الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

29  كانون الثاني 2006

رسالة من بغداد - 3

أيقظني المطر اليوم ومعه استيقظ حزني

 

كتابات - سارة يوسف

 

أيقظني المطر اليوم ومعه استيقظ حزني .

لم تستطع أحاديث  ابنتي الممتلئة حيوية وحياة أن تعيد الحزن الى النوم .

سألتني ونحن نتناول الفطور " ماما ليش أنت مافرحانة بالمطر ؟ مو راح تشرب الأشجار والأنهار ؟ "

أجبتها أنني فرحة .

أصرت متشككة "لعد ليش ما تغنين مطر مطر ياسي  طول شعر راسي .... لو هاي الأغنية مالت بنات الجلبي .....ذكريني بيها  نسيت بدايتها "

-"مطر مطر حلبي عبر بنات الجلبي "

-"ايه أتذكرتها ليش متغنين هذه الأغنيات مثل قبل ؟"

أجبت بصوت منخفض لم تسمعه سوى روحي المثقلة بحزن قرر مرافقتي شأت أم لم أشأ "لم أعد أحب الشعر الطويل وبنات الجلبي يخجلن من اسم والدهن  "

"-شنو كلتي  ماما ما سمعتج ؟"

غيرت موضوع الحديث وسألتها عما تنوي فعله في عطلة منتصف العام الدراسي .

كانت تتحدث وتضحك وتغني وكنت أفكر بلون الأرض هذا الصباح...كم قطرة دم ستمتزج مع قطرات المطر لتروي أرض السواد هذا اليوم !!

صوت منبه سيارة المدرسة يقطع أغنية الفتها على عجل للمطر وطلبت مني وضع نهاية لها.

قبلتها وانأ أوصيها مثل كل صباح " تعلمي واستمتعي "

تأخذ مكانها عند نافذة المقعد الأخير في السيارة وتلوح لي بمرح.

تبتعد السيارة وتصبح حركة يدها أقوى فأقوى حتى تغيب السيارة عن الأنظار.

المطر مستمر ..أصوات بعيدة لطائرات ..انفجار خمنت انه ناتج عن عبوة ناسفة تلاه إطلاق نيران كثيف.

أتساءل " أين ترى يذهب كل هذا الدم المسفوح

دم الاغتيالات...دم الحروب

دم الشقاء

دم الرجال المعذبين في السجون

دم الأطفال يعذبهم أباؤهم  وأمهاتهم         

بهدوء"

أفكر هل كتب بريفير هذه القصيدة لترددها امرأة تحاول التشبث بالحياة من خلال تلويحة طفلتها

الذاهبة للمدرسة في يوم ممطر ملبد بالدم في مكان كان يدعى مابين النهرين !!!

ترى كم شخص يفكر الآن مثلي بالذين قتلوا في هذه اللحظة وبالذين سيلحقون بهم في اللحظات والدقائق والساعات القادمة ليتحولوا في نهاية اليوم العراقي الى أرقام فحسب في نشرات الأخبار أو الى جثث مجهولة الهوية تخزن صورها في حاسوب الطب العدلي قبل دفنها .

البارحة استوقفتني جملة في حوار سينمائي لفيلم أمريكي لااعرف اسمه مر به الريموت كنترول يقول فيه البطل للبطلة " أتتذكرين قولك لي إن كل لحظة قادمة تحمل معها فرصة للتغيير"

كم وددت أن يقرأ كاتب قصة الفيلم قصيدة السياب "أم البروم " ليدرك فرص التغيير التي حظينا بها . كتب السياب عن المدينة التي أكلت المقبرة وبعد عقود على تأريخ تلك القصيدة لانجد من يكتب عن المقابر التي التهمت المدن  .

 

مازالت تمطر ....ابتلع حبة أسبرين عسى أن تخفف من الم الرأس .اخرج بلا مظلة مثل معظم العراقيين.  يسير الناس بهدوء منكسر اشعر به  . أم تراني اسقط أحاسيسي على المارة !!!!!  أشق طريقي وسط الأوحال وبرك المياه وأصعد (الكيا) التي أصبحت سيدة الشارع بلا منازع .

وجوم يهيمن على الجميع  ومذيع يتحدث بحماس عن الانتخابات والأغلبية والشراكة والوطنية والتعددية والأجندة والشفافية .

الطريق مزدحمة مثل كل يوم.ثمة نقطة تفتيش يسبقها حاجز كونكريتي أغلق نصف  الطريق .

شباب يضعون أقنعة يحركون أياديهم بآلية وضجر مشيرين للسيارات بالمرور من دون أن يكترثوا بإلقاء نظرة عليها وعلى من فيها.

يحرك السائق مؤشر المذياع . يتوقف عند محطة يتحدث فيها رجل دين يتوعد الناس بالجحيم وعذاب القبر.

 

مازالت تمطر وعلى امتداد البصر طابور لسيارات تنتظر التزود بالبنزين انحشرت في الطرق الجانبية والأرصفة.في الطرف الآخر من محطة الوقود تقف نساء التصقت عباءاتهن المبتلة بالمطر الملطخة بالطين بأجسادهن  بانتظار الحصول على لترات من النفط الأبيض أو على قنينة غاز بالسعر الرسمي بينما وضع الرجال المنتظمين في طابور مواز لهن مشمعات نايلون على رؤوسهم  .كان الجميع يقف بلا حراك وكأنهم علقوا في كادر صورة فوتوغرافية التقطها  مصور عابر "منذ أن كنا صغارا ،كانت السماء

                     تغيم في الشتاء

                    ويهطل المطر ،

                   وكل عام – حين يعشب الثرى – نجوع

                  مامر عام والعراق ليس فيه جوع ."

 

مازالت تمطر ورجل الدين منشغل بمطالبة الرجال حجب النساء في البيوت والأمريكان قطعوا الطريق المؤدي الى الطريق السريع والصداع يحفر في رأسي وروحي تئن لأرواح أزهقت  بعبث ....لدماء اختلطت بالمطر تشربتها ارض السواد في هذه اللحظة.

ينجح السائق في الإفلات من الزحمة : يدخل زقاقا يسير فيه بسرعة .يكاد يصطدم بشاحنة خرجت من زقاق فرعي.يخرج الركاب عن صمتهم ويصبون جام غضبهم ومخاوفهم ومعاناتهم على السائق الذي تمسك بصمت لإيجاريه فيه حتى القديسين.

 

مازالت تمطر ومازال الدم يسيل ومازال الركاب يزعقون ومازال السائق صامت يحاول الهروب من مشاجرة صباحية من خلال تحريك إبرة المذياع التي ظلت تتنقل بين الوطنية والانتخابات وبين ضرورة حبس النساء في البيوت وبين صوت فيروز ورسائل صوتية يبعثها الأهالي الى أحبتهم في المعتقلات الأمريكية  لتتوقف عند محطة تبث ( فراكيات ) باسم الكربلائي .

 

مازالت تمطر ومازال الركاب يتشاجرون مع صمت السائق وانشغاله بالمذياع الذي فسر على انه استهتار بحياتهم.كان صوت الطائرات المقاتلة قد أصبح أقوى والصداع أكثر عنفا وصوت باسم الكربلائي أكثر مرارة وأسى . أغمضت عيني وتمنيت بصدق أن أنام من دون أن أصحو  أبدا .صورة ابنتي وهي تلوح لي مودعة بسعادة تقتحم الأمنية وتخرجني عن صمتي. لاأعرف كيف نطقت ساخرة وأنا أقول للسائق الصامت "الجماعة حقهم يصيرون عصبيين عليك  .يربدون يكولون  ليش مستعجل علينا . اليوم بأوله.....   الخير كدامنا ..يجوز الله راح يرزقنا بعبوة ناسفة لو سيارة مفخخة  لو بنيران صديقة  أو عدوة ماكو فرق "

ما إن انتهيت من تعليقي الساخر حتى انفجر صمت السائق ضحكة مجلجلة تلقفها الركاب كعلامة

اكتراث تكرم عليهم بها أخيرا فتحول الزعيق الغاضب الى سخريات نوعت على الموت في العراق وطرقه .

قال رجل متقدم في العمر لم يكن قد شارك في نوبة الغضب " إذا كان الواحد منا محظوظ ورجع

لبيته سالم يجوز يموت بقذيفة هاون أو بقصف ذكي ويطلع خبره بسبتايتل يذكرون بيه قتل عدد من العراقيين في انفجار قذيفة هاون استهدفت مركزا للشرطة العراقية أو يكولون قتل عدد من العراقيين في قصف أمريكي قيل انه استهدف مجموعة من الأرهابين  المنتمين الى تنظيم التوحيد والجهاد التابع للأردني أبي مصعب الزرقاوي "

أكمل شاب يجلس في مقدمة السيارة وهو يلتفت إلينا "يجوز تجيك طلقة  تنهيك وأنت تفتح باب بيتك ويكول شهود العيان مرت سيارة نزل منها مسلحين أطلقوا النار على الضحية واختفوا بسرعة  أو تداهم بيتك قوات خاصة بنص الليل ..بساعات حظر التجوال ويلكوك بعد فترة  مكتول برصاصة ومشمور ويه مجموعة من زملاء الموت قريب من الحدود الإيرانية   "

علق شاب يجلس بجانبه ضاحكا " هسه لو يغيرون المكان اللي يشمرونا بيه جان واحد حس بالتغيير "

سالت امرأة متوسطة في العمر  بد ا عليها القلق لتأخرها عن العمل " يمه وين تريدهم يشمروك ؟

بباريس لو بالنمسا ؟"

أجاب بضحكة حلوة " لا  أختي  لا آني ماعندي مثل هيجي تطلعات ...كافي علي الحدود التركية أو السورية "

علق صوت أخر لم أر صاحبه "بوية  هو بكيفك ..بكيفهم ..غير كل واحد واختصاصه ومنطقة نفوذه ..المناطق اللي تحلم بيها من اختصاص دولة ثانية يكولون عنها جزء من العراق "

علق شاب جامعي كان يجلس أمامي " الموت ينجرع بس تعال وين تودي وجهك من الناس لمن ينقص العدد عد جماعتنا  ويجون ياخذوك من بيتك ويه منو حظه المعثر جابه بطريقهم ويخلونكم مثل الغنم بسيارة مكشوفة ويفرونكم بالشوارع  وينادون بمكبر الصوت القينا القبض على الارهابين  ويطلبون من الناس مساعدتهم للقضاء على الإرهاب ..وبعدين ياخذوك لمكان ويصوروك وتبقى كم يوم عدهم حتى ينزلوا بجيوبهم المبالغ المخصصة لآكل كل سجين اومحتجز وبعدين يهدوك وأنت الممنون ... لحد الآن ماكو مشكلة بس المصيبة توكع على راسك وراس اللي خلفوك لمه يطلعون صورتك على العراقية أو الفيحاء وية الارهابين العرب والعراقيين"

ضحك زميله " العراقيين يطلعونك لابس هدومك بس الأمريكان يصورونك ربي كما خلقتني"

ضحك الجميع بقوة مسترجعي فضيحة سجن أبو غريب.

 

مازالت تمطر ومازال باسم الكربلائي يغزل حزننا وغربتنا وتكالب الإخوة والأعداء علينا ومازالت طائرات ألـــ  F16 تخترق الأسماع  ومازال العراق يردد" أو ما صلبوني أمس؟

...فها أنا في قبري .

 فليأتوا –إني في قبري "

كان الألم يعتصر روحي والأرض تشرب ولا ترتوي  والركاب يضحكون بهستريا.

فتحت باب السيارة التي علقت بزحمة سير جديدة ونزلت اشق طريقي بين السيارات

لااعرف وجهتي ....ورحت ابكي  بلا حرج .

كان المطر مستمرا.

 

بغداد - 25 / 1 / 2006