت حفصة لعائشة: ألا تركبين الليلة بعيري وأركب بعيرك، فتنظرين وأنظر؟ قالت: بلى! فركبت عائشة على بعير حفصة، وركبت حفصة على بعير عائشة، فجاء رسول الله (ص) إلى حمل عائشة وعليه حفصة، فسلّم ثم سار معها، حتى نزلوا وادياً، فافتقدته عائشة، فغارت، فلما نزلوا جعلت تجعل رجليها بين الأذخر، وتقول: يا ربّ، سلّط عليّ عقرباً أو حية تلدغني؛ رسولك ولا أستطيع أن أقول شيئاً»(43) .
د
عائشة... وأم سلمة
في السنة الرابعة للهجرة على الأرجح، «تزوج رسول الله (ص) أم سلمة بنت أبي أمية، ودخل بها»(44) . «واسمها هند... وكانت قبله عند أبي سلمة بن عبد الأسد... [والذي] شهد بدراً... وأصابته جراح يوم أحد، فمات منها، وكان ابن عمة رسول الله ورضيعه... فتزوجها [النبي] قبل الأحزاب سنة ثلاث»(45) للهجرة.
لقد أحدث زواج النبي بأم سلمة شرخاً في علاقته بعائشة. يذكر المنتظم(46) عن النبي قوله: «إن لعائشة مني شعب ما نزلها مني أحد. فلما تزوج أم سلمة، سئل، فقيل: يا رسول الله! ما فعلت الشعب؟ فسكت، فعرف أن أم سلمة قد نزلت عنده». بالمقابل، تقول عائشة ذاتها: «لما تزوج رسول الله (ص) أم سلمة، حزنت حزناً شديداً، لما ذكر الناس جمالها. فتلطفت حتى رأيتها، فرأيتها والله أضعاف ما وصفت لي في الحسن والجمال، فذكرت ذلك لحفصة، وكانتا يداً واحدة، فقالت: والله إن هذه إلا الغيرة؛ ما هي كما تقولين! فتلطفت لها حفصة حتى رأتها، فقالت: والله ما هي كما تقولين ولا قريب، وإنها لجميلة»(47) . ويضيف مصدر آخر، أن عائشة قالت، رداً على ما ذكرته لها حفصة: «فرأيتها بعد، فكانت - لعمري - كما قالت حفصة، ولكني كنت غيرى»(48) .
من أبرز سمات الغيرة عند عائشة، تكسيرها لصحف نساء النبي الأخريات. يذكر النسائي(49) ، على سبيل المثال، عن أم سلمة، «أنها أتت بطعام في صحفة لها إلى رسول الله (ص) وأصحابه، فجاءت عائشة (رض) مستترة بكساء، ومعها فهر، فتلقت به الصحفة، فكسرتها، فجمع رسول الله (ص) بين فلقتي الصحفة، يقول: غارت أمكم، غارت أمكم». بالمقابل، فإن أم سلمة اعتذرت بادئ ذي بدء عن الزواج بالنبي، متذرعة أيضاً بأنها «غيرى»(50) .
يروي ابن سعد(51) الحكاية التالية، نقلاً عن عائشة: «دخل عليّ يوماً رسول الله (ص)، فقلت: أين كنت منذ اليوم؟ قال: يا حميراء، كنت عند أم سلمة! فقلت: ما تشبع من أم سلمة؟! فتبسم، فقلت: يا رسول الله، ألا تخبرني عنك لو أنك نزلت بعدوتين إحداهما لم ترع والأخرى قد رعيت، أيهما كنت ترعى؟ قال: التي لم ترع. قلت: فأنا ليس كأحد من نسائك». بالمقابل، فعلى ما يبدو لم تكن أم سلمة ترتاح لعائشة. فذات مرّة قال لها النبي: «يا أم سلمة، لا تؤذيني [في عائشة]، والله ما نزل عليّ الوحي وأنا في لحاف امرأة منكن غيرها»(52) .
وهكذا يذكر البخاري في صحيحه(53) «أن نساء رسول الله (ص) كن حزبين: فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية وسودة؛ والحزب الآخر، أم سلمة وسائر نساء رسول الله (ص)». وفي الصراع المادّي بين الحزبين، كانت أم سلمة الناطق باسم حزبها ضد عائشة، التي كان المسلمون يخصون النبي بهداياهم في يومها(54) .
المغافير... أيضاً:
يبدو أن أسطورة المغافير، التي لم تنج من براثنها معظم نساء النبي، طاولت أيضاً، في إحدى نسخها، أم سلمة. روى ابن سعد في طبقاته(55) ، نقلاً عن عائشة: «كان رسول الله قلّ يوم إلاّ وهو يطوف على نسائه، فيدنو من أهله، فيضع يده! ويقبّل كلّ امرأة من نسائه! حتى يأتي على آخرهن، فإن كان يومها قعد عندها، وإلا قام! فكان إذا دخل بيت أم سلمة، يحتبس عندها. فقلت [عائشة]، أنا وحفصة، وكانتا جميعاً يداً واحدة: ما نرى رسول الله يمكث عندها إلا أنه يخلو عندها - تعنيان الجماع! - واشتد ذلك علينا حتى بعثنا من يطلع لنا ما يحبسه عندها، فإذا هو صار إليها، أخرجت له عكة من عسل، فتحت له فمها، فيلعق منه لعقاً: كان العسل يعجبه. فقالتا: ما من شيء نكرّهه إليه حتى لا يلبث في بيت أم سلمة. فقالتا: ليس شيء أكره إليه من أن يقال له: نجد منك ريح. فإذا جاءك فدنا منك، فقولي: إني أجد منك ريح شيء؛ فإنه يقول: من عسل أصبته عند أم سلمة. فقولي له: ما أرى نحله إلا جرس عرفطاً! فلما دخل على عائشة، فدنا منها، قالت: إني لأجد منك شيئاً، ما أصبت؟ فقال: عسل من بيت أم سلمة. فقالت: يا رسول الله! أرى نحله جرس عرفطاً. ثم خرج من عندها، فدخل على حفصة، فدنا منها، فقالت مثل الذي قالت عائشة. فلما قالتا جميعاً، اشتد عليه، فدخل على أم سلمة بعد ذلك، فأخرجت له العسل، فقال: أخّريه عني، لا حاجة لي فيه. فقالت[عائشة]: فكنت والله أرى أن قد أتينا أمراً عظيماً - منعنا رسول الله شيئاً كان يشتهيه».
ومضات أخلاقية:
حدث آخر يذكره أحمد في مسنده(56) نقلاً عن عائشة، يلقي بعض الضوء على السوية الأخلاقية الرفيعة التي كانت سائدة في البيت النبوي. قالت عائشة: «كانت عندنا أم سلمة، فجاء النبي (ص) عند جنح الليل فذكرت شيئاً صنعه بيده، وجعل لا يفطن لأم سلمة، وجعلت أومئ إليه، حتى فطن. قالت أم سلمة: أهكذا الآن! أما كانت واحدة منا عندك إلا في خلابة كما أرى! وسبّت عائشة!!! وجعل النبي (ص) ينهاها، فتأبى!!! فقال النبي (ص) [لعائشة]: سبيها!!!! فسبتها!!!! حتى غلبتها(57) !!!! فانطلقت أم سلمة إلى عليّ وفاطمة، فقالت: إن عائشة سبتها، وقالت لكم وقالت لكم. فقال عليّ لفاطمة: اذهبي إليه، فقولي: إن عائشة قالت لنا، وقالت لنا! فأتته، فذكرت ذلك له! فقال لها النبي (ص): إنها حبّة أبيك وربّ الكعبة. فرجعت إلى علي، فذكرت له الذي قال لها فقال: أما كفاك ألا أن قالت لنا عائشة وقالت لنا، حتى أتتك فاطمة فقلت لها: إنها حبة أبيك، ورب الكعبة». - والواقع أن عليّ وفاطمة كانا من أكبر الداعمين لحزب أم سلمة، التي ظلت بجانبه حتى موته.
أخيراً، يبدو أن أم سلمة ظلت تنافس عائشة على قلب النبي حتى لحظاته الأخيرة. إذ لما «همّ رسول الله أن يطلّق بعضهن [نساؤه]، جعلنه في حلّ لما خشي أزواج النبي أن يفارقهن، قلن: إرض لنا من نفسك ومالك ما شئت! فأمره الله، فأرجأ خمساً، وآوى أربعاً»(58) . وكان الأمر في آية: «ترجئ من تشاء منهن»(59) [أحزاب 51]. ورغم الاختلاف في اللاتي عزلهن، إلا أن هنالك شبه إجماع على أنه ظل يأتي «عائشة وأم سلمة»(60) .
هـ
عائشة... وزينب بنت جحش
في السنة الخامسة للهجرة، «تزوج رسول الله (ص) زينب بنت جحش»(61) . و«كانت ممن هاجر مع رسول الله (ص)، وكانت امرأة جميلة(62) »(63) .كانت زينب متزوجة قبل النبي من زيد بن حارثة: فمن هو زيد، وكيف تزوجته زينب؟
زيد بن حارثة هو «رجل من بني كلب سُبي صغيراً. وكانت العرب في جاهليتها يتغاورون ويتسابون. فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة. فلما تزوجها محمد (ص)، وهبته له. وطلبه أبوه وعمّه، فخُيّر، فاختار رسول الله (ص)، فأعتقه. وكانوا يقولون: زيد بن محمد»(64) . «خطب رسول الله (ص) زينب بنت جحش، بنت عمته أميمة بنت عبد المطلب، على مولاه زيد بن حارثة، فأبت، وأبى أخوها عبد الله، فنزلت! [الآية 36 من الأحزاب: «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً»]، فقالا: رضينا يا رسول الله! فأنكحه إياها، وساق عنه إليها مهرها: ستين درهماً، وخماراً وملحفة وإزاراً، وخمسين مدّاً من طعام، وثلاثين صاعاً من تمر»(65) . وتؤكد رواية أخرى الأحداث السابقة، فتقول: «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. المؤمن: عبد الله بن جحش؛ والمؤمنة: زينب أخته، في الزواج من زيد»(66) . ويفصّل ابن كثير المسألة في تفسيره(67) ، فيقول: ««وما كان لمؤمن ولا مؤمنة»، وذلك أن رسول الله (ص) انطلق يخطب على فتاه، زيد بن حارثة (رض)، فدخل على زينب بنت جحش الأسدية (رض)، فخطبها، فقالت: لست بناكحته! فقال رسول الله (ص): بل فانكحيه! قالت: يا رسول الله، أؤامر في نفسي؛ فبينما هما يتحدّثان، أنزل الله هذه الآية على رسول الله... فقالت: قد رضيته لي يا رسول الله منكحاً... [وفي رواية]، قالت: أنا خير منه حسباً. وكانت امرأة فيها حدّة». و «أصدقها عشرة دنانير وستين درهماً، وخماراً وملحفة ودرعاً، وخمسين مدّاً من طعام، وعشرة أمداد من تمر»(68) . ويضيف القرطبي في تفسيره للآية 36 من الأحزاب ما يلي: « أن رسول الله (ص) خطب زينب بنت جحش، وكانت بنت عمته، فظنت أن الخطبة لنفسه. فلما تبين أنه يريدها لزيد، كرهت وأبت وامتنعت، فنزلت الآية، فأذعنت زينب وتزوجته. وفي رواية [أخرى]: فامتنعت وامتنع أخوها عبد الله لنسبها من قريش، وأن زيداً كان بالأمس عبداً، إلى أن نزلت هذه الآية ». ورغم أن ذلك يتناقض تماماً مع سياق آيات السورة، إلا أن القرطبي يضيف في الموضع ذاته رواية تقول: « إنها نزلت في أم كلثوم بنت أبي معيط(69) ، وكانت وهبت نفسها للنبي (ص)، فزوجها من زيد بن حارثة، فكرهت ذلك هي وأخوها ».
ويذكر الطبري في تفسيره للآية الآنفة الذكر نصاً مطابقاً لنص ابن كثير؛ ونصاً آخر قريباً من نص رواية القرطبي الأولى. دون أن ينسى طبعاً إشارة سريعة لحكاية أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط.
زواجها من النبي:
بعد أن تزوج زيد من زينب، «جاء رسول الله (ص) بيت زيد بن حارثة، وكان زيد ابن حارثة إنما يقال له: زيد بن محمد! فربما فقده رسول الله (ص) الساعة، فيقول: أين زيد؟ فجاء منزله يطلبه، فلم يجده، وقامت إليه زينب بنت جحش فضلاً، فأعرض عنها رسول الله (ص)، فقالت: ليس هو هاهنا! يا رسول الله! ادخل!... فأبى... وإنما عجّلت زينب أن تلبس حين قيل لها: رسول الله (ص) على الباب، فوثبت عجلة، فأعجبت!! رسول الله (ص)، فولى وهو يهمهم بشيء لا يكاد يفهم، إلا أنه أعلن: سبحان الله العظيم! سبحان الله مصرف القلوب!... فجاء زيد... فقال له: لعل زينب أعجبتك؟... فقال رسول الله (ص): أمسك عليك زوجك... ففارقها زيد، واعتزلها، وحلّت... فبينا رسول الله (ص) يتحدّث مع عائشة، إذ أخذت رسول الله (ص) غشية، فسرّى عنه وهو يبتسم، ويقول: من يذهب إلى زينب يبشرها، يقول: إن الله!!! زوجنيها؟»(70) . وتقول رواية أخرى: «كان النبي (ص) قد زوّج زيد بن حارثة زينب بنت جحش، ابنة عمته، فخرج رسول الله (ص) يوماً يريده، وعلى الباب ستر من شعر، فرفعت الريح الستر، فانكشفت وهي في حجرتها حاسرة، فوقع إعجابها في قلب النبي (ص)، فلما وقع ذلك، كُرِّهت إلى الآخر... فجاء، فقال: يا رسول الله! إني أريد أن أفارق صاحبتي»(71) . وتقول رواية ثالثة: «إن رسول الله (ص) أبصرها بعدما أنكحها إياه [زيد بن حارثة]، فوقعت في نفسه، فقال: سبحان الله مقلب القلوب! وذلك أن نفسه كانت تجفو عنها قبل ذلك لا تريدها، ولو أرادتها لاختطبها، وسمعت زينب بالتسبيحة، فذكرتها لزيد، ففطن وألقى الله! في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لرسول الله (ص)، فقال لرسول الله (ص): إني أريد أن أفارق صاحبتي! فقال [النبي]: مالك، أرابك منها شيء؟ قال: لا والله، ما رأيت منها إلا خيراً، ولكنها تتعظّم عليّ لشرف وتؤذيني. فقال: أمسك عليك زوجك واتق الله! ثم طلّقها بعد؛ فلما اعتدت، قال رسول الله (ص) [لزيد]: ما أجد أحداً أوثق في نفسي منك، اخطب عليّ زينب! قال زيد: فانطلقت، فإذا هي تخمر عجينتها، فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها [هذا يناقض ما قيل حول إيقاع الله لكراهيتها في صدره]، حين علمت أن رسول الله (ص) ذكرها، فوليت ظهري، وقلت: يا زينب! ابشري! إن رسول الله يخطبك. ففرحت، وقالت: ما أنا بصانعة شيء حتى أؤامر ربي [كذا]! فقامت إلى مسجدها، ونزل القرآن «زوجناكها»، فتزوجها رسول الله (ص)، ودخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ما أولم عليها: ذبح شاة وأطعم الناس الخبز واللحم حتى امتد النهار»(72) .
يذكر الطبري أيضاً، «أن زينب بنت جحش، فيما ذُكر، رآها رسول الله (ص) فأعجبته، وهي في حبال مولاه، فألقي في نفس زيد كراهتها»(73) . ويقول المرجع ذاته في رواية أخرى، «كان النبي (ص) قد زوّج زيد بن حارثة زينب بنت جحش، ابنة عمته، فخرج رسول الله (ص) يوماً يريده، وعلى الباب ستر من شعر، فرفعت الريح الستر، فانكشفت، وهي في حجرتها حاسرة، فوقع إعجابها في قلب النبي (ص)»(74) .
من ناحية أخرى، يضيف القرطبي تفاصيل أخرى، فيقول: «إنه عليه السلام، أتى زينب يوماً يطلبه [زيد]، فأبصر زينب قائمة، وكانت بيضاء جميلة جسيمة، من أتم نساء قريش، فهويها، وقال: سبحان الله مقلب القلوب! فسمعت زينب بالتسبيحة، فذكرتها لزيد.. وقيل إن الله بعث ريحاً فرفعت الستر، وزينب متفضلة في منزلها، فرأى زينب، فوقعت في نفسه»(75) .
إذن، بحسب القرطبي، فإن النبي «وقع منه استحسان لزينب بنت جحش، وهي في عصمة زيد، وكان حريصاً على أن يطلقها زيد، فيتزوجها هو»(76) . لكن الغريب، أن تقول زينب، بحسب القرطبي ذاته: « ولم يستطعني زيد، وما امتنع منه غير ما منعه الله مني فلا يقدر علي. وفي بعض الروايات: أن زيداً تورّم (!!!) منه ذلك، حين أراد أن يقربها»(77) .
تقول رواية رابعة عن أنس: «لما انقضت عدّة زينب (رض)، قال رسول الله (ص) لزيد بن حارثة: اذهب فاذكرها علي! فانطلق حتى أتاها، وهي تخمّر عجينتها، قال: فلما رأيتها، عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن أنظر إليها؛ وأقول: إن رسول الله (ص) ذكرها! فوليتها ظهري، ونكصت على عقبي، وقلت: يا زينب! ابشري! أرسلني رسول الله (ص) يذكرك! فقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي عز وجلَّ!!! فقامت إلى مسجدها، فنزل القرآن، وجاء رسول الله (ص) فدخل عليها بلا إذن! ولقد رأيتنا حين دخلت على رسول الله (ص) وأطعمنا عليها الخبز واللحم. فخرج الناس وبقي رجال يتحدّثون في البيت بعد الطعام. فخرج رسول الله (ص) واتبعته، فجعل (ص) يتتبع حجر نسائه، يسلّم عليهن، ويقلن: يا رسول الله، كيف وجدت أهلك؟ فما أدري: أنا أخبرته أن القوم قد خرجوا أو أُخبر؛ فانطلق حتى دخل البيت، فذهبت أدخل معه، فألقي الستر بيني وبينه، ونزل الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به: «لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم»»(78) . لكن الطبري(79) يذكر أن التي بشّرتها بتدخّل الله ذاته في الأمر هي «سلمى خادم رسول الله (ص)... فأعطتها أوضاحاً عليها».
أخيراً، تبسّط إحدى الروايات القصة كلها باختصار مفيد، فتقول: «كان النبي خطبها [زينب] أولاً لمولاه زيد بن حارثة، فترفّعت عليه لشرف نسبها وجمالها، وساعدها أخوها، عبد الله بن جحش، فأنزل الله عز وجل فيهما: «وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً». فلما سمعت بذلك، رضيا طاعة لله ولرسوله، فأنكحها النبي (ص) زيداً، فمكثت عنده ما شاء الله. ثم رآها النبي (ص) يوماً متزينة، فأعجبته، ورغب في نكاحها، لو طلّقها زيد. فأوقع الله كراهيتها في قلب زيد، فجاء إلى النبي (ص) يستأمره في فراقها، فقال له: أمسك عليك زوجك، واتق الله في طلاقها من سبب. فأبى إلا طلاقها، وطلّقها... ولما انقضت عدّتها، بعثه النبي (ص) إليها ليخطبها له. قال زيد: ما أستطيع النظر إليها إجلالاً للنبي (ص)! فوليتها ظهري، وقلت: يا زينب! أرسلني رسول الله (ص) إليك يذكرك. فقالت: ما أنا بصانعة شيئاً.. أو أمر ربي. فقامت إلى مسجدها، تصلّي الاستخارة... وأنزل القرآن: «فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها»»(80) .
نسف التبنّي:
كان طبيعياً بالتالي أن يكمل الله معروفه، بعدما زوّج زبنب مرتين في زمن قياسي، بأن يلغي التبنّي، مرّة وإلى الأبد: حتى لا يقال إن محمداً تزوج زوجة ابنه.يروي النسائي(81) : «تبنّى رسول الله (ص) زيداً، وكان من تبنّى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس ابنه، فورث في ميراثه» ؛ ثم يكمل(82) : «فلما أنزل الله عز وجل : «ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله» ، ردّ كلّ أحد ينتمي من أولئك إلى أبيه ، فإن لم يكن يعلم أبوه ردّه إلى مواليه». ويروي مسلم(83) عن عائشة، قولها: «لو كان رسول الله (ص) كاتماً شيئاً من الوحي لكتم هذه الآية: «وإذ تقول للذي أنعم الله عليه» - يعني: بالاسلام؛ «وأنعمت عليه» - يعني: بالعتق، فأعتقته؛ «أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه» ؛ إلى قوله: «وكان أمر الله مفعولا». وإن رسول الله (ص) لما تزوجها [زينب]، قالوا: تزوج حليلة ابنه! فأنزل الله: «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين». وكان رسول الله تبناه وهو صغير، فلبث حتى صار رجلاً، يقال له: زيد بن محمد! فأنزل الله: «ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله، فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم»، فلان مولى فلان وفلان أخو فلان، «هو أقسط عند الله»، يعني: أعدل». ويقول القرطبي إن الآية السابقة نزلت « لما تزوج [النبي] زينب بنت جحش، قال الناس: تزوج امرأة ابنه »(84) .
ويقول ابن كثير(85) في تفسيره للآية 40 من سورة الأحزاب: «وما جعل أدعياءكم أنبياءكم»: «نزلت في شأن زيد بن حارثة (رض)، مولى النبي (ص)، كان النبي قد تبناه قبل النبوة، فكان يقال له: زيد بن محمد! فأراد الله تعالى أن يقطع هذا الإلحاق وهذه النسبة». وبرأي ابن كثير(86) أيضاً، أن الله قال: «لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً»، إنها نزلت حين «تزوج رسول الله (ص) بزينب بنت جحش مطلقة زيد بن حارثة (رض)».
هنا، لا بدّ من تقديم الملاحظات التالية:
1 - زينب بنت جحش هذه ليست سوى امرأة بيضاء سمينة، جميلة بمعايير ذلك الزمان - وتلك هي ميزتها الوحيدة. وزواج النبي بها لم تكن له أدنى فائدة إن على الصعيد الاجتماعي أو السياسي.
2 - تدخل الإله مرتين على الأقل في الشؤون العاطفية لهذه المرأة غير المتميزة. بل يقال إنه تدخل ثلاث مرات، إذا ما أضفنا إلى ما سبق، تدخله في مسألة الحجاب، بعد أن تزوجها النبي وأراد الخلو بها، وتابع بعض الثقلاء جلوسهم(87) . لكن المسألة الأخيرة غير متفق عليها بالكامل إسلامياً كعلّة لفرض الحجاب.
3 - كان زواج زينب من زيد وطلاقها منه ثم زواجها من النبي سريعاً للغاية، إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أن الآيات المواكبة لتلك الأحداث تنتمي كلها إلى نص موحد، صغير في سورة الأحزاب (36 - 39).