|
هــيــئــة الــتــحــريــر |
كــــتـــــابـــــات |
الكتابات المشاركة تمثل رأي اصحابها |
||||
|
انــــــتــــــم |
صــحــيــفــة عــامــة مــســتــقــلــة |
الــبــدايــة |
||||
|
المالك ومـراقـب الـتـحـريـر |
تحتضن الرأي وتساند الرأي الآخر |
1 ايـــلـــول 2002 |
||||
|
ايـــاد الـــزامـــلـــي |
مسائية يومية تصدر الساعةGMT21:00 |
|||||
| الصفحة الرئيسية | محاور | بحوث ودراسات | كــــــــتــــــــــــب | كتب | الارشيف | كلمة التحرير |
|
لـ عمار البغدادي لـمحات من حياة الإمام السيستاني .. فقيه عصرٍ ورجل سياسة كلمـة لابــد منهــا.. هذا الكتاب محاولة فكرية متواضعة وسريعة لقراءة واكتشاف الفضاء الفقهي والأصولي والاجتماعي والسياسي لسماحة الـمرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد علي السيستاني، وخطوة (أعتبرها أساسية) في تناول سيرة الرجل ومسيرته وعلاقته بالأمة واستشرافه لأفق المسألة الشرعية ودوره الاستثنائي بنقلها من دائرة التوجهات الدينية المحددة عادة بمسارات عبادية ومعاملاتية ضيقة إلى دائرة تفعيل حركة الأمة عبـر محاكمة الواقع وتحريكه. والكتاب يستمد حيويته وفعاليته المعرفية والثقافية والسياسية مما يجري في الواقع السياسي العراقي والعربي والإسلامي من تحديات ومواجهات لا يمكن الوقوف بوجهها واستيعاب صدماتها المستمرة وزخمها وطاقتها العالية إلا بالاعتماد على المرجعية الدينية ذات الخطاب التنويري الذي يعمل على أساس إنقاذ الأمة ووجودها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والإنساني وبسط يد الحرية والاستقلال والكرامة وإحلال بديلها التاريخي وموروثها النظيف كبديل شرعي غير مستورد ولا يتكأ على المفاهيم الوافدة قاعدة للتنوير والحداثة والتعددية والديمقراطية. إن الإمام السيستاني حفظه الله تعالى مرجع ديني كبير تبوأ مكانة المرجعية الدينية بجدارة وقوة وواقعية وثنيت له الوسادة باعتباره المرجع الأكبر بالنظر لما تمتع به الرجل من مواصفات وشروط تاريخية مغايرة بالقياس إلى نمط المرجعيات الدينية التي تتالت على حاكمية قرار المرجعية الدينية في النجف الأشرف لكن أبرز ما يميز سماحة الإمام أنه يعمل دائماً على ترسيخ مبادئ المجتمع العراقي الواحد ـ المجتمع المتسالم على ثوابته الدينية والفكرية والوطنية ـ والمتصالح مع نفسه بجميع مكوناته الدينية والإثنية المتواصل مع محيطه العربي والإسلامي والأسرة الدولية بوصفه يشكل محوراً مهماً من محاور إنتاج الثقافة الإنسانية وتأصيلها في الذاكرة. وبذلك كان الإمام مستمعاً جيداً للأفكار والمفاهيم السياسية ومحاوراً مجيداً عن كل ما يمت بصلة لركائز بناء مستقبل البلاد والحياة السياسية والاجتماعية وإخراج البلاد من دائرة الاحتلال إلى حيز الحرية والاستقلال وإقامة النظام الوطني على يد العراقيين أنفسهم. ومن هنا ركز الكتاب فيما ركز عليه على الجوانب السياسية الخاصة بالبلاد والمستقبل والحرية والديمقراطية والتعددية والجهود المبذولة من قبل كل الأطراف الأساسية المعنية بالانتقال الدستوري من الدولة المستبدة العنفية إلى الدولة الديمقراطية. مثلما ركز على جهود الإمام التي يبذلها من أجل حث الأطراف على إيجاد حلول حقيقية للبلاد وعدم الاصطدام الداخلي إنقاذاً للوطن والأمة من مشاريع التشرذم والانقسامات والمواجهات سعياً للتواصل مع مشروع التنمية وإعادة الإعمار والبدء بمسيرة الـمصالحة الوطنية للخروج من هذه الدوامة والاضطلاع بالـدور الـمفترض أن تلعبه بغداد كعاصمة لإنتاج الثقافة بعد أكثر من ثمانية عقود من التغييب والتجاوز ـ أي بعد تشكيل الدولة العراقية عام 1921م. إن الإمام السيستاني حفظه اللـه هو إمام الـمسحوقين والـمحرومين والمستضعفين في العراق من الذين مورست ضدهم مختلف أساليب التجاوز والإذلال والعزل الثقافي والسياسي والاجتماعي والأمني الـمنظم وتحولوا بفعل تلك الممارسات والأساليب إلى قطيع أغنام لا إلى بشر في مزارع السلطة الديكتاتورية الإرهابية في بغداد وهو اليوم يمارس دور إخراج هؤلاء المسحوقين من دائرة العزلة والتجاوز إلى حيز تنظيم شروط مواطنتهم العراقية من دائرة اعتبارهم عبيداً للسلطة إلى دائرة اعتبارهم مواطنين من الدرجة الأولى في سلطة جاءت لتخدمهم وتنفذ أغراضهم ومطالبهم الإنسانية والاجتماعية والثقافية في بلد هو بلدهم وفي أرض هي أرضهم ولا سلطة لأحد بما فيها السلطة الوطنية القادمة على إرادتهم السياسية لأنهم ببساطة شديدة هم من بنوا الدولة العراقية الحديثة وساهموا بدمائهم وتضحياتهم وعرقهم ومقابر أبناءهم الجماعية ومقابرهم أيضاً في تأسيس إرادة هذا الوطن المجبولة دائماً على الحيوية ورفض الجبروت والعنف السياسي والسعي لاستلهام كل المبادئ الخيرة لبناء الإنسان. وحين نستمع لهذا الإمام العظيم وهو يعيد ترتيب أساسات بناء البيت العراقي الجديد نشهد لغة مختلفة هي لغة الأبوة المحمدية التي اعتادت على مخاطبة الناس بوصفهم تجسيداً للآية الكريمة (وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا أن أكرمكم عند الله أتقاكم). وهي لغة منصفة ومعتدلة ووسطية لا عنف فيها ولا تغريب ولا تغليب لفئة على فئة أخرى كقول سماحته على سؤال وجهته شبكة CNN في بغداد بتاريخ 5/1/2004 حول رؤية سماحته للعلاقة ما بين السنة والشيعة وهل أن حوادث العنف التي وقعت أخيراً يمكن لها أن تتكرر وتتصاعد مستقبلاً؟ يقول سماحته: (إن العلاقة الأخوية بين السنة والشيعة في العراق لن تتأثر ببعض الحوادث المؤسفة التي وقعت مؤخراً وقد سعى الكل في تطويقها واتخاذ ما يلزم لعدم تكررها ومن المؤكد أن العراقيين جميعاً سنة وشيعة وغيرهم حريصون على وحدة بلدهم والدفاع عن ثوابته الدينية والوطنية كما أنهم متفقون على ضرورة تأسيس لنظام جديد يقر مبدأ العدالة والمساواة بين جميع أبناء هذا البلد في جنب مبدأ التعددية واحترام الرأي الآخر) (13/ذي القعدة/ 1424هـ). كما أن الإمام الذي يحرص على علاقات أخوية صادقة وحقيقية بين أبناء السنة والشيعة في العراق لمواجهة مختلف التحديات والفتن الداخلية التي تريد النيل من وجود الشعب العراقي وبنيته المذهبية والسياسية يحرص بالوقت نفسه وعلى قدر كبير من المسؤولية على إنهاء الاحتلال وإحلال حكومة وطنية عادلة في العراق وإجراء انتخابات حقيقية في البلاد لانتخاب هيئة تأسيسية وطنية تشرف على صيغة التفاوض لإنهاء وجود الاحتلال وتشكل حكومة وطنية عراقية مؤقتة لمواجهة كل المسائل التي لها علاقة بنيوية بالتطور وإعادة البناء والإعمار ومواجهة مخلفات النظام السابق في كل مناحي الحياة عبر إشراك الإمام للأمم المتحدة باعتبارها طرفاً أساسياً في مفاوضات نقل السلطة إلى العراقيين. إن الإمام بهذا الأسلوب العصري يعتبر واحداً من أهم رجالات الحركة الوطنية الاستقلالية بل الطرف الأساسي في عملية نقل السلطة بوصفه المرجع الديني المتصدي لمطالب وأهداف وطموحات الأغلبية المسحوقة لأبناء الشعب العراقي مثلما يؤكد بالوقت ذاته المرجع السياسي الأهم في الساحة الذي هو محط أنظار القوى السياسية العراقية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار إسلامية ووطنية وليبرالية وهي تبحث عن إنقاذ البلد والبدء بمسيرة حيازة الاستقلال. يقول الإمام السيستاني وهو يعبر عن رؤيته الفقهية والسياسية بشأن إجراء انتخابات تشكيل المجلس الوطني الذي يفترض أن تنبثق منه الحكومة العراقية الجديدة ذات السيادة: (بسمه تعالى.. إن تقارير الخبراء العراقيين المقدمة تؤكد إمكان إجراء الانتخابات بدرجة مقبولة من المصداقية والشفافية خلال الأشهر المتبقية إلى التاريخ المقرر لنقل السيادة إلى ممثلي الشعب العراقي ولكن هناك في مجلس الحكم وسلطة الاحتلال من يدعي عدم إمكان ذلك ومن هنا كان اقتراح مجيء فريق من خبراء الولايات المتحدة إلى العراق للتحقق من هذا الأمر ودراسة الموضوع من كافة جوانبه وقد قدم مجلس الحكم طلباً بذلك إلى السيد كوفي عنان (الأمين العام للأمم المتحدة) وإذا جاء فريق الخبراء وتوصلوا بعد العمل مع نظرائهم العراقيين إلى عدم إمكان إجراء الانتخابات فعليهم التعاون معهم في إيجاد آلية أخرى تكون الأصدق تعبيراً عن إرادة الشعب العراقي وأما الآلية المذكورة في اتفاق مجلس الحكم وسلطة الاحتلال فلا تضمن أبداً تمثيل العراقيين بصورة عادلة في المجلس الوطني المؤقت) (13/ ذي القعدة / 1424هـ/ شبكة CNN مكتب بغداد 5/1/2004). إن الإمام بهذا التصور والقناعات والمواقف التاريخية إزاء الشعب العراقي وحقوقه المشروعة إنما يفعّل موقع المرجعية الدينية ويخرجه من دائرة النظر التقليدي للأشياء والأحكام والقضايا الاجتماعية والفقهية إلى دائرة خدمة الأمة نظراً لأهمية الموقع الديني في بناء الحياة السياسية والتسريع بإعادة إعمار البلد بوجود شخصية دينية كبيرة تقف بالتساوي وعلى قدم واحدة مع الجميع ولا تستثني في ذلك أحداً. إن الحديث عن الإمام السيستاني باعتباره إمام الأغلبية المسحوقة حديث طويل إلا أنني أردت بكتابي هذا تقديم الإمام لكل أبناء الأغلبية المسحوقة الذين نالهم الضيم والعزل والاضطهاد والاستبداد فكانوا أشقاء المقابر الجماعية قبل أن يكونوا أبناء المدن والأرياف مستعيناً بذلك كله بمصادر استطعت الاستفادة القصوى منها ما مكنني من تقديم هذا الكتاب وبهذا الشكل لكل هؤلاء الأبناء ولكل باحث منصف وموضوعي ومعتدل وجاد يرغب بقراءة معالم المرجعية الدينية القيادية للشعب العراقي. إنني أشكر كل الذين ساهموا في إبداء الرأي والمشورة والمعلومة والمصدر التأريخي وأخص بالذكر منهم على وجه التحديد صاحب كتاب (أساطين المرجعية العليا/ الدكتور محمد حسين علي الصغير) فقد أفدت كثيراً من كتابه هذا خصوصاً الفصل المتعلق بسماحة الإمام السيستاني وأقدم شكري ومودتي للأخ الأستاذ (أبو ذر الصغير) الذي أحاط الكتاب بعناية فائقة عبر مجمل ملاحظاته وتسديده البالغ كما أتوجه بالشكر الجزيل لكل الذين أعانوني في طباعة الكتاب وصفه وأخص بالذكر منهم شقيقتي السابعة (مي الشهابي) ومن الله أسأل قبول هذا الكتاب يوم لا ظل إلا ظله ولا زاد إلا زاد التزود من أفكار وتجارب المرجعيات القيادية في أمتنا أمثال آية الله العظمى الإمام علي السيستاني.. عمار البغدادي الفصل الأول ¨ الجذور والبدايات ¨ السيرة الذاتية ¨ الإمام في النشوء والارتقاء ¨ الإمام والانفتاح على قضايا العصر ¨ أساليبه الـمنهجية في التدريس ¨ الروح الـمحمدية والنهج الإصلاحي للإمام ¨ الإنصاف واحترام الرأي ¨ الأدب في الحــوار ¨ خلــق التربية ¨ الــورع ¨ الإنتاج الفكري ¨ قيمة الـمكان الـجـــذور والبـــدايات
أية قراءة أولية لملامح الفقيه الإمام ستضعنا حتماً في قلب الصورة الواقعية لملامح المدرسة الأمامية ـ تواضع ـ رسولي يختصر آداب وسنن الحركة النبوية الكبيرة التي بشرت الناس ـ كل الناس بالهدى والعدالة الاجتماعية والمساواة والدولة العادلة، فقاهة عبقرية تختزن معالم الفكر الأمامي في صناعة الحكم الشرعي الذي يجد الناس فيه الموئل والأرضية والقاعدة الأساسية لفهم الشريعة والحياة، زهد بالسلطة والسلطات وبهرجة الحياة وزخارفها وابتعاد عن الأضواء والنجومية السياسية مع أن فقيهاً ومرجعاً دينياً كالإمام لا شك أن النجومية هي التي تزحف إليه لا العكس وكيف لا تزحف إليه وهو الذي لم يطلبها ولم يسع وراءها أو يطالب بها رغم أن النجومية والحضور السياسي أصبحا في عالم اليوم ـ عالم المصالح والامتيازات والأرقام المالية ميزتين أساسيتين لمن يريد الدخول بقوة لحاكمية العالم. السيرة الذاتية ولد سماحته في ربيع الأول من عام 1349 للهجرة في المشهد الرضوي الشريف في أسرة علمية دينية ملتزمة، وقد درس العلوم الابتدائية والمقدمات والسطوح وأعقبه بدراسة العلوم العقلية والمعارف الإلهية لدى جملة من أعلامها ومدرسيها حتى أتقنها. وحضر دروس بحث الخارج في مشهد المقدسة واستفاد من فكر العلامة المحقق الميرزا مهدي الأصفهاني قدس سره. ثم انتقل إلى الحوزة العلمية الدينية في قم المقدسة على عهد المرجع الكبير السيد حسين البروجردي قدس سره في عام 1368هـ وحضر بحوث علماء وفضلاء الحوزة آنذاك، منهم السيد البروجردي قدس سره في الفقه والأصول وقد أخذ الكثير من خبرته الفقهية ونظرياته في علم الرجال والحديث كما حضر درس الفقيه العالم الفاضل السيد الحجة الكوهكمري قدس سره وبقية الأفاضل في حينه. ثم غادر قم متجهاً إلى موئل العلم والفضل للحوزات العلمية في النجف الأشرف عام 1371هـ وحضر دروس أساطين الفكر والعلم آنذاك من أمثال الإمام الحكيم والشيخ حسين الحلي والإمام الخوئي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، وقد لازم بحوث الإمام الخوئي قدس سره فقهاً وأصولاً أكثر من عشر سنوات، كما لازم بحث الشيخ الحلي قدس سره دورة أصولية كاملة. اشتغل السيد الـمرجع بالبحث والتدريس بإلقاء محاضراته (البحث الخارج) 1381هـ في الفقه على ضوء مكاسب الشيخ الأعظم الأنصاري قدس سره وأعقبه بشرح كتاب العروة الوثقى للسيد الفقيه الطباطبائي قدس سره فتم له من ذلك شرح كتاب الطهارة وأكثر فروع كتاب الصلاة وبعض كتاب الخمس، كما ابتدأ بإلقاء محاضراته (البحث الخارج) في الأصول في شعبان 1384هـ وقد اكمل دورته الثالثة منها في شعبان 1411هـ، وقد سجل محاضراته الفقهية والأصولية في تقريرات غير واحد من تلامذته. الإمام في النشوء والارتقاء
لقد برز السيد السيستاني (دام ظله) في بحوث أساتذته بتفوق بالغ على أقرانه وذلك في قوة الإشكال وسرعة البديهية وكثرة التحقيق والتتبع في الفقه والرجال ومواصلة النشاط العلمي وإلمامه بكثير من النظريات في مختلف الحقول العلمية الحوزوية، وقد حظي بإجازة اجتهاد خطية من قبل سماحة السيد الخوئي (قدس) وشهادة أخرى من العلامة الشيخ حسين الحلي قدس سره وقد شهدا ببلوغه درجة الاجتهاد في شهادتين مؤرختين في عام 1380هـ مغمورتين بالثناء الكبير على فضله وعلمه، على أن المعروف عن الإمام الخوئي قدس سره عدم شهادته لأحد من تلامذته بالاجتهاد شهادة خطية إلا للإمام الـمرجع وآية الله الشيخ علي فلسفي من مشاهير علماء مشهد المقدسة. كما كتب له شيخ محدثي عصره العلامة الشيخ آغا بزرك الطهراني قدس سره شهادة مؤرخـة في عام 1380هـ أيضاً يطري فيها على مهارته في علمي الرجال والحديث، أي أن الإمام السيستاني قد حاز على هذه المرتبة العظيمة بشهادة العظماء وهو في الحادية والثلاثين من عمره.
ومنذ 34 سنة بدأ يدرس البحث الخارج فقهاً وأصولاً ورجالاً ويقدم نتائجه وعطاءه الوافر، وقد باحث المكاسب والطهارة والصلاة والقضاء والخمس وبعض القواعد الفقهية كالربا وقاعدة الإلزام. ودرّس الأصول ثلاث دورات وبعض هذه البحوث جاهز للطبع كبحوثه في الأصول العلمية والتعادل والتراجيح مع بعض المباحث الفقهية وبعض أبواب الصلاة وقاعدة التقية والإلزام. وقد أخرج بحثه عدة من الفضلاء البارزين وبعضهم على مستوى تدريس البحث الخارج، كالعلامة الشيخ مهدي مرواريد والعلامة السيد حبيب حسينيان (قدس) الذي استشهد ضحية النظام الدموي البائد في العراق والعلامة السيد مرتضى الأصفهاني والعلامة السيد أحمد المددي والعلامة الشيخ باقر الايرواني وغيرهم ممن هم من أفاضل أساتذة الحوزات العلمية، وضمن انشغال سماحته في الدرس والبحث خلال هذه المدة كان دام ظله مهتماً بتأليف كتب مهمة وجملة من الرسائل لرفد المكتبة العلمية الدينية بمجموعة مؤلفات قيمة، مضافاً إلى ما كتبه من تقريرات بحوث أساتذته فقهاً وأصولاً. ومن أبرز مؤلفاته شرح العروة الوثقى، البحوث الأصولية، كتاب القضاء، كتاب البيع والخيارات، رسالة في اللباس المشكوك، رسالة في قاعدة اليد، رسالة في صلاة المسافر، رسالة في قاعدة الفراغ والتجاوز، رسالة في القبلة، رسالة في التقية، رسالة في قاعدة الإلزام، رسالة في الاجتهاد والتقليد، رسالة في قاعدة لا ضرر، رسالة في الربا، رسالة في حجية مراسيل ابن أبي عمير، نقد رسالة تصحيح الأسانيد للأردبيلي، شرح مشيخة التهذيبين. رسالة في مسالك القدماء في حجية الأخبار ([1]). بالإضافة إلى مؤلفات مخطوطة أخرى ورسائل عملية في الأحكام للمقلدين. الإمام والانفتاح على قضايا العصر هذا الفقيه الحسيني الذي تشهد في ملامح شيبته بقايا الملامح الحسينية المشرقة متمسك بجذوره في التواضع والزهد والابتعاد عن مباهج الدنيا لكنه مصر إلى درجة كبيرة على ممارسة دوره النبوي ـ الرسولي ـ الأمامي ـ بأدوات العصر وآلياته مع تراكم مذهل من الخصوصية التي تميز موقع النجف الفقهي في الحياة الاجتماعية والأخلاقية والعقائدية الإسلامية ومن يشهد تجربة الإمام الفقهية وإجاباته العصرية على مختلف المسائل الشرعية وفي شتى المجالات والاختصاصات والحقول يدرك أنه مصر على ممارسة هذا الدور لاستكمال ذات المهمة الرسولية النبوية الأمامية التي سار على خطاها فقهاء السلف الصالح أولئك الذين توارثوا النجف فارتفعت بهم وارتقوا بها منازل المعرفة والحضور وتمثيل خصوصية الشريعة والمدرسة الإمامية عبر التاريخ. لكن الإمام السيستاني وكغيره من الفقهاء والمرجعيات الدينية الكبيرة لديه خصوصيته المتفردة في التفاعل مع المسألة الشرعية وفلسفتها الاجتماعية وحكمها العقائدي والأخلاقي إذ يرى أن المسألة ترتقي إلى قدسيتها المفترضة في الوجدان الاجتماعي والشخصي وفي البنية الدينية العامة للمجتمع الإسلامي من خلال ارتباطها بالواقع وحيثياته وتفاصيله الواقعية الدقيقة ومظاهره الاجتماعية وبكلمة أخرى يرى الإمام أن الواقع الاجتماعي بتعقيداته ومظاهره الثابتة والمتحركة هو الذي يقود الفقيه إلى حيثيات الحكم الشرعي وليس العكس. وهذا يتطلب مهارة وخبرة فائقة في الواقع وحيثياته. هذا يعني أن الإمام ينتمي إلى نمط المرجعيات الدينية غير التقليدية المؤمنة إيماناً راسخاً بما يطلق عليه عند طائفة عريضة وواسعة من العلماء والفقهاء وأصحاب الدراية وأهل الاختصاص بـ (الفقه المتحرك). إن الإمام ينتمي إلى المرجعيات المتحركة التي تستجيب لمتطلبات العصر وأسئلته الاستثنائية وضغطه المتواصل كما مقتضيات الزمان والمكان وتلاحق المستجدات والمتغيرات وتلك هي المهمة الحقيقة الملقاة على عاتق المرجعيات الدينية القيادية الكبيرة. نجد هذا المعنى عند فتاوى الإمام ومواقفه الفقهية (إذا صح التعبير) إزاء الأسئلة التي توافدت وتتوافد باستمرار على مكتب سماحته في النجف من أبناءه المسلمين القاطنين في دول الاغتراب ففي جوابه على سؤال جواز أو عدم جواز العمل في مجال القضاء لحاملي شهادة الحقوق في البلدان غير الإسلامية أن يقضي الناس وفق قوانينها فيقول (لا يجوز التصدي للقضاء لغير أهله وعلى غير القوانين الإسلامية) ([2]). الإمام هنا لا يرفض مهمة القضاء ومهنته ولا يحرم القضاة المسلمين من ممارسته لكنه يحترم خصوصية الملل والمذاهب الدينية الأخرى ويلزم المسلمين عدم التدخل احتراماً لهذه الخصوصية ليس إلا والإمام لا يمنع المسلمين من العمل في المحلات التجارية التي يباع فيها الخمر إذا ما كان عمل المسلم استلام الأموال فقط حيث يجيب سماحته (يجوز له تسلم ثمن غير الخمر وكذا ثمن الخمر إذا كان المتبايعان من غير المسلمين)([3]). ومن الفتاوى التي تدخل في باب الفقه الحضاري لسماحة الإمام السيستاني ما يذكره عن حكم المصابين بمرض الإيدز حيث وردت أسئلة كثيرة على مكتب الإمام في النجف الأشرف من لدن أبنائه المغتربين في مناطق الشتات فكان جوابه جواب الفقيه الضليع بمسائل الفقه الاجتماعي الذي يقضي بضرورة استيعاب هذه الشريحة المصابة وعدم عزلها. يقول السائل: ما هو حكم عزل المصاب بالإيدز هل يجب عليه أن يعزل نفسه وهل يجب على أهله عزله فيجيب الإمام (لا يجب عليه أن يعزل نفسه كما لا يجب عزله عن الآخرين بل لا يجوز منعه من حضور الأماكن العامة كالمساجد ونحوها ما دام أنه لا خطر في ذلك من انتقال العدوى إلى غيره. نعم يجب أن يراقب ويراقب في خصوص الطرق الناقلة للعدوى قطعاً أو احتمالاً) ([4]). أساليبه الـمنهجية في التدريس أما منهجه في التدريس فهو منهج متميز على مناهج كثير من أساتذة الحوزة وأرباب البحث الخارج، فعلى صعيد الأصول يتجلى منهجه بعدة خصائص: أ. التحدث عن تاريخ البحث ومعرفة جذوره التي ربما تكون فلسفية كمسألة بساطة المشتق وتركيبه، أو عقائدية وسياسية كبحث التعادل والتراجيح الذي أوضح فيه أن قضية اختلاف الأحاديث فرضتها الصراعات الفكرية العقائدية آنذاك والظروف السياسية التي أحاطت بالائمة عليهم السلام ومن الواضح أن الاطلاع على تاريخ البحث يكشف عن زوايا المسألة ويوصلنا إلى واقع الآراء المطروحة فيها. ب. الربط بين الفكر الحوزوي والثقافات المعاصرة ففي بحثه حول المعنى الحرفي في بيان الفرق بينه وبين المعنى الإسمي وهل هو فارق ذاتي أم لحاظي؟ اختار اتجاه صاحب الكفاية في أن الفرق باللحاظ لكن بناه على النظرية الفلسفية الحديثة وهي نظرية التكثير الادراكي في فعالية الذهن البشري وخلاقيته، فيمكن للذهن تصور مطلب واحد بصورتين تارة بصورة الاستقلال والوضوح فيعبر عنه بالاسم وتارة بالآلية والانكماش ويعبر عنه بالحرف وعندما دخل في بحث المشتق في النزاع الدائر بين العلماء حول اسم الزمان، تحدث عن الزمان بنظرة فلسفية جديدة في الغرب وهي انتزاع الزمان من المكان »زمكان« بلحاظ تعاقب النور والظلام وفي بحثه حول مدلول صيغة الأمر ومادته وبحثه في التجري فقد طرح نظرية بعض علماء الاجتماع من أن تقسيم الطلب لأمر والتماس وسؤال نتيجة تدخل صفة الطالب في حقيقة طلبه من كونه عالياً أو مساوياً أو سافلاً. وكذلك جعل الضابط استحقاق العقوبة عنوان تمرد العبد وطغيانه على المولى وأن ذلك مبني على التقسيم الطبقي للمجتمعات البشرية القديمة من وجود موالي وعبيد وعالٍ وسافل وما أشبه ذلك، فهذه النظرية من رواسب الثقافات السالفة التي تتحدث باللغة الطبقية لا باللغة القانونية المبنية على المصالح الانسانية العامة.
ج. الاهتمام بالأصول المرتبطة بالفقه وأن الطالب الحوزوي يلاحظ في كثير من العلماء اغراقهم واسهابهم في بحوث أصولية لا يعد الاسهاب فيها إلا ترفاً فكرياً لا ينتج ثمرة عملية للفقيه في مسيرته الفقهية كبحثهم في الوضع وكونه أمراً اعتبارياً أو تكوينياً وأنه تعهد أو تخصيص وبحثهم في بيان موضوع العلم وبعض العوارض الذاتية في تعريف الفلاسفة لموضوع العلم وما شاكل ذلك. ولكن الـملاحظ في دروس المرجع السيستاني هو الإغراق وبذل الجهد الشاق في الخروج بمبنى علمي رصين في البحوث الأصولية المرتبطة بعملية الاستنباط كمباحث الأصول العملية والتعادل والتراجيح والعام والخاص، وأما البحوث الأخرى التي أشرنا لبعض مسمياتها، فبحثه فيها بمقدار الثمرة العلمية في بحوث أخرى أو الثمرة العلمية في الفقه. د. الإبداع والتجديد: هناك كثير من الأساتذة الماهرين في الحوزة من لا يملك روح التجديد بل يصب اهتمامه على التعليق فقط والتركيز على جماليات البحث لا على جوهره فيطرح الآراء الموجودة ويعلق على بعضها ويختار الأقوى في نظره ويشغل نفسه بتحليل عبارات من قبيل: فتأمل أو فافهم، ويجري في البحث على أن في الإشكال إشكالين تأملاً وفي التأمل توقف. هـ. نكاح أهل الشرك جائز ـ وكذلك بالنسبة لقاعدة التزاحم التي يطرحها الفقهاء والأصوليون كقاعدة عقلية أو عقلائية صرفة فيدخلها السيد المرجع تحت قاعدة الاضطرار التي هي قاعدة شرعية أشارت لها النصوص نحو »ما من شيء حرمه الله إلا وقد أحله لمن اضطر إليه« فإن مؤدي قاعدة الاضطرار هو مؤدى قاعدة التزاحم بضميمة فهم الجعل التطبيقي. وأحياناً قد يقوم بتوسعة القاعدة كما في قاعدة »لا تعاد« حيث خصها الفقهاء بالصلاة لورود النص في ذلك بينما السيد السيستاني جعل صدر الرواية المتضمن لقوله »لا تعاد الصلاة إلا من خمسة« مصداقاً لكبرى أخرى تعم الصلاة وغيرها من الواجبات وهذه الكبرى موجودة في ذيل النص »ولا تنقض السنة الفريضة فالمناط هو تقديم الفريضة على السنة في الصلاة وغيرها من مصاديق هذا التقديم الوقت والقبلة.. الخ على غيرها من أجزاء الصلاة وشرائطها لأن الوقت والقبلة من الفرائض لا من السنن. و. النظرة الاجتماعية للنص: أن من الفقهاء من هو حرفي الفهم بمعنى أنه جامد على حدود حروف النص من دون محاولة التصرف في سعة دلالات النص وهناك من الفقهاء من يقرأ أجواء النص والظروف المحيطة به ليتعرف مع سائر الملابسات التي تؤثر على دلالته، فمثلاً ما ورد من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم أكل لحم الحمر الأهلية يوم خيبر، فلو أخذنا بالفهم الحرفي لقلنا بالحرمة أو الكراهية لأكل الحمر الأهلية أما لو اتبعنا الفهم الاجتماعي لرأينا أن النص ناظر لظرف حرج وهو ظرف الحرب مع اليهود في خيبر والحرب تحتاج لنقل السلاح والمؤونة ولم تكن هناك وسائط نقل إلا الدواب ومنها الحمير، فالنهي في الواقع نهي إداري لمصلحة موضوعية اقتضتها الظروف آنذاك ولا يستفاد منه تشريع الحرمة ولا الكراهة وسماحة السيد هو من النمط الثاني من العلماء في التعامل مع النص.
أن السيد السيستاني يركز دائماً على أن الفقيه لا يكون فقيهاً بالمعنى الأتم حتى تتوفر لديه خبرة وافية بكلام العرب وخطبهم وأشعارهم ومجازاتهم كي يكون قادراً على تشخيص ظهور النص تشخيصاً موضوعياً لا ذاتياً وأن يكون على اطلاع تام بكتب اللغة وأحوال مؤلفيها ومناهج الكتابة فيها فإن ذلك غير معتمد على قول اللغوي أو عدم الاعتماد عليه وأن يكون على إحاطة بأحاديث أهل البيت عليهم السلام ورواتها بالتفصيل، فإن علم الرجال فن ضروري للمجتهد لتحصيل الوثوق الموضوعي التام بصلاحية المدرك. وله آراء خاصة يخالف بها المشهور مثلاً ما اشتهر من عدم الاعتماد بقدح ابن الغضائري إما لكثرة قدحه أو لعدم ثبوت نسبة الكتاب اليه. فإن السيد المرجع لا يرتضي ذلك بل يرى ثبوت الكتاب وأن ابن الغضائري هو المعتمد في مقام الجرح والتعديل أكثر من النجاشي والشيخ وأمثالهما، ويرى الاعتماد على منهج الطبقات في تعيين الراوي وتوثيقه ومعرفة كون الحديث مسنداً أو مرسلاً على ما قرره السيد البروجردي قدس سره، ويرى أيضاً ضرورة الإلمام بكتب الحديث واختلاف النسخ ومعرفة حال المؤلف من حيث الضبط والتثبيت ومنهج التأليف وما يشاع في هذا المجال من كون الصدوق أضبط من الشيخ فلا يرتضيه بل يرى الشيخ ناقلاً أميناً لما وجده من الكتب الحاضرة عنده بقرائن يستند إليها. فهذه الجهات الخبرية قد لا يعتمد عليها كثير من الفقهاء في مقام الاستنباط بل يكتفي بعضهم بالظهور الشخصي من دون أن يجمع القرائن المختلفة لتحقيق الظهور الموضوعي بل قد يعتمد على كلام بعض اللغويين بدون التحقيق في المؤلف ومنهج التأليف ولا يكون لبعض آخر أي رصيد في علم الرجال والخبرة بكتب الحديث. وعندما ادخل بحث التعادل والتراجيح رأى أن سر البحث يكمن في علة اختلاف الأحاديث فإذا بحثنا وحددنا أسباب اختلاف النصوص الشرعية انحلت المشكلة المعقدة التي تعترض الفقيه والباحث والمستفيد من نصوص أهل البيت عليهم السلام وذلك يغنينا عن روايات الترجيح والتغيير كما حملها صاحب الكفاية على الاستحباب، وهذا البحث تناوله غيره كالسيد الصدر قدس سره ولكنه تناوله بشكل عقلي صرف، أما السيد السيستاني فإنه حشد فيه الشواهد التاريخية والحديثية وخرج منه بقواعد مهمة لحل الاختلاف وقام بتطبيقها في دروسه الفقهية أيضاً.
إن المعروف عن كثير من الأساتذة حصر البحث في مدرسة معينة أو اتجاه خاص ولكن السيد السيستاني يقارن بحثه بين فكر مدرسة مشهد وفكر مدرسة قم وفكر مدرسة النجف، فهو يطرح آراء الميرزا مهدي الأصفهاني قدس سره من علماء مشهد وآراء السيد البروجردي قدس سره كتعبير عن فكر مدرسة قم وآراء المحققين الثلاثة والسيد الخوئي قدس سره والشيخ حسين الحلي قدس سره كمثال لمدرسة النجف، وتعدد الاتجاهات هذه يوثق أمامنا زوايا البحث والرؤية الواضحة لواقع المطلب العلمي. أما منهجه الفقهي فله فيه منهج خاص يتميز في تدريس الفقه وطرحه، ولهذا المنهج عدة ملامح: أ ـ الـمقارنة بين فقه الشيعة وفقه غيرهم من المذاهب الإسلامية الأخرى، فإن الإطلاع على الفكر الفقهي السني المعاصر لزمان النص كالإطلاع على موطأ مالك وخراج أبي يوسف وأمثالهم يوضح أمامنا مقاصد الأئمة عليهم السلام ونظرهم حين طرح النصوص. ب ـ الاستفادة من علم القانون الحديث في بعض المواضع الفقهية كمراجعته للقانون العراقي والمصري والفرنسي عند بحثه في كتاب البيع والخيارات، والإحاطة بالفكر القانوني المعاصر تزود الإنسان خبرة قانونية يستعين بها على تحليل القواعد الفقهية وتوسعة مداركها وموارد تطبيقها.
ج ـ التجديد في الأطروحة: إن معظم علمائنا الأعلام يتلقون بعض القواعد الفقهية بنفس الصياغة التي طرحها السابقون ولا يزيدون في البحث فيها إلا عن صلاحية المدرك لها أو عدمه ووجود مدرك آخر وعدمه، أما السيد السيستاني فإنه يحاول الاهتمام في بعض القواعد الفقهية بتغير الصياغة مثلاً بالنسبة لقاعدة الإلزام التي يفهمها بعض الفقهاء من الزاوية المصلحية بمعنى أن للمسلم المؤمن الاستفادة في تحقيق بعض رغباته الشخصية من بعض القوانين للمذاهب الأخرى وإن كان مذهبه لا يقرها، بينما يطرحه السيد السيستاني على أساس الاحترام ويسميها بقاعدة الاحترام أي احترام آراء الآخرين وقوانينهم، وانطلاقه من حرية الرأي. وهناك مسائل فقهية هي ردود على أسئلة مغتربين مسلمين تؤكد أن الإمام في أجوبته التي ضمنها فتاواه الشرعية قارئ كبير للواقع الاجتماعي الإسلامي في بلدان الاغتراب مثلما يدلل أن الإمام على دراية بتعقيدات وأزمات ومشاكل هذا الوسط حيث يتطلب الأمر دوراً أساسياً للفقيه في تذليل الصعاب وحل المشاكل وإيجاد كل السبل الكفيلة بصمود أبناء المغتربات من المسلمين في مناطقهم وبلدانهم الجديدة خدمة للإسلام وترويجاً للشريعة الإسلامية. الروح الـمحمدية والنهج الإصلاحي للإمام إن من يقترب من الفضاء الإنساني للمرجع السيستاني (دام ظله) ويتصل به يرى فيه شخصية فذة تتمتع بالخصائص الروحية والمثالية التي حث عليها أهل البيت عليهم السلام والتي تجعل منه ومن أمثاله من العلماء المخلصين مظهراً جلياً لكلمة (عالم رباني) وقوله عليه السلام: ( مجاري الأموربيد العلماء أمناء الله مع حلاله وحرامه). الإنصاف واحترام الرأي فإن السيد السيستاني انطلاقاً من عشق العلم والمعرفة ورغبة في الوصول للحقيقة وتقديساً لحرية الرأي والكلمة البناءة تجده كثير القراءة والتتبع للكتب والبحوث ومعرفة الآراء حتى آراء زملاءه وأقرانه أو آراء بعض المغمورين في خضم الحوزة العلمية، فتراه بعض الأحيان قد يشير في بحث لرأي لطيف لأحد الأفاضل مع أنه ليس من أساتذته أو الشيخ محمد رضا المظفر في كتابه أصول الفقه فطرح هذه الآراء ومناقشتها مع أنها لم تصدر من أساطين أساتذته يمثل لنا صورة حية من صور الإنصاف واحترام آراء الآخرين. الأدب في الحوار إن بحوث النجف معروفة بالحوار الساخن بين الزملاء أو الأستاذ وتلميذه وذلك مما يصقل ثقافة الطالب وقدرته العلمية، وأحياناً قد يكون الحوار جدلاً فارغاً لا يوصل لهدف علمي بل مضمونه إبراز العضلات في الجدل وقوة المعارضة وذلك مما يستهلك وقت الطالب الطموح ويبعده عن الجو الروحي للعلم والمذاكرة ويتركه يحوم في حلقة عقيمة دون الوصول إلى الهدف، أما بحث السيد السيستاني (دام ظله) فإنه بعيد كل البعد عن الجدل وأساليب الإسكان والتوطين فهو في النقاش مع أساتذته وآراء الآخرين يستخدم الكلمات المؤدبة التي تحفظ مقام العلماء وعظمتهم حتى ولو كان الرأي المطروح واضح الضعف والاندفاع، وفي إجابته لاستفهامات الطالب يتحدث بانفتاح وبروح الإرشاد والتوجيه، ولو صرف التلميذ الحوار الهادف إلى الجدل الفارغ عن المحتوى فإن السيد السيستاني يحاول تكرار الجواب بصورة علمية، ومع إصرار الطالب فإن السيد المرجع حينئذ يفضل السكوت على الكلام. خلق التربية التدريس ليس وظيفة رسمية أو روتينية يمارسها الأستاذ في مقابل مقدار من المال، لأنّ هذه النظرة تبعد المدرس عن تقويم التلميذ والعناية بتربيته والصعود بمستواه العلمي للتفوق والظهور، كما أن التدريس لا يقتصر على التربية العلمية من محاولة الترشيد التربوي لمسيرة الطالب بل التدريس رسالة خطيرة تحتاج مزاولتها إلى روح الحب والإشفاق على الطالب ويحثه نحو العلم وآداب العلم أيضاً وإذا كان يحصل في الحوزة أو غيرها أحياناً رجال لا يخلصون لمسؤولية التدريس والتعليم فإن في الحوزات أساتذة مخلصين يرون التدريس رسالة سماوية لابد من مزاولتها بروح المحبة والعناية التامة بمسيرة التلميذ العلمية والعملية وقد كان الإمام الحكيم قدس سره مضرب المثل في خلقه التربوي لتلامذته وطلابه، وكما كانت علاقة الإمام الخوئي قدس سره بتلامذته فلقد كان هذا الخلق متجسداً في شخصية السيد السيستاني (دام ظله) فهو يحدث دائماً بعد الدرس على سؤاله ونقاشه فيقول: اسألوا ولو على رقم الصفحة، لبحث معين أو اسم كتاب مُعين حتى تعتادوا على حوار الأستاذ والصلة العلمية به وكان يدفعنا لمقارنة بحثه مع البحوث المطبوعة والوقوف عند نقاط الضعف والقوة وكان يؤكد دائماً على احترام العلماء والالتزام بالأدب في نقاش أقوالهم ويتحدث عن أساتذته وروحياتهم العالية وأمثال ذلك من شواهد الخلق الرفيع. الـــــــورع
إن بحوث النجف ظاهرة جلية في كثير من العلماء والأعاظم وهي ظاهرة البعد عن مواقع الضوضاء والفتن وربما يعتبر هذا البعد عند البعض موقفاً سلبياً لأنه هروب من مواجهة الواقع وتسجيل الموقف الصريح المرضي للشرع المقدس، ولكنه عند التأمل يظهر بأنه موقف إيجابي وضروري أحياناً للمصلحة العامة ومواجهة الواقع وتسجيل الموقف الشرعي يحتاج لظروف موضوعية وأرضية صالحة تتفاعل مع هذا الموقف، فلو وقعت في الساحة الإسلامية أزمات ومشاكل وجب على العلماء بالدرجة الأولى التصدي لإزالة الشبهات وإبراز الحقائق الناصعة، فإذا ظهرت البدع وجب على العالم أن يظهر علمه فإن لم يفعل سلب منه نور الإيمان، كما جاء في الحديث ، ولكن لو كان مسار الفتنة مساراً شخصياً وجواً مفعماً بالمزايدات والتعصبات العرقية والشخصية لمرجع معين أو خط معين أو كانت الأجواء تعيش حرباً دعائية مؤججة بنار الحقد والحسد المتبادل فإن علماء الحوزة ومنهم السيد السيستاني (دام ظله) يلتزمون دوماً الصمت والوقار والبعد عن هذه الضوضاء الصاخبة كما حدث بعد وفاة السيد البروجردي قدس سره ووفاة السيد الحكيم قدس سره وما يحدث غالباً من التنافس على الألقاب والمناصب والاختلافات الجزئية كما هو الحال في يومنا الحاضر مضافاً لزهده المتمثل في لباسه المتواضع ومسكنه الصغير الذي لا يملكه وأثاثه البسيط. الإنتاج الفكري السيد السيستاني ليس فقهياً فقط بل هو رجل مثقف مطلع على الثقافات المعاصرة ومتفتح على الأفكار الحضارية المختلفة ويمتلك الرؤية الثاقبة في المسيرة العالمية في المجال الاقتصادي والسياسي وعنده نظرات إدارية جيدة وأفكار اجتماعية مواكبة للتطور الملحوظ واستيعاب للأوضاع المعاصرة بحيث تكون الفتوى في نظره طريقاً صالحاً للخير في المجتمع المسلم. وبعد وفاة الإمام الخوئي قدس سره كان من الستة المشيعين لجنازته ليلاً وهو الذي صلى على جثمانه الطاهر، وقد تصدى بعدها للتقليد وشؤون المرجعية وزعامة الحوزة العلمية والتدريس على منبر الإمام الخوئي قدس سره في مسجد الخضراء، وبدأ ينتشر تقليده وبشكل سريع في العراق والخليج ومناطق أخرى كالهند وأفريقيا وغيرها وخصوصاً بين الأفاضل في الحوزات العلمية وبين الطبقات المثقفة والشابة لما يعرف عنه من أفكار حضارية متطورة، وهو دام ظله من القلة المعدودين من أعاظم الفقهاء الذي تدور حولهم الأعلمية بشهادة غير واحد من أهل الخبرة وأساتيذ الحوزات العلمية في النجف الأشرف وقم المقدسة. إن الإمام السيستاني الذي يتحدر من جذور حسينية محمدية عربية هاجرت مع من هاجر إلى مشهد القداسة الرضوية ذو هموم عراقية غيورة موغلة بالحرص على الوطن ومستقبله السياسي وسلامة نظامه الاجتماعي وحرية وكرامة أبنائه. عاش الإمام سنوات عمره في النجف. وللنجف الأشرف قصة طويلة في روح ووجدان هذا الفقيه الكبير كما أن المكان في فلسفة العارفين ومنهم الإمام دور عقائدي ورباني وإنساني سيتحول في مرور فترات الوعي والتجربة وتراكم الخبرة إلى قيمة معرفية وفقهية وروحية لا تضاهيها أية قيمة. وهنا السؤال
كيف عاش الإمام السيستاني النجف كقيمة للمعرفة والتجربة وأفق مفتوح على الإنسان والمسألة الشرعية ودراسة الفقه الإسلامي ومعرفة الدور القيادي في الأمة والنهوض بواقع الإنسان وخدمة الشريعة الإسلامية؟. النجف في ذاكرة الفقيه هي الإسلام والشريعة والدعوة إلى الهدى والمساواة والعدالة الاجتماعية والانتصار الإنساني والإياب إلى النور بعد جاهلية والوعي بعد ظلمة والتنوير بعد ويلات التخلف والعمى الفكري والشرعي والثقافي والاجتماعي والأخلاقي والعقيدي كما أن النجف هي الحاضرة التي تستجيب لمتطلبات الواقع بكل حيثياته وتفاصيله وتعقيداته وهي الحاضرة التي تجيب على كل الأسئلة الحرجة والاستثنائية والقادرة على الإضافة والإنتاج والإبداع والعمل وسط الأمة بروح لا تهدأ وعقل متوقد وذهنية منفتحة على أشواق الإنسان.
فمشروع النجف بهذه المواصفات والشروط التاريخية أكبر منها كمدينة ومساحتها الحالية أقل بكثير من دورها الفكري ومساحتها الحضارية في المشروع الإسلامي المعاصر والإمام يتطلع فيما يتطلع إلى النهوض بالمكان كقيمة للمعرفة كما النهوض به كحاضرة للعلم ومركز للنشاط الثقافي والعقائدي والأخلاقي وعاصمة مسؤولة عن العراق وآفاق مستقبله وأرواح أبنائه وتطوره بعد أن أجلت السياسات والمصالح السلطوية الدكتاتورية ومقاييسها الدموية في النظر لمصالح الشعوب هذه العاصمة من أن تتبوأ مقعدها الأساس في بناء الشخصية العراقية المسلمة وقاعدتها المتينة في بناء الهرم الوطني للسلطة والدولة في العراق. قيمة الـمكان في بيت الإمام المتواضع بالنجف تشهد أو أن المكان يضعك في عمق المشهد الإنساني للإمام وهو يتفاعل مع قضايا الحياة لكنك حين تدلف دارة هذا المفكر الكبير والقيادي البارز سرعان ما ستسقط أسيراً ومنجذباً لتلك الشخصية الإسلامية وساحتها الروحانية المحمدية.
كوز الماء والعبقرية والذهنية المتوقدة والترابية الحسينية والحرص الشديد على الإسلام والأمة والعراق والمستقبل والتنمية وشيبة يجللها اليقين ـ كل شيء في هذا المكان يوحي لك بالتواضع والترابية دون تكلف. مكتبة هي حصيلة جهد دهور من الكدح المستمر إلى الله والناس إيماناً من هذه المرجعية بأن العمل إلى الله تعالى لن يرتقي إلى اليقين وعمق الحقيقة إلا بالعمل مع الناس لكن تلك المصنفات والكتب ليست كبقية المصنفات إذا ما وضعت الى جانب الإمام أو خلفه وتبدو صورتها الأولية الانطباعية عبارة عن مشهدية تاريخية لا تستطيع التفريق في قراءتك لأبعادها المادية بين الإمام والمصنف وبينه وبين كتب الحديث الفلسفة والأصول والدراسات القرآنية فهو جزء منها وهي جزء منه ولن ينفصلا حتى ينجزا المهمة الرسولية الملقاة على عاتقهما في الحياة. إنها ستكتسب بالتأكيد قيمتها التاريخية وقيمتها الزمكانية ووهجها المستمر هذا إضافة إلى مجمل المؤلفات والأفكار التي وضعها الإمام بخط يده طيلة حياته العملية وعمره الشريف. إن المؤلف الفقهي المركون خلف الفقيه الإمام ليس مؤلفاً ساكناً إنه مؤلف متحرك كونه يستمد حركيته مديناميكيته من الذات المتحركة للفقيه. هذا الكلام لا يقال إلا في حضرة الفقهاء الكبار والقيادات الدينية البارزة التي أفنت ذاتها بساحة الفناء المطلق للحضرة الإلهية المقدسة أمثال آية الله العظمى الإمام السيد علي السيستاني.
إن المكان في فلسفة الإمام يستند إلى الإرث الفقهي والفكري للنجف وسخونة التراب الذي يضم بين دفتيه وذراته الإمام علياً عليه السلام ولما تختزنه تلك المدينة من حركة تنويرية وجهادية ومعرفية وأصولية أمدت العالم الإسلامي بالأفكار المختلفة والمفاهيم المميزة، فبالإضافة إلى نشر الفكر ومسؤوليتها الشرعية في ترجمة نصوصها وأقوالها الأصولية إلى أفعال وريادتها في تسويق حركة التنوير الديني والأخلاقي ساهمت النجف في مجمل أفكار وأفعال الحركة الاستقلالية الوطنية التي راجت في أجزاء واسعة من الوطن العربي والإسلامي بدايات القرن الـماضي ولا زالت الذاكرة الإسلامية والنجفية بشكل خاص تتذكر وأفعال كتائب المجاهدين العراقيين (علماء وكسبة وفلاحين وبسطاء) من الذين أرسلتهم القيادات الدينية والزعامات الفقهية في النجف الأشرف إلى ليبيا زمن الاحتلال الإيطالي لها. إن بيت المرجع والإمام السيستاني يختزن تلك التأملات التاريخية ولا أستطيع النظر إلى هذا البيت الواقع في زاوية نجفية أو أتأمل ملامح هذا الفقيه من غير ما تقودني الذاكرة أو عينا ذاكرتي لتلك المعاني والمفاهيم والكتائب. وفي هذا البيت النجفي أيضاً نشهد كل فصول المواجهات الفقهية والتأملات الفلسفية والأصولية والقرآنية التي تحتدم أو تلك التي احتدمت في هذا البيت منذ عشرات السنين كما تشهد احتدامات ومواجهات سياسية عن مستقبل العراق بعد أن تبوأ الإمام السيستاني المكانة الأولى في فضاء القيادة المرجعية وزعامة الأمة والانفتاح على العالم.. هذا البيت وقيادته الدينية الكبيرة يمارس مواقف ويتخذ قرارات ويعمل اليوم على تقريب وجهات نظر العراقيين من مختلف الفصائل السياسية والتيارات الاجتماعية والحزبية مثلما يمارس الانفتاح على القوى السياسية في العراق من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. وفي المحصلة تحول هذا البيت الذي يضم مرجع الأمة الإسلامية إلى قبلة يؤمها الزعماء والقادة والتيارات السياسية والجمعيات والمؤسسات العراقية والعربية والاسلامية، هذا البيت سيكون له ـ كما هو حاصل حالياً ـ شأن أكبر في تقرير مستقبل التنمية والتطوير في العراق مثلما يمتلك ذات الشأنية القيادية في تقرير حق الشعب العراقي بالحرية والاستقلال وتكوين تجربته السياسية في إدارة شؤونه بنفسه. ([1]) أساطين المرجعية العليا ـ محمد حسين الصغير. ([2]) ص 204 كتاب الفقه للمغتربين، مؤسسة الإمام علي المؤلف عبد الهادي السيد محمد تقي الحكيم. ([3]) نفس المصدر. ([4]) نفس المصدر. الفصل الثاني
¨ الإمام الـمرجع والحركة الوطنية الاستقلالية ¨ الدفاع عن الأمة ـ الدفاع عن السيادة الوطنية ¨ نقل السلطة ـ التحول الوطني نحو الدولة العادلة ¨ ثبات في الـملمَّات التاريخية
الإمام الـمرجع شكل سقوط النظام الدكتاتوري في بغداد بتاريخ 9/4/2003 حدثاً سياسياً ودولياً عظيماً وهاماً. وأحدث دون شك دوياً هائلاً في كل مكان، في العالم العربي والإسلامي وفي أرجاء العالم. وأهمية هذا الحدث نابعة دون مواربة من أهمية الأزمة الوجودية التي أسسها النظام السابق في العراق وبين العراق وبقية المكونات العربية والإسلامية والدولية عبر حروبه ونزاعاته واحتلاله دولة الكويت وحربه ضد إيران واستخدامه الأسلحة المحرمة ضد الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب وقتل الناس وقمع الحريات وتحويل البلاد إلى مزرعة لرجال السلطة وأحفاد عوائلها وزبانيتها وحزبها. وقد أكد سقوط النظام سقوط الدكتاتورية والعنف المسلح وقمع الحريات وبداية مجيء مرحلة سياسية خالية من أسلحة الدمار الشامل وحكم الفرد الواحد والحزب الواحد والإيديولوجية المتفردة وتلك البداية لابد أن يتم تشكيلها بإرادة الشعب العراقي ومرجعيته الدينية وقواه الوطنية السياسية من كافة المشارب والتوجهات والتيارات. فالعراق القادم هو عراق مختلف تتشكل أدوات ومكونات دولته من خلال توافق الإرادات واتفاق المواقف ولو بحدودها المعقولة لبناء نظام وطني دستوري برلماني تعددي يقوم على أساس أن يكون الإسلام دين الدولة كون الإسلام يمثل أكثرية الشعب العراقي ومن هنا تدرك المرجعية الدينية الممثلة بالإمام آية الله العظمى السيد علي السيستاني أنها معنية بتأصيل وتكريس حقوق العراقيين وحماية مكتسبات انتفاضته وثوراته وكفاحه السياسي الطويل ضد الدكتاتورية وتدرك أيضاً موقعها في دائرة التحول الوطني من الدكتاتورية إلى الدولة القانونية ـ الدستورية ـ لكنها تعلم أيضاً أن أهمية المرجعية الدينية تكمن في تفاعلها الفقهي والفكري والسياسي مع إجراءات وتفاصيل وحيثيات التحول خصوصاً وأن القوات الأمريكية وإدارتها المدنية حسمت أمر إعادة السلطة للعراقيين بقرارها تسليم مقاليد الحكم بعد حزيران سنة 2004 كما أكد ذلك الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر.
ما بذله ويبذله الإمام السيستاني في هذا المجال كبير جداً بالقياس إلى قصر مدة دخول العراق في دائرة الاستهداف العسكري الأمريكي ووقوع البلاد تحت الاحتلال وبالقياس إلى الترتيبات التي سبقت قيام مجلس الحكم حيث كانت البلاد بدون سلطة مؤقتة أو حكومة شكلية تسّير الشؤون وتتولى بعض المقاليد والقرارات. الإمام أدى وبحزم إرادة واعية وذهنية منفتحة على التطورات السياسية والعسكرية العاصفة التي شهدها العراق الدور المفترض أن يؤديه فقيه كبير مثله، فقد تصدى للمسألة العراقية بكل التعقيدات التي تحملها في داخلها بروح مخلصة لشعبها ودينها ومشروعها الاجتماعي ومستقبل إنسانها، ومن بين أهم المسائل الوطنية التي اهتم الإمام بها وأولاها الأهمية الاستثنائية مسألة صياغة الدستور الذي سيضع العراق على سكة الأمن والاستقرار والرفاهية والتطور والمدنية والديمقراطية وآفاق علاقاته العربية والإسلامية والدولية وكانت له آراءه وتوجهاته الفقهية والفكرية والسياسية حيث أصبح ما بعد سقوط النظام وتحريك ملف إعادة نظم إيقاع الحركة السياسية في البلاد بعد عهود من الديكتاتورية والاستبداد ملاذ القوى السياسية الوطنية الباحثة عن استقلال بلادها ورفاهيتها فضلاً عن تحول الإمام المرجع إلى مرجعية قرار خاص بتوجهات البلاد القادمة يؤخذ رأيه في كل صغيرة وكبيرة ويتطلع كل الذين يهمهم أمر العراق إلى النجف ومرجعيته الدينية باعتبارها القاعدة الفقهية والسياسية والفكرية التي تنظم الفعل السياسي الوطني وتوفق ما بين الفرقاء وتعيد إنتاج الحياة السياسية على أساس المشاركة والتعايش وقبول الآخر مهما كان هذا الآخر.
المسألة الدستورية التي يلح الإمام السيستاني على ضرورة أن تكون المسألة الأولى نابعة من كون الإمام يريد تأسيس نظام سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي في البلاد غير قائم على حاكمية الفرد المطلقة ـ الحاكمية التي كلفت البلاد أكثر من ثلاثة عقود من الحروب والأزمات الحدودية والقتل والتعذيب والاعتقال والاختفاء لأكثر من أربعة ملايين مواطن عراقي. إن الإمام لا يريد إعادة الدكتاتورية ونظام الاستبداد ببراقع ووجوه أخرى تحت غطاء الديمقراطية ولوائها ولا يريد استعادة النهج السابق في التعاطي مع القيم والنظم التي لها علاقة بأخلاقيات الأمم وتوازناتها السياسية والثقافية كمسألة الدستور وكتابته والاتفاق على رأي عراقي واحد يقود البلاد إلى الوحدة لا الفتنة والتماسك لا التشرذم. ففي جوابه لمراسل وكالة أنباء أسوشيتد بريس الأمريكية في بغداد بتاريخ 21/ شعبان /1424هـ رداً على سؤال حث الإمام على انتخاب من يكتب دستور العراق الجديد أن الاستفتاء على الدستور كتبه أناس تم اختيارهم من كل شرائح المجتمع وفئاته فهل تتم شرعيته على أساس اختيار فئات اجتماعية لكتابة الدستور يجيب الإمام على ذلك قائلاً: (في وضع العراق الحالي لا توجد أية جهة يمكنها أن تقوم باختيار أعضاء مجلس كتابة الدستور بصورة مقبولة من الجميع بحيث يتمثل في المجلس المشكل جميع شرائح المجتمع العراقي تمثيلاً عادلاً بل إن من المؤكد أن المصالح الشخصية والفئوية والعرقية والحسابات الحزبية والطائفية ستتدخل بصورة أو بأخرى في عملية الاختيار ويكون المجلس المشكل فاقداً للشرعية ولا يجدي عندئذ إجراء الاستفتاء على ما يضعه من الدستور بـ نعم أو لا فلا بديل عن إجراء انتخابات عامة لاختيار أعضاء المؤتمر الدستوري)(*). الدفاع عن الأمة ـ الدفاع عن السيادة الوطنية: الإمام السيستاني لا يسكن في النجف بل يتخذ هذه المدينة المقدسة قاعدة لانطلاق الفكرة المضيئة وتجسير العلاقة بين مختلف فئات المجتمع العراقي في الداخل وشعوب الأمة الإسلامية في الخارج إن هذا المرجع والمراجع الذين سبقوه عاشوا في أفئدة الـمدافعين عن الإسلام وشريعته مثلما عاشوا في قلوب الناس جميعاً. وقد لعبت النجف كقاعدة للتنوير والقرار السياسي المستقل دوراً مهماً في الدفاع عن أهداف الشعوب العربية والإسلامية وكان لها دور كبير أيضاً في التوفيق ما بين المذاهب الإسلامية على ما كان بين هذه المذاهب من خلافات فقهية وفكرية وعقائدية وقد شاركت النجف بأفضل علمائها تأريخياً بمؤتمر بحمدون أوائل القرن الماضي من أجل تأسيس مناخ الوحدة الإسلامية والكل يعرف مجمل الطروحات العقائدية والسياسية الدالة على الوحدة تلك التي اشتغلت عليها مرجعية النجف الأشرف وفي هذا الإطار نذكر المؤلف القيم الذي قام بتأليفه إمام الطائفة آنذاك آية الله العظمى المرجع الكبير محمد حسين كاشف الغطاء (الوحدة في الإسلام لا في بحمدون) وعلى هذا المنوال سارت المرجعية الدينية في الأمة على أن الهدف الإسلامي الكبير الذي كانت تسعى إليه تحصين الأمة بعقيدتها الإسلامية وتراثها وإرثها التاريخي في مواجهة ما يهددها من أخطار وتحديات. الإمام السيستاني جزء لا يتجزأ من حركة المرجعية الدينية في الأمة حيث وقف الإمام معها ومع لحمتها ومأساتها التاريخية الكبيرة وأمانيها في الاستقلال والعدالة والمساواة في أحلك الفترات وأشدها وأكثرها قسوة ووطأة عليه وعلى كافة فئات الشعب العراقي ولم يتخلَ هذا المرجع الكبير عن الشعب العراقي ومأساته حين كان النظام في أقسى درجات تعامله مع الشعب العراقي ومع كل القيادات الدينية والسياسية التي حاولت أن تحدث انفراجاً ما في علاقة الشعب العراقي بنظامه السياسي المستبد. إن وقوف الإمام مع شعبه وأمته في العراق لم يكن يترجم على شكل أفعال جزئية كأن يدافع الإمام عن حقوق الطائفة الشيعية دون بقية الطوائف والاتجاهات الاجتماعية والفقهية والمذهبية. لقد وقف الإمام بعد انجلاء غبرة التحول العسكري الأخير ونهاية الحرب الأمريكية ضد النظام بإسقاطه إلى جانب كل العراقيين بجميع طوائفهم واتجاهاتهم الدينية والاجتماعية.
وفي هذا الإطار يقول الإمام على هامش ما تتعرض له أمتنا في العراق من عمليات إجرامية تستهدف مراكزها وبناها الاقتصادية والتجارية والتعليمية (يعاني الشعب العراقي منذ سقوط النظام السابق من سوء الأوضاع الأمنية وتزايد الأعمال الإجرامية التي يتعرض لها المواطنون في مختلف أرجاء العراق وكان من آخرها الاعتداء الآثم الذي استهدف مكتب سماحة المرجع الديني آية الله الحكيم (دامت بركاته) حيث أدى إلى سقوط العديد من الأبرياء بين قتيل وجريح ونجم عنه أيضاً أضراراً واسعة في الممتلكات والدور المجاورة. ونحن إذ نشجب جميع الأعمال الإجرامية ولا سيما ما يمس منها الحوزة العلمية المقدسة ندعو الجهات ذات العلاقة إلى وضع حدٍ لهذه الظاهرة الخطيرة واتخاذ الإجراءات اللازمة لتحسين الوضع الأمني ومنها تعزيز القوات الوطنية العراقية المكلفة بتوفير الأمن والاستقرار ودعمها بالعناصر الكفوءة والمعدات الضرورية. نسأل الله العلي القدير أن يجنب الشعب العراقي عامة والحوزة العلمية خاصة كل سوء ومكروه ويأخذ بأيدي الجميع إلى ما فيه الخير والصلاح إنه سميع مجيب)(*).
إن الإمام السيستاني يتحدث عن ضرورة إيجاد القوات الأمنية العراقية لا القوات الأمريكية أو الاستعانة بشرطة وقوات بقية أطراف التحالف الدولي مثلما يتحدث عن ضرورة إيجاد نظام سياسي وأمني قادر على ضبط الأوضاع وحماية الممتلكات والبنى الأساسية الخاصة بالمجتمع العراقي لكن سماحته يربط حياة المرجع الديني الكبير آية الله العظمى السيد محمد سعيد الحكيم عبر الحادثة التي تعرض لها بحياة الشعب العراقي فهو يتحدث عن ضرورة ضبط الأمن في الشارع وتوفير الأمن للمرجع ما يعني أن الإمام السيستاني لا يفرق في تعاطيه السياسي ـ الإنساني بين مرجع وأمة أو أمة ومرجع فكلاهما ينتميان إلى دائرة الحكم الشرعي وإطار اهتمامات قيادته الدينية السياسية الراهنة وإلا فلا معنى لضرورة الحديث عن توفير الأمن للمرجع من دون المطالبة بتوفيره للشارع. نقل السلطة ـ التحول الوطني نحو الدولة العادلة تقف مسألة نقل السلطة السياسية والإدارية من قوات التحالف الدولي الموجودة في العراق لإدارة سياسية عراقية وطنية في عمق اهتمامات الإمام المرجع وهو يوليها ولا زال وسيبقى الأهمية البالغة في يومياته عبر لقاءاته السياسية ومحاضراته ومحادثاته مع مختلف الأطراف العراقية والعربية والدولية على أن الإمام يضع مصلحة الشعب العراقي وقيام الدولة الوطنية الدستورية البرلمانية الموحدة التي تستجيب لكل الواقع ولا تهمل شيئاً من تفاصيله وحيثياته في مقدمة المهمات لا في آخرها. وإذا ما عرفنا أن المسألة العراقية مسألة معقدة على خلفية حجم المطالب السياسية للأطراف والمذاهب والاتجاهات الاجتماعية والحزبية نعرف أيضاً أن مهمة الإمام السيستاني ليست سهلة على الإطلاق لكن الإمام وهذا ما دلت عليه مجمل لقاءاته السياسية وفتاواه الشرعية ومواقفه المبدئية يواجه هذا التعقيد والتحدي الكبيرين بروح القائد الكبير والمرجع الملهم والرمز الذي تلتف حوله بقية أطراف الفريق السياسي الحالي في العراق سعياً لإقامة الدولة الوطنية العادلة.
في جوابه عن سؤال وجه إليه من قبل مراسل صحيفة (واشنطن بوست) في بغداد بشأن التطورات السياسية في العراق وعلى هامش الحديث عن ضرورة وضع دستور دائم يحتكم إليه الشعب العراقي ويقوم بإنتاج الحياة السياسية العراقية القادمة بعد أن سأله المراسل بما يلي: ما هي وجهة نظر سماحتكم بالنسبة للخطة الجديدة لانتقال السلطة في العراق؟ يجيب الإمام: أولاً: أنها تبتني على إعداد قانون الدولة العراقية للفترة الانتقالية من قبل مجلس الحكم بالاتفاق مع سلطة الاحتلال، وهذا لا يضفي عليه صفة الشرعية، بل لابد لهذا الغرض من عرضه على ممثلي الشعب العراقي لإقراره. ثانياً: إن الآلية الواردة فيها لانتخاب أعضاء المجلس التشريعي الانتقالي لا تضمن تشكيل مجلس يمثل الشعب العراقي تمثيلاً حقيقياً فلابد من استبدالها بآلية أخرى تضمن ذلك وهي الانتخابات. ليكون المجلس منبثقاً عن إرادة العراقيين ويمثلهم بصورة عادلة ويكون بمنأى عن أي طعن في شرعيته ولعل بالإمكان إجراء انتخابات اعتماداً على البطالة التموينية مع بعض الضمائم الأخرى (*). لكن الإمام الذي عرف بإيلاءه أقصى درجات الأهمية والأولوية للدستور وكتابته وإجراء الانتخابات لتأصيل مباني ومبادئ الدستور العراقي الجديد ما بعد النظام البائد يصر على ضرورة مشاركة المجتمع العراقي بجميع فئاته وشرائحه بعملية إنتاج الحياة السياسية ومظاهر الوضع البرلماني الدستوري القادم. وأن تكون الانتخابات المحك الذي تظهر فيه قوة النظام الدستوري وصدقيته السياسية والقانونية كما صدقية الدستوريين العراقيين الذين ألقيت على عواتقهم هذه المهمة الوطنية الكبيرة. ورغم ذلك فالإمام الذي يعرف حدود علاقته بالأمة ود ويود دائماً أن تكون تلك العلاقة شفيفة غير قهرية تلامس أعماق تطلعات المجتمع العراقي ولا تفرض عليه. هنا وعلى هامش الأحداث المؤلمة التي جرت في مدينة كربلاء في شهر شعبان من السنة الماضية بين بعض المجموعات المتخاصمة يقول بيان صدر عن مكتب الإمام السيستاني: (الاختلاف في وجهات النظر ووجود اتجاهات متعددة في الوسط الشيعي كسائر الأوساط الأخرى حالة طبيعية لا يخشى منها والحوار الهادئ بين الأطراف المعنية هو الأسلوب الأمثل لحل الخلافات، واحترام الأقلية لرأي الأكثرية وعدم محاولة الأكثرية للسيطرة على الأقلية والتحكم بهم هو الأساس الذي يجب أن يراعى في العمل السياسي. وأما الذي حدث في كربلاء المقدسة من الصراع المسلح بين بعض الأهالي وبعض المجموعات المسلحة فقد نجم عن غياب السلطة المركزية بصورة مؤثرة وفاعلة ووجود أعداد كبيرة من الأسلحة بأيدي عناصر غير منضبطة، وقد سبق لسماحة السيد (دام ظله) أن أكد قبل عدة شهور في مختلف لقاءاته بأعضاء مجلس الحكم ومسؤولين آخرين من الوزراء وغيرهم على لزوم اتخاذ إجراءات سريعة وفاعلة في سبيل سحب الأسلحة غير المرخصة من أيدي الناس ودعم الشرطة العراقية بالعناصر الكفوءة والمعدات اللازمة لتأخذ دورها الطبيعي في حماية المجتمع من بروز أي ظاهرة مخلة بالأمن، ولكن من المؤسف أنهم لم يتخذوا ـ أو لم يسمح لهم بأن يتخذوا ـ الإجراءات الضرورية في هذا المجال حتى آلت الأمور إلى الوضع الراهن، وربما ستبرز مشاكل جدية أخرى لو لم يبادروا إلى اتخاذ الخطوات التي أكد عليها سماحته). الإمام السيستاني الذي طالب بضرورة وجود شرطة عراقية مثلما طالب بإحلال الأمن في النجف وبقية المحافظات العراقية لم يهمل مبدأ الإدانة الواضحة التي يفترض أن توجه لقوات الاحتلال التي لم تسمح للأهالي أو لمجلس الحكم بإيجاد المناخ الأمني الملائم وحماية ممتلكات الناس وهو موقف لم يدلي به أحد باستثناء مرجعية النجف التي قالت رأيها بالأمن والاحتلال وضرورة تأسيس البديل الوطني في العراق وقد مارس الإمام هنا أبوة كبيرة في التعاطي مع المسألة السياسية في العراق من دون أن يزج بنفسه بالتفاصيل التي تخرج القرار المرجعي ومشروع القيادة المرجعية الدينية من دائرة التأثير المباشر إلى دوائر اللاتأثير. وهنا يقول بيان صادر عن مكتب الإمام وهو يعرج على مجمل النزاعات التي تحصل هنا وهناك في العراق ومن أجل أن يحصن موقع المرجعية الدينية ويخرجه من دائرة الاشتغال بالتفاصيل للعمل بالقضايا الكبيرة (وينبغي أن يعرف الجميع أن سماحة السيد (دام ظله) ليس طرفاً في أي نزاع يحدث هنا أو هناك، وأن رعايته الأبوية كانت ولا تزال تعم جميع العراقيين، وقد كلف مكتبه في النجف الأشرف الدكتور حسين الشهرستساني دام توفيقه ببذل أقصى الجهود في سبيل حل الصراع الذي حدث في كربلاء، والتوصل إلى اتفاق بين الأطراف المعنية لنزع فتيل الفتنة، وقد قام بجهد كبير في هذا المجال وتوصل إلى اتفاق بين الفرقاء لنزع الأسلحة من محيط الحرمين المقدسين والأماكن الشريفة الأخرى وتشكيل لجنة لتطبيق هذا الإجراء). ويستمر البيان في التأكيد على نأي المرجع السيستاني عن التفاصيل الصغيرة الملهية بقوله: (إن سماحة السيد (دام ظله) على الرغم من اهتمامه البالغ ومتابعته المستمرة للشأن العراقي بجميع جوانبه إلا أنه قد دأب على عدم التدخل في تفاصيل العمل السياسي وفسح المجال لمن يتفهم الشعب العراقي من السياسيين لممارسة هذه المهمة، ويكتفي سماحته بإبداء النصح والإرشاد لمن يزوره ويلتقي به من أعضاء مجلس الحكم والوزراء وزعماء الأحزاب وغيرهم.
والمؤسف أن بعضاً من وسائل الإعلام تستغل هذا الموقف وتنشر بين الحين والآخر بعض الأخبار المكذوبة وتروج الإشاعات التي لا أساس لها من الصحة)(*). المسألة الأكثر أهمية في نظري أن الإمام يتطلع إلى الدور المسمى في التنظيرات السياسية الحديثة بـ(الكارزمي carezmatic role) أي الدور الذي يؤكد التحامه مع قضايا الأمة كأي زعيم أو راية فكرية وسياسية كبيرة في شعبها ووسط محيط أمتها. وعلى هذا الأساس يؤكد الإمام رمزية من نوع مختلف تؤكد في البداية على القضايا الجوهرية الأساسية المهمة كقضية كتابة الدستور عبر ممثلي الشعب العراقي وممن يختارهم هذا الشعب لتمثيل طموحاته وأهدافه ولا تنتهي بالواقع والحديثيات والتفاصيل ذات العلاقة بالمسألة الجوهرية. ولذلك يقولها الإمام بجرأة متناهية أن الوضع الحالي في العراق لا تمثله أية جهة انطلاقاً من فهمه السياسي العالي الذي يؤكد عدم وجود جهة سياسية منتخبة من غير أن يتقاطع بشكل سلبي أو يؤسس خلافاً سياسياً أو عقائدياً ما مع كل الجهات والصيغ السياسية الحالية في العراق. هذه هي الروح الكارزمية للإمام السيستاني فهو في الوقت الذي ينفي وجود جهة سياسية للعراقيين لا ينفي القوى السياسية والاجتماعية والحزبية التي تمارس بعض السلطات في العراق ما بعد صدام حسين وعلى هذا الأساس يستقبل الإمام دائماً كل الشخصيات العراقية سواء داخل مجلس الحكم الانتقالي أو خارجه مثلما يستقبل الشخصيات السياسية الدولية أو الشخصيات العربية وقد زاره في الفترة الأخيرة وفد من الجامعة العربية حيث أطلع الإمام وفد الجامعة على المتطلبات الواجب توفرها في جامعة للدول العربية إزاء الشعب العراقي وتطلعاته في محيطه العربي مثلما أكد ذلك لمجمل زواره الذين التقوه خصوصاً بعض الدول الإسلامية الجارة للعراق إذ نبه الإمام إلى ضرورة عدم التدخل في الشؤون العراقية وترك العراقيين وشأنهم في اختيارهم النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الخاص بهم وتقرير مستقبلهم بأنفسهم دون وصاية من أحد. وتلك كانت رسالة ضمنية لكنها واضحة لكل الأطراف السياسية المعنية وغير المعنية بالمسألة العراقية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وقوات التحالف الدولي تقضي بضرورة أن يكون للعراقيين دولة وطنية حرة مستقلة لا دخل للشرقي أو للغربي في حيثياتها وقرارها السياسي وديمقراطيتها الذاتية وخصوصيتها الوطنية والقومية ولذلك يلمح الداخل للنجف عناوين ومحددات ثابتة لسقفها السياسي بإرادة قيادتها الدينية والمرجعية الراهنة بزعامة الإمام ومن تلك المحددات التي يقرأها الداخل إليها والمكتشف لسقف الحركة السياسية في العراق ما يلي: 1ـ لا بديل عن إجراء انتخابات عامة لاختيار أعضاء المؤتمر الدستوري.
2ـ الإسلام هو دين أغلبية الشعب العراقي وإذا كتب الدستور بأيدي المنتخبين من قبل العراقيين فمن المؤكد أنه سيتمثل فيه قيم الإسلام وتعاليمه السمحاء. 3ـ هذا الأمر ـ أمر البعد الدستوري في الحياة السياسية العراقية القادمة ـ يقرره ممثلو الشعب العراقي في المؤتمر الدستوري المنتخب. 4ـ وإذا كان هناك حاجة إليهم فليكن عملهم بإشراف الأمم المتحدة لا قوات التحالف. 5ـ من المؤمل ـ كما يدعو الإمام ـ أن يقوم المجلس ببذل كل الجهود في سبيل تسيير أمور البلد في الفترة الانتقالية بتوفير الأمن والاستقرار والخدمات العامة والتمهيد لإجراء انتخابات المؤتمر الدستوري مع تأجيل اتخاذ القرارات المصيرية إلى حين تشكيل الحكومة المنتخبة بعد انتهاء الاحتلال. 6ـ تسليم كل الأسلحة غير المرخصة إلى السلطات الوطنية المختصة تجنباً عن وقوع صدامات مسلحة أخرى في المستقبل. 7ـ إذا لم تتخذ إجراءات سريعة من قبل السلطات الوطنية العراقية لسحب الأسلحة غير المرخصة وتعزيز القوات الوطنية المكلفة بتوفير الأمن والاستقرار فربما تقع مشاكل خطيرة مستقبلاً من دون اختصاص ذلك بالساحة الشيعية(*). إن هذه المحددات تنطلق في أجواء سياسية حساسة وخطيرة وفي بلد يكتظ بالمشاكل المسلحة خصوصاً إذا عرفنا أن هناك أكثر من 50 مليون قطعة سلاح بأيدي جماعات متفرقة وطوائف سياسية واجتماعية في المجتمع العراقي. إن ذلك يعني فيما يعنيه من ترجمة لأفعال استراتيجية على الأرض أن المرجعية الدينية لديها مشروعها السياسي والاجتماعي أيضاً بموازاة المشاريع السياسية للقوى والأحزاب والتنظيمات من جهة والقوات الأمريكية والحاكم المدني وقوات التحالف من جهة أخرى لكن الميزة في مشروع المرجعية الدينية بقيادة الإمام السيستاني أنها غير مفروضة بقوة السلاح أو الظواهر التحريضية والخطاب التعبوي المنفر واستخدام الأساليب غير الأخلاقية كما حدث بعد سقوط النظام في بغداد وعدد من المحافظات العراقية وهذا المشروع هو رسالة أيضاً لكل الأطراف العراقية بضرورة استخدام الرصيد الشعبي ومعاناة الشعب العراقي قاعدة أساسية بتمثيل طموح الناس وعدم استخدام هذا الرصيد للأغراض والامتيازات الشخصية. إن هناك فرقاً كبيراً بين (توظيف) الرصيد الجماهيري ومعاناة الناس وبين (استخدامه) والإمام مع نظرية التوظيف لا الاستخدام لأن الأولى تعني (المصلحة السياسية والاجتماعية وتوفير الأمان والاستقرار والتنمية والتطور وحماية الأعراض والأموال والممتلكات وصيانة الوحدة الوطنية) أما الثانية فتعني (استبدال النظام السابق الذي عرف بقمعه وديكتاتوريته وعنفه بنظام ديكتاتوري وقمعي آخر). ثبات في الـملمات التاريخية إن المتابع لخطاب الإمام السيستاني وتصريحاته وبياناته للأمة سيفهم طبيعة التدرج في فكر الإمام وتدبيره السياسي وحرصه الشديد على تهذيب و(توظيب) البيت العراقي وعدم تراجعه عن إبداء النصح اللازم لكل الأطراف إذا ما أصيب هذا البيت بوعكة شديدة كأن يتم اغتيال شخصية دينية وسياسية كبيرة في البلاد كما حدث بعد اغتيال سماحة آية الله العظمى السيد محمد باقر الحكيم الرئيس السابق للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق حيث شعر الإمام بحسه السياسي وفطنته ودرايته بتفاصيل الشارع العراقي أن فتنة قادمة المسؤول عن تأجيجها أولئك الذين لا يريدون وحدة العراق والشعب العراقي الساعون إلى تبديد كل جهود هذا الشعب لاستحصال استقراره وأمنه وحريته فوقف موقف الأب الكبير يهدأ النفوس ويقلل من شأن الفتنة ويعلي من شأنية الفقيد باعتباره واحداً من الرموز الدينية والسياسية والفقهية التي عملت من أجل العراق والشعب العراقي وحرية العراقيين.
يقول بيان صادر عن مكتب الإمام في النجف الأشرف: (إن هذه الجريمة الوحشية والجرائم التي سبقتها في النجف الأشرف وسائر مناطق العراق يقف من ورائها من لا يريدون إعادة الأمن والاستقرار لهذا البلد الجريح ويسعون في زرع بذور الفتنة والشقاق بين أبنائه ولكننا على ثقة بأن الشعب العراقي يعي هذه الحقيقة وسيقف صفاً واحداً دون تحقيق مآرب الأعداء وسيتجاوز محنته الراهنة بإذن الله تعالى ونحن إذ نستنكر هذه الأعمال البشعة نحمل قوات الاحتلال مسؤولية ما يشهده العراق من انفلات في الأمن وتزايد في العمليات الإجرامية وندعو مرة أخرى إلى تعزيز القوات الوطنية العراقية ودعمها وتمكينها من توفير الأمن والاستقرار)(*). ولا يقف الإمام عند هذا الحد في التعاطي مع مظاهر الانفلات الأمني واستهداف الشخصيات الإسلامية المتنورة بل يتجاوز ذلك إلى التأكيد على ضرورة إنهاء واقع الاحتلال وتسليم السلطة للعراقيين وعدم الاعتراف بصلاحية أي مجلس لصياغة الدستور إذا لم يكن متطابقاً مع المصالح العليا للشعب العراقي لكن من دون التنافر وإشعار شخصيات هذا المجلس أن المرجعية الدينية لا تتعاطى معهم بشكل نهائي قدر ما يريد الإمام أن يؤكد بأن عدم الشرعية لا تعني الأشخاص قدر ما تعني الصيغة. لقد وجه سؤال لسماحة السيد المرجع عن إعلان سلطات الاحتلال قرار تشكيل مجلس لكتابة الدستور العراقي وأنها ستعين أعضاء هذا المجلس بالتشاور مع الجهات السياسية والاجتماعية في البلد ثم تطرح الدستور الذي يقره المجلس للتصويت عليه في استفتاء شعبي عام فيقول الإمام بهذا الشأن: (بسمه تعالى.. إن تلك السلطات لا تتمتع بأية صلاحية في تعيين أعضاء مجلس كتابة الدستور، كما لا ضمان أن يضع هذا المجلس دستوراً يطابق المصالح العليا للشعب العراق ويعترف بهويته الوطنية التي من ركائزها الأساسية الدين الإسلامي الحنيف والقيم الاجتماعية النبيلة، فالمشروع المذكور غير مقبول من أساسه، ولابد أولاً من إجراء انتخابات عامة لكي يختار كل عراقي مؤهل للانتخاب من يمثله في مجلس تأسيسي لكتابة الدستور، ثم يجري التصويت العام على الدستور الذي يقره هذا المجلس، وعلى المؤمنين كافة المطالبة بتحقيق هذا الأمر المهم والمساهمة في إنجازه على أحسن وجه، أخذ الله تبارك وتعالى بأيدي الجميع إلى ما فيه الخير والصلاح والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)(*). 25/ع2/1424 علي الحسيني السيستاني/ الختم الشريف الفصل الثالث ¨ زعيم الأغلبية الـمسحوقة ¨ إمام الفقه المتحرك ¨ التأصيل في فكر الإمام ¨ العلاقات الاجتماعية في فقه الإمام السيستاني ¨ الـمرجع السيستاني في العلاقة مع المحيط ¨ الإمام السيستاني والانفتاح على الواقع الإسلامي زعيم الأغلبية الـمسحوقة بهذا يحقق الإمام (دام ظله) هدف وقوف المرجعية الواعي والمستنير مع كافة الطبقات الاجتماعية والسياسية في العراق وأن يكون على مسافة واحدة مع الجميع وهو ذات الموقف الذي سار عليه السلف الصالح من المرجعيات الدينية في العراق. ولذا يجد الناظر لسلوك المرجعية الدينية الممثلة بالإمام السيستاني أنها تحظى باحترام كافة الطبقات الاجتماعية والسياسية وتقدير واهتمام القوى السياسية الدولية وفي المقدمة الإدارة الأمريكية والحاكم المدني بريمر رغم أن الإمام رفض لقاء المسؤول الأمريكي في بغداد حين قدم إلى النجف وطلب اللقاء بسماحته. ولتلك قصة أخرى لا مجال للحديث عنها.
إن الإمام في كل الذي يؤديه من مهام وما يقوم به من مسؤوليات وما يتحمله من تبعات ونتائج لم ولن يكون رجلاً طالباً لسلطة أو مرجعاً راغباً بالملك أو شخصية لها اعتبارها وقيمتها الاجتماعية والسياسية والفقهية ترغب في احتلال موقع ما في مستقبل العراق وعزوف الإمام عن كل هذا مرده إلى التربية الشخصية التي جبل عليها نفسه وهي تربية سلوكية. وعرفانية وقرآنية شديدة القسوة على مباهج الدنيا وزخرف مواقعها والانبهار بمظاهرها المادية وإلى ثقته بالبقاء في خندق خدمة المذهب والفكر والمدرسة الإمامية والرسولية المتنورة وتعزيز رصيد الحالة الإسلامية ومؤسساتها الخدمية والثقافية والفكرية المنفتحة على أشواق الإنسانية كلها والعالم الإسلامي بشكل خاص.
إن إيمان المرجع السيستاني بموقع خدمة المذهب ورعايته للمذاهب الإسلامية الأخرى والدفاع عن حضارة الإسلام وقيمه العقائدية الخالدة وإبداعه في كل الحقول المعرفية والفلسفية التي كتب وتباحث فيها هو المسؤول عن تهيئة المناخ الطبيعي لمرجعيته (دام ظله). لذلك وبحكم وقوفه عند مسؤوليته الشرعية ومعرفته بأحكام الشريعة ودورها في ترشيد الحياة والإنسان فقد بذل وما زال الجهد الكبير لصيانة حقوق الأغلبية المسحوقة من أبناء الشعب العراقي مدافعاً عنها ومطالباً بانصافها وحاثاً على توكيدها لئلا ينطلق قطار الدولة والسلطة في العراق من دون أن يكون للأكثرية المسحوقة صوت بعد عقود طويلة من حاكمية قرار (السوط) على ظهور رجالها وملايينها المعذبة. هذا يعني أن الرجل يتبوأ مكانة مرموقة في مشروع الأكثرية الطموحة لاحتلال دورها السامي في الحياة السياسية من دون الانغلاق على الدور وإشعار الأقليات الأخرى بالاستعلاء والهيمنة ونبذ الآخر ورفض التعامل معه. يستوي الإمام في زعامته لهذه الكتائب المليونية البائسة التي رأت الضيم والمعاناة بسبب اعتبارها (أقلية) متمردة مع بقية الزعماء والقادة الملهمين لشعوبهم كمارتن لوذر كنغ في الولايات المتحدة الأمريكية وعلماء مسلمين طالبوا بإنصاف الإنسان المسلم المضطهد في العالم العربي كموسى الصدر في لبنان. وإذا كان السيد موسى الصدر أعلن عن تشكيل أفواج المقاومة اللبنانية (أمل) لتكون الحاضنة الأساسية لطموحات شيعة لبنان في مواجهة غول الطائفية السياسية وأطروحاتها المتفشية في الواقع الاجتماعي اللبناني فإن الإمام السيستاني صنع من خلال خطابه الفقهي وإرشاداته وتوجيهاته السياسية وجهده الشخصي في اللقاء بجميع فعاليات المجتمع العراقي حالة وطنية جديدة مؤداها أن يقف العراقيون وفي مقدمتهم قيادات الأغلبية العراقية المسحوقة لبناء العراق الجديد المؤمن بأبنائه الموقن بإرادة شعبه في إحداث التحول بشروطه الوطنية العراقية الداخلية من دون الاستعانة بالأجنبي وإمكاناته كما تمكن الإمام كذلك من إلقاء حجر في بركة الجدل الدستوري بعد سقوط النظام الإرهابي السابق بالحرص على تحقيق كافة المطالب السياسية لأبناء العراق وفي المقدمة حقهم في الدولة والعدالة والحريات والاستقلال والنزول إلى الشارع لممارسة الحق الأساسي في انتخاب القيادة. ومن دون أن يفهم كلامنا كونه تحريض ضد أحد أو محاولة لشد الأعصاب نقول بأن الإمام السيستاني على خلاف شديد مع الإدارة المدنية التي لم تعمل على إجراء الانتخابات التي طالب بها الإمام بالأسس والشروط التي ذكرها في مجمل أجوبته والاستفسارات التي ترد إليه وما أبلغه لأعضاء في مجلس الحكم. وهذا الخلاف هو الذي يؤسس على الدوام الطابع الوطني لمرجعية الإمام. وهنا أقول لكل الذين يحاولون تزييف الوقائع وتزوير التاريخ أن المرجعية الدينية ظاهرة إسلامية تؤدي دوراً قيادياً وليست ولن تكون شروطها قائمة على أساس قومي كان يكون هذا المرجع إيرانياً والآخر عراقياً أو باكستانياً مثلاً.
وما يحز في النفس فعلاً أن نجد الكنيسة تعمل بخلفية الدور القيادي والكفاءة في إدارة شؤون الكنيسة المسيحية في العالم وأن يكون لها دولة وعلم ومكان وقوانين وعلاقات دولية ولا تلاحظ (جنسية) القس في تولي الشؤون القيادية بينما لازال الجدل محتدماً في أوساطنا حول ضرورة أن يكون المرجع عربياً مثلاً مقابل التيار الذي يقول بمسألة الدور. الإمام السيستاني المتحدر من أسرة قدمت إلى العراق من مشهد المقدمة في إيران وبالتحرك السياسي الذي يؤديه والأداء الذي يقدمه في ساحة مرتبكة ومعقدة كالساحة العراقية الغى حقيقة جدل (الهويات) و(قومية) المرجع. حين أكد واقعياً الدور الفعلي للقيادة الدينية المتصدية واهتمامها بأمر الشعب العراقي وتقديمها مصلحة العراقيين على أية مصلحة أخرى وضرورة أن يستعيدوا سيادتهم بأسرع وقت ممكن وإلا فإن النزول إلى الشارع سيكون الرد الجماهيري والقيادي الديني القادم. لذلك أود القول لكل الذين يعولون على أحداث انقسام ما في أوساط الرأي العام الإسلامي إزاء موضوعة المرجع وجنسيته أن المرجعية دور ولم ولن تكون قائمة على أساس عرقي أو قومي وأن الذهاب في هذا التعويل إلى المديات القصوى لن يجلب للساحة الإسلامية إلا المزيد من التشرذم والضياع وللطائفة إلا الفتن ولن يستطيع العراقيون الصمود بوجه التحديات المقبلة وهي تحديات بناء المؤسسات وتأهيل النفوس وتقويم مسيرة بلد كان يرزح تحت مطارق الاستبداد عقوداً طويلة.
وأقول أيضاً لهؤلاء الذين يثيرون الغبار بوجه تطلعات الشعب العراقي وأمام مفهوم المرجعية الدينية الصالحة والمؤمنة بشعبها وتضحياته، أن الشعوب الإسلامية لم تحمل مسألة جنسية المرجع والرمز والقيادة أكثر مما يحمله المفهوم الإسلامي لهذه المفردة الهامشية. بدليل أن الساحة اللبنانية بشيعتها وسنتها بمسلميها ومسيحييها لازالت تتذكر بإكبار واحترام كبيرين (أيام الإمام السيد موسى الصدر) فرغم أن السيد ليس لبنانياً لكنه مثل طموح كل المحرومين وأعطى في زمانه ومرحلته للبنان أكثر مما أعطى لأي مكان آخر ورسم ملامح وطن لم يستطع العديد من الزعماء الذين توالوا على لبنان بما فيهم قادة حركة أمل أن يرسموا بعد غيابه نفس ملامح الوطن الذي دعى إليه موسى الصدر. إن الأمام السيستاني أبو المحرومين في العراق وراعي مسيرة الحركة الاستقلالية عبر ثقل المرجعية الذي يحمله والدور السياسي والاجتماعي الذي يؤديه ولنكف عن العزف على أوتار (الأناشيد القومية) وهي أناشيد القصد منها إلغاء حيوية النجف وتقزيم ظاهرة المرجعية الدينية وتجفيف منابع الدور المحمدي الذي تؤديه وتكريس الانعزالية في مجتمع يحتاج قيادته الدينية إلى جانبه كما يحتاج الماء والهواء. إمام الفقه الـمتحرك وفي العودة إلى البدايات الأولى التي شكلت تجربة الإمام السيستاني الفقهية والمعرفية والأصولية والقرآنية والفلسفية نستعين ببعض الإلماحات التأريخية التي خرجت للتو من مدينة النجف الأشرف هدفها استدعاء ملامح التجربة وتوفير مساحة حقيقية للقارئ للإطلالة على تاريخ الرجل وعلاقته بالمسألة الفقهية بل وعلاقته بالإرث الشيعي فقهاً ومعرفةً وأصولاً ومدرسة فقد بدأ سماحة السيد السيستاني مد ظله، وهو في الخامسة من العمر بتعلم القرآن الكريم قراءة وتلاوة وحفظاً، ودخل مدرسة (دار التعليم الديني) في مشهد فتعلم القراءة والكتابة ومبادئ الحساب والتأريخ والجغرافيا وتخرج في هذه المدرسة وقد تعلم أيضاً حسن الخط عند أساتذة الفن، وخطه ـ اليوم ـ جميل ودقيق، وهو سريع الكتابة وبمنتهى الجودة. بدا السيد في الحادية عشرة من عمره عام 1360 هـ ـ وبأمر من والده المقدس السيد محمد باقر ـ بقراءة مقدمات العلوم الحوزوية: الألفية لابن مالك، والمغني لابن هشام، والمختصر والمطول للتفتازاني، وشرح اللمعة، والقوانين، ودرس المكاسب والرسائل والكفاية عند العالم الجليل الشيخ هاشم القزويني، ودرس الفلسفة والحكمة كشرح منظومة الملا هادي السبزواري، وشرح الإشارات والأسفار عند الفيلسوف المرحوم الآيسي، ودرس شوارق الإلهام عند الشيخ مجتبى القزويني، وحضر في المعارف الإلهية دروس العلامة الحجة المرحوم الميرزا مهدي الأصفهاني، وحضر بحوث الخارج عند كل من الميرزا مهدي الأشتياني والميرزا هاشم القزويني قدس سرهما.
ولم يفته التزود من الكمالات النفسية والحياة الأدبية، فقرأ مقامات الحريري، وشرح النظام وكتب الأدب والتراث عند الأديب المعروف المرحوم النيشابوري. والسيد اليوم في عداد رواد الأدب والفلسفة ويستطرف الشعر العربي بالإضافة إلى مقامه المرجعي. ثابر السيد السيستاني على التزود من غير علوم أهل البيت عليهم السلام، ولم يكتف بما حصل عليه في مشهد الإمام الرضا عليه السلام، بل هاجر في أواخر 1368 هـ إلى قم المقدسة فحضر عند الإمام السيد حسين الطباطبائي البروجردي بحثه العالي الخارج في الفقه والأصول، كما حضر عند آية الله السيد محمد الحجة الكوهكمري في الفقه. إن الإمام السيستاني الذي استوعب المباني الأساسية للفقه الإسلامي في مدينة مشهد المقدسة في إيران كان يتطلع لممارسة دور علمي وفقهي استنباطي واجتهادي يرقى لمستوى التعبير عن النظرية الإسلامية بأجلى صورها ومن هنا كانت هجرته المباركة لمدينة النجف الأشرف حيث استكمل عدته الأولى هذه، فأخذه الحنين إلى عاصمة العلم والعلماء النجف الأشرف، وعزم على الهجرة اليها، فكانت هجرته المباركة اليها في صفر 1371هـ حين وصل إلى كربلاء المقدسة قادماً من قم في ذكرى أربعين الإمام الحسين عليه السلام، فيمم ضريحه المقدس متضرعاً إلى الله أن يوفقه لما فيه خير الآخرة في هجرته هذه، فهبط النجف الأشرف فكان العلم والعزم والحلم والحزم، وسكن في مدينة البخارائي العلمية، وهو شاب في الثانية والعشرين من العمر، ولم يبارح النجف الأشرف طيلة اثنين وخمسين عاماً، إلا فترة قصيرة قضاها في موطنه (مشهد الإمام الرضا) لا تتجاوز الشهور الستة عام 1380 هـ وإلا في ذي الحجة من الأعوام 1386 / 1405 / 1406/ لزيارة بيت الله الحرام وأداء الحج وزيارة النبي وأئمة البقيع صلوات الله عليهم أجمعين.
استقر السيد السيستاني في النجف الأشرف، وبدأ المسيرة العلمية جادة متنورة، متطورة، حثيثة، فحضر بحوث ثلاثة أعلام في سوية عالية من التخصيص والاختصاص وهم: 1ـ الإمام السيد محسن الحكيم. 2. الإمام السيد أبو القاسم الخوئي. 3. الآية الكبرى الشيخ حسين الحلي. كما حضر عند الإمام الشاهرودي خلال ذلك. إلا أن ملازمته للخوئي وللحلي في درسيهما العاليين في الفقه والأصول، استمرت عشر سنوات مليئة بالاشتغال والتحصيل، حتى أجيز منهما بشهادتين منحه فيها كل منهما إجازة الاجتهاد، وهي أعلى مرتبة علمية ينالها الطالب في حوزة النجف الأشرف، وله حق مواصلة دراسته العالية حتى بلوغ درجة المرجعية التي لا ينالها إلا الأفذاذ من مجموع مئات المجتهدين. ولقد رأيت السيد فذاً متنوراً في علمي الفقه والأصول، كما شاهدته متألقاً في علم الدراية والرواية، وله مقدرة فائقة ونظرة جديدة في علمي الحديث والرجال، وقدم فيهما كتابات ضخمة تعتبر قفزة في تطويرهما، ولقد أثنى عليه شيخنا المحقق الثبت الشيخ محمد محسن المعروف بـ آغابزرك الطهراني صاحب الذريعة، ومنحه إجازة في الجرح والتعديل، وكتب له شهادة علمية تتحدث عن مهارته القصوى في علم الحديث وعلم الرجال.
إن الإمام السيستاني الذي استوعب الفضاء النجفي بكل ما يختزن من إرث وعبقرية كان لابد له من إطلالة على الفضاء الذي يهيئ له مكانة مرموقة وأساسية في إطار ما يسميه البعض بنادي الكبار وأقصد بذلك البحث الخارج وتدريسه على الآلاف من المستويات العلمية في النجف. ومن هنا بدأ بإلقاء محاضراته العالية في الفقه بمكاسب الشيخ الأنصاري، واستقر عند العروة الوثقى للسيد الطباطبائي، فشرح منه كتاب الطهارة والصلاة والصوم والخمس والاعتكاف، وبذل جهداً زال في سبيل إتمامه ولعله قد أتمه. وكانت محاضراته الفقهية قد تناولت ـ خلال هذه الأعوام ـ في عمل مستقل آخر، قد تناولت كتاب القضاء وأبحاث الربا وقاعدة الإلزام، وقاعدة التقية، وغيرهما من القواعد الفقهية، كما كانت له محاضرات رجالية متجددة، شملت حجية مراسيل ابن أبي عمير، وشرح مشيخة الاستبصار والتهذيب وسواهما. ووقف السيد السيستاني عند علم الأصول هذا العلم الذي يتبارى المجتهدون في التدقيق والتحقيق فيه، فبدأ بإلقاء محاضراته العليا به في بحثه الخارج منذ شعبان عام 1384هـ، وقد أكمل دورته الثالثة في شعبان عام 1411هـ، أي في حياة أستاذه الإمام الخوئي قدس سره، وهناك تسجيل صوتي متكامل لجميع محاضراته الفقهية والأصولية من عام 1379هـ حتى اليوم. ولقد حضرت بحثه الخارج في الفقه عام 1995م تيمناً وتبركاً باعتباره المرجع الأعلى للمسلمين فكان ينحدر عنه السيل، ولا يرقى اليه الطير يغوص في أعماق الأدلة، ويستخرج لباب البراهين، ويستعين بآراء السيد الحكيم في المستمسك، والسيد الخوئي في المستند والمعتمد، تبجيلاً لمنزلة الأستاذية، واعتداداً بعلمهما الجم، وطالما خالفهما في فهم الدليل، وذهب لغير رأيهما بالاستنباط وهذه هي مزية فتح باب الاجتهاد عند الإمامية. بدأ بحثه الخارج منذ أربعين عاماً تقريباً، وكان في اللغة الفارسية، وأكمل منه ثلاث دورات متوالية قبل مرجعيته، ولدى تسمنه رتبة المرجعية، واتساع طلابه قام بالتدريس باللغة العربية الفصحى، وهو يجيدها إجادة بارزة، لا يتكأ ولا يتردد ولا يتوقف، وهو في هذا مثار إعجاب السامعين والمتلقين والوفود.
وقلنا فيما سبق أن الإمام السيستاني حفظه الله من المرجعيات الدينية التي تولي الحياة الإنسانية بأبعادها المختلفة أهمية قصوى في استنباطاتها الفقهية واشتغالاتها المعرفية إيماناً من الإمام أن الفقه المتحرك ضروري لمواكبة متطلبات الحركة المتسارعة التي تشهدها المنظومات الإسلامية والبشرية في العالم أجمع. مثلما تشكل أيضاً (ضرورة) و(لأزمة) أساسية لمركزية المرجع الذي يتصدى بالذهنية المنفتحة والعقلية الرائدة والحس الحركي ـ الإيماني ـ الإسلامي الواقعي لكافة قضايا الحياة. ومنذ أن رأى الإمام السيستاني موقعه في حركة القيادة الروحية والسياسية في الأمة وجد أن هذه الأمة بحاجة لمن يحركها ويدفع في كيانها روح الفاعلية والحيوية فتعددت محاور توجهاته الروحية مثلما تعددت اتجاهات رأيه من دون تعقيد أو إشكاليات في طرح المسألة الفقهية في هذا الباب أو ذاك من أبواب الفقه المتحرك أو في نوافذ ومنافذ الحياة الإنسانية فالإمام لا يتعقد من مواجهة المشكلات والأبعاد والأزمات والتعقيدات التي يطرحها الواقع الاجتماعي والسياسي للإنسان والنظم لا سيما ما يواجهه الإنسان المسلم من تحديات وهواجس في الغرب. كما أن الإمام يرى أن اللحظة السياسية العربية والإسلامية والدولية تستلزم وعياً فقهياً من نوع مختلف يخرج المسألة من إطاراتها التقليدية المعروفة أو المتداولة إلى الحيز الإنساني ـ الرسالي ـ الأرحب من دون إهمال بقية جوانب المسألة الاستنباطية. أما البرنامج العلمي للسيستاني أصل غير قابل للتفريع، فقد عاش حياته مغترباً عن الناس، ومقترباً من الكتاب، وكأنه ينظر إلى قول شاعر الكوفة العظيم المتنبي: أعز مكان في الدنى سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب ([1]) كان صنو كتبه، وحليف دروسه، وجليس غرفته، يقرأ ويدقق ويحقق، يدرس ويدرس ويخرج، اعتنى بتربية جيل صاعد من أفاضل الحوزة العلمية. وتفرغ لتربية ولدية تربية دراسية عالية، أعني السيد محمد رضا والسيد محمد باقر، وهما اليوم أستاذان للبحث الخارج في النجف الأشرف، ولا أشك باجتهاد ولده الكبير، على أنني لم أتباحث مع الصغير. شغلته المهمة العلمية عن مظاهر الدنيا، وأوقفته الظاهرة الشرعية عند حدودها، لم يعبأ بملبس أو مأكل، ولم ينظر إلى دار أو عقار، ولم يتمتع من الأصدقاء والخلصاء، ولم تستهوه مجالس الترويح عن النفس بالأحاديث والنوادر، اختص بأفراد قلائل من العلماء يستمع اليهم ويسمعون منه، لم يحضر مجلساً علمياً إلا للمذاكرة، ولم يعتد المجاملات التي تستوعب بعض الوقت، كل كدّه وجهده وكدحه خالص لعلم أهل البيت، مع وقار ظاهر، واتزان معروف، ونظرة صائبة. عاش فقيراً وما زال فقيراً، والملايين بين يديه لسد احتياج الفقراء، وإعلاء شأن الدين، ورعاية الحوزات العلمية، ومعالجة المرضى، وإحياء المشاريع النافعة، والإصلاح بين المتخاصمين.
عاش منعزلاً حتى لا يعرفه أكثر من طلابه وعلية القوم، وهو معهم وخارج عنهم، لا يتصل إلا لماماً ولا يتعايش مع الآخرين إلا لماماً، فالعلم فوق كل شيء، وهو أكبر من كل شيء، ويضحي من أجله بكل شيء، حتى عد من الزاهدين في الحياة والمتفرغين للعلم والعمل الصالح، بعيداً عن كل المعوقات التي تشغله عن الاشتغال والتحصيل ومتابعة المعارف. إذا حضر محفلاً علمياً بدأ البحث العلمي، أو اجتمع بصديق له عرض عليه مسألة مشكلة للتوصل إلى الحلول، وإذا أدى واجباً اجتماعياً اقتصر على اسقاط الغرض دون التبذير بالزمن، فيه بساطة الأتقياء، وعليه سيماء الصحالين، ولديه فكر المتيقظ الحذر، وعنده الخبرة الكافية بمعاصريه كما هي في الرجال ومدارك التعديل، يعطي نفسه فسحةً يتروح فيها على نهر الفرات في الكوفة، سائراً ومفكراً، وتجديد للنشاط والحيوية، يقابل بالسلام ليس غير، وتقابله بالتحية فحسب، فالرجل في فكر دائم بما يبني به كيان الأمة في صرحها العلمي: النجف الأشرف، وهو معني بالشأن العلمي منذ شبابه الأول، حتى كهولته وهو عنوآنها اليوم وإن تجاوز السبعين من العمر المديد. وأذكر هنا نموذجين لذلك: الأول: لدى فترة إقامته في قم راسل العلامة المرحوم السيد علي البهبهاني أكبر علماء الأحواز وخريج مدرسة العالم الرباني المحقق الشيخ هادي الطهراني، وكان موضوع هذه المراسلات البحث الدقيق في بعض مسائل القبلة حيث ناقش سماحة السيد ـ مد ظله الوريف ـ بعض نظريات المحقق الطهراني، ووقف السيد البهبهاني موقف المدافع عنها، وبعد تبادل عدة رسائل كتب المرحوم البهبهاني لسماحته رسالة ثناء وتقدير بالغين عن تنبه لدقيق المسائل، موكلاً إكمال المباحثة والمناقشة إلى حين التقائه به عند تشرفهما بزيارة الإمام الرضا عليه السلام. الثاني: زار سيدنا دام ظله آية الله العظمى المغفور له الشيخ محمد طاهر الشيخ راضي في منزله في النجف الأشرف. والشيخ محمد طاهر أحد الرجال القلائل الأفذاذ في الفقه والأصول والرجال، وهو دائرة معارف في الأدب والتراث والفلسفة والتأريخ، ولدى تباحثه مع السيد في أعمق المسائل فقهاً وأصولاً وفلسفة، أغتبط كثيراً بأمثال هذه الطاقات النادرة لدى السيد حفظه الله، وقال له: سيدنا ابق على عزلتك ودراستك وبحثك هكذا، فسوف يأتي يوم تحتاج اليك النجف الأشرف، وكأن الشيخ قدس سره ينظر في لمح الغيب لليوم الذي يتولى به السيد دام ظله سدة المرجعية العليا. لقد اتجهت الأنظار بعد وفاة الإمام الخوئي أعلى الله مقامه في النجف الأشرف إلى العلمين البارزين السيد عبد الأعلى السبزواري والسيد علي السيستاني، ولدى وفاة الأول، كانت المرجعية للسيستاني بنظر أهل الخبرة والدراية ممن يوثق باختبارهم، ويطمئن إلى ترشيحهم، وهكذا كان. التأصيل في فكر الإمام إن جولة واقعية ومتأنية في مجمل أفكار الإمام السيستاني في القضايا الإنسانية لا سيما علاقة المسلم بالغرب وأدواته المعرفية ومؤسساته المدنية وفهمه للشرق وكيفية التعامل مع منظوماته الفكرية والاقتصادية والاجتماعية وما يختزن تلك المفردات من أفاق واشكالات ستدلنا بكل تأكيد على رحابة فهم الإمام لأصول ومبادئ الفقه المتحرك.كأن الإمام بهذا (التأصيل المهم) يحاول أن يضع بأنامله الشريفة واشراقات أدواته الفقهية المتعففة ـ عن الدخول في المنزلقات التي عادة ما تسبب لغطاً وإحراجا وتساؤلات لا تنتهي ـ إلى حل في الأوساط الإسلامية، كما هو متداول هذه الأيام يضع باباً ثابتاً للفقه سيأتي من يطوره ويطور الحياة الإنسانية من بعده. أو كأنه يريد تكريس (الفقه المتحرك) كتأصيل فقهي يعتمد في الحوزة العلمية والمؤسسات الدينية وحتى في عملية التأصيل الفقهي في الأحزاب والجمعيات والتنظيمات الإسلامية المعاصرة التي لابد أن تنتهي من شيء اسمه (ليس للفقيه رأي في هذه المسألة). إيماناً من الإمام أن الإسلام لديه إجابات وافية وشافية حتى في أرش الخدش كما يقول الفقهاء حفظهم الله تعالى. هنا نحاول تسليط الضوء على بعض الالماحات الفقهية لفقه الإمام واستنباطاته المتحركة لتكون مدخلاً أساسياً لفهم العقلية القيادية والحضارية للإمام. يستفتي بعض المسلمين العرب سماحة الإمام عبر رسالة وردت لمكتبه في النجف الأشرف بالقول: نحن المسلمين في أوروبا نشتري الأحذية والأحزمة وغير ذلك من الملبوسات المصنوعة من الجلود التي يحتمل كونها جلوداً لذبائح غير مذكاة وقد تكون مستوردة من دول إسلامية أو مأخوذة من مآخذ إسلامية هنا (حيث يوجد عدد محدود منها في بريطانيا على سبيل المثال) هل نحكم بطهارة هذه الجلود على فرض احتمال كونها مستوردة من دول إسلامية أو من محل لذبح اللحم على الطريقة الإسلامية وإن كان هذا الاحتمال ضعيفاً؟ يجيب الإمام بقوله: إذا كان الاحتمال ضعيفاً بحيث يطمئن بخلافه كـ 2% لم يعتد به وإلا فلا مانع من البناء على الطهارة والله العالم([2]). ويسأل آخر: يفتي الفقهاء بحرمة لبس الحرير الطبيعي الخالص فهل يمكن للرجل لبس الحرير الممزوج بغيره إذا كان ذلك الملبوس ربطة عنق ثم هل يحرم على الرجل لبس ربطة العنق إذا كانت مصنوعة من الحرير الطبيعي الخالص؟ يجيب الإمام: لا يحرم لبس الربطة وإن كانت من الحرير الخالص لأنها مما لا يمكن ستر العورة بها. وأما الممزوج بغيره بحيث خرج عن اسم الحرير الخالص فيجوز لبسه وإن أمكن ستر العورة به (*). أتذكر (والكلام للكاتب) أن بعضاً من أبناء الجالية العراقية المقيمين في إحدى الدول الإسكندنافية (السويد) طلبوا من الإمام الإجابة على بعض المسائل الفقهية المتعلقة بالتعامل مع المحلات التجارية وقضايا دفع المبالغ لهذه المحلات والالتزام الدقيق بآليات هذا التعامل وهل هي ملزمة للجاليات الإسلامية أم لا باعتبار أن تلك المحلات التجارية لا علاقة لها بالإسلام ولا تجري تعاملاتها على أساس الفقه الإسلامي هذا أولاً. والقضية الثانية أن نفس هذه الجاليات وجاليات أخرى عربية وعراقية استفتت الإمام السيستاني (حفظه الله تعالى) في مسائل تتعلق بحرمة المحلات التجارية وضرورة حمايتها بعد أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة الأمريكية هل ستكون حمايتها ملزمة أم أن المسألة لا تعدو كونها مهمة ملقاة على عاتق الشرطة في الدول التي يتواجدون فيها فأجاب الإمام ما مضمونه والعهدة على الرواة الثقات الذين نقلوا لي أجوبة الإمام المختلفة على هذه المسائل: أن حرمة الأماكن التجارية محط اهتمام الجاليات العربية والإسلامية ملزمة على أبناء الجاليات وأن أمنها وحمايتها ملقاة على عاتق كل فرد من أبناء الجاليات وأن ذلك فرض عين عليهم. لقد انطلق الإمام في تلك المسألة من خلفية إسلامية وعقائدية وأخلاقية محمدية كبيرة إيماناً منه بأن الغرب ودوله الإسكندنافية بالتحديد توفر الأمان والاستقرار والمناخ القانوني الآمن لهم مثلما تحرص على توفير كل مستلزمات معيشتهم وسكنهم ومدارس أبناءهم ولذلك لا يمكن التفريط بهذه المسلّمة القانونية ما دام أمن البلاد الإسكندنافية واستقرارها مرتبط بأمن واستقرار أبناء الجاليات العربية والإسلامية. ينقل لي الأصدقاء الثقات الذين يعيشون في السويد أن الحكومة السويدية عندما علمت بمجمل الأحكام والفتاوى التي أصدرها الإمام السيستاني بشأن حماية الأمن الاقتصادي والتجاري ومجمل المحلات التي يرتادها أبناء الجالية العراقية والمسلمة واطلعت على مجمل هذه الفتاوى التقى وفد منها بأبناء الجالية وعبر عن شكره وامتنانه لسماحة الإمام وقالوا بالحرف: (أين يسكن مرجعكم هذا؟ لأنه مرجع مطلع على تفاصيل وقضايا بعيدة كل البعد عن أدوات رجال الدين عندنا.. حافظوا على إمامكم هذا لأنه إمام عصري). إن المسلم المؤمن بعقيدته الإسلامية الموقن بأن الإسلام هو الحل النهائي لمشكلات الحياة لابد وأن يلتقي برحابة الآفاق التي يفتحها الإمام السيستاني بوجهه ولذلك يواجه وهو في طريقه إلى عمله أو مدرسته أو مؤسسته أو مسجده بأن لا مشكلة أمامه في التعاطي مع كل التعقيدات التي تكتنف الحياة في الغرب وهنا بعض المواقف الفقهية التي يوردها الإمام في هذا الإطار. ـ لا يجوز للمكلف وضع ما يضر بالسالكين لأي طريق عام من مشاة وغيرهم وفي أي بلد من البلدان الإسلامية وغير الإسلامية. ـ لا يحق للمسلم لصق الإعلانات أو كتابة الكتابات أو ما شاكلها على الواجهات الخارجية للجدران أو البنايات المملوكة لغيره إلا إذا علم برضا مالكها بذلك ـ يحرم على المسلم خيانة من يأتمنه على مال أو عمل حتى لو كان كافراً ويجب على المسلم المحافظة على الأمانة وأدائها كاملة فمن يعمل في محل مبيعات أو محاسب لا يجوز له أن يخون صاحب العمل ويأخذ شيئاً من تحت يده. ـ لا تجوز السرقة من أموال غير المسلمين الخاصة والعامة ولا يجوز إتلافها حتى وإن كانت تلك السرقة وذلك الإتلاف لا يسيء إلى سمعة الإسلام والمسلمين فرضاً ـ وهو فرض غير متحقق ولكنها عدت غدراً ونقضاً للأمان الضمني المعطى لهم حين طلب رخصة الدخول إلى بلادهم أو طلب رخصة الإقامة فيها وذلك لحرمة الغدر ونقض الأمان بالنسبة إلى كل أحد مهما كان دينه وجنسه ومعتقده. ـ لا يجوز سرقة أموال غير المسلمين حين دخولهم للبلدان الإسلامية. ـ لا يجوز للمسلم أن يأخذ الرواتب والمساعدات بطرق غير شرعية كتزويد المسؤولين بمعلومات غير صحيحة أو ما شاكل ذلك. تدخل شخصي من الكاتب (لقد حدثت تجاوزات أمنية وسلوكيات غير أخلاقية مدانة من قبل بعض أبناء الجاليات العربية التي تقطن في الدول الإسكندنافية حيث يقوم بعضهم بالوشاية على البعض الآخر لدى الشرطة السويدية أو الدانماركية حتى أن شرطياً دانماركياً قال رداً على سؤال هل هناك مخبرون دانماركيون على الجالية الفلانية فرد الضابط قائلاً بأننا لا نحتاج إلى مخبرين من رجال الأمن والشرطة الدانماركية فلدينا وشاة ومخبرون من نفس أبناء الجالية وقد دفع هذا الأمر المزري الإمام السيستاني إلى إصدار فتاوى خاصة تدين هذه الممارسات وتحاول لجمها بكل السبل والأحكام الشرعية لكي يتم الحفاظ على أمن الجالية وهيبتها وشأنيتها الأخلاقية وهويتها العربية والإسلامية). ـ يحق للمسلم أن يتعاقد مع شركات التأمين المختلفة للتأمين على حياته أو أمواله من خطر الحريق أو الغرق أو السرقة أو ما شاكلها وهو عقد لازم لا ينفسخ إلا برضى الطرفين. ـ لا يحق للمسلم أن يقدم معلومات غير صحيحة لشركات التأمين ليحصل على مال لا يستحقه فعلاً كما لا يحق أن يفتعل بقصد حادثاً ما كالحريق مثلاً ليتسلم مقابله مالاً ولا يحل له ذلك المال. ـ قد تقتضي رعاية المصالح العليا للمسلمين في البلدان غير الإسلامية الانتماء للأحزاب والدخول في الوزارات والمجالس النيابية لتلك البلدان وعندئذ يجوز للمسلمين ذلك حسبما تقتضيه المصلحة التي لابد لتشخيصها من مراجعة الثقات من أهل الخبرة. تدخل شخصي للكاتب: (بالنظر لحجم الجالية العربية والإسلامية في الغرب وتأثيرها المباشر في صناعة القرار السياسي والاقتصادي فقد تعددت الاتجاهات والقوى السياسية التي تمثل هذه الجاليات في الغرب زادها النفوذ المتزايد لأبناء الجاليات في الأحزاب السياسية الغربية وفي مقدمة تلك الأحزاب الحزبان الجمهوري والديمقراطي في الولايات المتحدة الأمريكية وقد شكل هذا النفوذ مجموعات اقتصادية وتجارية وأحزاباً سياسية تدعو على الدوام إلى إنصاف المسلمين والوجود الإسلامي في الغرب مثلما تدعو إلى احترام العادات والتقاليد والأفكار الإسلامية ومظاهرها المختلفة أبرز مثال على ذلك ما يجري في فرنسا من مشكلة حول مسألة الحجاب وما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية من مواجهات سياسية محتدمة ومستمرة حول أزمة الصراع العربي الإسرائيلي وما يتحتم على الغرب فعله إزاء حل هذه المشكلة التاريخية بين العرب والكيان الصهيوني ولأهمية هذا الموضوع في ذهن الإمام السيستاني كان الإمام في قلب المشكلة وفي عمق أولويات عمل الجاليات العربية والإسلامية وهنا تأتي فتاواه وأحكامه الشرعية واستنباطاته المتنورة لتلقي الضوء الكاشف على أهمية تعويل الإمام على الجاليات وكفاءاتها وقدراتها المعرفية والسياسية والاقتصادية والرهان عليها لإيصال كلمة الإسلام وتجربته المضيئة إلى مختلف أنحاء العالم). ـ يجوز اللجوء إلى المؤسسات الرسمية للتحاكم في الأمور الحيوية المختلفة كالاعتداء على جسد المسلم أو عرضه أو ماله أو غيرها إذا كان استيفاء الحق ورفع الظلم منحصراً بذلك. ـ لا يجوز الغش في الامتحانات المدرسية سواء أكانت طريقة الغش بالتعاون بين الطلاب أو بطريقة الأوراق السرية أو من خلال مخاتلة المراقب أم غير ذلك من الطرق غير المشروعة المخالفة للنظام. العلاقات الاجتماعية في فقه الإمام السيستاني: يؤمن الإمام السيستاني حفظه الله ورعاه بالقيم الناظمة للعلاقات الاجتماعية على خلفية السنن والآداب التي أسستها دعوة الإسلام وسنة رسول صلى الله عليه وآله وسلم في حركة الناس وبما أن العلاقات الاجتماعية تلعب دوراً أساسياً في بناء النظم السياسية وفي تأسيس العلاقات الدولية وفي بناء الأسرة والجماعة المسلمة كان اهتمام الإسلام منصباً بالأساس على تقوية ما يسميه علماء الاجتماع (العلاقات التفاعلية) بين أبناء الأمة الواحدة لتكون تلك الأمة في ذهن الإمام مثلما هي في نظرية القرآن التي أسسها بداية الدعوة بنص قوله تعالى (وجعلناكم أمة وسطا لتكون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) أو كقوله عز وجل: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}. أو كقوله عز وجل: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون).
وعلى هذا الأساس يبني الإمام نظريته في العلاقات التفاعلية ويسلط مجمل استنباطاته الشرعية على تأصيل المباني وتفعيل شروط القوة وتكريس حق الأمة في بناء جماعتها الإسلامية المتنورة إيماناً من الإمام أن العلاقات الاجتماعية الصحيحة تفضي إلى خلق الجماعة الفكرية والسياسية التي تقود حركة النهضة باتجاه رفعة الأمة وازدهارها وازدهار ورفعة الحضارة الإسلامية. ولذلك يواجهنا في هذا الإطار طيف واسع من الفتاوى الاجتماعية ذات العلاقة بتكريس ما أسميناه العلاقات التفاعلية. يقول الإمام: (صلة الرحم واجبة على المسلم وقطيعته من الكبائر وإذا كانت صلة الرحم واجبة وقطيعته من الكبائر التي توعد الله عليها بالنار فإن شدة الحاجة إلى صلة الرحم في الغربة أهم ومراعاتها أولى في بلدان يقل فيها الإخوان وتتفكك فيها العوالم وتتآكل فيها الأواصر الدينية وتطغى عليها قيم المادة وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن قطيعة الرحم فقال في محكم كتابه الكريم: {فهل عسيتم أن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم}([4]) وقال الإمام علي عليه السلام (إن أهل البيت ليجتمعون ويتواسون وهم فجرة فيرزقهم الله وإن أهل البيت لا يتفرقون ويقطع بعضهم بعضا فيحرمهم الله وهم أتقياء) ([5])). وروي عن الإمام الباقر عليه السلام أنه قال: (في كتاب علي ثلاث خصال لا يموت صاحبهن أبداً حتى يرى وبالهن.. البغي وقطيعة الرحم واليمين الكاذبة يبارز الله بها وإن أعجل الطاعة ثواباً الصلة الرحم إن القوم لا يكونون فجاراً فيتواصلون فتنمى أموالهم ويثرون وإن اليمين الكاذبة وقطيعة الرحم لتذران الديار بلاقع من أهلها([6])). ومن أبرز المقولات الدالة على فقه العلاقات الاجتماعية: ـ تحرم قطيعة الرحم حتى لو كان ذلك الرحم قاطعاً للصلة تاركاً للصلاة أو شارباً للخمر أو مستهيناً ببعض أحكام الدين كخلع الحجاب وغير ذلك بحيث لا يجدي معه الوعظ والإرشاد والتنبيه شرط أن لا تكون تلك الصلة موجبة لتأييده على فعل الحرام. قال نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم: (أفضل الفضائل أن تصل من قطعك وتعطي من حرمك وتعفو عمن ظلمك)([7]) وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تقطع رحمك وإن قطعك). ـ لعل أدنى عمل يقوم به المسلم لصلة أرحامه مع الإمكان والسهولة هو أن يزورهم ويلتقي بهم أو أن يتفقد أحوالهم من بعد. قال نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أعجل الخير ثواباً صلة الرحم) وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام: (صلوا أرحامكم ولو بالتسليم، يقول الله سبحانه وتعالى واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا). وعن الإمام الصادق عليه السلام (إن صلة الرحم والبر ليهونان الحساب ويعصمان من الذنوب فصلوا أرحامكم وبروا بإخوانكم ولو بحسن السلام ورد الجواب). أما أبرز الفتاوى الاجتماعية للإمام السيستاني دام ظله الشريف فنقتطف بعضاً من اضماماتها: ـ هل يجوز السير في موكب لغير مسلم لتشييعه إذا كان جاراً مثلاً؟ ـ إذا لم يكن هو، ولا أصحاب الجنازة، معروفين بمعاداتهم للإسلام والمسلمين فلا بأس بمشاركتهم في تشييعه ولكن الأفضل المشي خلف الجنازة لا أمامها. ـ هل يجوز تبادل الود والمحبة مع غير المسلم إذا كان جاراً أو شريكاً في عمل أو ما شابه؟ ـ إذا لم يكن يظهر المعاداة للإسلام والمسلمين بقول أو فعل فلا بأس بالقيام بما يقتضيه الود والمحبة من البر والإحسان إليه قال تعالى: {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديارهم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}. ـ هل يجوز إزعاج الجار اليهودي أو الجار المسيحي أو الجار الذي لا يؤمن بدين أصلاً؟ ـ لا يجوز إزعاجه من دون مبرر. ـ هل يجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان المأمور ليس موالياً لأهل البيت عليه السلام أو كان من الكتابيين الذين يحتمل التأثير فيهم مع الأمن من الضرر؟ ـ نعم يجبان مع توفر بقية شروط وجوبهما ومنها أن لا يكون الفاعل معذوراً في ارتكاب المنكر أو ترك المعروف. ومن غير المعذور الجاهل المقصر فيرشد إلى الحكم أولاً ثم يؤمر أو ينهى إن أراد مخالفته هذا ولو كان المنكر مما أحرز أن الشارع لا يرضى بوقوعه مطلقاً كالإفساد في الأرض وقتل النفس المحرمة ونحو ذلك فلابد من الرد عنه ولو كان الفاعل جاهلاً قاصراً. ـ إذا أمرت الوالدة ولدها بتطليق زوجته لخلافها مع الزوجة فهل يجب طاعتها في ذلك وماذا لو قالت (أنت ولد عاق إن لم تطلق)؟ ـ لا يجب طاعتها في ذلك ولا أثر للقول المذكور نعم يلزمه التجنب عن الإساءة إليها بقول أو فعل كما تقدم. ـ ضرب أب ابنه ضربة شديدة، اسود لها جلد الولد أو احمر فهل تجب على والده الدية؟ وهل يختلف الحكم لو كان الضارب غير الأب؟ ـ تجب الدية على الضارب أب كان أم غيره.
إن تلك الفتاوى الاجتماعية للإمام السيستاني قادرة بالفعل وبالقوة على تربية جيل مسلم يطيع أوامر الفقيه باعتبارها مسلمات اجتماعية لحماية الأسرة والمجتمع وتجسير الهوة القائمة ما بين مختلف أجياله. إن الإمام يستهدف من وراء إعداد طائفة واسعة من ثوابت فقه العلاقات الاجتماعية إلى تجسير الهوة القائمة بين مختلف الأجيال وهي هوة ساهمت في تأسيسها وتركيب عقدها النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتربوية تأثيرات ومنعكسات كبيرة في مقدمتها انتشار ثقافة التغريب التي أطاحت بمسلمات وثوابت اجتماعية وأخرى إسلامية في المجتمع العربي. هذا يعني أن الإمام السيستاني ليس قصده الإجابة على المسائل الشرعية أو الوقوف عند مسلمة إبراء الذمة بل يستهدف إحداث انقلاب اجتماعي في المفاهيم والأسس والثوابت الخطأ التي تسالم المجتمع الإسلامي والعربي عليها واتخذها عقيدة في حياته ولا يدري أنها عقدة حقيقية. إن الاستفاضات الفقهية الاجتماعية للإمام قد يعتبرها الكثير من دارسي الفقه الإسلامي من الواجبات الملقاة على عاتق كل فقهاء المذهب وقياداته الدينية لأن هذا الأمر تسالمت عليه كل السياقات الرجالية للحوزة العلمية وفقهاءها في النجف الأشرف منذ الشيخ الطوسي باني الحوزة العلمية لكن الإمام وعبر قراءة واضحة وبينة وواقعية لسياق فتاواه الشرعية وتجربته في التعامل مع أبناء الأمة ومؤسساتها داخل العراق وخارجه يستهدف من تلك الاستفاضات تأسيس حقيقة المرجع الذي ينتمي إلى الأمة ويدافع عنها ويستنبط الحكم الشرعي من أجل نهضتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحضارية العامة. بذلك نلمح ملامح تشكل مرجعية ميدانية تستجيب للواقع ولا تخضع إليه وتتعامل معه ولا ترفضه وتلك هي مرجعية الميدان. لعل الإمام السيستاني ينحو في هذا الإطار منحى مرجعية الصدر الأول (محمد باقر الصدر استشهد عام 1980 على يد النظام الديكتاتوري البائد) وهي مرجعية ميدانية اشتغلت على فقه العلاقات الاجتماعية وتأسيس الحركية الإسلامية المتنورة بخطاب النهضة أكثر مما اشتغلت بالحيثيات الفقهية المتسالم عليها في ساحة استنباطات فقهاء الشريعة. لذلك أعتقد أن الإمام السيستاني امتداد طبيعي للمرجعيات المتنورة والعقليات القيادية الدينية التي تتطلع لبناء حيز للنهضة الإسلامية القادمة على أساس استنهاض الواقع الاجتماعي وبناء ركائزه وتجسير الهوة بين مختلف أجياله الفكرية والسياسية مثلما هو امتداد طبيعي لكل المرجعيات التي لم تتصالح مع الخطأ ووقفت ضده دفاعاً عن حرمة الشريعة الإسلامية ومشرعها ودفاعاً أيضاً عن المشروع الإسلامي المعاصر بكل تكويناته وأحجامه وأشخاصه ومناهجه. ومن الخطأ القول أن الحركية الفقهية والسياسية للإمام السيستاني تنطلق من ذات الدائرة الشخصية للمرجع الكبير من دون الانتماء أو الصلة مع بقية المرجعيات التي سبقت المرجع الكبير في مضمار القيادة والتصدي الروحي والسياسي في الأمة.
إن الإمام ينطلق في هذا الشأن أيضاً من أن المدرسة الإمامية ليست مدرسة لاستنباط الحكم الشرعي تتعاطى معه بشكل ميكانيكي تقليدي بليد لأنها بالأساس مدرسة ورثت الرسالة والدعوة والنبوة وهذا الأمر يفرض عليها الانسجام مع مطلب الرسالة والدعوة والنبوة مضافاً إلى ذلك إظهار الإمامة باعتبارها واحدة من أهم التعبيرات الفلسفية والاجتماعية لحقيقة النبوة. المرجع السيستاني في العلاقة مع الـمحيط يعيش الإمام السيستاني (حفظه الله) كغيره من الفقهاء والإعلام في عصرنا الحديث حياة الكفاف والبساطة والتواضع في المأكل والملبس، وهي ظاهرة رافقت وترافق علمائنا في كل زمان ومكان، ولعلها (الظاهرة) هي المسؤولة عن المكانة الرفيعة للمرجع الفقيه في أوساط الناس، مثلما هي المسؤولة عن قيمته كقائد وموجه ومرشد. لقد من الله سبحانه وتعالى على الطائفة الإمامية في العالم، إذ قيض لها مرجعاً عظيم التدبير، حديد النظر، جدي المعالجة، بصير الرؤية نافذ البصيرة، يتطلع إلى الأفق البعيد في منظور معاصرة، ويفيد من الماضي خبرة الناقد الواعي، ومن خلال هذين الملحظين، تجلت له الحقائق مرتبطة بالمناخ الواقعي الذي يزن الأمور، فكان دقيق الميزان فيما يقرر مصيباً فيما يرى، تسدده العناية الإلهية في معايشة عصره بمفارقاته ومضاعفاته المتلاحقة، دقيق الميزان في العدل، شديد الورع في المال، واضح الزهد في المعاش واللباس والأثاث والدار، لا يعدو طعامه الجشب، ولا يألف من الأبراد إلا البسيط، في داره عادي من الفراش، وزهيد من الأواني، لا دار له ولا عقار، وإنما هي الدار التي عاش فيها طالباً ومدرساً في الحوزة العلمية، لا تتجاوز مساحتها سبعين متراً مربعاً، وهي مستأجره لا يملكها، يدفع أجارتها الشهرية حتى اليوم بمبلغ متواضع. والسيد السيستاني يمثل الذروة في تواضعه وترسله وواقعيته، والأمثلة على ذلك عديدة لا تحصى * زاره أحد المراجع العظام، ومن شدة فرحه، بلقائه وتعظيماته له، صافحه مصافحةً حارة، حتى كاد أن يهوي على يده ليقبلها. * وشيع أحد الأعاظم في الدين إلى ساحة الدار، فأهوى إلى الأرض، وقدم له نعليه، بل ودع أحد أصدقائه فقدم له حذاءه، قال له: ماذا تصنع سيدنا؟ أجاب: احترام المؤمن واجب وأريد إظهار منزلتك عند من لا يعرف قدرك. * إذا زاره من له إثارة من علم، أو ملحظ، ولا يشغله في ديوانه كثرة الشؤون عن الاستفسار عن صحة كل قادم، والتركيز على ذوي الشرعية »لأن الله أخفى وليه بين العباد«. والمورد لا يخصص الوارد كما يقول الأصوليون.
* يعيش مكمداً وتراه باسماً، ويصبح محزوناً فلا يظهر ذلك عليه، تظنه في سعادة وهو في أقصى درجات الألم، وتحسبه في راحة وهو في بحبوحة الاضطراب، لا يشتكي طرفه عين أبداً، ولا يبدي جزعاً في أشد الأحداث نكاية، ولا يظهر تأففاً وهو في ضيق تام، أوكل أمره إلى الله متخذاً القرار وحده ـ في النوازل، لا تزعزعه عاديات الزمن، ولا تستولي عليه صروف الدهر، يتأسى بما أصاب الأئمة الطاهرين من العنت والعسر والإخراج وهذه خصيصة نادرة. * إذا سئل عن حكم شرعي أجاب بطلاقة وبأسلوب مشوق، يفهم منه السامع، ويفيد المتلقي، تجنب في ذلك الإيغال ومال إلى الأسماح، أي أنه يبسط الإجابة بما يناسب مقتضى الحال، دون الدخول بتفصيلات مضنية قد لا يستوعبها السائل، ولا يهضمها المجموع العام. * أقبل عليه أحدهم طالباً منه العفو عمن كان يسبه ويشتمه وقد توفي، فقال قد عفوت عنه، قلت له: لماذا يسبك الآن، هلا سبك قبل المرجعية؟ إنه يسبك باعتبارك مرجعاً، لا باعتبارك السيستاني، وهذا أمر يتعلق بالمنصب والمقام، قال نوكل ذلك إلى الله تعالى.
قلت له: إن السيد محسن الحكيم قدس سره قد تعرض لهذا النوع من الشتم والسباب، فقد كلف أحدهم والدي ان يكلم السيد الحكيم ليعفو عنه وليغفر له ما قذفه به أوائل مرجعيته، وكلمه الوالد، فقال له: هناك جهتان في هذا الإغتياب أو الشتم، الأولى، السيد محسن الحكيم ذاته، وقد عفوت عنه، وأبرأت ذمته، الثانية: السيد محسن الحكيم باعتباره مرجعاً، فهو توهين بالمقام، واعتداء على المنصب، ولا أبرئ ذمته، على الإطلاق قال السيد السيستاني: معنى هذا أن السيد قد أوكل ذلك إلى الله، وأنا فعلت الشيء نفسه. والسيد السيستاني في مميزاته وخصائصه يمثل أهل البيت، فقد جمع إلى جانب العلم الحلم، والى ميزة التواضع العزة، والى شعار الزهد التقوى، والى جانب الاسترسال الحذر والحيطة، والى تشخيص الذوات إعطاءهم منزلهم، والى الترحيب بالسواد الأعظم الاعتداد بالشباب والطليعة الواعية، والى الصدق في الحديث الصدق في التعامل، والى الجدية في العمل الطموح إلى المستقبل الرائد، والى حب الخير حب الناس حتى الأعداء الألداء، فهو يشفق عليهم أنى اختاروا هذا المسلك الوعر والطرق الشائكة. وقد اختصرت لك القول في هذا الرجل دون إضافة أو تزيد، إنه رجل الساعة في أدق معاني هذه الكلمة وأوسعها، فهو الرجل المناسب في الموقع المناسب و»الله أعلم حيث يجعل رسالته« ولله في خلقه شؤون، ولولا البقية من الخلف الصالح لصبّ البلاء على الناس صباً، ولكن الله رؤوف بالعباد، يقيض لهم في الأزمات والكوارث من يكون عدة للإسلام، وسلامة للبلاد، وشاخصاً في الملمات، وهذا لطف الله وحده، وفضل الله عز وجل (وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم)([8]) (إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون)([9]).
وثمة ميزة أخرى، هي العيش الكفاف، حياة الزهد، كان السيستاني فقيراً مقتصداً، وأصبح مرجعاً وهو فقير مقتصد، يحيا حياة الفقراء والبؤساء. ومنذ أن عرفت المرجعية الدينية طريقها للإمام السيستاني وتعرفت على فحوى توجهاته ومعارف ثقافته الأصولية والفلسفية والقرآنية وهو يواصل ذات المشوار في التواضع والبساطة وجشوبة العيش مع أن مرجعية الإمام من بين أثرى المرجعيات، فالـملايين مبسوطة بين يديه ومصادر تمويل وكلائه لا عد لها ولا حصر، ورغم ذلك لم يعرف عن الإمام إنفاق بغير محله وثراء على حساب الجياع والمحرومين والمستضعفين والبسطاء. لقد كان الإمام (حفظه الله) يوصي كل الذين يرتادون مكتب سماحته في النجف وهم بالآلاف من أبناء العراق والموالين لأهل البيت (ع) من أقطار الخليج والأمريكيتين وأفريقيا بضرورة إنفاق موارد الخمس على الذين يرونهم أهلاً لاستحقاق المبالغ الشرعية وكما يوصي دائماً بضرورة عدم جلب المال لمكتب سماحته ويتشدد في ذلك ويحدد بلغة واضحة موارد الإنفاق من دون الرجوع إليه. كانت مرجعية السيستاني حدثاً عالمياً فاصلاً، فالسيستاني لم يطرح نفسه للمرجعية، والسيستاني بعيد عن الأنظار، ولكنها الإشاءة الربانية التي رشحت رجلاً لم يعمل للمرجعية، ولم يعمل له أحد فيها، جاءته عفوية تلقائية، واستقرت عنده في رحاب أغر ومقام أشم، حتى إنه قد لا يعجبه هذا التوجه اليه، وطالما أبان أنه في غنىً عن هذا المنصب، وكان الأفضل أن يظل في الحوزة فرداً اعتيادياً له مالها وعليه ما عليها، وكنت أجابهه أنه لابد من التصدي وإلا فالموازين في خطر، لئلا تختلط الحابل بالنابل، فتلغى حقائق الأشياء، وربما ضرب مثلاً للعزلة وعدم التصدي بأستاذه الشيخ حسين الحلي أعلى الله مقامه، فأجيبه أن الظروف تختلف تماماً إذ التكليف الشرعي يحتم العلم الشاخص. ومهما يكن من أمر فقد اصبح السيد السيستاني هو المرجع الأعلى وجاءت مرجعيته سليمة من المؤثرات الخارجية والداخلية، وانتهت اليه رئاسة الإمامية ولم يلغ دور المراجع العظام، وإنما هم يد واحدة لاحتضان الأمة وتعظيم الدين، وهذا من الأسرار الإلهية التي لم تصادر التعددية في المرجعيات، ولكن المثل الأعلى قائد بذاته، مشخص بمميزاته. إن شأن التعددية في المرجعية من خصائص الإمامية التي تغني الفكر الإسلامي بسلامة المنهج العلمي الذي يحارب القوقعة والجمود، ويهيئ المناخ الرصين لأعداد جملة المراجع القديسين الذين يهمهم نشر الفكر الإمامي في وجهات نظر مختلفة، تلتقي في الهدف الأسمى القاضي بتعميم مبدأ أئمة أهل البيت في الفقه والحديث ومعالم التشريع. يقول الأستاذ اسكندر شاهر سعد في بحث له بعنوان »كلام في المرجعية الدينية«. »إما إذا أردنا تشخيص المرجعية الدينية فإننا سنكون بحاجة إلى مساحة أوسع تفي بهذا الغرض، ولكني سأورد نموذجاً واحداً وليس وحيداً بغية تقريب الصورة، فمثلاً يقلد ملايين من المسلمين المتجمعين في بقاع مختلفة في العالم، والذين تصل أعدادهم إلى أكثر بكثير من سكان عدد من الدول، وهو مبثوثون هنا وهناك في العراق وإيران وبعض دول الخليج والهند وباكستان وغيرها.. يقلدون مرجعية دينية تتمثل في المرجع الديني آية الله علي السيستاني المقيم في النجف الأشرف في العراق، والذي يوصف في الأوساط المطلعة والمهتمة بأنه المرجعية العلمية المحضة التي تحظى بثقة العدد الأوفر من المسلمين في العالم، الأمر الذي يجعل من هذه المرجعية معادلاً قوياً من شأنه أن ينعكس إيجابياً على واقع الناس وشؤون حياتهم«([10]). وقد كان الأمر كذلك، فهناك شبه إجماع علمي على أهلية هذه المرجعية إقليمياً وعالمياً، لأنها تمثل البعد الاستراتيجي لنيابة الطاهرين.
ولا أدل على ذلك من التوجه العلمي الصاعد في حياة هذه المرجعية من جهة، ومن السلوك الانساني الهادئ بإدارة الحياة العامة، ومن الاطمئنان النفسي الذي ينطبع على ملايين الناس لدى نظرهم في سيرته وخصائصه وامتيازاته. لم تتغير حياة السيستاني في مرجعيته عن ذي قبل، فهي هي، بساطة في المظاهر، وتعفف في السمات ووحدة في الإيديولوجية. البيت متواضع نفسه، والزهد في الاعتبارات ذاته، والتوجه نحو الناس في ازدياد هائل. تقصده في كل يوم الآلاف للتبرك والإفادة والإفتاء يرحب بهذا ويدعو لذاك، ويجيب عن أسئلة الآخرين، ويقضي حوائج ذوي الضر، يعالج مرضاهم، ويساعد ضعيفهم، ويشفق على عائلهم. والجديد الرائع في مرجعيته سياسته المالية الرشيدة، التي جعلت الموسرين جادين في استخراج حقوقهم الشرعية، وجعلت الفقراء في غنى وكفاف عن الاحتياج. لقد عمد السيد السيستاني، فأجاز العراقيين كافة أن يعطوا حقوقهم للفقراء يداً بيد، وطالما أوصاهم أن يشعر الفقير بأن هذا المال هدية من الله ورسوله دون من ما أحد، ولا أذى من فرد، حقوق الله لعباد الله، ومال الله لخلق الله، وما فرضه الله من حق شرعي على الأغنياء في مالهم، يعود دون وساطة أحد إلى الفقراء والمرضى واليتامى وأبناء السبيل في ضوء ما فصله القرآن العظيم وحتى الذين في الخارج فلهم تسليم حقوقهم إلى العراقيين المحتاجين والمستحقين داخلاً وخارجاً، بل أجاز حتى اللبنانيين في إعطاء ذوي الفاقة منهم يداً بيد. إن هذا التوجه خلق موجة من الأعجاب أنهت معاً الشكوك والتساؤلات وغاب العنت والتهجم، فالمرجع لا يحتاج المال، بل خول ذوي الحقوق بصرفه في مواضعه، وبذلك تغيرت النظرة الضيقة، وسقط التهافت، وخرست الألسن المضللة، والفقراء هؤلاء هم يتمتعون بما فرضه الله لهم دون منة أو فضل أو استعلاء، ومرجعهم فقير مثلهم لم يضع حجراً على حجر، ولا لبنة على لبنة، لباسه الزهد وشعاره التقوى. والـمرضى لهم علاجهم ودواؤهم وأجرة أطبائهم، وحساب مستشفياتهم كل بنسبة ترفع الحرج ولا تبذر المال، وقد يتحمل السيد كل المصاريف. وترميم البيوت، وإصلاح المنازل، وتوفير الضروريات تحظى بعناية خاصة بحيث لا تطغى على المناخ المالي، ولا تترك حبلاً على غارب، وإنما هي بين بين، وبالتالي هي أحسن وأوفق. ومع أن الأصل في مصرف بيت المال عند السيد السيستاني هو سد حاجة الفقير والبائس والجائع، بيد أن المشاريع التي يفيد منها الفقير لم تترك هملاً بل هناك عناية خاصة بها في كل الأصعدة لا سيما ترميم المساجد وأماكن العبادة، ومراقد العلماء، واحتياجات المستشفيات وإصلاح الطرق، وإقامة المرافق الصحية، وإرفاد ذلك في ميزانية طائلة يشرف عليها الأمناء عادةً. أما الحوزة العلمية في النجف الأشرف، فيتناول طالب العلم مرتبه الشهري بانتظام وفق جدولة تعنى بالمبتدئ والمشتغل والفاضل وطالب السطوح وطالب البحث الخارج ضمن امتحانات موسمية، ترشح الدرجات، وتميز بين طبقات المشتغلين وما يجري في النجف الأشرف يجري في بقية الحوزات العلمية في بقاع الأرض بتخويل لوكلائه الأمناء. وبمناسبة ذكر الوكلاء هنا، يؤكد حقيقة أن المراجع قد ينصبون عنهم الوكلاء، وعادة ما يكون الاختيار ضمن موازين شرعية ووفق متطلبات النزاهة والأمانة، فإن أدى الوكيل ما عليه، كان قد أدى الأمانة، وإن قصر عوتب وصحح تقصيره، وإن خان عزل ووبخ ولا ضير على المرجع أن ينحرف وكيله عن الخط السوي فهو إنما يتعامل على الظاهر ولا سبيل إلى تفتيش القلوب، وإذا خان الأمانة وكلاء المراجع، فقد خانها من ذي قبل وكلاء الأئمة، واحتجنوا المال، وضيعوا الحقوق ولا ضير على الأئمة في ذلك، لأن الخائن يعزل. نعم، هناك ما هو غير الأولى، وهناك من العمل ما لا يستحسن، وهناك من التصرفات ما ينتقد وهذا وارد قطعاً، ولكنه لا يقدح في ثقة الوكيل، وليس بالمقدور أن يعين المرجع ملائكة وقديسين لإدارة الأمور، والبشر يخطئ ويصيب، ولا عصمة إلا للأنبياء والأئمة الطاهرين. إن ظاهرة اللغط والثرثرة والهذيان التي يطلقها من لا حريجة له في الدين، ولا تفكير لديه بالمصلحة العليا، لا تشكل منعطفاً تأريخياً جديداً، فرضى الناس غاية لا تدرك، والهذر عمل من لا عمل له، والوعي الرسالي الخالص لا يتمثل إلا في القلة النادرة، أولئك الذين يعرضون صفحاً عن الصغائر والجزئيات والتوافه، ويوجهون العناية لكل ما يبني الكيان ويؤيد التخطيط المرجعي. إن من يريد ثلب الآخرين بما لم يعملوا، ويتهمهم بما لم يفعلوا، عليه أن يراقب الله في قوله وحديثه واتهامه أولاً، وعليه أن يقدم الأدلة المقنعة على ما يراه من مخالفة أو شذوذ أو استئثار أو فئوية، وإذا ثمّ ذلك قام المرجع بدوره في معالجة الحال وإصلاح الخلل وتقويم الأود، أما إطلاق التهم جزافاً وترويج أضاليل الانحراف، فلا يغني عن الحق شيئاً. المرجع دائماً وأبداً يوصي وكلاءه بالتقوى ومراقبة النفس، ويؤكد على مراعاة الزهد وحياة البساطة، ولكنه لا يعارض ما يتطلبه المنحى الأخلاقي والاجتماعي من البذل في المواقع التي يرى فيها الوكيل عنواناً ثانوياً يرفع شأن الدين، ويعلي كلمة الإسلام، ولا سيما أن سهم المؤلفة قلوبهم مازال قائماً، وما برح القرآن به ناطقاً. إن الأصوات النشاز التي ترتفع هنا وهناك لثلب المراجع العظام عن طريق وكلائهم وثقاتهم، ما هي إلا تخطيط قصد إليه للتشكيك في النظام المرجعي القائم منذ عهد النواب الأربعة رضوان الله عليه إلى هذا اليوم الذي تتابعت فيه المحن وتلاحقت به الفتن، ولو نظرنا إلى مصدر الإشاعات الباهتة لرأيناها تظلع في ركب التضليل العالمي ضد مرجعية أهل البيت عليهم السلام، وليس في ذلك أي استثمار رسالي أو إنساني للمجموعة المؤمنة، وإنما هو الدمار والبوار الذي تسخر له غوغائية الأغمار والنكرات. ولي أن أسأل: من المستفيد بهذا اللغط الفوضوي؟ وهل إشاعة الفاحشة والسوء في الذين آمنوا من الإسلام في شيء؟ ولماذا هذا التوقيت في مثل هذه الظروف الحرجة التي يكاد يبتلعنا فيها الاستعمار الجديد؟
إن هذه المرجعية ـ مرجعية نادرة ـ كأي مرجعية دينية إسلامية في التاريخ الحديث وهو في هذا يحاول العمل على إنجاز الصيغة الأنقى والأطهر والأفضل والأليق للقيادة الدينية ـ الروحية والسياسية القادرة على العيش في أوساط الجمهور ولديها الكفاءة في إنجاز الواجبات والمسؤوليات الشرعية الملقاة على عاقتها. الإمام السيستاني يعرف جيداً حاجة الأمة في العراق خصوصاً لمرجع يقودها إلى السبيل الإسلامي الأقوم ويقوض ما استطاع من معالم التشويه وسياسات المصالح البراغماتية التي قتلت في الأمة روح المبادرة والحرص على العقيدة والإسلام والمذهب. ويعرف تماماً أن إنجاز هذه المهمة سيكون له انعكاسات حقيقية في وعي الأمة وفي قدرتها الذاتية لمنع حالات اختراق عقيدتها وشريعتها الإسلامية السمحاء وفي محاولة النهوض بالكفاءات الإسلامية الموجودة في البلاد الإسلامية والأخرى المقيمة في الغرب. من هنا وبعد سقوط النظام السابق وتقويض ركائز حكمه القائمة على القمع والجبروت والعنجهية أمكن لمرجعية الإمام العمل بقوة في أوساط الشعب العراقي والانتشار في كل المدن والمحافظات التي تشعر مرجعية الإمام أنها بحاجة لمرجعيته وقيادته بل بحاجة لمن يمسك بيدها من أجل إنقاذها من واقعها المريض وتقويم أودها واستعادة هويتها العقائدية الإسلامية. إضافة إلى ذلك كان ومازال للإمام السيستاني مواقفه إزاء تطلعات الشعب العراقي في الحرية والاستقلال. الإمام السيستاني والانفتاح على الواقع الإسلامي من نافلة القول التأكيد أن مرجعية السيد السيستاني قد قفزت إلى استيعاب المناخ العالمي في مسح شمولي للأقطار والدول والأقاليم والعواصم، فالنجف الأشرف وهي المركز العام للمرجعية ـ تضفي أشعته على العالم في ومضات مشرقة تعنى بنشر الإسلام وتعاليم أهل البيت في كل البلاد العربية: العراق، سوريا، لبنان، الخليج العربي، والبلاد الاسلامية: إيران، باكستان، الهند، أذربيجان، والقارة الآسيوية: اليابان، تايلند، أندونيسا، الفلبين، وشرق آسيا، ودول الاتحاد السوفياتي بعد استقلالها، وأوروبا الغربية، والولايات المتحدة الأميركية، وسوى هذا من القارة الأفريقية: كينيا، غانا أوغندا، مدغشقر، مضافاً إلى الدول الاسكندنافية وما وراء البحار بعامة. إن الأطاريح الانسانية المتعددة التي تحمل لهذه الدول تتضمن فتح المراكز الدينية والجمعيات الثقافية، وبناء المساجد العامة، والحسينيات الفارهة، وإنشاء المستشفيات والمصحات والجمعيات التعاونية والاستهلاكية والاشراف على الذباحة والعناية بالنشيء الاسلامي الجديد وفق متطلبات الزمن والشريعة الغراء. وفوق هذا كله الاستماع لوجهات النظر المختلفة فيما تحل به المشكلات الآنية وتذاب العقد المتأصلة وسد الاحتياجات المادية وتنفيذ المشاريع الحضارية في ضوء طروحات الساحة الانسانية، ومع أن هذه الانطلاقات مصدرها مرجعية الإمامية، إلا أنها تفتح صدرها للمسلمين كافة دون تمييز، وذلك ببركة التوجيه المرجعي الهادف. إن ما انتشر في رحاب العالم من المؤسسات والمشاريع، وما انتظم فيه من العلماء والمثقفين، يعمل جاداً على إيجاد حالة فضلى من التواصل الاجتماعي المنظم ويعنى بمتابعة الحيثيات كافة، وبإشراف مباشر وغير مباشر من المرجعية أو ممثليها، وفي هذا الصفو تبرز القضايا واضحة الرؤية في الدراسية والمعالجة في شتى المجالات كل ذلك يمثل الوعي المتكامل ويجسد النشاط الرائد، ويتابع المفاهيم الحضارية بمصاديق واقعية ترتبط جميعها ارتباطاً وثيقاً بقيادة المرجعية الرشيدة للسيد السيستاني.
إن الدعم المالي لهذه المشاريع الهائلة متوافر ببركة ما يعطيه الإمامية من الحقوق الشرعية التي تصرف في تقويم الحركة العلمية في ظل علوم الأئمة العصومين، وفي التبليغ الذي خطى خطوات سريعة في إيجابيات ملموسة في أقطار الأرض المختلفة، اخص منها: الدول الأفريقية، والدول الاسكندنافية، ودول القفقاز، وشبه القارة الهندية، وجنوب شرق آسيا. أما البلاد العربية، فتتمتع مدنها وقصباتها بالاهتمام الأكبر حتى القرى والأرياف والسواحل مما يؤكد الانجذاب الروحي ويرسخ الوشائج القائمة بين فضائل الأمة والكيان المرجعي السليم. فإذا جاء موسم الحج لبيت الله الحرام، التفت طلائع الناس بممثلي السيد السيستاني، فأخذوا معالم دينهم وقومت مراسم الحج والعمرة والزيارة، وذللت الصعاب وحلت المشاكل، واستقر الناس على صعيد من اللقاء الروحي الأنيق، وفي رحاب الله سبحانه وتعالى، وهنا تبدو أهمية بعثات الحج الدينية لجميع المراجع العظام، فكلها تصب في رافد واحد، والوظيفة الشرعية متماسكة الأواصر بين أعلام الأمة، كل يسدد خطى الآخر، وعادة ما يكون في هذه البعثات مجاميع من أبرز رجالات الحوزة العلمية، يجيبون على الأسئلة، ويؤكدون الالتزام بشرائط الحج الصحيحة، ويبرمجون معرفة المناسك بشكل تطبيقي عملي، مع تشخيص الأماكن والبقاع والحرم والحدود وفقاً للاحتياط الشرعي، وحرصاً على أداء الشعائر والفرائض بدقة ويسر واطمئنان. إن السواد الأعظم من الحجاج قد يصطدمون بطقوس لا عهد لهم بها من ذي قبل، والحج في المستوى النظري والفقهي أمر، وهو في المستوى التطبيقي أمر أكثر فعالية واحراجاً لمن هو جديد عليه، وتيسير مناسكه، وبيان أحكامه مما يتطلب جهداً مضاعفاً وصبراً على الجزيئات والتعليمات وهذا وحده يقتضي توافر الدعاة وتواجد المرشدين، وهذا ما تحققه البعثات المرجعية في موسم الحج. وهناك مزية أخرى تعبر عنها الاجتماعات العفوية واللقاءات المترتبة على ذلك، وما فيها من تجديد العهد بالمؤمنين وإضاءة أذهانهم بالمستجدات الشرعية وقد تتفرع على هذا الزيارات المتبادلة مع شخصيات المسلمين في بقاع الأرض المختلفة على صعيد واحد ويستثمر ذلك عادة لتوحيد الكلمة، وراب الصدع وجمع الصفوف. إن هذه الأبعاد الهائلة في ظلال التوجيه المرجعي الرشيد، نواة صالحة لاستقطاب الجماهير المؤمنة ودفعها نحو الأفضل في صيغ محورية متحررة، فيها أداء للتكليف الشرعي، وفيها إعلاء لكلمة الحق، وعليها مسحة من نفحات الفيض الإلهي، وهي بعد حصيلة من ثمار الوعي الديني، وشذرات من مبدأ أهل البيت وتجسيد لنظريات الأئمة في العطف والسماح والإيثار. ومن خلال هذا العرض يتجلى العمق الفكري الأصيل لخطوات المرجعية الموفقة في العرض والاستيعاب والشمول لتثقيف المجتمع الإنساني في ذروة رقيه وحضارته وتطلعاته المستقبلية. الأولى: الاهتمام العتيد برجال الفكر، وقادة العلم، ومبلغي الشريعة، وذلك من خلال الاعتزاز بالمنهج المعرفي الذي ينبغي أن يكون عليه حملة الرسالة، ودعاة التبليغ، فكان التوجه لتقويم الحوزات العلمية في أنحاء الأرض، والاعتداد بالمعاهد الدينية التي تنجب أولئك الأعلام الأفذاذ وهما مناخ واحد لخلق جيل الفقهاء والعلماء والمجتهدين في تخصص دقيق هو علوم أهل البيت عليهم السلام، وهذا لا يعني إهمال المعارف العامة، ولا سبل التعليم المنفتح على كل ما هو جديد في حقول المعرفة. ويبدأ هذا الاهتمام في النجف الأشرف حيث الأسر العلمية العريقة، والبيوتات العربية المتفقهة ثم يستقطب بقاع العام أجمع في البلاد الاسلامية، والعربية، حيثما تكون الحوزة العلمية وحينما تزدهر المدارس والمؤسسات الفقهية المتخصصة، ونموذج ذلك في إيران وسوريا ولبنان وباكستان وأوروبا، بما يدركه المعاصرون لدى تتبع النشاط العلمي الذي تنهض به أكثر من ثلاثمائة حوزة علمية ومركز ديني، يشكلان الإشعاع الفكري المستطيل لمعارف الأئمة الطاهرين. الثانية: مراكز الإفتاء العالمي لمكاتب سماحة السيد السيستاني، ويبرز في طليعتها مكتب الاستفتاء في النجف الأشرف، ومكتب الاستفتاء في قم المقدسة. ويقوم هذان المركزان المهمان بحلقة الوصل بين المرجعية وشعوب العالم بتولي شؤون الإجابة على المسائل الفقهية والعلمية والقرآنية في ضوء آراء السيد ومبانيه وطبق فتاواه ومداركه الشرعية، فتغذي العالم بفنون طائلة من الأحكام، وترفده بحقول نابضة من الإنسانية والطريف أن تأخذ هذه الأجوبة مسلكها التبشيري والإعلامي إلى الإنترنت من خلال شبكتي (رافد) و(آل البيت) عليهم السلام، العالميتين للمعلومات. الثالثة: مكاتب التبليغ التي تتولى إرسال المبلغين في المواسم والفصول والشهور لاسيما محرم وصفر ورمضان المبارك، وذلك لأداء الرسالة وإيفاد مئات المبلغين سنوياً لأنحاء كثيرة من العالم تستقطب مختلف الأنشطة العلمية والثقافية موفرة دعماً معنوياً وفكرياً ومادياً للمراكز الإسلامية والمؤسسات الدينية في البلدان العربية والقارة الأفريقية وجنوب شرق آسيا، ودول القفقاز والدول الاسكندنافية، وأوروبا، واستراليا، والولايات المتحدة وسواها. تجري هذه الفعاليات بدقة وإخلاص لإحياء تراث أهل البيت، وتبليغ أحكامهم للقاصي والداني. الرابعة: مراكز المعرفة الإنسانية، وأبرزها ما شاهدته في قم المقدسة، وأهمها: أ. مركز الرسالة، ومهمته نشر القيم الإلهية من خلال التبليغ المنظم ومحاربة الأفكار الهدامة بما يقابلها من الفكر الإسلامي المبرمج ودفع الشبهات والاشكاليات المنحرفة بما يثبت من ضلالها وزيفها وزيغها عن المنهج القويم. وكان السبيل لتحقيق ذلك بإصدار التراث والبحوث في الأخلاق والتربية والعقائد والتأريخ والتراث الاسلامي، ونتج عن هذا تحقيق فعاليات غنية بمؤلفات رفيعة المستوى. ب. مركز الأبحاث العقائدية، ومهمته الدفاع عن مبدأ أهل البيت، وإثبات نظريتهم في العقيدة، وتوحيد الكلمة بين المسلمين ودعم المستبصرين والإجابة عن الشبهات وعقد الندوات العقائدية، وإيجاد الاتصال المباشر بين المسلمين من خلال شبكة الانترنت وفيه مكتبة علمية متخصصة نادرة ومكتبة صوتية مرئية للعديد من المباحث والندوات وفي الاجابة عن الشبهات والاشكالات. وله نشاط فريد في هذه المجالات بأيد مخلصة شابة. ج. مركز المصطفى صلى الله وعليه وسلم للدراسات الاسلامية، ويعني بالشؤون العقائدية من خلال أنشطة متعددة أبرزها، تكوين بنك للمعلومات العقائدية، واستخراج فهرسة أهم تلك الموضوعات، وفيه مكتبة عقائدية مهمة، وبرامج للعقائد الاسلامية، وإصدار الكتب التي تغذي الموضوع معرفة، ولديه دورة للعقائد المقارنة، اشتملت ثمرتها على اصدارات قويمة في التوحيد والتشبيه، والفطرة، والشفاعة.
إن كل الذين يترددون على مكتب الإمام ويلتقونه يومياً يعرفون أن هذا الفقيه إنما يمارس دوره الفقهي والاجتماعي والسياسي والوطني كونه كأحدهم لا يميزه شيء عنهم بل يذهب الإمام إلى أكثر من هذا حين يسكن بيتاً متواضعاً في منطقة فقيرة نسبياً بالقياس إلى المناطق الأخرى في مدينة النجف ويعاني نفسياً من ضغط الواقع الاجتماعي والاقتصادي والشخصي للعراقيين كأنه أحدهم لذلك يقول كل الداخلين على الإمام أنه في حزن دائم لكنه يظهر البشاشة والغبطة أمام جلاسه وزواره من مختلف الأقطار والمحافظات ومن مختلف المشارب والتوجهات والتنوعات الاجتماعية العشائرية والسياسية العربية والكردية. ورغم أن الإمام يمارس دوراً غير عادي وعبر وكلائه في المدن والمحافظات العراقية للقيام بالمسؤوليات الواجب توافرها لصمود الناس في وجه مظاهر وتحديات المرحلة الحالية في العراق إلا أنه يمتلك جهازاً إدارياً في غاية الأمانة والدقة والاختصاص قادراً على استيعاب هموم الناس والاستجابة للمتطلبات الاجتماعية الضخمة والمتزايدة في العراق. وفي هذا الإطار تأتي المؤسسات الاجتماعية القائمة على تكفل الآلاف من العوائل سواء كانت العوائل المتضررة جراء الحروب والحصار زمن النظام السابق أو عوائل شهداء مسيرة العمل الإسلامي في العراق ومجمل الحالات الاجتماعية التي يقدر الإمام ووكلائه بضرورة إيلائها الأهمية التي تستحقها. إن وجود آليات مالية للصرف على عشرات الآلاف من العوائل العراقية المتضررة وإقامة المؤسسات الدينية والمراكز العلمية ونشاطات ثقافية وإبلاغية في مختلف مناطق العالم دليل على كفاءة مرجعية الإمام وحضوره الروحي والعلمي العالي واستيعابه لقطاع واسع من أبناء الطائفة والمذهب واستقطاب جمهور واقعي من أبناء الأمة الإسلامية. فلا يعقل أن يتحدر مرجع ديني في النجف على هذه المساحة الكبيرة والواسعة في العراق وأفريقيا وأوروبا عبر مشاريع فكرية وعلمية وإعالة الآلاف بشكل شهري مرتب كالإمام السيستاني من دون أن يكون هذا المرجع يمتلك رصيداً مهيباً في أفئدة مقلديه. لكن.. هل يمكن الحديث عن أهم الأسس والشروط المتعلقة بمرجعية الإمام وخصائصه في التعاطي مع مفردات المحيط الذي يعيش فيه ويتعايش معه؟ إذ جاز القول بأن مرجعية الإمام تمتلك رصيداً معقولاً من الشروط المغايرة نستطيع هنا بعد ذلك أن نؤكد جملة من هذه الشروط. 1ـ أن الإمام السيستاني لا يؤمن بل لا يريد في مكتب سماحته أو في محيط مرجعية وكلاء أو مسؤولين أو قياديين يعملون له.. بل يريد قادة ووكلاء يعملون معه!. إن هذه النظرية والاشتغال بآلياتها الواقعية ستوسع دون شك من مساحة اهتمام الأمة بهذه المرجعية واستجلاب المريدين وسيكون لها وقع مرض في أولويات النهوض المفترض للمشروع الإسلامي المعاصر لأن سيادة هذه المقولة واقع المسلمين سيتلافى أخطاء فادحة حصلت في فترات سابقة كلفت الوجود الإسلامي الكثير من الجهود وضيعت فرصاً تاريخية لاستعادة المرجعية وجودها المباشر كسلطة أساسية في واقع الأمة. ومن المؤكد أن سماحة الإمام لم يؤمن بهذه النظرية ـ وهي خلاف أفعال سياقات كثيرة كانت متداولة في الوسط الديني ـ إلا لأنه كان على إطلاع شامل على مناشئ وبيئات السلوكيات السابقة.
2ـ خدمة الموقع: يشعر الإمام السيستاني حفظه الله ـ أن الموقع والزعامة والقيادة هي التي يجب أن تخدم لأنها تمثل الإسلام وحركته ومشروعه الديني والاجتماعي ولا يجب أن يستثمر الموقع للأغراض الذاتية والشخصية والترويج للأفكار والميول الجهوية. كما أن الإمام يؤمن أن الموقع لا ينبغي أن يستثمر للأبناء والأبناء الأبناء والوكلاء ووكلاء الوكلاء وكأن المسألة (عائلية) وليست قائمة على شروط شرعية ومواصفات الكفاءة والقيادة والعلم والزهد والورع وخدمة الأمة. إن الإمام بهذا يقدم المثل الأعلى لسلوك المرجع المحمدي الحسيني ـ الرسولي ويجسد المفهوم القرآني في القدوة الحسنة كقوله تعالى (ولكم في رسول الله أسوة حسنة) وهو بهذا أيضاً يخرج بالمفهوم من دائرة الاهتمامات الدينية الصرفة إلى استثمار الموقع لاستيعاب الطموح الجماهيري العام لتحقيق أغراض سيادة الإسلام وقدرته على نشر دعوته المباركة. ملاحظات تأصيلية كان لابد من تنقيط بعض الملاحظات الجدية للخروج بنتائج نتمنى أن تكون حلقة وصل لا فصل في علاقة المرجعيات الدينية وأبناء الأمة. إن الهدف الأساس من هذه الدراسة الوقوف المتأني عند ثوابت وأفكار المرجعية الدينية الممثلة بالإمام السيستاني وتقديمها بشكل موضوعي وجدي وحقيقي للأمة لكي يتم التعرف عليها لا بوصفها مؤسسة دينية معزولة عن سياقها التاريخي والاجتماعي بل تعيش اتصالاً حقيقياً بالناس والأفكار والتحولات الإنسانية ـ الاجتماعية ذات الصلة بالسيادة ووحدة البلاد ومستقبل التنمية والدور المفترض للأمة في مستقبل الإسلام والعالم. إن الغرض الأساس من كشف ملامح مرجعية الإمام السيستاني ـ ليس ولن يكون إبراء للذمة.. أو يلتقي عند خلفية الكتابات التي تقدم المرجعيات على أساس إبراء الذمة الشرعية. إنني لست في مورد الكتابة التي تبرأ ذمة الكاتب الشرعية. ولست في معرض تقديم شهادة كفاءة لهذا المرجع الديني الكبير. فالسيستاني لن يحتاج مثل هذه الشهادة من أحد. بل أعتقد أن الشهادات الكثيرة (ربما) تفسد في بعض الأحيان الجو الحقيقي ما بين المرجع وأبناء الأمة. وأتمنى في هذا الإطار أن تكون شهادتي في المرجع السيستاني الذي ضمها هذا الكتاب زادي في الآخرة يوم لا زاد إلا زاد التزود من بركات وجود المرجعيات المحمدية الكبيرة.. ان تكون سنداً ومرجعاً حقيقياً للراغبين بالكتابة عن هذا المرجع الكبير. ورغبتي تلك نابعة لا بالأفكار والاستنباطات والمفاهيم التي خرجت بها ـ فلكل أفكاره ومنطلقاته ومفاهيمه بل بالمصادر والعينات الأرشيفية التي استعنت بها في تسليط الضوء على هذه الشخصية الإسلامية الكبيرة. وهنا بعض الـملاحظات: 1ـ واضح أن الإمام السيستاني حفظه الله اتجه منذ اليوم الأول لزعامته الدينية ـ المرجعية إلى العمل بقاعدة (ولكن لا نبي من بعدي) بمعنى أن الإمام لن يورثه أحد من أبنائه بقرار منه.. أما إذا وجدت الأمة الإسلامية ومرجعيات النجف الأشرف وأهل الاختصاص والخبرة والدراية والأعلمية أن أحد أنجاله الاثنين وهما من أفاضل مجتهدي النجف أن يكون أحدهما في موقع المرجعية فهذا أمر آخر. وفي الوقت الذي نعتقد فيه أن هذا الكلام سابق لأوانه ومن المبكر جداً مناقشة هذا الأمر. لأن الأعمار بيد الله سبحانه وتعالى نجزم في الوقت ذاته أن الإمام لن يورثه أحد من أبنائه. ولن يعمل في الوقت ذاته أيضاً على تأهيل الأبناء ليتسنم موقع المرجعية الدينية العليا ولن يصرف مليماً واحداً على ترويج من هذا النوع إيماناً منه أن ذلك يشكل تعارضاً واضحاً مع مباني الشريعة الإسلامية ويتناقض مع جوهر الدعوة للإسلام ولا يتفق مع كل السياقات المؤكدة على الحرص والإخلاص للإسلام ومرجعية الدينية وموقع النهضة في حركة المشروع الإسلامي المعاصر وأدواته ومؤسساته الحيوية وفي القلب منها المرجعية الدينية. بهذا يكتسب مشروع الإمام السيستاني أهمية استثنائية في السياق الديني والحوزات العلمية وفي سياق الكتابة عن هذا النمط المنسجم مع ذاته، الذي يعبر دائماً عن مسؤولية المشرع إزاء الأمة ومصلحة الإسلام وإزاء مستقبل المسألة الشرعية ودورها في تهذيب النفس وضبط إيقاع الحركة الاجتماعية الجوهرية في الأمة. ولأن الإمام عبر منذ اليوم الأول عن زهده بالامتياز وحرصه على الموقع الديني كونه النافذة التي يطل من خلالها على أبناء الأمة والأهداف والطموحات الإسلامية العادلة فقد بقي أميناً على الأدوات المعرفية وأميناً كذلك على الموقع وربط شخصية المرجع بكرامة الموقع. وفوق هذا وذاك أحدث تطويرات أساسية في نمط علاقة المرجع بالموقع وكرامته. عبر الخروج بالموقع من قيمته الاجتماعية والدينية المعروفة التي تمتاز بالتقليدية في الأوساط الجماهيرية إلى التفعيل والخصوصية الفقهية والحيوية والجدية، إن هذا الأمر استلزم من الإمام إفناء الشخصية بالخصوصية الحقيقية لموقع المرجعية الدينية مضافاً إلى ذلك أن الإمام لم يأت المرجعية الدينية إلا وفي النفس همة المتصدي وزهد القائد، وقرار المرجع، وتواضع الكبار ومن يتطلع لمجمل المواقف والأداء ووجهات النظر المتميزة للإمام يلحظ الموقع الواضح لشخص المرجع عبر الارتفاع بالمكانة والخصوصية الذاتية لموقع المرجعية وضرورة العمل على تصديها الحازم لجميع القضايا والمهمات الكبيرة في الساحة العراقية. 2ـ يتميز الإمام السيستاني بحرصه الكبير على بناء العراق الجديد وفق أصول وطنية حقيقية لا تفرق بين العراقيين أو تستثني طائفة أو قومية منهم على حساب الطوائف والقوميات الأخرى، إيماناً من الإمام أن العراق لا يستقر ولا يأمن العراقي على ماله ومستقبله وحياته ويتطور وضعه الاجتماعي والسياسي والاقتصادي وينطلق إلى فضاء الإبداع والإنتاج والأهلية العربية والإسلامية والدولية إلا بالانسجام التام بين مختلف طوائفه وقومياته وأعراقه. وكأي قيادة حقيقية في الأمة ساهم الإمام السيستاني ويساهم باستمرار في دفع عجلة التفاهم والتعايش بين الفئات المذهبية الشيعية والسنية العربية والكردية الإسلامية والمسيحية منطلقاً في الدعوة هذه من رغبة العراقيين أساساً في ضرورة استتباب أجواء العيش المشترك وتأسيس مناخ الاعتدال والوسطية في عملية بناء البلاد والتفاهم على إدارة الحياة السياسية والقرار الوطني، وانطلاقاً من فهم سماحته للجذور التاريخية للمشكلة العراقية وضرورة الابتعاد عن الطائفية السياسية التي كان لها أسوء الأثر في تمزيق البلاد ومجيء الحكومات الظالمة والمستبدة والعقيمة وتسلط المناهج التربوية القاهرة والمارقة والمدنسة لأجواء الوحدة الوطنية لذلك يلحظ المتابع لمجمل الافتاءات والمواقف والقرارات الصادرة عن المرجع السيستاني الحزم والجدية بعدم السماح للفتن والانشقاقات والتمزقات والاختلافات من الاستمرار وملاحقة ذلك كله بكل الوسائل المخلصة والشرعية. إن هدف الإمام من كل ذلك خلق أجواء المستقبل الجديد للعراق ـ هذا المستقبل الذي يفترض أن يساهم في تشكيله كل أبناء العراق ومؤسساته ومراكزه وأحزابه السياسية ومرجعياته الدينية وشخصياته الفكرية ولا يمكن أن يتم إعادة بناء العراق إلا بتوافق جميع وجهات النظر الفكرية والسياسية ولا يتم ذلك بالتنافر والتنابز بالألقاب والعداوات واستخدام الثأر والانتقام لغة بديلة عن أجواء الحوار والتفاهم الوطني. من هنا كان الإمام مع جميع الجهود السياسية للأطراف العراقية على اختلاف مشاربها وتوجهاتها وألوانها يستمع لمختلف الآراء ويتحاور من أجل المصلحة العراقية الوطنية الخاصة ويمارس كذلك عناداً شرعياً وتاريخياً واضحاً في التصدي للمحاولات التي تسعى لربط مستقبل العراق وأمنه في منظومة من العلاقات الأمنية والعسكرية والاقتصادية الإقليمية والدولية المتشابكة سعياً إلى ربط العراق نهائياً بظروف وأجواء عدم الاستقرار.. كي تفلت الدول المعنية بالمشروع الأمريكي من قبضة الإرادة الأمريكية القادمة وقد عبر المرجع الديني الكبير عن حزم واضح أمام كل الذين يريدون تحويل العراق إلى مزرعة لتصفية الحسابات الإقليمية وطالب بضرورة احترام إرادة العراقيين وعدم التلاعب برغباتهم الوطنية الجديدة. إن الإمام يهمه بالدرجة الأولى في كل ممارساته وأفعاله السياسية واجتماعاته بالقوى الوطنية أن يعيش العراقيون بأمان واستقرار عبر استقرار إرادة السلطة نهائياً على قواعد الانتخاب الحر والديمقراطي المستقل فإذا تم انتخاب شخصية كردية مثلاً فهو مع ما يورده الاستفتاء. أليست الأمة ترجع في الأحكام والالتباسات الدينية للاستفتاء المرجعي؟. الإمام يحقق تلك المسألة عبر ترشيح مبدأ الاستفتاء وهو اللغة الأوضح لمبدأ الرجوع للأمة وأصواتها في حيازة قرار الدولة. إن الإمام يريد أن يقرر مبدأً أساسياً حقيقياً لا يمكن تجاوزه كأبرز مرجع متنور من مراجع الحركة الاستقلالية الوطنية العراقية هو الرجوع للأمة واستنطاق رأيها وعدم تغييبها ورفض مصادرة رأيها وإحلال قواها الحقيقية والفاعلة والحيوية في الشارع وفي تأسيس القرار وليس القوى السياسية وحدها. إن الطموح الذي يسعى لتحقيقه هذا الإمام المستنير النهوض بمستوى الأمة وإخراج صوتها من التغييب ودوائره العفنة إلى التفكير بصوت عال والتواجد الكثيف في نقطة ارتكاز حركة التحول الاجتماعي لكي لا تبقى هذه الأمة أسيرة ثوابت الطائفة، إن الإمام يريدها أن تكون أسيرة ركائز صناعة المستقبل الأقوى للوطن. ومن هنا كان انفتاحه العريق على الجميع، بوصفهم أبناء العراق إضافة إلى كونه أبناء الطائفة الشيعية أو السنية، أن التوفيق بين المذاهب الدينية والسياسية في العراق هي مهمة المرجع الديني الكبير الإمام السيستاني ـ يضطلع بها باعتبارها التكليف الشرعي والوطني والتاريخي والإنساني والأخلاقي ولا مناص من تغيير جوهري في تركيبة الذهنية (الطائفية) إلى (الوطنية) لكي لا يحدث شرخ في منظومة الأداء الوطني يؤدي بالعراق إلى هاوية التراجع والانقسامات الإثنية والطائفية. إن القوى المعادية لشعبنا العراقي تعتقد أن التعددية الدينية والطوائفية والسياسية في البلاد مرتع خصب لإنبات الخلافات الطائفية لتكريس لغة الانتقام والثأر والحروب الداخلية لإضعاف العراق وتأخير نمو دوره العربي والقومي والإسلامي كجزء من أمته العربية والإسلامية، على أن العراقيين يعرفون جيداً أنه ما يقومون به في المجالين العربي والإسلامي لا ينطلق من اعتبارات بروتوكولية أو اتفاقات أمنية معينة بل هو الواجب والمسؤولية الشرعية ـ التاريخية الحقيقية لا المزيفة. وأعتقد أن العراقيين تمكنوا في الفترة السابقة وخلال مرحلة ما بعد إسقاط النظام الدكتاتوري. تأكيد رغبتهم في الانفتاح على المنظومات العربية وإقامة العلاقات الأخوية المتوازنة مع أطرافهم من دون إجحاف أو هيمنة أو إشعار بالتفوق كما كان يفعل صدام مع جيرانه. 3ـ أثبت الإمام السيستاني فطنة سياسية وحنكة مختلفة في مواجهة التحديات والأعاصير التي واجهت وتواجه البلد في ظل وجود قوات متعددة الجنسيات بعد عملية عسكرية أمريكية ـ بريطانية بالأساس تساندها أكثر من خمسة وأربعين دولة أخرى وتلك الحنكة أحرجت أوساطاً سياسية دولية كبيرة إذ تصورت تلك الأوساط في البداية سهولة إمكانية اللقاء مع المرجع الكبير والتفاهم معه حول مختلف المسائل والقضايا العالقة في العراق مثلما اعتقدت تلك الدول أن اللقاء مع سماحة الإمام الكبير سيوفر لها (شرعية ما) في أوساط الشعب العراقي وتبريراً لمجمل الممارسات المتخذة من قبلها في العراق والإيحاء أن لا وجود لمشكلة ما مع المرجعيات الدينية في العراق. لكن الإمام السيستاني رفض اللقاء ولقاءات أخرى لكي يبقي مقام وموقع المرجعية الدينية بعيداً عن محاولات التوظيف السياسي الدولي وجعلها طرفاً في (تشريع) ممارسات ـ لا علاقة لها إلا بأجواء مرحلة وظرف وقوع العراق تحت الاحتلال. لكن الإمام السيستاني يتعامل مع الواقع السياسي الراهن في العراق بفطنة وحنكة وواقعية هي واقعية الفقيه وحنكة القيادة المرجعية الداعية، فهو يحاور كل القوى من منطلق الأخذ بأولوية الاستقلال والحرية الكاملة والناجزة واستيفاء حقوق العراقيين كاملة غير منقوصة ولم يتعقد من كل الأجواء والسياسات الخاطئة لكنه ظل متمسكاً برأي الأكثرية المسحوقة من أبناء العراق ـ التي طالبت وتطالب بحل سياسي ينهي حالة الحرب في الداخل بشكل نهائي ويرسم صياغات المستقبل ويحدد ملامح الأفق القادم على هدى أفكار العراقيين أنفسهم. وحين طالب الإمام بإجراء انتخابات شعبية حقيقية على أساس البطاقة التمويلية السابقة فهو لم يطالب بإنصاف طائفة والانتصار لها وعلى حساب حق الطوائف والاتجاهات الأخرى قدر ما كان ومازال وسيبقى حفظه الله يطالب بضرورة تأكيد رغبة الشعب العراقي كله في ممارسة حقه الانتخابي وأن يؤخذ رأيه في كل المسائل والقضايا المصيرية وفي المقدمة منها حقه وحق فعالياته في تشكيل مجلس صياغة دستوره. إن الإمام السيستاني طالب بإجراء الانتخابات كون المسألة الدستورية جوهرية في حياة أية أمة وفي أي تحول استراتيجي ونوعي من الاستبداد والقمع ودولة الشخص الواحد إلى التعددية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وهنا يتألق سماحة الإمام في ساحة العمل السياسي الوطني كفقيه وقيادة دستورية تشترط لنقل السلطة وكتابة الدستور واستعادة الدولة والكرامة انتخابات حرة ومستقلة يساهم في إقامتها كل أبناء الشعب العراقي من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه. 4ـ لم يتطلع الإمام السيستاني لتشكيل حزب سياسي لديه مكاتب وممثليات وقيادات وخطاب معين، رغم أن العمل الحزبي في الإسلام ليس (سوءة) وقد مارس مراجع وقيادات دينية كبيرة في الساحة العراقية وفي غير مكان من العالم الإسلامي العمل الحزبي بقوة. مثل الشهيد السعيد المرجع آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر السيد محمد باقر الحكيم وعلماء أفذاذ كان لهم دورهم الأكبر في صياغة ملامح الوعي الإسلامي في العراق. الإمام السيستاني مقتنع كما يبدو بوظيفته الشرعية كمرجع يقف على هرم القيادة الروحية والدينية والاجتماعية ويلزم الناس بالحكم الشرعي ويسيطر على مساحات مهمة من ذاكرة الناس وجغرافية انتشارهم في العالم ومقتنع أيضاً أن الأحزاب الإسلامية في الساحة العراقية لم تعد تفي بأغراض إيصال المفهوم الإسلامي للناس إضافة إلى إشكاليات تأسست في الساحة لم يعد بالإمكان العمل في ظل (الظاهرة الحزبية) ممكناً إذا لم يرافقه تسديد مباشر من الفقيه أو المجلس الفقهي. نحن نعتقد أن انعكاسات الظاهرة الحزبية الإسلامية في العراق على مسيرة العمل للإسلام والتبشير بتعاليمه وقدرته على التغيير كان لها وقعها في ذهنية الإمام فهو مثلاً لم يفصح عن رأيه الصريح بها وبفاعلية نشاطها، ولذلك يستبعد المراقبون لمسيرة الإمام أية فاعلية حزبية له، إن الاعتقاد بعدم إمكانية قيام مناخ للإسلام وحركته من دون وجود أحزاب عتيدة اعتقاد خاطئ ويتطلع الحريصون على الإسلام وظاهرته التنويرية لقيام هذا المناخ عبر هذا التعايش المفترض ما بين المرجعية الدينية الواعية المستنيرة وبين فعاليات المجتمع العراقي المسلمة كلها. ولابد أن تنتهي إلى الأبد (حكاية) استحالة قيام الوجود الإسلامي إلا بوجود الأحزاب ـ فتلك أسطورة أجلت جهود أمة بكاملها بفعل ربط حركة الأمة بحركة الأحزاب العتيدة فإذا تحركت تحركت الأمة وإن استكانت تعطلت فاعلية حركة التغيير في الأمة. ([1]) ديوان المتنبي ج1 ص 319. ([2]) الفقه للمغتربين ([3]) الفقه للمغتربين ([4]) سورة محمد آية 22. ([5]) الأصول من الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني: 2/348. ([6]) المصدر السابق: 2/347. ([7]) جامع السعادات للنراقي 2/260. ([8]) سورة المائدة 54:5. ([9]) سورة يونس 60:10. ([10]) ظ: صحيفة الشورى اليمنية، العدد 399 الصادر في الأحد 25/ جمادى 1423هـ = 4/8/2002م.
|