|
هــيــئــة الــتــحــريــر |
كــــتـــــابـــــات |
الكتابات المشاركة تمثل رأي اصحابها |
||||
|
انــــــتــــــم |
صــحــيــفــة عــامــة مــســتــقــلــة |
الــبــدايــة |
||||
|
المالك ومـراقـب الـتـحـريـر |
تحتضن الرأي وتساند الرأي الآخر |
1 ايـــلـــول 2002 |
||||
|
ايـــاد الـــزامـــلـــي |
مسائية يومية تصدر الساعةGMT21:00 |
|||||
| الصفحة الرئيسية | محاور | بحوث ودراسات | كــــــــتــــــــــــب | كتب | الارشيف | كلمة التحرير |
|
لـ عمار البغدادي لـمحات من حياة الإمام السيستاني .. فقيه عصرٍ ورجل سياسة كلمـة لابــد منهــا.. هذا الكتاب محاولة فكرية متواضعة وسريعة لقراءة واكتشاف الفضاء الفقهي والأصولي والاجتماعي والسياسي لسماحة الـمرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد علي السيستاني، وخطوة (أعتبرها أساسية) في تناول سيرة الرجل ومسيرته وعلاقته بالأمة واستشرافه لأفق المسألة الشرعية ودوره الاستثنائي بنقلها من دائرة التوجهات الدينية المحددة عادة بمسارات عبادية ومعاملاتية ضيقة إلى دائرة تفعيل حركة الأمة عبـر محاكمة الواقع وتحريكه. والكتاب يستمد حيويته وفعاليته المعرفية والثقافية والسياسية مما يجري في الواقع السياسي العراقي والعربي والإسلامي من تحديات ومواجهات لا يمكن الوقوف بوجهها واستيعاب صدماتها المستمرة وزخمها وطاقتها العالية إلا بالاعتماد على المرجعية الدينية ذات الخطاب التنويري الذي يعمل على أساس إنقاذ الأمة ووجودها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإنساني وبسط يد الحرية والاستقلال والكرامة وإحلال بديلها التاريخي وموروثها النظيف كبديل شرعي غير مستورد ولا يتكأ على المفاهيم الوافدة قاعدة للتنوير والحداثة والتعددية والديمقراطية. إن الإمام السيستاني حفظه الله تعالى مرجع ديني كبير تبوأ مكانة المرجعية الدينية بجدارة وقوة وواقعية وثنيت له الوسادة باعتباره المرجع الأكبر بالنظر لما تمتع به الرجل من مواصفات وشروط تاريخية مغايرة بالقياس إلى نمط المرجعيات الدينية التي تتالت على حاكمية قرار المرجعية الدينية في النجف الأشرف لكن أبرز ما يميز سماحة الإمام أنه يعمل دائماً على ترسيخ مبادئ المجتمع العراقي الواحد ـ المجتمع المتسالم على ثوابته الدينية والفكرية والوطنية ـ والمتصالح مع نفسه بجميع مكوناته الدينية والإثنية المتواصل مع محيطه العربي والإسلامي والأسرة الدولية بوصفه يشكل محوراً مهماً من محاور إنتاج الثقافة الإنسانية وتأصيلها في الذاكرة. وبذلك كان الإمام مستمعاً جيداً للأفكار والمفاهيم السياسية ومحاوراً مجيداً عن كل ما يمت بصلة لركائز بناء مستقبل البلاد والحياة السياسية والاجتماعية وإخراج البلاد من دائرة الاحتلال إلى حيز الحرية والاستقلال وإقامة النظام الوطني على يد العراقيين أنفسهم. ومن هنا ركز الكتاب فيما ركز عليه على الجوانب السياسية الخاصة بالبلاد والمستقبل والحرية والديمقراطية والتعددية والجهود المبذولة من قبل كل الأطراف الأساسية المعنية بالانتقال الدستوري من الدولة المستبدة العنفية إلى الدولة الديمقراطية. مثلما ركز على جهود الإمام التي يبذلها من أجل حث الأطراف على إيجاد حلول حقيقية للبلاد وعدم الاصطدام الداخلي إنقاذاً للوطن والأمة من مشاريع التشرذم والانقسامات والمواجهات سعياً للتواصل مع مشروع التنمية وإعادة الإعمار والبدء بمسيرة الـمصالحة الوطنية للخروج من هذه الدوامة والاضطلاع بالـدور الـمفترض أن تلعبه بغداد كعاصمة لإنتاج الثقافة بعد أكثر من ثمانية عقود من التغييب والتجاوز ـ أي بعد تشكيل الدولة العراقية عام 1921م. إن الإمام السيستاني حفظه اللـه هو إمام الـمسحوقين والـمحرومين والمستضعفين في العراق من الذين مورست ضدهم مختلف أساليب التجاوز والإذلال والعزل الثقافي والسياسي والاجتماعي والأمني الـمنظم وتحولوا بفعل تلك الممارسات والأساليب إلى قطيع أغنام لا إلى بشر في مزارع السلطة الديكتاتورية الإرهابية في بغداد وهو اليوم يمارس دور إخراج هؤلاء المسحوقين من دائرة العزلة والتجاوز إلى حيز تنظيم شروط مواطنتهم العراقية من دائرة اعتبارهم عبيداً للسلطة إلى دائرة اعتبارهم مواطنين من الدرجة الأولى في سلطة جاءت لتخدمهم وتنفذ أغراضهم ومطالبهم الإنسانية والاجتماعية والثقافية في بلد هو بلدهم وفي أرض هي أرضهم ولا سلطة لأحد بما فيها السلطة الوطنية القادمة على إرادتهم السياسية لأنهم ببساطة شديدة هم من بنوا الدولة العراقية الحديثة وساهموا بدمائهم وتضحياتهم وعرقهم ومقابر أبناءهم الجماعية ومقابرهم أيضاً في تأسيس إرادة هذا الوطن المجبولة دائماً على الحيوية ورفض الجبروت والعنف السياسي والسعي لاستلهام كل المبادئ الخيرة لبناء الإنسان. وحين نستمع لهذا الإمام العظيم وهو يعيد ترتيب أساسات بناء البيت العراقي الجديد نشهد لغة مختلفة هي لغة الأبوة المحمدية التي اعتادت على مخاطبة الناس بوصفهم تجسيداً للآية الكريمة (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم). وهي لغة منصفة ومعتدلة ووسطية لا عنف فيها ولا تغريب ولا تغليب لفئة على فئة أخرى كقول سماحته على سؤال وجهته شبكة CNN في بغداد بتاريخ 5/1/2004 حول رؤية سماحته للعلاقة ما بين السنة والشيعة وهل أن حوادث العنف التي وقعت أخيراً يمكن لها أن تتكرر وتتصاعد مستقبلاً؟ يقول سماحته: (إن العلاقة الأخوية بين السنة والشيعة في العراق لن تتأثر ببعض الحوادث المؤسفة التي وقعت مؤخراً وقد سعى الكل في تطويقها واتخاذ ما يلزم لعدم تكررها ومن المؤكد أن العراقيين جميعاً سنة وشيعة وغيرهم حريصون على وحدة بلدهم والدفاع عن ثوابته الدينية والوطنية كما أنهم متفقون على ضرورة تأسيس لنظام جديد يقر مبدأ العدالة والمساواة بين جميع أبناء هذا البلد في جنب مبدأ التعددية واحترام الرأي الآخر) (13/ذي القعدة/ 1424هـ). كما أن الإمام الذي يحرص على علاقات أخوية صادقة وحقيقية بين أبناء السنة والشيعة في العراق لمواجهة مختلف التحديات والفتن الداخلية التي تريد النيل من وجود الشعب العراقي وبنيته المذهبية والسياسية يحرص بالوقت نفسه وعلى قدر كبير من المسؤولية على إنهاء الاحتلال وإحلال حكومة وطنية عادلة في العراق وإجراء انتخابات حقيقية في البلاد لانتخاب هيئة تأسيسية وطنية تشرف على صيغة التفاوض لإنهاء وجود الاحتلال وتشكل حكومة وطنية عراقية مؤقتة لمواجهة كل المسائل التي لها علاقة بنيوية بالتطور وإعادة البناء والإعمار ومواجهة مخلفات النظام السابق في كل مناحي الحياة عبر إشراك الإمام للأمم المتحدة باعتبارها طرفاً أساسياً في مفاوضات نقل السلطة إلى العراقيين. إن الإمام بهذا الأسلوب العصري يعتبر واحداً من أهم رجالات الحركة الوطنية الاستقلالية بل الطرف الأساسي في عملية نقل السلطة بوصفه المرجع الديني المتصدي لمطالب وأهداف وطموحات الأغلبية المسحوقة لأبناء الشعب العراقي مثلما يؤكد بالوقت ذاته المرجع السياسي الأهم في الساحة الذي هو محط أنظار القوى السياسية العراقية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار إسلامية ووطنية وليبرالية وهي تبحث عن إنقاذ البلد والبدء بمسيرة حيازة الاستقلال. يقول الإمام السيستاني وهو يعبر عن رؤيته الفقهية والسياسية بشأن إجراء انتخابات تشكيل المجلس الوطني الذي يفترض أن تنبثق منه الحكومة العراقية الجديدة ذات السيادة: (بسمه تعالى.. إن تقارير الخبراء العراقيين المقدمة تؤكد إمكان إجراء الانتخابات بدرجة مقبولة من المصداقية والشفافية خلال الأشهر المتبقية إلى التاريخ المقرر لنقل السيادة إلى ممثلي الشعب العراقي ولكن هناك في مجلس الحكم وسلطة الاحتلال من يدعي عدم إمكان ذلك ومن هنا كان اقتراح مجيء فريق من خبراء الولايات المتحدة إلى العراق للتحقق من هذا الأمر ودراسة الموضوع من كافة جوانبه وقد قدم مجلس الحكم طلباً بذلك إلى السيد كوفي عنان (الأمين العام للأمم المتحدة) وإذا جاء فريق الخبراء وتوصلوا بعد العمل مع نظرائهم العراقيين إلى عدم إمكان إجراء الانتخابات فعليهم التعاون معهم في إيجاد آلية أخرى تكون الأصدق تعبيراً عن إرادة الشعب العراقي وأما الآلية المذكورة في اتفاق مجلس الحكم وسلطة الاحتلال فلا تضمن أبداً تمثيل العراقيين بصورة عادلة في المجلس الوطني المؤقت) (13/ ذي القعدة / 1424هـ/ شبكة CNN مكتب بغداد 5/1/2004). إن الإمام بهذا التصور والقناعات والمواقف التاريخية إزاء الشعب العراقي وحقوقه المشروعة إنما يفعّل موقع المرجعية الدينية ويخرجه من دائرة النظر التقليدي للأشياء والأحكام والقضايا الاجتماعية والفقهية إلى دائرة خدمة الأمة نظراً لأهمية الموقع الديني في بناء الحياة السياسية والتسريع بإعادة إعمار البلد بوجود شخصية دينية كبيرة تقف بالتساوي وعلى قدم واحدة مع الجميع ولا تستثني في ذلك أحداً. إن الحديث عن الإمام السيستاني باعتباره إمام الأغلبية المسحوقة حديث طويل إلا أنني أردت بكتابي هذا تقديم الإمام لكل أبناء الأغلبية المسحوقة الذين نالهم الضيم والعزل والاضطهاد والاستبداد فكانوا أشقاء المقابر الجماعية قبل أن يكونوا أبناء المدن والأرياف مستعيناً بذلك كله بمصادر استطعت الاستفادة القصوى منها ما مكنني من تقديم هذا الكتاب وبهذا الشكل لكل هؤلاء الأبناء ولكل باحث منصف وموضوعي ومعتدل وجاد يرغب بقراءة معالم المرجعية الدينية القيادية للشعب العراقي. إنني أشكر كل الذين ساهموا في إبداء الرأي والمشورة والمعلومة والمصدر التأريخي وأخص بالذكر منهم على وجه التحديد صاحب كتاب (أساطين المرجعية العليا/ الدكتور محمد حسين علي الصغير) فقد أفدت كثيراً من كتابه هذا خصوصاً الفصل المتعلق بسماحة الإمام السيستاني وأقدم شكري ومودتي للأخ الأستاذ (أبو ذر الصغير) الذي أحاط الكتاب بعناية فائقة عبر مجمل ملاحظاته وتسديده البالغ كما أتوجه بالشكر الجزيل لكل الذين أعانوني في طباعة الكتاب وصفه وأخص بالذكر منهم شقيقتي السابعة (مي الشهابي) ومن الله أسأل قبول هذا الكتاب يوم لا ظل إلا ظله ولا زاد إلا زاد التزود من أفكار وتجارب المرجعيات القيادية في أمتنا أمثال آية الله العظمى الإمام علي السيستاني.. عمار البغدادي الفصل الأول ¨ الجذور والبدايات ¨ السيرة الذاتية ¨ الإمام في النشوء والارتقاء ¨ الإمام والانفتاح على قضايا العصر ¨ أساليبه الـمنهجية في التدريس ¨ الروح الـمحمدية والنهج الإصلاحي للإمام ¨ الإنصاف واحترام الرأي ¨ الأدب في الحــوار ¨ خلــق التربية ¨ الــورع ¨ الإنتاج الفكري ¨ قيمة الـمكان الـجـــذور والبـــدايات
أية قراءة أولية لملامح الفقيه الإمام ستضعنا حتماً في قلب الصورة الواقعية لملامح المدرسة الأمامية ـ تواضع ـ رسولي يختصر آداب وسنن الحركة النبوية الكبيرة التي بشرت الناس ـ كل الناس بالهدى والعدالة الاجتماعية والمساواة والدولة العادلة، فقاهة عبقرية تختزن معالم الفكر الأمامي في صناعة الحكم الشرعي الذي يجد الناس فيه الموئل والأرضية والقاعدة الأساسية لفهم الشريعة والحياة، زهد بالسلطة والسلطات وبهرجة الحياة وزخارفها وابتعاد عن الأضواء والنجومية السياسية مع أن فقيهاً ومرجعاً دينياً كالإمام لا شك أن النجومية هي التي تزحف إليه لا العكس وكيف لا تزحف إليه وهو الذي لم يطلبها ولم يسع وراءها أو يطالب بها رغم أن النجومية والحضور السياسي أصبحا في عالم اليوم ـ عالم المصالح والامتيازات والأرقام المالية ميزتين أساسيتين لمن يريد الدخول بقوة لحاكمية العالم. السيرة الذاتية ولد سماحته في ربيع الأول من عام 1349 للهجرة في المشهد الرضوي الشريف في أسرة علمية دينية ملتزمة، وقد درس العلوم الابتدائية والمقدمات والسطوح وأعقبه بدراسة العلوم العقلية والمعارف الإلهية لدى جملة من أعلامها ومدرسيها حتى أتقنها. وحضر دروس بحث الخارج في مشهد المقدسة واستفاد من فكر العلامة المحقق الميرزا مهدي الأصفهاني قدس سره. ثم انتقل إلى الحوزة العلمية الدينية في قم المقدسة على عهد المرجع الكبير السيد حسين البروجردي قدس سره في عام 1368هـ وحضر بحوث علماء وفضلاء الحوزة آنذاك، منهم السيد البروجردي قدس سره في الفقه والأصول وقد أخذ الكثير من خبرته الفقهية ونظرياته في علم الرجال والحديث كما حضر درس الفقيه العالم الفاضل السيد الحجة الكوهكمري قدس سره وبقية الأفاضل في حينه. ثم غادر قم متجهاً إلى موئل العلم والفضل للحوزات العلمية في النجف الأشرف عام 1371هـ وحضر دروس أساطين الفكر والعلم آنذاك من أمثال الإمام الحكيم والشيخ حسين الحلي والإمام الخوئي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وقد لازم بحوث الإمام الخوئي قدس سره فقهاً وأصولاً أكثر من عشر سنوات، كما لازم بحث الشيخ الحلي قدس سره دورة أصولية كاملة. اشتغل السيد الـمرجع بالبحث والتدريس بإلقاء محاضراته (البحث الخارج) 1381هـ في الفقه على ضوء مكاسب الشيخ الأعظم الأنصاري قدس سره وأعقبه بشرح كتاب العروة الوثقى للسيد الفقيه الطباطبائي قدس سره فتم له من ذلك شرح كتاب الطهارة وأكثر فروع كتاب الصلاة وبعض كتاب الخمس، كما ابتدأ بإلقاء محاضراته (البحث الخارج) في الأصول في شعبان 1384هـ وقد اكمل دورته الثالثة منها في شعبان 1411هـ، وقد سجل محاضراته الفقهية والأصولية في تقريرات غير واحد من تلامذته. الإمام في النشوء والارتقاء
لقد برز السيد السيستاني (دام ظله) في بحوث أساتذته بتفوق بالغ على أقرانه وذلك في قوة الإشكال وسرعة البديهية وكثرة التحقيق والتتبع في الفقه والرجال ومواصلة النشاط العلمي وإلمامه بكثير من النظريات في مختلف الحقول العلمية الحوزوية، وقد حظي بإجازة اجتهاد خطية من قبل سماحة السيد الخوئي (قدس) وشهادة أخرى من العلامة الشيخ حسين الحلي قدس سره وقد شهدا ببلوغه درجة الاجتهاد في شهادتين مؤرختين في عام 1380هـ مغمورتين بالثناء الكبير على فضله وعلمه، على أن المعروف عن الإمام الخوئي قدس سره عدم شهادته لأحد من تلامذته بالاجتهاد شهادة خطية إلا للإمام الـمرجع وآية الله الشيخ علي فلسفي من مشاهير علماء مشهد المقدسة. كما كتب له شيخ محدثي عصره العلامة الشيخ آغا بزرك الطهراني قدس سره شهادة مؤرخـة في عام 1380هـ أيضاً يطري فيها على مهارته في علمي الرجال والحديث، أي أن الإمام السيستاني قد حاز على هذه المرتبة العظيمة بشهادة العظماء وهو في الحادية والثلاثين من عمره.
ومنذ 34 سنة بدأ يدرس البحث الخارج فقهاً وأصولاً ورجالاً ويقدم نتائجه وعطاءه الوافر، وقد باحث المكاسب والطهارة والصلاة والقضاء والخمس وبعض القواعد الفقهية كالربا وقاعدة الإلزام. ودرّس الأصول ثلاث دورات وبعض هذه البحوث جاهز للطبع كبحوثه في الأصول العلمية والتعادل والتراجيح مع بعض المباحث الفقهية وبعض أبواب الصلاة وقاعدة التقية والإلزام. وقد أخرج بحثه عدة من الفضلاء البارزين وبعضهم على مستوى تدريس البحث الخارج، كالعلامة الشيخ مهدي مرواريد والعلامة السيد حبيب حسينيان (قدس) الذي استشهد ضحية النظام الدموي البائد في العراق والعلامة السيد مرتضى الأصفهاني والعلامة السيد أحمد المددي والعلامة الشيخ باقر الايرواني وغيرهم ممن هم من أفاضل أساتذة الحوزات العلمية، وضمن انشغال سماحته في الدرس والبحث خلال هذه المدة كان دام ظله مهتماً بتأليف كتب مهمة وجملة من الرسائل لرفد المكتبة العلمية الدينية بمجموعة مؤلفات قيمة، مضافاً إلى ما كتبه من تقريرات بحوث أساتذته فقهاً وأصولاً. ومن أبرز مؤلفاته شرح العروة الوثقى، البحوث الأصولية، كتاب القضاء، كتاب البيع والخيارات، رسالة في اللباس المشكوك، رسالة في قاعدة اليد، رسالة في صلاة المسافر، رسالة في قاعدة الفراغ والتجاوز، رسالة في القبلة، رسالة في التقية، رسالة في قاعدة الإلزام، رسالة في الاجتهاد والتقليد، رسالة في قاعدة لا ضرر، رسالة في الربا، رسالة في حجية مراسيل ابن أبي عمير، نقد رسالة تصحيح الأسانيد للأردبيلي، شرح مشيخة التهذيبين. رسالة في مسالك القدماء في حجية الأخبار ([1]). بالإضافة إلى مؤلفات مخطوطة أخرى ورسائل عملية في الأحكام للمقلدين. الإمام والانفتاح على قضايا العصر هذا الفقيه الحسيني الذي تشهد في ملامح شيبته بقايا الملامح الحسينية المشرقة متمسك بجذوره في التواضع والزهد والابتعاد عن مباهج الدنيا لكنه مصر إلى درجة كبيرة على ممارسة دوره النبوي ـ الرسولي ـ الأمامي ـ بأدوات العصر وآلياته مع تراكم مذهل من الخصوصية التي تميز موقع النجف الفقهي في الحياة الاجتماعية والأخلاقية والعقائدية الإسلامية ومن يشهد تجربة الإمام الفقهية وإجاباته العصرية على مختلف المسائل الشرعية وفي شتى المجالات والاختصاصات والحقول يدرك أنه مصر على ممارسة هذا الدور لاستكمال ذات المهمة الرسولية النبوية الأمامية التي سار على خطاها فقهاء السلف الصالح أولئك الذين توارثوا النجف فارتفعت بهم وارتقوا بها منازل المعرفة والحضور وتمثيل خصوصية الشريعة والمدرسة الإمامية عبر التاريخ. لكن الإمام السيستاني وكغيره من الفقهاء والمرجعيات الدينية الكبيرة لديه خصوصيته المتفردة في التفاعل مع المسألة الشرعية وفلسفتها الاجتماعية وحكمها العقائدي والأخلاقي إذ يرى أن المسألة ترتقي إلى قدسيتها المفترضة في الوجدان الاجتماعي والشخصي وفي البنية الدينية العامة للمجتمع الإسلامي من خلال ارتباطها بالواقع وحيثياته وتفاصيله الواقعية الدقيقة ومظاهره الاجتماعية وبكلمة أخرى يرى الإمام أن الواقع الاجتماعي بتعقيداته ومظاهره الثابتة والمتحركة هو الذي يقود الفقيه إلى حيثيات الحكم الشرعي وليس العكس. وهذا يتطلب مهارة وخبرة فائقة في الواقع وحيثياته. هذا يعني أن الإمام ينتمي إلى نمط المرجعيات الدينية غير التقليدية المؤمنة إيماناً راسخاً بما يطلق عليه عند طائفة عريضة وواسعة من العلماء والفقهاء وأصحاب الدراية وأهل الاختصاص بـ (الفقه المتحرك). إن الإمام ينتمي إلى المرجعيات المتحركة التي تستجيب لمتطلبات العصر وأسئلته الاستثنائية وضغطه المتواصل كما مقتضيات الزمان والمكان وتلاحق المستجدات والمتغيرات وتلك هي المهمة الحقيقة الملقاة على عاتق المرجعيات الدينية القيادية الكبيرة. نجد هذا المعنى عند فتاوى الإمام ومواقفه الفقهية (إذا صح التعبير) إزاء الأسئلة التي توافدت وتتوافد باستمرار على مكتب سماحته في النجف من أبناءه المسلمين القاطنين في دول الاغتراب ففي جوابه على سؤال جواز أو عدم جواز العمل في مجال القضاء لحاملي شهادة الحقوق في البلدان غير الإسلامية أن يقضي الناس وفق قوانينها فيقول (لا يجوز التصدي للقضاء لغير أهله وعلى غير القوانين الإسلامية) ([2]). الإمام هنا لا يرفض مهمة القضاء ومهنته ولا يحرم القضاة المسلمين من ممارسته لكنه يحترم خصوصية الملل والمذاهب الدينية الأخرى ويلزم المسلمين عدم التدخل احتراماً لهذه الخصوصية ليس إلا والإمام لا يمنع المسلمين من العمل في المحلات التجارية التي يباع فيها الخمر إذا ما كان عمل المسلم استلام الأموال فقط حيث يجيب سماحته (يجوز له تسلم ثمن غير الخمر وكذا ثمن الخمر إذا كان المتبايعان من غير المسلمين)([3]). ومن الفتاوى التي تدخل في باب الفقه الحضاري لسماحة الإمام السيستاني ما يذكره عن حكم المصابين بمرض الإيدز حيث وردت أسئلة كثيرة على مكتب الإمام في النجف الأشرف من لدن أبنائه المغتربين في مناطق الشتات فكان جوابه جواب الفقيه الضليع بمسائل الفقه الاجتماعي الذي يقضي بضرورة استيعاب هذه الشريحة المصابة وعدم عزلها. يقول السائل: ما هو حكم عزل المصاب بالإيدز هل يجب عليه أن يعزل نفسه وهل يجب على أهله عزله فيجيب الإمام (لا يجب عل& |