الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

1  نيسان  2006

رسالة من بغداد - 5

نـــــوريــــة

 

كتابات - سارة يوسف

 

تسأل صديقتي جدة طفلها عما آلت اليه صحة نورية .

تعلن الجدة بصوت وبملامح خبرت الحزن والموت واحترفت حضور مجالس العزاء " راحت ......راحت المسكينة "

تقول كلماتها هذه وتغادر الغرفة من دون شرح أو إسهاب أو حتى منحنا فرصة للتعليق ..خرجت من دون أن تكترث بإلقاء نظرة على غمامة الحزن التي ولدتها كلماتها وشقت طريقها مسرعة بلا التفاتة أو كلمة وداع لتنضم لجاراتها اللواتي سبقنها الى احد مجالس العزاء في الحي حيث يجد الجميع الفرصة للبكاء بحرية وبلا تحفظ .

توضح صديقتي التي يحيرني عدم تحولها الى روائية برغم حسها المرهف وقدرتها الفائقة على الرصد والوصف الدقيق وتلمس الأشياء بأسلوب نقدي قل نظيره "نورية تبيع الكيمر "

تتوقف وهلة باحثة عن كلمات مناسبة لتقديم امرأة  لم التق بها  ولم اسمع  عنها من قبل "نورية عصية على الوصف ....من الصعب أن تعرفي ما تفكر به أو تراه  ، كانت كمن يعيش داخل سور عال بنوافذ تطل على عالم غير قادر على لمحها ولو بمصادفة محض ، قادرة على تشخيص المقابل من نبرة صوته وطريقة تحدثه إليها ...يمكنك القول أنها كانت تضع الآخر في الموضع الذي يختاره  . تشعرين بهذا من الطريقة التي تقول بها صباح الخير : التشديد على حرف دون أخر ،تنغيم النبرة أو جعلها جافة ، حادة مفرغة من أغراضها .

صمتت صديقتي المتحدثة البارعة بينما كانت ملامحها وحركة جسدها الباحثة عن بقعة تستقر فيها تقول أن هناك الكثير من الكلمات والتفاصيل تتسابق فيما بينها للحديث عن نورية إلا إنها تظل قاصرة ومنقوصة ويبقى الصمت أبلغ  .

لم أكن قادرة على الاكتفاء ببلاغة الصمت الذي تنعم به صديقتي ، كنت ارغب بمعرفة نورية لكي أنضم إليها في كتابة نص اللاكلمات  واللاصوت نمجد فيه حضور نورية بيننا في ظهيرة يوم جمعة عراقي .

سألت "هل كانت تأتي الى الزقاق يوميا ؟"

وكأني انتشلتها من بقعة لا تود البقاء فيها أكثر أجابت بسرعة "في الصحو والمطر .... في الحر والبرد   لا بد وأن تمر نورية لنفطر على صوتها قبل كيمرها  . في أخر يوم رأيناها فيه افتقدناها جميعا  . وصلت متأخرة على غير عادتها وكأنها جاءت من أجل توديعنا وليس لبيع الكيمر  . كل باب توقفت عنده كان أصحابه منشغلين بمعرفة سبب تأخرها عنهم أكثر من الاهتمام بشراء فطورهم منها .

"  نورية أشو تأخرت اليوم "  " نورية هاي وين اليوم ؟ تأخرت علينا "  فتجيب  مرة وتصمت أخرى .

لم نكن نتخيل أن يأتي اليوم الذي تغيب فيه نورية عن إيقاع صباحاتنا  .في ذلك اليوم وأثناء عودتها الى بيتها في الفضيلية انفجرت الحافلة بفعل قنبلة تركت فيها ومات من مات أما نورية فقد نقلت الى المستشفى في حالة صحية خطرة وظلت فاقدة الوعي حتى ماتت.

اسأل صديقتي " متى كان هذا وفي أي حادث ذهبت ؟ "

ولأنها تعرف انهماكي اليومي بمتابعة أخبار الموت العراقي تجيب بشكل قاطع "هذه الحادثة لم تذكر في الأخبار بتاتا "

أفكر ماذا لو جاءت نورية مبكرة مثل كل يوم .. هل كانت ستستقل الحافلة ذاتها  : حافلة الموت ؟ ومن كان سيكون في مكانها لو لم تفعل ؟

أسخر من نفسي من كثرة التوقف عند أل (لو ) هذه وعلوقي فيها بشكل مرضي منذ ذلك اليوم الذي لوح لي فيه زميل في العمل مودعا أثناء خروجه .كنت أقف عند بوابة الخروج بانتظار زميلة ترافقني في رحلة العودة ..أقف متكئة على جدار مستمتعة بشمس ظهيرة شتوية أحدق بالعابرات والعابرين أبدد الانتظار من خلال تخيل حياة كل واحد منهم . لوح لي مودعا وكنت على وشك أن استوقفه للتحدث معه عن شيء ما  غير أن متعة الكسل الذي منحتني إياه شمس كانون الثاني كانت أقوى من الرغبة في جعل الحبال الصوتية تتحرك منادية عليه  أو حتى التزعزع من المكان أو أبداء أي حركة من شأنها أن تجعله يتحرك باتجاهي لكي أتحدث معه .

خرج وكان الموت في انتظاره على مسافة أمتار من بوابة الخروج . ما زلت أتذكر الغضب الذي تملكني ليس من القتلة حسب بل من نفسي ...بقيت أياما ألومني بشكل كاد أن يكون هذيانا " لماذا لم أوقفه ، لماذا لم أتحدث معه ؟ لماذا لم أفعل ؟ ربما كان قد نجا ...ربما شعر القتلة باليأس من جراء تأخره وغادروا المكان مؤجلين المهمة الى اليوم التالي ..عند هذه الفكرة كان الغضب يتحول الى بكاء صامت خاصة بعد أن علمت أنه كان ينبغي أن يسافر الى خارج العراق في صبيحة اليوم التالي  .

أفكر أن كنت سأؤجل من موت ذلك الزميل فمن كان سيؤجل من موت نورية ؟ نورية التي تصف صديقتي بانبهار جمالها وقوتها " امرأة في خريفها ...تسير بقامة مستقيمة ورأس مرفوعة ...أبدلت الزوج الذي ذهب الى أخرى قادرة على الإنجاب ، بلاشيء.لم تتزوج برغم كثرة من تقدم للزواج منها .لم تكن بحاجة الى رجل يعيلها أو يحميها فقد كانت تعيل الزوج ووالتها وبعد طلاقها لم يحدث أي تغير في حياتها فقد أصبحت تعيل

أخيها وأسرته الى جانب تحملها مسؤولية والدتها .

أسأل صديقتي " ألا تجدين إن هذه النهاية تليق بنورية . اقصد – استرسلت موضحة بعد نظرة تساءل وجدتها في عيني صديقتي الذكية – كيف يمكن أن تكون نهاية امرأة مثل نورية ..... عاشت تكرس حياتها من خدمة رجل الى أخر .. لا لشيء إلا لتنعم بأمان مزيف يضفيه وجود الرجل على حياتها ... أيمكن أن نتخيل امرأة بالمواصفات التي ذكرت معتدة بنفسها ومعتمدة على ذاتها في كل شيء أن تموت مريضة في منزل أخيها الذي سيقول بعد موتها " ارتاحت وريحت " لأنها قد تحولت الى عبء مادي ونفسي عليه وعلى زوجته المتذمرة من خدمة عجوز ليست أمها أو ابنتها أو أختها .. أيمكن لك أن تتخيلي نورية متقدمة بالسن عاجزة عن العمل تجلس في بيت أخيها تحرس المنزل والأطفال متجنبه الانجرار لنظرة أو تلميح يجعلاها في لحظة ما تكون نورية ذاتها القوية المعتدة بشخصها لاما صارت اليه ضعيفة مجردة من أي مظهر من مظاهر القوة "

استمعت ألي صديقتي التي تحسن الإصغاء بينما كان طفلها يحاول لفت انتباهي لوجوده قربي .

تحركت باتجاهه . جعلته يشعر بجسدي . أرادت أن تعلق على العلاقة التي بدأت تنمو بيني وبين طفلها . أشرت لها بنظرة ألا تفعل . التقطت الإشارة وعادت لتسألني " هل تريدين القول إن الخالق أو الرب أو الله أو الراوي العليم ..... فكر بهذه النهاية ورسمها بهذه الطريقة ؟؟؟؟؟ "

حاولت التملص من الإجابة مدمدمة بتردد "لا أدري... أطلقي عليه ما شئت ... لكني اشعر بهذا مع كل قصة موت اسمعها أو أقرأها أو أشاهدها يوميا .......".

حاولت التوضيح أكثر " أتتذكرين ليلى العطار كم كانت إنسانة رقيقة وجميلة ومبدعة .... أتعلمين إن موتها بتلك الطريقة بدت لي منسجمة معها ... اقصد لم أكن أتخيل إن تلك الـــ( ليلى ) التي كانت نجمة تشع جمالا ورقة وحيوية مجرد امرأة فارقها الإبداع والجمال وركنت على رفوف النسيان لا يعرف المرء إن كانت على قيد الحياة أم لا أو كانت تعيش في العراق أو خارجه ".

انبعث نور ليلى في عيني صديقتي ابتسامة تذكر أنارت وجهها الحزين . حدثتني عن أمسية جميلة وممتلئة حضرتها للفنانة التشكيلية ليلى العطار .إلا أن حركة طفلها الذي كان يحاول التواصل معي عبر تلمس شعري بكفه الصغيرة تعود بها الى الحاضر وتتحول ابتسامة الذكرى الى ابتسامة تعجب تعكس محاولتها لفهم ما يحدث لطفلها .

لم تستطع إلا التعليق " انه أمر جيد .. لا أفهم السبب لكنه مفيد وجيد له أن يتواصل ويخرج من وحدته "

أكاد أن أخبرها بمشاعري ...أن أقول لها إن ذلك جيد بالنسبة لي أيضا . أردت التلميح الى أن محاولة طفلها التقرب مني لم تحدث إلا في الزيارتين التي لم ترافقني فيها طفلتي  ..طفلتي التي أعض على قلبي من أجل أن تكتشف عوالم أخرى بعيدة عن مخاوفي وحمايتي حيث بإمكانها أن تمضي الوقت بالطريقة التي تختار مع أطفال آخرين كأن تقطف النبق – تنبك على حد تعبيرها – أو تبتكر ألعابا أو حركات جسدية لا يمكنها ابتداعها في حياة نعيش فيها متلاصقتان معظم الوقت ...أعض على روحي من أجل أن تكون أقوى و أكثر استقلالية حيث بمقدورها اختبار صدى كلمات أو أفعال لا تحظى بقبولي مثلما كانت لا تحظى بقبول أمي عندما كنت في سن طفلتي ...أعرف إنها سعيدة لأنها تركض وتقفز وتحاول تسلق سياج أو شجرة من دون أن تكون مضطرة لتهدئة مخاوفي من خلال العزوف عن ممارسة طفولتها أو ممارستها مثلما أريد أنا : الأم التي تعيش في صراع بين أن تكون طفلة أو أما .

لا أخبر صديقتي بمحنتي هذه ، التفت الى طفلها . أنظر في عينييه الخجولتين . أرى أبنتي فأهرب منه ومنها .

أهرب من الإفصاح عن قراءتي لما يحدث بيني وبين طفلها حيث تملكتني فكرة مفادها أنه يشعر بغربتي بدونها وانه يريد القول " لا تحزني . أنت لست وحدك . أنا معك ، سأكون بمكانها حتى تعودي إليها "

أهرب من مشاعري و تأويلاتي وقراءاتي معلقة " طفلك وسيم جدا  . يوما بعد آخر يغدو أكثر وسامة "

تضحك مبتهجة " أنت ثالث شخص يقول هذا خلال الفترة الأخيرة "

تجرني صديقتي من جديد الى قصة موت نورية والى مئات قصص الموت في العراق وتسأل " لابد أن نظرتك هذه للطريقة التي يموت فيها الناس ستتجسد في عمل ما  أليس كذلك ؟ وان ...."

أقاطعها " ما أقوله ليس شعرا أو شعرية أو  طريقة للتفكير بأسلوب أدبي .أنه ما أراه أو أعتقد أنه كذلك .

لا أعرف كيف قرأت نص موت فريد حسين...؟

تقاطعني متسائلة " من هو فريد حسين؟"

أجيب " أنه نحات عراقي لديه مئات الأعمال ويعد أحد تلاميذ الفنان الراحل خالد الرحال .عرف على نطاق واسع في مناسبتين الأولى عندما صمم و أنجز نصب عروس مندلي الذي يجسد موت عروس شابة في قصف إيراني لمدينة مندلي في ثمانينات القرن المنصرم . وبالرغم من عدم توقفه عن العمل خلال التسعينات وما بعدها إلا أنه كاد لا يكون له ذكر أو حضور واسع على المستوى العام في المشهد التشكيلي العراقي .

أما المناسبة الثانية التي قدمته الى المشهد العام فقد كانت من خلال موته في حادثة تفجير مقهى حيدر في الاعظمية  حيث كان فريد أحد رواد المقهى  ..تأملي معي فكرة الإعلان عن الوجود من خلال الموت .

منذ سنوات لم أسمع عن فريد حسين وعندما سمعت خبر موته اندهشت من كونه على قيد الحياة و وجوده في العراق .و أول ما طرأ على بالي تساءل مر في سخريته " خلد فريد موت امرأة مجهولة من مدينة مندلي فمن سيخلد موت فريد وآلاف العراقيين الذين قضوا في المقابر الجماعية الماضية والحاضرة والذين ذابوا في أحواض التيزاب وفي جبهات الحروب والقصف الجوي الإيراني والكوني والأمريكي وفي السيارات المفخخة والعبوات الناسفة وقذائف الهاون و في المعتقلات الأمريكية والعراقية الرسمية وغير الرسمية وفي نيران الجنود الأمريكان في الشوارع و خلال  المداهمات وفي القصف العشوائي والمنظم وعلى يد المخابرات الإيرانية  والكويتية والإسرائيلية وفرق الموت المدعومة من السعودية و إيران و عبيد صدام ..

من يا صديقتي سيخلد موت بائعة الكيمر نورية  ؟  أفكر أننا بحاجة لابتداع ما يخلد الحياة ...نعم ، لا تنظري إلي بهذه الطريقة . ما نحتاجه هو الحياة وليس الموت وتخليده . إننا منذ عقود بمثابة الأحياء الموتى أو الموتى الأحياء.علينا أن نحتفي بالحياة ."

كانت صديقتي موزعة بين الإصغاء إلى كلماتي وبين قراءة خطاب طفلها الجسدي . كان يحاول أن يجد مكانا

لذاته في  حديث متواصل . شعرت بأنفاسه تلفح عنقي .التفتت اليه ، كان يقف على مسند الأريكة . أخذته في حضني وقبلته . 

بغداد - 25 اذار 2006