|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
14 آيــار 2006 |
|
رسائل من بغداد
إلى امرأة أضافت إلى الحياة ضحكة جديدة
كتابات - سارة يوسف
منذ أخبرني أياد بمنحك العالم هبة جديدة أسميتموها لمى وأنا أفكر بالكتابة إليك .... كانت طفلتي مريضة حينها وفي الليالي والنهارات التي أمضيتها إلى جانبها أقيس حرارتها واسقيها الدواء كتبت في ذهني عشرات الرسائل إليك .... إلا إن جميعها كانت حزينة ومحبطة...... كنت أعلل ذلك بالكآبة التي تلازمني عندما يمس طفلتي أدنى سوء، غير إن الوضع لم يتغير بشفاء ابنتي واستعادتها حيويتها أو ( حويتها على حد تعبيرها ).... ها أنا اليوم يابشرى اكتب إليك ملتمسة عفوك إذا ماكانت رسالتي إليك لاتعكس الاحتفاء الذي ينبغي أن تكون عليه رسالة موجهة إلى امرأة أضافت إلى الحياة ضحكة وبسمة جديدة عالمنا بحاجة لها. أنا لست شخصية كئيبة كما تعرفين ويعرف إياد والصديقات والأصدقاء حتى أني في أحيان عدة أوغل في جو الفكاهة ( النكتة ) حتى من نفسي و اخالني في لحظات ( بصرية ) الروح والفكر و إنني ابنة البصرة لامدينة أخرى . اعذريني يابشرى فليس بالأمر اليسير استعادة روح النكتة هذه الأيام ... فما مررنا ونمر به أمرا يفوق قدرة الإنسان على الاحتمال ، أتعلمين يابشرى إنني في أوقات كثيرة أفكر إن مجرد ممارستنا مايسمى بالحياة ليس إلا دليلا على موت الإنسان فينا ........أن نتنفس هواء مشبعا برائحة الدم ونرى الجثث في الشوارع وعلى شاشات التلفزيون ونحن نتناول طعامنا ونشرب شاينا .. نتناقل أخبار الموت في الهواتف والموبايلات والايميلات ونتظاهر بأننا نواصل حياتنا بشكل طبيعي هو الموت بحد ذاته .. اقمع هذه الأفكار وأتساءل ما البديل ؟؟؟؟ سؤال طرحته على سيدة لااعرفها في سيارة نقل عام كانت تحاول إقناعي بان الحل الوحيد هو مغادرة العراق !!!! حينها لم أكن بحاجة للتفكير بإجابة قلت لها بإصرار حاسم الحل هو أن نبقى ونواصل الحياة !!! بانت علامات الدهشة .. قبل أن تسأل قلت لها اعرف إنني أبدو متناقضة في نظرك ولكن ماقصدته هو أن نبقى ونواصل الحياة بايجابية ... أن نواجه الموت بالحياة.. أن لا ندعهم يمحوننا من الوجود من دون أن نقول كلمتنا أو نفعل ما بوسعنا لكي نقوم بالأشياء بشكلها الصحيح... كلنا سنموت ذات لحظة هنا أو هناك لكن علينا أن نفعل الأشياء مثلما نؤمن حتى تحين تلك اللحظة . اليوم بالمصادفة أو غير المصادفة صباحا عرفت باغتيال أصدقاء لي.... وجدتني أسير في الزحام من دون وجهة ..... كنت حزينة وغاضبة مثل كل يوم عراقي أبدأه وانهيه بمتابعة أخبار الموت والخراب ..... كانت الدموع تغطي وجهي وأنا أ ردد كلمات كاظم الحجاج " أيها القادرون على القتل متى تتعبون من قتلنا " اتصلت بدجلة .قبل أن أتكلم وجدتها تعرف. جاءني صوتها بهدوئه المشوب بالحزن ... اعرف ... سمعت، اتصلت بي نور وكانت منهارة. اتصلي بها .. اخترق نشيج نور ما تبقى لدي من رباطة جأش . رحت أجوب الشوارع تحت لهيب الشمس. شعرت بلمسة على كتفي .التفت مفزوعة.كانت سيدة لم أرها منذ سنوات. اعتذرت وهي تلمح الخوف الذي انتابني " يئست من مناداتك حتى تخيلت أني أخطأت الشخص " قابلتها بحيادية، كنت ارغب بالانفراد بي.لم أتنبه لحديثها . كانت ملامح أطفال أصدقائي المغدورين تلح علي أن أصرخ أو أن احمل السلاح من اجلهم ومن اجل الآلاف مثلهم . كنت أعض على قلبي وانأ أتحدث معهم متسائلة: " ولكن احمل السلاح بوجه من والقتلة اجبن من أن يفصحوا عن هوياتهم والإرهاب لا هوية له في العراق" تذكرت إن السيدة التي لم تتوقف عن الحديث من سكان الاعظمية . سألتها " ماذا حدث في الاعظمية منذ يومين ؟ " قالت " اكذب عليك أن أخبرتك إن أحدا ما يعرف الحقيقة كلها. لا نعرف ما الذي حدث, رأينا الحرس الوطني يهاجمون الشرطة والشرطة تضرب الأمريكان ومسلحون لا نعرف في صف من يقاتلون." تساءلت " ربما لم يكونوا شرطة . اقصد القصة المعهودة التي مفادها أشخاص يرتدون زى شرطة بأسلحة وسيارات شرطة لكنهم ليسوا شرطة..." سخرت مني بضحكة مجلجلة متسائلة" صحيح ؟!!!!!!!!!" تركتها وسرت من دون حتى تعليق على قسوتها في السخرية .لم أكن أريد سوى السير دون وجهة محددة . كنت امسح الوجوه ، الشوارع المثقلة بالحواجز الكونكريتية والأسلحة والنفايات وباعة الأرصفة . فكرت كم وجه من هذه الوجوه سيفلت من سماع خبر فقدان شخص يحبه أو يعرفه أو سيعود إلى بيته الأصلي لا إلى بيت انتقل إليه خشية التصفية الطائفية بعد تسلمه تهديد مباشر أو غير مباشر. يقول الحجاج البصري " ارض السواد الأمهات على السواتر ينتظرن إجازة الأبناء من يأتي .. ومن ( يؤتى به ) "
كانت الشوارع مزدحمة مثل كل يوم .صفوف وطوابير من السيارات توقفت بلا أمل في التحرك. سرت بين السيارات بحرية . محركات السيارات مطفأة . مشيت أمتارا عدة ولا حركة للسير . سألت أحد المارة " هل الطريق مقطوعة ؟" أجاب بجزع " يجوز واحد من المسعورين (يقصد المسؤولين ) راح يمر " -" طيب والشوارع الفرعية ؟" - " اعتقد أكثر من مسعور راح يمر ... يجوز اكو اجتماع أو مداهمة أو السفير الأمريكي يمر أو أي شيء. شوكت الله يخلصنا من الأمريكان وزبالتهم " مررت بمحل تسجيلات صامت . لم تكن هناك أي إشارة توحي بهوية المحل. لا صوت لأغنية أو ملصق لفنان على الواجهة أو في الداخل.كان المكان مثل أي دكان ارتجل وجوده على عجالة وبانتظار أن يغلق في أي لحظة؟ كم تمنيت يا بشرى أن اسمع أثناء مروري أغنية عراقية أتشبث بها كحبل للنجاة من عيون أولئك الأطفال اليتامى, أن أجمد إحساسي بالواقع واحلم باني أمر بكابوس ليس إلا سينتهي وأنساه حالما أصحو . تقت لسماع سليمة مراد أو أحلام عبد الوهاب أو سيتا هاكوبيان أو فؤاد سالم أو حسين نعمة . أن اسمع أي صوت أنساني غير أصوات الاباتشي المحلقة على رؤوسنا واطلاقات نيران تأتي من هنا وهناك . تمنيت أن اسمع " مالي شغل بالسوك مريت أشوفك " أول أغنية غنتها ابنتي قبل أن تبلغ الثانية من عمرها . بس ياحريمة يابشرى على ارض السواد :" في الحروب بأرض السواد تدفن الأمهات بنيهن و الجد يرثي الحفيد في الحروب كيف لا يخجل الموت من نفسه ؟ " رن الموبايل .كانت أختي قلقة علي بعد سماعها لأكثر من انفجار قوي لا تعرف مكانه ومما زاد في قلقها أن هاتفي كان خارج نطاق الخدمة. قلت لها "اطمئني ما زلت في الخدمة " أخبرتها إن الطرق مغلقة في اكثرمن اتجاه واني ربما سأعود سيرا على الأقدام بدلا من الانتظار في سيارة " منذ زمن بعيد لم استقل سيارة أجرة لأسباب اقتصادية وعملية. إذ لم تعد تقدم حلولا سحرية لاختصار المسافات والوقت .فمعظم الطرق السريعة والجسور التي كان بإمكان السائق سلكها مغلقة ومن ثم لا فرق بين سيارة أجرة وسيارة نقل عام على هذا الصعيد .غير أني وفي لحظة تعب من الشمس فتحت باب سيارة أجرة كانت تقف في الزحام . لفت انتباهي عمر السائق، كان لا يتجاوز سبعة عشر عاما يقود سيارة قديمة حافي القدمين. سألته إن كان لديه رخصة قيادة فأجابني بإيماءة من رأسه نعم. جلست أتصفح جرائد تنقل أخبار تقاسم كيكة مصنوعة من جثث العراقيين ، معجونة بدموع الأمهات والزوجات ،بطعم اليتم ونكهة الفقدان . كانت الصحف تعج بتصريحات قادة العراق الديمقراطي الجديد الذين لم يساورهم الخجل وهم يستخدمون مفردة ( صفقة ) في سياق وصفهم لعرس ابن أوى . سألني الشاب وهو يراني انتهي من الصحف " اكو شي ........راح يحلوها ؟" لم أجب . تحرك السير قليلا ثم توقف من جديد .نزل الشاب من السيارة وسار بضعة أمتار للاستفسار ثم عاد. قال "يكلون موكب رئيس المجلس الأعلى لسرقة الجادرية ديمر " ابتسمت .شجعته ابتسامتي للحديث "شوفي ست والله العظيم كلهم حرامية ما بيهم واحد شريف ...كل واحد يريد يلهف اللي يكدر عليه ويشلع خارج العراق ........يعرفون مالهم عيشة بالعراق بعد اللي سوه ويعرفون كلش زين العراقيين راح يسحلوهم واحد واحد ..حتى صدام لو ما الأمريكان جان أنسحل وتكطع وذر وذر " سألته " عمرك شلت سلاح ؟" أجاب "لا " "عندك استعداد تقتل ؟" - " إيه .. إذا كدرت أوصل للي قتل أخويه راح ارفع سلاح واقتل " - " شلون أنكتل أخوك ؟" - "كان يسوق هذه السيارة ومر رتل أمريكي. طلعت جماعة من شارع فرعي ضربت الرتل . تخبلوا الأ مريكان وكام يضربون عشوائي .أخوية كان واقف بسيارته راد يشغل السيارة من صار الضرب ما اشتغلت راد ينقذ نفسه فتح باب السيارة ونزل فضربوه الخنازير وكتلوه بالمكان . أنكتل الصبح وما عرفنا إلا العصر . فوق المصيبة ظل والدي يروكض من مكان لمكان ويودي شهود ويجيب شهود ويأخذ واسطة ويذب ماي وجهه هنا وهناك حتى يطلع شهادة وفاة تقرأ شهيد " - " ليش كل هذا؟" - " ست لأن اللي ينكتل برصاص الأمريكان أو الشرطة أو الحرس الوطني أثناء اشتباك أو مداهمة يكتبون بشهادة وفاته إرهابي حتى لو كان مستطرق بالمكان وما اله علاقة بأي شيء . بس اللي يموت بانفجار مفخخة أو عبوة ناسفة أو هاون يعتبروه شهيد" - " وأمك شلون وضعها ؟" - " أمي عايشه ومو عايشه . لو ما آني موجود بحياتها كان ماتت بحسرتها .تدرين ست لو ماهي كان قتلت أي أمريكي أصادفه بس آني اعرف أني بالتأكيد راح انكتل وراح أموت أمي لأنها ما عدها شيء بالدنيا غيري " - " رفعتم قضية على الأمريكان ...سويتو شيء ..حصلتوا تعويض ؟" - " كل شيء ما كدرنا نسوي... مو زين نفذنا بجلدنا وما أنحسب ابنا إرهابي ."
" ارض السواد: اللافتات السود ارض السواد: الميت فوق الأرض والحي تحت الأرض كلاهما فريسة للدود ! " عدت إلى البيت أفكر بالأمهات في ارض السواد. خطر ببالي أن أخبرك بتجربة مررت بها منذ سنوات عدة. كنت حينها في الأسبوع التاسع من الحمل عندما فقدت جنيني اثر مرض أصبت به . لن يكون بمقدوري الآن ولا في أي يوم من الأيام أن أخبرك بمقدار الألم واللوعة والوجع الذي عانيته في تلك السنة. مازلت احمل بعضا من مرارة تلك الأيام . لم أكن اعرف هوية الجنين إن كان أنثى أو ذكر، أتذكر إنني ومنذ اللحظة التي دخلت فيها غرفة العمليات لم أكن أفكر إلا في الكيفية التي سأتغلب فيها على الرغبة في الموت. التغلب على الموت الذي تغلغل إلى روحي مع دخوله رحمي . لم أرد على دموع زوجي بعد خروجي من صالة العمليات ولم اقل كلمة.كنت ابكي سرا واجلس ساعات طويلة بحثا عن إجابة لسؤال انبثق مع برودة قفاز الطبيبة وهي تنتزع الجنين من أحشائي .أشعر بتلك البرودة الآن وبحرقة صقيع سؤال لم أجد إجابة له حينها : كيف تحتمل الأمهات الحياة بعد فقدان الأبناء أو البنات ؟ كانت اللافتات السود التي غطت جدران أزقتنا أو فراغها ألقسري من علامات الفقدان في الثمانينات والتسعينات بفعل الحروب والقمع والتغييب والحصار تمر أمام أنظاري بإلحاح. أي قوة امتلكنها أولئك الأمهات لمواصلة الحياة والحروب والسجون تحصد أكبادهن ؟ لماذا لم يثرن أو يقمن بشيء يعبر عن رفضهن لفقدان الحياة التي نبعت منهن وامضين أعمارهن يحرسن ويرعن النبتات وهي تنمو وتزهر ؟ إذا كن يمتلكن مثل تلك القوة على الصبر للفقدان أ فلم يكن من الأجدر يهن حمل السلاح وتصويبه على القتلة ؟ لماذا الثوار والمقاتلون دائما من الرجال ؟ ماالذي يخشين فقدانه ؟ أهي الحياة ..؟ لكن الحبل السري الذي يربطهن بالحياة ينقطع حالما يفقدن فلذات أرواحهن !!! في احدي الليالي أعيتني تلك التساؤلات فجلست وكتبت رسالة طويلة من عشرين صفحة إلى صديقة تقيم في بريطانيا. أتذكر أني سألتها إن كانت متأكدة من أن نابليون هو من قال إن الحروب تشن في قلوب الأمهات وكيف يمكن لشخص مثل نابليون أن يتفوه بعبارة تقول " يا لقلبي الهرم الذي عرف كل الناس " وما الذي يعنيه بالمعرفة ؟ كم أنا بحاجة لنسخة من تلك الرسالة من اجل تركها لابنتي. أتعلمين يا بشرى أنني لم أتوقف عن طرح تلك التساؤلات عن الموت والحياة ومعنى البطولة والشجاعة والشهادة طوال فترة حملي بابنتي. كنت أتحدث إليها وأحاول العثور على إجابات لتلك الأسئلة معها . ولم أتردد من التعبير عن قلقي- في خضم حضورها في داخلي معنى ولفظا وروحا وجسدا- إزاء القوة التي ينبغي علي امتلاكها لحمايتها. ربما ستدهشين إن أخبرتك إنني وبرغم انتظاري إياها ساعة بعد ساعة ويوما اثر أخر إلا إنني لم أختبر الابتهاج والسعادة المفرطة التي تتحدث عنها الأمهات عند الوضع والتي تقودهن إلى النوم بعد آلام المخاض . عندما نجحت الممرضة في إخراجها مني ورأيتها في لحظة الخروج لم أكن قادرة على سبر كنه مشاعري. لم يكن هناك من شيء يمكن أن أدركه سوى الدهشة. دهشة مضببة وكأن ما حدث وبحدث لا يمت لي بصلة . كنت مشوشة وأنا أحاول التأكد من أن هذا يحدث لي أنا ويعنيني أنا وان هذا الكائن الذي يكاد ينزلق من بين كفي الممرضة الماهرة هو ابنتي التي حلمت بها وغنيت وقرأت لها وتحدثت معها في كل ما فكرت فيه. أمضيت أياما أربع لم انم فيها لحظة واحدة. لم اكف عن النظر إليها وتأمل وجهها الذي وجدته حزينا برغم جماله المبهر . بكيت في الخفاء وطلبت منها أن تغفر لي لأني كنت السبب في جلبها إلى هذا العالم. كنت مهووسة في الاهتمام بها ورعايتها وحمايتها حتى من رغبتي العارمة لتقبيلها واحتضانها بقوة لكني لم أكن سعيدة ولم أكن قادرة على التغلب على الأسى الذي زرعه الموت داخل رحمي ذات مرة. لكن مع أول شعاع ابتسامة بان على قرص وجهها العذب أثناء نومها على صدري في اليوم التاسع من ولادتها أدركت معنى الحياة وكنه السعادة وسر قوة الأمهات وشجاعتهن في مواجهة الموت . كان ينبغي أن أكون أما كي أعرف إن الأمهات يدركن الأجوبة من دون أن يفكرن بها لأنهن ببساطة يعشنها... لأنهن يصنعن الحياة . وفي ارض السواد تبكي الأمهات حيث "الغيمة حزن الرب والأمطار دموع الله على قتل الأطفال " في ارض السواد يقتل الرجال وتبكي الأمهات لكنهن يواصلن الحياة بشجاعة وببطولة. ليس بحمل السلاح بل بحمل الأطفال .... يواجهن الموت والموات بادامة الحياة . سأتركك يا بشرى مع نبتتك الجديدة فلقد وصلت ابنتي ونخلتي العراقية من مدرستها . عادت واحدة من صناع الحياة في ارض السواد.
كلمات ليست أخيرة :عندما خرجت لتسلم طفلتي من الباص شاهدت جارتنا المسنة تزرع رصيف دارها بالياس والزيتون .
بغداد : 20-4 -2006 |