|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
10 كانون ثاني 2007 |
|
سيكولوجيا عراقية - قراءة نفسية في هموم الناس والوطن
كتابات - أ.د. قاسم حسين صالح رئيس الجمعية النفسية العراقية الطبعة الاولى - 2006
المحتويات القسم الأول : في هموم الناس والوطن 1 . حلم في ليلة مفخخة ............................................ 2 . الطاعة وجرائم السلطة ........................................ 3 . الديمقراطية أم البترول ........................................ 4 . الحكومة والبحث عن اليقين ................................... 5 . أغلقي عينيك وفكري في أنجلترا ............................. 6. السلامة العقلية للمسؤول الأول في الدولة ..................... 7. شيزوفرينيا ....................................................... 8. اختيار أول رئيس كردي للعراق .............................. 9 . السيد رئيس الجمهورية ... مع التحية ........................ 10 . كردي ما اعرف عربي نازانم ............................... 11 . حصة العراقي بالنفط والدستور ............................. 12 . من للعراقيين المصدومين نفسيا ؟ .......................... 13 . الارهاب بعيون أخر ( 1 ) ................................. 14 . الارهاب بعيون أخر ( 2 ) ................................. 15 . الاجتثاث والارهاب ......................................... 16 . العنف والشخصية العراقية ( 1 ) ......................... 17 . العنف والشخصية العراقية ( 2 ) ......................... 18 . العنف والشخصية العراقية ( 3 ) ......................... 19 . الاحلام .. من فرويد الى الحاج عودة ..................... 20 . كلنا متعصبون وعصابيون ايضا ! ....................... 21 . لجنة صياغة الدستور ووزارة البيئة ...................... 22 . وزارة التربية .. مع التحية ................................ 23 . 10 % فقط نزيهون في العالم ! ......................... 24 . مرض الكراهية ............................................. 25 . اعمار الضمير .............................................. 26 . سيكلوجية السلطة والشاعر ............................... 27 . انترنت في بلد العجائب ................................... 28 . ما لا نعرفه عن الدماغ العراقي .......................... 29 . اي نوع من الحب نعيشه ؟ .............................. 30 . امتثال ام نفاق عراقي .................................... 31 . العراقي وسيكلوجية الرمز ............................... 32 . العربي والهوس بالسلطة ................................. 33 . العرب اكثر الشعوب اصابة بالشيزوفرينيا ............ 34 . الحول الادراكي في العقل العربي ...................... 35 . رذائل الشعوب ............................................ 36 . احقا اننا خير أمة ؟ ! ..................................... 37 . كلوبل أم الحكومة ؟ ...................................... 38 . الثقافة وعلم نفس الشاشة ................................ 39 . اللهمّ عجرم نساءنا ........................................
القسم الثاني : مقالات واوراق
* الشخصية الكردية بين الهوية التأريخية والسمات المرحلية * صياغة ثقافة الارهاب * في سيكولوجية العنف والعدوان * التعصب والصور النمطية في المجتمع العراقي (مدخل لثقافة السلام) * أستقطاب الكفاءات العلمية ورعايتها * السيد بريمر .. نصيحة نفسية
القسم الثالث : بحوث ميدانية
* أساليب تنشئة الامهات لأطفالهن في مدينة بغداد وضواحيها * الحزن المرضي .. والشخصية العراقية
القسم الأول في هموم الناس والوطن
حلمٌ في ليلة مفخخة !
أخذت حبة فاليوم ووضعت القطن في أُذنيًّ بعد انفجار السيارة الثالثة في يوم واحد بالمنطقة التي اسكن فيها . ورحت أغط في نوم عميق، فرأيت شيخا بلحية بيضاء يتكلم بالفصحى ببلاغة وطلاقة يزيدانه وقارا . نظر إليّ مشفقا وسألني : * أراك مهموما يا ولدي ...قل لي ما بك فأنا جدك . شعرت بالحاجة إلى أن ألقي بنفسي في حضنه، فسبقني إلى ذلك وعاد يسألني : * ما بك يا بنيّ ؟ - لست أنا بل بغداد يا جدي . فحالها خراب ... لا أهل ولا أحباب، أهانها أراذل الناس وأذلّها الأغراب، ... وقاطعني : * إن الذي تعيشونه الآن يا بني قد لا يساوي شيئا من الذي عشناه . وعذرت جدي أنه لم يعرف بالذي أصابنا من ثلاثة حروب مجنونة، ولا بما فعلته بنا الشبح والتورنيدو وبي 52 وصواريخ كروزو من رعب ودمار . ولا سمع بما تفعله بنا السيارات المفخخة والعبوات والأحزمة الناسفة للبشر، والقتل في الجوامع والبيوت والشوارع . وتابع يقول : * في عهد الأمين يا بني، أحاط ببغداد جيشان مهولان وحوصرت لثمانية عشر شهرا . ونُصبت المجانيق . وكثُر فيها سفك الدماء والتهديم والتحريق . وظهر فيها الشُطّار والعّيارون والزّعار والدّعار والحرافيش، يسلبون وينهبون ... ضحكت وقلت : - الآن فهمت . هذا يعني أن لهم أجدادا ! * من تقصد يا بني ؟ - الحواسم يا جدي . * صحيح . لكنك قد لا تدري أن شعار عياريّ أيام زمان أمثال الزيبق والطقطقي كان ( الثورة على السلطة وأصحاب المال ) . وأنهم كانوا يشكّلون بطولة خارج القانون، وأصحاب مرؤة وليس مثل حواسمكم ينهبون الوطن والناس ويهتكون اعراض العذارى . وخجلت أن أقول له أن بعد الحواسم ظهرت جماعة اسمها ( النوادم ) ندموا، بعد ما رأوا، أنهم ما كانوا من الحواسم . وتابع يقول : * ولمئة سنة، رأينا جهنم بأعيننا . فعندما وجد الخليفة ( المستعين ) أن أهل بغداد لا ينتهون من فتنة إلا إلى أخرى أراد الانتقال منها إلى سامراء فحاصروه . وفرّ بعد سنة فوقع أسيرا بيد أعدائه، فاستنزلوه عن الخلافة ... وقتلوه ! .وساد العراق هرج ومرج . وعلّقت قائلا : - وطبعا سلب ونهب وفرهود وعيّارون وحواسم . * أما أمر هولاكو فمعروف لديكم كيف استباح بغداد ولم يسلم لحم شيوخها ونسائها وأطفالها من سيوف جنده . ولكنكم قد لا تعرفون أن بغداد حكمها ثلاثة عشر ملكا من أحفاده، كان من أواخرهم ( أرغون ) ... سفّاح طاغية أرهق أهل بغداد عسرا وأوسعهم ظلما . ولا تعلمون أن في أواخر حكمهم حدث غلاء في بغداد اضطر أهلها إلى أكل الجيف، وباع الفقراء أطفالهم ليشتروا بأثمانهم خبزا . وقد لا تعلمون أن تيمورلنك عندما غزا بغداد استحلها واستباح أهلها أسبوعا كاملا اقترف فيها جنده من المنكرات ما لا تصدقه عقولكم . وقد لا تعلمون أن جاهنشاه حاصر بغداد سنة ونصف، وأن ابنه – حاكمها وعدّوه – نهب ما عند أهلها ثم طردهم خارج سورها . واظنكم لم تسمعوا بـ ( البريدي ) الذي اضطر الخليفة إلى أن يهرب من بغداد إلى الموصل، ويحتل بغداد ليذيق أهلها من العسف والنهب والتدمير وهتك الحرمات ... وأيقظني صوت مدفع هاون مع الفجر، فطار كل ما بقي من الحلم إلا سؤال واحد :
لماذا، لألف عام، يحصل هذا لبغداد ؟! .
الطاعة...وجرائم السلطة
في محاكمته بعد انهيار الحكم النازي في ألمانيا بشأن المذابح الجماعية التي شارك فيها، أنكر ( ايخمان ) قتل أي إنسان، ولكنه أكد بفخر شديد أنه نقل ملايين البشر الى حتفهم بحماسة ودقة كبيرين . ويشير عالم النفس الاجتماعي (هيرش ) إلى ملاحظة ذكية فحواها أن جرائم الإبادة الجماعية(Genocide)، وهو مصطلح ظهر عام 1944، والعديد من الجرائم التي ارتكبت بحق الإنسانية، إنما ارتكبت باسم الطاعة . إن تاريخ السلطات في كل المجتمعات يشير إلى أن الأفراد الذين يستلمون التعليمات ممن يحتلون مواقع السلطة ينصاعون لتنفيذ تلك التعليمات . وأنه نجم عن هذه الطاعة العمياء مشكلات خطيرة في التاريخ الإنساني، أحدثها في العراق، وقبلها في : أرمينيا، وأوكرانيا، ورواندا، وكمبوديا، والبوسنة،... وقبلها ألمانيا وفضائع الحرب العالمية الثانية . ففيها يذكر (ملغرام)،أشهر باحث في ميدان الطاعة،(( تعرض ملايين الناس للقتل انصياعا للأوامر، وتم إعدام أفواج متتالية من البشر. وإذا كان صحيحا أن هذه السياسات الوحشية تفتقت عن ذهن شخص واحد بعينه، إلا أنه لم يكن بالمستطاع تنفيذها على هذا النطاق الواسع لولا خضوع عدد كبير من الأشخاص للأوامر)) . والسؤال : ما العمليات النفسية والاجتماعية التي تجعل الفرد يقوم بارتكاب هذه الجرائم بضمنها الإبادة الجماعية؟ الباحثون يضعون (( منح الصلاحية )) للفرد ليتصرف باسم السلطة، في المقدمة . ففيها يشعر أن ما يرتكبه من أفعال يتم بتوجيه من السلطة المخولة وليس بدافع منه . أي أنه يشعر بحالة (( الإنابة )) التي تعني أنه يطيع الأوامر من سلطة أنابته لتنفيذها . وهذا ما سوف نسمعه من مرتكبي الجرائم في النظام السابق، فكل واحد منهم سيقول في المحاكمة الموعودة : (( إنني كنت أنفذ الأوامر فحسب )) .أي أنه غير مسؤول عن نتائج إطاعته الأوامر . ويبدو أن توزع المسؤولية بين عدد كبير من الناس هو العامل الحاسم في الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية . والعملية الثانية التي تسهل للفرد ارتكاب الجرائم الجماعية باسم السلطة هي (( الروتينية )) التي تعني عنده أن القتل مهمة مطلوبة يتوجب عليه القيام بها . فيما تتمثل العملية الثالثة بتجريد الإنسان من إنسانيته بأن ينظر مرتكب الجريمة إلى ضحاياه نظرة تجردهم من قيمتهم بوصفهم بشرا، ليفلت من الضوابط الأخلاقية التي تمنع القتل . والتساؤل: ما الذي يمنع أن تتكرر جرائم القتل من قبل السلطة الحالية والتي ستليها في حكم العراق؟. إن الواقع يشير – أو هكذا أرى في تحليلي - أن إمكانية وقوعها ( إبادة جماعية، أو قتل في أقبية الأمن والمخابرات، وقد فاحت بدايات رائحتها ...) أكثر احتمالية من عدم وقوعها . ذلك أن العاملين في السلطة الجديدة ومن سيأتي بعدها، ورثوا آلية سيكولوجية هي الطاعة العمياء لتنفيذ أوامر السلطة . بل أنك تجدها حتى في أحزابنا السياسية داخل السلطة وخارجها، فجميعها تعتمد مبدأ ( نفّذ ثم ناقش ) . وجميعنا لم نتعلم بعد متى نتمرد على السلطة ونعصي تنفيذ أوامرها، ولم يتثقف الناس بعد بمخاطر الطاعة العمياء. وثمة نافلة لها دلالة، أن المؤرخين للحرب العالمية الثانية طرحوا فرضية مفادها أن الألمان يختلفون عن بقية الشعوب بكونهم يعانون من خلل أخلاقي يجعلهم مستعدين لطاعة السلطة دون تساؤل، وأن هذا الخلل هو الذي أتاح لهتلر الفرصة لشن حربه المجنونة على العالم . . ولقد أثبتت الدراسات العلمية الخاصة بطبيعة الشخصية البشرية أن هذه الفرضية خاطئة تماما. وعن الطبري، أن الوليد بن عبد الملك، حين قرر بناء الجامع الأموي في دمشق، أمر أن يأتيه كل رجل بلبنة واحدة، ففعلوا إلا رجلا كان يأتيه بلبنتين، فسأله : من أين أنت ؟ قال : من العراق . فقال الوليد : تفرطون في كل شيء حتى الطاعة. ! وقد تكون هذه الفرضية خاطئة أيضا . إلا أنه من المؤكد أن الإنسان العادي، أيا كان ومن أي شعب كان، يمكن أن يرتكب أبشع الجرائم، إذا كان منفّذا لأوامر السلطة بطاعة عمياء . والمصيبة أن بيننا من هذا الصنف ..كثر .
البترول... أم الديمقراطية
كلما قرأت عن البترول ازددت يقينا بأننا متخلفون في فهمنا لحقيقة الأمور بمقدار نصف قرن عن اقراننا في الغرب من ذوي التفكير المتوسط، دع عنك الشياطين في الذكاء، واليكم الدليل : في (10) أيلول عام (1943) رفع ( هارولد ايكس ) المختص بشؤون البترول تقريرا الى الرئيس الامريكي ( روزفلت ) جاء فيه : إن الحضارة مرت بأربعة عصور هي : الحجري، والبرونزي، والحديدي، وأخيرا عصر البترول . وأن امريكا من دون البترول لا يمكن أن تكون بالشكل الذي هي عليه . وفي الاربيعينات ايضا، وتحديدا عام (1945) قال ( جورج والدن ) رئيس شركة بترول امريكية كبرى : إن ادارة شؤون االبترول تختلف عن ادارة شؤون اية سلعة اخرى، من حيث ان 90% منها سياسة و 10% منها بترول ! . واضاف ما صار بعد ذلك نبوءة : اذا كان الأمر يحتم على امريكا أن تدير شؤون البترول في العالم، فإن عليها ان تفعل ذلك حتى خارج حدود سيادتها الاقليمية، وخارج القانون الدولي إن تطلب الأمر . وكان البترول هو الذي أنطق لسان امريكا لتقول لحكومة التاج البريطاني قبل نصف قرن : ((كش ملك)) فأزاحتها من هيمنتها على بترول العرب . وفي ذلك قال رجل القرن العشرين البريطاني (( تشرشل )) : (( إنني مضطر الى أن اصارحك القول (يخاطب روزفلت) بأن سياسة الولايات المتحدة بشأن بترول الشرق الأوسط تبدو لنا في مجلس الوزراء البريطاني محاولة لأن ترثوا تركة رجل ما يزال على قيد الحياة !)). وكانت الخطوة الحاسمة لأمريكا أن قامت بتصفية ثورة مصّدق عام (1953)، فأخذت شمس بريطانيا بالغروب وبدأت شمس أمريكا بالطلوع على بترول الشرق الأوسط . وصار القرن العشرون – كما وصفه بوش الأب - قرنا أمريكيا . وحّمل إبنه ( أمانة) أن يكون القرن الواحد والعشرون امريكيا ايضا، وقد وفّى الأبن وكفّى، وسيحّمل الأمانة لمن بعده في لعبة بريد الى أن يجف البترول في العالم . ومنطق السياسة يقول، إن الدولة الأقوى في العالم لا تضمن ديمومة تفردها إلا بضمان ديمومة سيطرتها على البترول . وما دام حكام العرب بين : لاهون وساهون ومقامرون وطائشون ومهوسون بالجنس وملء البطون ..فلا بأس أن تعيش الدولة الأولى في العالم على بترولهم نصف قرن آخر سيصل فيه سعر البرميل الواحد مائة دولار في عشرته الأولى!. كل ذلك منطقي من حيث تفكير دولة عظمى، برغم أنه صار لا أخلاق في السياسة . ومنطقي ايضا أن تقولوا لنا ياسادة ياكرام : إنكم أطحتم بأعتى دكتاتور واقسى طاغية . وأن على الانسانية أن تقول لكم ( شكرا )، وعلى العراقيين أن يرفعوا لكم (عكلهم- جمع عقال ) . كل ذلك منطقي، لكن أن تقولوا لنا إن عملكم هذا كان من أجل الديمقراطية، وأن تضحياتكم كانت لسواد عيون العراقيين، فهذا قول ما عاد يصدّقه حتى السفهاء . قولوا : نعم جئنا من أجل البترول، وضربنا مائة عصفور بحجر واحد وما فلت منها واحد، و(هنيئا لكم وبالعافية عليكم. ( قولوها ولا تخجلوا، فالعراقيون صاروا على يقين بأنكم لن تأخذوا من البترول ما أخذه الدكتاتور، ولن تهدروه كما هدره . خذوا منه حتى النصف، فالعراقين مقتنعون من ألف عام بأن ((منهوب النص ما هو منهوب))!. نكرر، خذوا من البترول ما شئتم ايها السادة . ولكن أن تكرروا القول على الناس بأنكم فعلتم ذلك من أجل الديقراطية، فأنهم سيصبون النفط عليها ويحرقونها .
الحكومة .. والبحث عن يقين
الحقيقة السيكولوجية الأولى التي تشغل الانسان، وشغلته منذ خلق، هي البحث عن يقين فيما يخص وجوده ومصيره وما يحيط به من أمور. والمفارقة، أن أوضح وأريح يقين خبره الانسان في تاريخه، ليس حين صار عالما ومتحضرا، انما ايام كانت علاقته محصورة بالطبيعة قبل آلاف السنين . فقد كان يعرف أحوالها، وتقلبات مزاجها، وكيف يتعامل معها . وفيهالم يكن يعرف حدودا لسكناه أو ممارسة نشاطاته . والأهم من ذلك، أنها كانت صادقة معه، لا تكذب عليه، ولا تخدعه بأوهام، ولا يخاصمها حتى في أشد حالات غضبها عليه . وب( اختراع ) السلطة، أنتقل بحث الانسان عن اليقين من الطبيعة الى السلطة . أعني أن وجوده ومصيره وما يخصه من أمور، صارت بيد السلطة . ومن هنا بدأ الانسان يتلقى الصدمات ويعاني أفدح خيباته وأوجع نكباته . وكانت أقسى اوجاعه النفسية عليه أنه صدّق بخدعة ما كان ينبغي أن تمّر عليه حتى في أشد حالاته سخفا وحماقة . فكل سلطة تأتيه كانت تزقّه بيقين يتبين له بعد فوات العمر أنه وهم ليس إلا. فالسلطة في الاتحاد السوفياتي وأوربا الشرقية - في سبيل المثال- وعدت إنسانها باجمل ما في الانسانية من قيم...العدالة. واوحت له بأن يكون يقينه بها كيقينه بأن الشمس تشرق غدا . وإذا بكل السلطة تنهار في زلزال، وكانت نار ذلك الزلزال هو ) يقين ) العدالة الذي كان وهما. وفي عالمنا العربي، كانت السلطة قد وضعت يقين الناس في ( القومية ) وإذا بهذا اليقين الذي حقنت به عقول الملايين من مئات السنين، ينهار ويتطاير في ستة أيام بنكسة أوجع خجلا من العار !. وهنالك سلطات في مكان آخر من عالم قريب منا، التجأت الى الدين في تطمين الناس) بيقين )، فكان ما كان مما نحن نعرفه من خذلان للانسان والدين معا . وغسل الناس أيديهم – هنا – من القومية، و- هناك - من الدين . وكان آخر يقين سوّق الينا هو (الحرية )، وأغلب الظن أن الناس سيغسلون أيديهم منها بعد أن ينتهي التبشير بها ويكتشفون يقينها وهما . وكانت آخر سلطة حكمتنا متخبطة ب( يقينات ( بين القومية والاشتراكية والدين على طريقة ( عبد الله المؤمن ) الذي أثبت بالدليل المشهود أن إيمانه عميق عمق مقابره الجماعية !. وكان يقين السلطة السابقة بنفسها أنها تمتلك من القوة ما يبقيها الى الأبد، أو الى أحفاد السلطان في الأقل . والمصيبة ان عقل السلطة عندنا يخترع وهما بهيأة يقين ثم يصدّقه على طريقة جحا. وإلا لو كانت( السلطة السابقة ) تدرك أن يقينها وهم فلما حلّت بها كارثة، الموت بها أهون من تعفّن صاحبها في حفرة وفضيحيه أمام الناس الذين كان يزقهم ب (يقينات ) آخرها : تحطم الغزاة على أسوار بغداد . والحقيقة السيكولوجية المرتبكة التي يعيشها العراقيون االيوم، هي أن السلطة ليس لديها ( يقين ) تعد الناس به . بل أنها هي نفسها لا تملك يقينا بشأن نفسها . فهل هي – في سبيل المثال – اسلامية أم علمانية ؟ وهل لديها يقين بهوية العراق ما اذا كان سيبقى عربيا أم سيجري تمييعها ؟ وهل ستظل (الحكومة ) في صراع مع اسرائيل أم تتحول الى مغازلتها ؟ وكل غزل في البدء يكون على استحياء !. ما نأمله من الحكومة الجديدة، التي يتمنى عليها العراقيون أن تخرجهم من المحنة، أن لا تعد الناس بما هو ليس يقينا، كما فعلت في أول يوم لها حين سوقت لهم ( يقينا ) بأنها ( حكومة وحدة وطنية ) . ولا تسوّق لهم وهم ( الحرية ) و ( الديمقراطية ) كيقين . فأغلب الظن أن الناس سيغسلون أيديهم منهما كما غسلوها من ( القومية ( وأخواتها . والأهم من ذلك أن تغتسل السلطة ( الحكومة ) من أوهام تخصها وتحسبها يقينا، في مقدمها : أن تخاطب الناس ب(يقين ) أن زمام الأمور بيدها وحدها، فتكون بذلك في وهم مبين.!
أغلقي عينيك وفكري في أنجلترا
في أواخر سبعينات القرن الماَضي، عرضت في لندن ولعشر سنوات من دون انقطاع مسرحية بعنوان : (اغلقي عينيك وفكري في انجلترا) . خلاصتها، أن أحد اللوردات يدعو أحد شيوخ البترول الكبار(عربي طبعا) الى وليمة عشاء . وكان هذا اللورد رئيسا لمجلس ادارة شركة بترول كبرى . وعمالقة البترول – كما تعلمون-عمالقة السياسة في الوقت نفسه. وعلى عادة الانكليز الذين يتمتعون بعقل استخباراتي حتى في الامور الاجتماعية، يقوم اللورد بجمع المعلومات عن ما يحبه الشيخ من أكل وشراب ...والأهم عن مزاج الشيخ في النساء، الذي أفادته المعلومات بأنه يحب الشقراوات، و(جزعانة) نفسه من السمراوات . وبأسلوب اللورد المهذب!، يلمّح لزوجته بأن يكون بين المدعوات شقراوات (بموديلات) تناسب ذوق العربي في المرأة، وأن تراقبه عن بعد وترصد نظراته . واذا استقرت على واحدة تعجبه فما عليها سوى أن تقوم بتقديمها وتترك له الفرصة، فالعربي خبير بهذه الأمور، واشطن من ابليس في سرعة الاقناع ..اقناع النساء طبعا، فكيف اذا كانت فيه رائحة نفط أيضا ! . وتجري أحداث المسرحية بين الويسكي الاسكتلندي المعتق، والسيكار الكوبي المعّفر، والعطور الفرنسية التي تقدح زناد الغرائز...وشيخ البترول هو شيخ (القعدة)..وسلطان زمانه ...يداعب |