|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
20 كانون الثاني 2006 |
|
رسالة من بغداد - 1
ها انا عدت الى الكتابة من جديد
كتابات - سارة يوسف
أخي العزيز إيـــــاد .. لا اعرف إن كانت مراسلتي إياك بعد صمت طويل قد أثارت تساؤلاتك مثلما لم اعرف إن كان صمتي الطويل قد فعل الشيء ذاته .كل الذي اعرفه إنني بدأت اشعر بالقلق على ذاكرتي : الشيء الوحيد الذي كنت أراهن عليه في بيئة تسودها بامتياز ثقافة شفاهية . أما الحقيقة أو مايعتقد إنها الحقيقة فلم يتبق منها سوى شظايا متناثرة أفلتت من مكنسة الديكتاتورية والأخبار والفضائيات وأثير الإذاعات والشائعات والمقالات وتبجح الساسة والمحللين والمعممين والسماسرة والمقاولين و وووووووووووووووووو . شظايا لايمكن إلا ليائسة وبطرانة مثلي أن ترصدها في شبح ابتسامة ساخرة أطبق عليها وجه آسيان لامرأة متقدمة في العمر تدافع عن صمتها بحزم في خضم حوارات ومناقشات حادة في سيارة نقل ركاب عامة . ها أنا قد أكملت عامي الأول على عودتي الى العراق .كنت أتوقع إني سأكون قادرة على مواصلة كتابة يومياتي من اجل ابنتي التي أدرك في أعماقي إنني لن استطيع أن أقدم لها أكثر من كلمات أو خربشات اخبرها فيها إنني كنت أحاول فهم ماجرى ويجري. افكراحيانا إنها قد تسخر في يوم ما من أم لم تترك لها مايعينها على الحياة :بيت في هذا الكون أو قطعة أرض أو مصاغ أو رصيد في بنك أو راتب تقاعدي أو أي شيء مادي ملموس. وعندما يتمكن مني اليأس أحاول إيجاد مخرج أو مبرر لمواصلة الكتابة لها ومن اجلها عبر الحلم في إنها قد تعيش في زمن يكون فيه للكلمة المكتوبة قيمتها وسحرها وأتعكز على أمل أن يكون لديها فضول لمعرفة عراقها كما رأته أمها عبر سنوات طويلة من الكتابة والصمت لتلمس كم كانت حاضرة في روحي وسطوري قبل أن تخلق حتى مثلما كان العراق حاضرا في بوحي وصمتي ..في ماكتبت وفي ما لم اكتب . تسعدني فكرة احتفاظها بأوراقي أو ما سيتبقى منها من أجل أبنتها أو حفيدتها ومن ثم تتواصل السلسلة الى جميع إناث العائلة. يمكنني رؤية ابتسامتك وأنت تتساءل ربما "لم إناث العائلة بالذات ؟ هل سطورك مغرقة في ذاتها الأنثوي ؟ " لاتتعجب إن أجبتك بالنفي ، بالرغم من إنني أؤمن بمقولة عماتي النسويات التي ترى كل ماهو شخصي سياسي. ربما سأخبرك في وقت آخر عن السبب الحقيقي وراء حلمي هذا لكن يمكنني أن اذكر لك على عجالة محاولتي التي قد تكون متأخرة للخروج من أسار فحولة اللغة وإشكالية اللفظ والمعنى وان أكون ذات لا موضوع حسب. لم أخبرك من قبل إنني واظبت مدة عام تقريبا على تسجيل كل استطعت مشاهدته أو قراءته أو سماعه من وسائل الإعلام العربية والأجنبية المختلفة منذ آذار 2003 حتى انتابني الإعياء واليأس والشعور بالعبث لكل ماحدث ويحدث .. أعلنت بعدها تمردي على القلم والكتابة بكل أنواعها تماما مثلما كنت قد فعلت لبضع سنوات سبقت الحرب الأخيرة ( ترى هل ستكون الأخيرة؟ ) ولكي أخفف من شعوري بالذنب إزاء ابنتي، كنت أخدع نفسي قائلة " سأتفرغ لكتابة كل شيء في وقت ما " ومرت الأيام ولم أفعل سوى التحديق بكرة الثلج وهي تتدحرج بسرعة لتأخذ معها كل شيء إلى الهاوية : الأرواح ، الذكريات ، الآمال والأحلام بوطن حر وسعيد وآمن ومزدهر ، وطن يسكن فيه الجميع ولا يسكن في الطائفة أو القبيلة . لقد أخذت كرة الثلج يا إياد حتى معنى الوطن والإحساس به.وها أنا الآن أتساءل مثل آخرين عن معنى الوطن وان كانت المواطنة تتناقض والديمقراطية .ماالذي كان يربطنا بالعراق ياإياد ؟ لماذا ذبحوا الديمقراطية في العراق وجعلوا الإحساس بالوطن مقترنا بالديكتاتورية ؟ تساؤلات لاحصر لها أعرف إجاباتها لكني مثل غيري أؤجل الإفصاح عنها لئلا ينقطع أخر خيط يربطني بالمكان ومحبته . قبل أن نعود كتبنا إليك زوجي وأنا رسالة سريعة وأجبتنا برسالة دافئة أفصحت فيها عن أشياء لم تذكرها سطورك . وربما حاولت الهروب مما أنتابك من قلق عبر الطلب منا نقل تحياتك إلى أناس تعرفهم . لم أفعل مثلما لم أحقق طلب صديقة رائعة بالكتابة إليها عن مشاهداتي في العراق أو ماتبقى منه . لايمكن أن اصف مشاعري منذ دخول السيارة بوابة طريبيل ، الطريق إلى بغداد وووووووسأخدع نفسي وأقول سأكتب عن هذا في يوم ما . فما رأيته وما أراه منذ ذلك اليوم عصي على الوصف وغير قابل للتصديق يسخر من واقعية ماركيز السحرية وسريالية كل سرياليو الكون . لم يغمض لي جفن طوال الطريق وكنت أحاول أن أرى بعيني وبقلبي – على حد تعبير ابنتي عندما تبحث عن شيء فقدته - عندما وصلنا منزل الأسرة لم أفعل سوى توجيه الأسئلة والإصرار لمعرفة كل شيء وأن كان عابرا أو هامشيا من وجهة نظرهم .كانوا يضحكون عندما أخبرهم بأنني كنت أتابع كل مايحدث في العراق يوما بيوم بما في ذلك درجة الحرارة وسعر كيلو الطماطة . عدت بصناديق من الكتب والأوراق والقصاصات والسهاد . حركت إبرة المذياع بحثا عن أخر الأخبار ... قلبت الفضائيات وصحف اليوم . لم تعد طفلتي تحتمل المزيد من الصبر والصمت الذي أفرضه عليها عندما أتابع الأخبار فتساءلت بجزع : " ماما مو إحنا بالعراق .......شتسوين بأخبار العراق ؟ " منذ تلك اللحظة تحررت من الفضائيات والسهاد وبدأت أنام على صوت السمتيات والطائراتالمقاتلة واهتزاز البيت ونوافذه بفعل قذائف الهاون وانفجار السيارات المفخخة . أخي إيــــاد .. سألتني إن كان بمقدورك نشر سطوري أو هذياناتي . لك هذا ولي أن أعود إلى أسمي القديم المستعار ( سارة يوسف ) . لم تكن تعرف من قبل إنني صاحبة ذلك الاسم وربما لاتتذكره . لقد مضى زمن طويل على ظهور ذلك الاسم واختفاءه . على أية حال لايعرف صاحبة هذا الاسم سوى بضعة أشخاص . كنت استخدمه عندما تستهويني مقالة أو نص جميل كتب في لغة أخرى لاتحتمل جرأته ذكورية وسطنا الثقافي . كنت أخشى تأويلات المثقفين وأدعياء الثقافة( وهم كثر ) وخيالهم المريض الذي يحاسب المرأة ليس على ماتقوله أو تكتبه حسب بل حتى على اختيارها لمنتوج ينتمي إلى ثقافة أخرى.كنت أحاول تجنب مبضع التشريح والتجريح المتأهب لقطع أوردة وشرايين أي أنثى سواء خضعت لشروط الوسط وأنساق ثقافته الذكورية أو حاولت التحرر منها لتكون ذات وليست مجرد موضوع . في عام 1986 قرأت مقالة لناقدة غربية عن سيمون دوبوفوار أثارت إعجابي حتى أني احتفظت بها بضع سنوات . وكنت كلما أقوم بترتيب أرشيفي وتشذيبه لا أجرؤ على التخلص منها . في يوم ما حزمت أمري وترجمت المقالة وكانت سارة يوسف منقذتي من تقولات رواد مقهى حسن عجمي وتلميحاتهم الجنسية الموتورة . كانت سارة منقذتي في عدة مواقف بما في ذلك موقف لم أحاول أن أكون فيه بطلة . أتذكر أنني ترجمت حوارا أجري مع فيلسوف فرنسي تحدث فيه عن مواصفات الديكتاتور وكيف يسير في الأمور حتى قاع الهاوية . ظهرت المقالة في اليوم الأول لغزو الكويت أكثر من ستة عشر عاما مضت على ظهور سارة يوسف التي تخيلتها وأنا أمنحها أسمها سيدة متقدمة في العمر اختارت أن تعيش في عالم صنعته بنفسها بعد أن ضاقت ذرعا بالخارج الموبوء بالنفاق والشائعات وبأدعياء معرفة همهم الأوحد العثور على من يضع تسعيرة حريتهم التي لا يمتلكونها أساسا. تخيلتها نحيفة تضع نظارات طبية تتساءل كلما تأملت رفوف مكتبتها إن كانت ستعيش لقراءة كل ماحلمت بقراءته .تمسك كتابا برفق وتنظر إليه مليا وتشم رائحة الحبر الطازج المنبعثة منه بفرح مثلما نشم بسعادة رائحة الخبز لحظة خروجه من التنور وهي تلوح لنا بوعد بالمتعة لاينتهي مع تذوقنا لرغيف ملتهب .تقلب سارة أوراق كتابها الجديد...تتوقف عند عناوينه الفرعية ثم تضعه على طاولة الكتابة لتلتقط أخر وتفعل الشيء نفسه . أستطيع التحدث عن سارة أيام وأسابيع وأشهر وربما عمر مادمت قادرة على الحلم..... كل ماعلي القيام به هو تحميلها أحلامي وتصوراتي لما أريد أن أكون . أعود اليوم لسارة لكي أختبئ خلفها في زمن تعددت منابره !! لم أعد غضة وهشة تخشى قراءات نفسية أو جنسية نابعة من بنية ثقافة فحولية لاترى في المرأة سوى جسد قابل للغواية والإغواء لكني لا أريد أن أكون مثل شمس الدين الموسوي أو ضرغام هاشم . فمازال الكلام والكتابة كمن يكتب وصية . لا أريد أن أكون بطلة تراجيدية في مسرحية مسخ يكتبها أطراف عدة بدماء العراقيين. مازلنا على الحال الذي كنا عليه من قبل من حيث الجوهر وعلى حد التعبير العراقي الشائع " راح عباس إجه أبو إخضير " لكن إخضير هذه المرة ليس وحيد أباه ولديه أكثر من أخ توأم يتماثل معهم مثلما يتماثلون معه روحا ومصالح وإن ا اختلفوا في الزى وطريقة الكلام. كان يمكن أن اختار أسما مستعار أخر غير أن سارة حققت لي ومن دون جهد مواصفات الاسم في درجة الصفر. .. أسم لا يحيل إلى ديانة أو مذهب أو طائفة أو قومية أو عشيرة أو مدينة أو قرية أو محلة. شكرا لسارة العراقية في الماضي والحاضر والمستقبل ..... شكرا لها لمساعدتي على البوح من دون خوف . |