|
رسالة من بغداد
- 4
هنيئا لكل من مات
في بيته ....
كتابات
- سارة يوسف
أخـــي
إيـــاد ..
لم أتوقف عن الكتابة إليك من بغداد .ما تزال حروفي تقبع في الدرج منتظرة
برهة من التيار الكهربائي بعد أن تعطلت مولدة الكهرباء الخاصة بالحي حيث
نشترك ببضع أمبيرات من الطاقة أما المولدة الخاصة بالمنزل فقد أصبح شراء
البنزين من اجل تشغيلها مسألة فوق طاقة اسرة كانت تنتمي الى ما يسمى بالطبقة
الوسطى في عقود بعيدة مضت . بالطبع أنت أذكى من أن تسأل عن التيار الكهربائي
الذي يفترض أن توفره الدولة بالحد المعقول لتلبية احتياجات المواطن اليومية
الأساسية . وعندما تنعم علينا الحكومة بساعة غير مستمرة من الكهرباء فأن
الهاتف إما أن يكون عاطلا بالكامل أو أن يكون الاتصال مقتصرا على الخطوط
المشتركة بالبدالة فقط وإذا ما كان حال الهاتف على ما يرام فان خدمة
الانترنيت تكون سيئة الى حد لايمكنني معه حتى فتح بريدي .
أتعلم يا إياد أن طفلتي تعرفت على عراقها الذي رسمت خارطته ونخيله وحفظت
أسماء مدنه قبل بلوغها الثالثة كان عبر عشرات من أشجار النخيل المقطوعة الرأس
والمحترقة في عامرية الفلوجة في رحلة العودة برا على ذراع دجلة . كانت نائمة
في حضني من قبل دخولنا الحدود العراقية وأول ما فتحت عيناها عليه كان هذا
المشهد ثم تتالت مشاهد الدمار والخراب وبقايا تدل على أشجار أو معمار كان لها
وجود في يوم ما يزخرف غيابها ألقسري مئات الأمتار من الأسلاك الشائكة وحواجز
الكونكريت المسلح ودبابات وهمرات أمريكية .
عندما خرجنا أول مرة من المنزل للتبضع من الدكان في أخر الزقاق توقفت عند
المنعطف حيث يتنافس الشهداء على بقعة في جدار يعلن عن موتهم , بدأت طفلتي
التي كبرت قبل الأوان تسألني عن ماهية اليافطات وما كتب فيها .شرحت لها
الأسباب التي تجعل الناس يعلقون يافطات القماش الأسود لكني لم أخبرها
بالطريقة التي رحل فيها من حملت اسمهم .كانت تعرف إن الناس عندما يموتون
يذهبون الى مكان جميل إذا كانوا طيبين أو-good- على حد تعبيرها أما إذا كانوا
أشرارا أو –bad-على حد تعبيرها أيضا فأنهم يذهبون الى مكان موحش وقذر.
كانت تعرف إن الناس يموتون من جراء مرض أو حادث مروري ولم يكن قد دخل قاموس
روحها الموت قتلا .
تركتها تكتشف هذا بنفسها . لم أكن أملك شجاعة إيلام روحها وقتل كل ما بذلت
جهدا في غرسه فيها من حتمية وجود منطق وإرادة حرة تحكم صيرورة الحياة . حتى
اللحظة مازلت غير قادرة على منحها إجابة مقنعة بالنسبة لهاعن الأسباب التي
تجعل الناس يقتلون بعضهم بعضا وسؤالها الذي تلاحقني به بكلمات أحيانا وبنظرات
أسيانة حسب في أحيان أخر-كلما عادت من المدرسة أو استمعت الى الجيران أو الى
مكالمة هاتفية تعلن عن مقتل شخص ما –يكاد يقتلني "ماما ليش يموت الناس وهمه
مو مريضين ولا ساحقتهم سيارة ؟"
ما زلت غير قادرة على تحديد اللحظة التي دخلت فيها طفلتي نفق التساؤلات
المظلم الموحش والخالي من أي اثر لإجابة قد تنير طريق الخروج . أتخيل أن
اللحظة كانت عندما رأت دموعي تنهمر أمام شاشة التلفزيون من دون أن أتنبه
لوجودها إلا حين احتضنتني متسائلة بصوت أم حنون " ماما حبيبتي ليش تبجين "
كفكفت دموعي وضممتها بيد بينما كانت يدي الأخرى تحاول إيجاد قناة الأطفال
التي تحب .
رددت " مابي شي . بس أتذكرت أهلي و اشتاقيت الهم "
ردت برقة آني هم مشتاقة لأهلي .عبالي شفت أخبار العراق وعرفت الناس مايتين
(موتى) وبجيتي "
أكاد أن أكون متأكدة من أن اهتمامها بقراءة اليافطات السود لا ينبع من محاولة
اختبار أو استعراض لقدرتها على التهجي حسب بل كان امتدادا لأحاديث عن حوادث
القتل التي تبادلتها مشرفة الباص المدرسي مع السائق في يوم عراقي دام كالعادة
رأت فيه طفلتي بقايا حادث تفجير في طريق العودة الى البيت .
فمنذ ذلك اليوم بدأت تحاول قراءة اليافطات بنفسها وعندما استعجلها تسألني "
ماما هذه جديدة لو قديمة ؟ " اكذب عليها وأقول لها "هي نفسها " لم تعد طفلتي
قادرة على التمييز بين الجديدة والقديمة فاليافطات ناصعة السواد وأصبحت
لاتظهر منفردة ..... كل يوم تحل مجموعة جديدة محل أخرى سبقتها بيوم أو يومين
.
أتساءل كيف ستستوعب الجدران كل هذه اليافطات التي غطت على وجوه مرشحي القوائم
الانتخابية وملصقاتهم الواعدة بعراق امن وقوي ومزدهر ... ماذا سيحدث لو عثر
على مئات المفقودين أو تم التعرف على هويات الضحايا الذين قضوا في التفجيرات
أو عثر عليهم في المجاري أو مكبات النفايات أو المقابر الجماعية التي كانت
ومازالت قدر العراق ؟؟؟؟؟ أحيانا اغرق في التفكير بالتفاصيل وأتساءل عن هوية
مستوردي القماش الأسود والأبيض وعن مشاعر خطاطو اليافطات والحملات الانتخابية
وشواهد القبور وعن الدفانين وأسعار القبور وان كان تعداد سكان العراق من
القتلى سيفوق تعداد الأحياء / الموتى أو الموتى / الأحياء ؟؟؟؟ .
منذ أيام وانأ أخشى لحظة مواجهة غابة اليافطات المغرقة في سوادها شكلا
ومضمونا . لم اخرج منذ فترة فمابين عطل رسمية وغير رسمية لاتنتهي وحضر
للتجوال وكآبة ويأس شكلت روزنامة حياتنا أصبحنا نقبع في بيوتنا لتلقي أخبار
الموت والدم العراقي المسفوح عبر هواتفنا الأرضية أو النقالة أو وسائل
الإعلام .
البارحة وفي طريقي الى باب المعظم انشغلت بالتحديق في الجدران وقراءة
اليافطات التي بت أحسن التعرف على هويات أصحابها المذهبية والقومية والعلمية
من الاسم والطريقة التي دبجت فيها يافطة العزاء .
ومن بين عشرات اليافطات التي قرأتها لفتت انتباهي أربعة شعرت بالارتياح
لقراءتها ( تخيل الارتياح !!!!) احدهما قضى بحادث سير أما الأسماء الثلاثة
التي رحلت عن حياتنا بصمت فكانت لأشخاص اعرفهم عن قرب : مهدي عيسى الصقر
الإنسان والكاتب والمعلم الذي أحب واحترم وسمير علي المترجم والناقد المتميز
والدكتور جعفر صادق المختص بأدب الأطفال . رددت مع نفسي أخيرا وجدت من مات من
جراء مرض .....هنيئا لأهله وأحبته لأنهم لم يضطروا للبحث عن الجثة ودفع رشى
لاستعادتها .... لأنهم دفنوا أحبتهم كاملي الأعضاء بلا اثار تعذيب أو رصاصة
في الرأس . هنيئا لهم لان الشك لم يساورهم للحظة أن تكون هذه الإصبع أو بقايا
القدم لضحيتهم وليس لغيرها ... هنيئا لكل من مات في بيته أو في المستشفى ...
هنيئا لكل من نام ولم يصحو هكذا بهدوء وسلام ... هنيئا لك
ياإيــــاد لأنك لاتشم
رائحة الدم في الهواء الذي تتنفس ولأني سأضطر للتوقف لان التيار الكهربائي
انقطع و(اليو بي أس ) يصرخ بي توقفي .
20 آذار 2006
|