الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

10  كانون ثاني 2007

ابحث في كتابات

 

سيكولوجيا عراقية - قراءة نفسية في هموم الناس والوطن

 

كتابات - أ.د. قاسم حسين  صالح

رئيس الجمعية النفسية العراقية

الطبعة الاولى - 2006

 

المحتويات

القسم الأول : في هموم الناس والوطن

1 . حلم في ليلة مفخخة ............................................

2 . الطاعة وجرائم السلطة ........................................

3 . الديمقراطية أم البترول ........................................

4 . الحكومة والبحث عن اليقين ...................................

5 . أغلقي عينيك وفكري في أنجلترا .............................

6. السلامة العقلية للمسؤول الأول في الدولة .....................

7. شيزوفرينيا .......................................................

8. اختيار أول رئيس كردي للعراق ..............................

9 . السيد رئيس الجمهورية ... مع التحية ........................

10 . كردي ما اعرف عربي نازانم ...............................

11 . حصة العراقي بالنفط والدستور .............................

12 . من للعراقيين المصدومين نفسيا ؟ ..........................

13 . الارهاب بعيون أخر ( 1 ) .................................

14 . الارهاب بعيون أخر ( 2 ) .................................

15 . الاجتثاث والارهاب .........................................

16 . العنف والشخصية العراقية ( 1 ) .........................

17 . العنف والشخصية العراقية ( 2 ) .........................

18 . العنف والشخصية العراقية ( 3 ) .........................

19 . الاحلام .. من فرويد الى الحاج عودة .....................

20 . كلنا متعصبون وعصابيون ايضا ! .......................

21 . لجنة صياغة الدستور ووزارة البيئة ......................

22 . وزارة التربية .. مع التحية ................................

23 . 10 % فقط نزيهون في العالم  ! .........................

24 . مرض الكراهية .............................................

25 . اعمار الضمير ..............................................

26 . سيكلوجية السلطة والشاعر ...............................

27 . انترنت في بلد العجائب ...................................

28 . ما لا نعرفه عن الدماغ العراقي ..........................

29 . اي نوع من الحب نعيشه ؟ ..............................

30 . امتثال ام نفاق عراقي ....................................

31 . العراقي وسيكلوجية الرمز ...............................

32 . العربي والهوس بالسلطة .................................

33 . العرب اكثر الشعوب اصابة بالشيزوفرينيا ............

34 . الحول الادراكي في العقل العربي ......................

35 . رذائل الشعوب ............................................

36 . احقا اننا خير أمة ؟ ! .....................................

37 . كلوبل أم الحكومة ؟ ......................................

38 . الثقافة وعلم نفس الشاشة ................................

39 . اللهمّ عجرم نساءنا ........................................

 

القسم الثاني : مقالات واوراق

 

*  الشخصية  الكردية  بين  الهوية  التأريخية  والسمات  المرحلية

*   صياغة ثقافة الارهاب

*  في سيكولوجية العنف والعدوان

*  التعصب والصور النمطية في المجتمع العراقي

(مدخل لثقافة السلام)

*  أستقطاب الكفاءات العلمية ورعايتها

*  السيد بريمر .. نصيحة نفسية

 

القسم الثالث : بحوث ميدانية

 

*  أساليب تنشئة الامهات لأطفالهن

في مدينة بغداد وضواحيها

*  الحزن المرضي .. والشخصية العراقية

 

القسم الأول

في هموم الناس والوطن

 

حلمٌ في ليلة مفخخة !

 

أخذت حبة فاليوم ووضعت القطن في أُذنيًّ بعد انفجار السيارة الثالثة في يوم واحد  بالمنطقة التي اسكن فيها . ورحت أغط في نوم عميق، فرأيت شيخا بلحية بيضاء يتكلم بالفصحى ببلاغة وطلاقة يزيدانه وقارا . نظر إليّ مشفقا وسألني :

* أراك مهموما  يا ولدي ...قل لي ما بك فأنا جدك .

شعرت بالحاجة إلى أن ألقي بنفسي في حضنه، فسبقني إلى ذلك وعاد يسألني :

* ما بك يا بنيّ ؟

- لست أنا بل بغداد يا جدي . فحالها خراب ... لا أهل ولا أحباب، أهانها أراذل الناس وأذلّها الأغراب، ...

وقاطعني :

* إن الذي تعيشونه الآن يا بني قد لا يساوي شيئا من الذي عشناه .

وعذرت جدي أنه لم يعرف بالذي أصابنا من ثلاثة حروب مجنونة، ولا بما فعلته بنا الشبح والتورنيدو وبي 52  وصواريخ كروزو  من رعب ودمار . ولا سمع بما تفعله بنا السيارات المفخخة والعبوات والأحزمة الناسفة للبشر، والقتل في الجوامع والبيوت والشوارع . وتابع يقول :

* في عهد الأمين يا بني، أحاط ببغداد جيشان مهولان وحوصرت لثمانية عشر شهرا . ونُصبت المجانيق . وكثُر فيها سفك الدماء والتهديم والتحريق . وظهر فيها الشُطّار والعّيارون والزّعار والدّعار والحرافيش، يسلبون وينهبون ...

ضحكت وقلت :

- الآن فهمت . هذا يعني أن لهم أجدادا !

* من تقصد يا بني ؟

-  الحواسم يا جدي .

* صحيح . لكنك قد لا تدري أن شعار عياريّ أيام زمان أمثال الزيبق والطقطقي كان ( الثورة على    السلطة وأصحاب المال ) . وأنهم كانوا يشكّلون بطولة خارج القانون، وأصحاب مرؤة وليس مثل حواسمكم ينهبون الوطن والناس ويهتكون اعراض العذارى .

وخجلت أن أقول له أن بعد الحواسم ظهرت جماعة اسمها ( النوادم ) ندموا، بعد ما رأوا، أنهم ما كانوا من الحواسم . وتابع يقول :

* ولمئة سنة، رأينا جهنم بأعيننا . فعندما وجد الخليفة ( المستعين ) أن أهل بغداد لا ينتهون من فتنة إلا إلى أخرى أراد الانتقال منها إلى سامراء فحاصروه . وفرّ بعد سنة فوقع أسيرا بيد أعدائه، فاستنزلوه عن الخلافة ... وقتلوه ! .وساد العراق هرج ومرج .

وعلّقت قائلا :

- وطبعا سلب ونهب وفرهود وعيّارون وحواسم .

* أما أمر هولاكو فمعروف لديكم كيف استباح بغداد ولم يسلم لحم شيوخها ونسائها وأطفالها من سيوف جنده . ولكنكم قد لا تعرفون أن بغداد حكمها ثلاثة عشر ملكا من أحفاده، كان من أواخرهم    ( أرغون ) ... سفّاح طاغية أرهق أهل بغداد عسرا وأوسعهم ظلما . ولا تعلمون أن في أواخر حكمهم حدث غلاء في بغداد اضطر أهلها إلى أكل الجيف، وباع الفقراء أطفالهم ليشتروا بأثمانهم خبزا . وقد لا تعلمون أن تيمورلنك  عندما غزا بغداد استحلها واستباح أهلها أسبوعا كاملا اقترف فيها جنده من المنكرات ما لا تصدقه عقولكم . وقد لا تعلمون أن جاهنشاه حاصر بغداد سنة ونصف، وأن ابنه – حاكمها وعدّوه –  نهب ما عند أهلها ثم طردهم خارج سورها . واظنكم لم تسمعوا بـ ( البريدي ) الذي اضطر الخليفة إلى أن يهرب  من بغداد إلى الموصل، ويحتل بغداد ليذيق أهلها من العسف والنهب والتدمير وهتك الحرمات ...

وأيقظني صوت مدفع هاون مع الفجر،  فطار كل ما بقي من الحلم إلا سؤال واحد :

 

لماذا، لألف عام، يحصل هذا لبغداد ؟! .

 

الطاعة...وجرائم  السلطة

 

في محاكمته بعد انهيار الحكم النازي في ألمانيا بشأن المذابح الجماعية التي شارك فيها، أنكر ( ايخمان ) قتل أي إنسان، ولكنه أكد بفخر شديد أنه نقل ملايين البشر الى حتفهم بحماسة ودقة كبيرين . ويشير عالم النفس الاجتماعي (هيرش ) إلى ملاحظة ذكية فحواها أن جرائم الإبادة الجماعية(Genocide)، وهو مصطلح ظهر عام 1944، والعديد من الجرائم التي ارتكبت بحق الإنسانية، إنما ارتكبت باسم الطاعة  .

إن تاريخ السلطات في كل المجتمعات يشير إلى أن الأفراد الذين يستلمون التعليمات ممن يحتلون مواقع السلطة ينصاعون لتنفيذ تلك التعليمات . وأنه نجم عن هذه الطاعة العمياء مشكلات خطيرة في التاريخ الإنساني، أحدثها في العراق، وقبلها في : أرمينيا، وأوكرانيا، ورواندا، وكمبوديا، والبوسنة،... وقبلها ألمانيا وفضائع الحرب العالمية الثانية . ففيها يذكر (ملغرام)،أشهر باحث في ميدان الطاعة،(( تعرض ملايين الناس للقتل انصياعا للأوامر، وتم إعدام أفواج متتالية من البشر. وإذا كان صحيحا أن هذه السياسات الوحشية تفتقت عن ذهن شخص واحد بعينه، إلا أنه لم يكن بالمستطاع تنفيذها على هذا النطاق الواسع لولا خضوع عدد كبير من الأشخاص للأوامر)) .

والسؤال : ما العمليات النفسية والاجتماعية التي تجعل الفرد يقوم

بارتكاب هذه الجرائم بضمنها  الإبادة الجماعية؟

الباحثون يضعون (( منح الصلاحية )) للفرد ليتصرف باسم السلطة، في المقدمة . ففيها يشعر أن ما يرتكبه من أفعال يتم بتوجيه من السلطة المخولة وليس بدافع منه . أي أنه يشعر بحالة (( الإنابة )) التي تعني أنه يطيع الأوامر من سلطة أنابته لتنفيذها . وهذا ما سوف نسمعه من مرتكبي الجرائم في النظام السابق، فكل واحد منهم سيقول في المحاكمة الموعودة : (( إنني كنت أنفذ الأوامر فحسب )) .أي أنه غير مسؤول عن نتائج إطاعته الأوامر . ويبدو أن  توزع المسؤولية  بين عدد كبير من الناس هو العامل الحاسم في الجرائم التي ارتكبت ضد الإنسانية  .

والعملية الثانية التي تسهل للفرد ارتكاب الجرائم الجماعية باسم السلطة هي (( الروتينية )) التي تعني عنده أن القتل مهمة مطلوبة يتوجب عليه القيام بها . فيما تتمثل العملية الثالثة  بتجريد الإنسان من إنسانيته بأن ينظر مرتكب الجريمة إلى ضحاياه نظرة تجردهم من قيمتهم بوصفهم بشرا، ليفلت من الضوابط الأخلاقية التي تمنع القتل .

والتساؤل:  ما الذي يمنع أن تتكرر جرائم القتل من قبل السلطة الحالية  والتي ستليها في حكم  العراق؟.

إن الواقع يشير – أو هكذا أرى في تحليلي -  أن إمكانية وقوعها ( إبادة جماعية، أو قتل في أقبية الأمن والمخابرات، وقد فاحت بدايات رائحتها ...) أكثر احتمالية من عدم وقوعها . ذلك أن العاملين في السلطة الجديدة ومن سيأتي بعدها، ورثوا آلية سيكولوجية هي الطاعة العمياء لتنفيذ أوامر السلطة . بل أنك تجدها حتى في أحزابنا السياسية داخل السلطة وخارجها، فجميعها تعتمد مبدأ ( نفّذ ثم ناقش ) . وجميعنا لم نتعلم بعد متى نتمرد على السلطة ونعصي تنفيذ أوامرها، ولم يتثقف الناس بعد بمخاطر الطاعة العمياء.

وثمة نافلة لها دلالة، أن المؤرخين للحرب العالمية الثانية طرحوا فرضية مفادها  أن الألمان يختلفون عن بقية الشعوب بكونهم يعانون من خلل أخلاقي يجعلهم مستعدين لطاعة السلطة دون تساؤل، وأن هذا الخلل هو الذي أتاح  لهتلر  الفرصة لشن حربه المجنونة على العالم . . ولقد أثبتت الدراسات العلمية الخاصة بطبيعة الشخصية البشرية أن هذه الفرضية خاطئة تماما.

وعن الطبري، أن الوليد بن عبد الملك، حين قرر بناء الجامع الأموي في دمشق، أمر أن يأتيه كل رجل بلبنة واحدة، ففعلوا إلا رجلا كان يأتيه بلبنتين، فسأله  :  من أين أنت ؟  قال  :  من العراق . فقال الوليد :  تفرطون في كل شيء حتى الطاعة. !

وقد تكون هذه الفرضية خاطئة أيضا . إلا أنه من المؤكد أن الإنسان العادي، أيا كان ومن أي شعب كان، يمكن أن يرتكب أبشع الجرائم، إذا كان منفّذا لأوامر السلطة بطاعة عمياء . والمصيبة أن بيننا من هذا الصنف ..كثر  .

 

البترول... أم الديمقراطية

 

كلما قرأت عن البترول ازددت يقينا بأننا متخلفون في فهمنا لحقيقة الأمور بمقدار نصف قرن عن اقراننا في الغرب من ذوي التفكير المتوسط، دع عنك الشياطين في الذكاء، واليكم الدليل :

في (10) أيلول عام (1943) رفع ( هارولد ايكس ) المختص بشؤون البترول تقريرا الى الرئيس الامريكي ( روزفلت ) جاء فيه : إن الحضارة مرت بأربعة عصور هي : الحجري، والبرونزي، والحديدي، وأخيرا عصر البترول . وأن امريكا من دون البترول لا يمكن أن تكون بالشكل الذي هي عليه .

وفي الاربيعينات ايضا، وتحديدا عام (1945) قال ( جورج والدن ) رئيس شركة بترول امريكية كبرى : إن ادارة شؤون االبترول تختلف عن ادارة شؤون اية سلعة اخرى، من حيث ان 90% منها سياسة و 10% منها بترول ! . واضاف ما صار بعد ذلك نبوءة : اذا كان الأمر يحتم على امريكا أن تدير شؤون البترول في العالم، فإن عليها ان تفعل ذلك حتى خارج حدود سيادتها الاقليمية، وخارج القانون الدولي إن تطلب الأمر .

وكان البترول هو الذي أنطق لسان امريكا لتقول لحكومة التاج البريطاني قبل نصف قرن : ((كش ملك)) فأزاحتها من هيمنتها على بترول العرب . وفي ذلك قال رجل القرن العشرين البريطاني (( تشرشل )) : (( إنني مضطر الى أن اصارحك القول (يخاطب روزفلت) بأن سياسة الولايات المتحدة بشأن بترول الشرق الأوسط تبدو لنا في مجلس الوزراء البريطاني محاولة لأن ترثوا تركة رجل ما يزال على قيد الحياة !)).

وكانت الخطوة الحاسمة لأمريكا أن قامت بتصفية ثورة مصّدق عام (1953)، فأخذت شمس بريطانيا بالغروب وبدأت شمس أمريكا بالطلوع على بترول الشرق الأوسط . وصار القرن العشرون – كما وصفه بوش الأب - قرنا أمريكيا . وحّمل إبنه ( أمانة) أن يكون القرن الواحد والعشرون امريكيا ايضا، وقد وفّى الأبن وكفّى، وسيحّمل الأمانة لمن بعده في لعبة بريد الى أن يجف البترول في العالم  .

ومنطق السياسة يقول، إن الدولة الأقوى في العالم لا تضمن ديمومة تفردها إلا بضمان ديمومة سيطرتها على البترول . وما دام حكام العرب بين : لاهون وساهون ومقامرون وطائشون ومهوسون بالجنس وملء البطون ..فلا بأس أن تعيش الدولة الأولى في العالم على بترولهم نصف قرن آخر سيصل فيه سعر البرميل الواحد مائة دولار في عشرته الأولى!.

كل ذلك منطقي من حيث تفكير دولة عظمى، برغم أنه صار لا أخلاق في السياسة . ومنطقي ايضا أن تقولوا لنا ياسادة ياكرام : إنكم أطحتم بأعتى دكتاتور واقسى طاغية . وأن على الانسانية أن تقول لكم ( شكرا )، وعلى العراقيين أن يرفعوا لكم   (عكلهم- جمع عقال ) . كل ذلك منطقي، لكن أن تقولوا لنا إن عملكم هذا كان من أجل الديمقراطية، وأن تضحياتكم كانت لسواد عيون العراقيين، فهذا قول ما عاد يصدّقه حتى السفهاء .

قولوا : نعم جئنا من أجل البترول، وضربنا مائة عصفور بحجر واحد وما فلت منها واحد، و(هنيئا لكم وبالعافية عليكم. (

قولوها ولا تخجلوا، فالعراقيون صاروا على يقين بأنكم لن تأخذوا من البترول ما أخذه الدكتاتور، ولن تهدروه كما هدره . خذوا منه حتى النصف، فالعراقين  مقتنعون من ألف عام بأن ((منهوب النص ما هو منهوب))!.

نكرر، خذوا من البترول ما شئتم ايها السادة . ولكن أن تكرروا القول على الناس بأنكم فعلتم ذلك من أجل الديقراطية، فأنهم سيصبون النفط عليها ويحرقونها .

 

الحكومة .. والبحث  عن  يقين

 

الحقيقة  السيكولوجية الأولى التي تشغل الانسان، وشغلته منذ خلق، هي البحث عن يقين فيما يخص وجوده ومصيره وما يحيط به من أمور. والمفارقة، أن أوضح وأريح يقين خبره الانسان في تاريخه، ليس حين صار عالما ومتحضرا، انما ايام كانت علاقته محصورة بالطبيعة قبل آلاف السنين . فقد كان يعرف أحوالها، وتقلبات مزاجها، وكيف يتعامل معها . وفيهالم يكن يعرف حدودا لسكناه أو ممارسة نشاطاته . والأهم من ذلك، أنها كانت صادقة معه، لا تكذب عليه، ولا تخدعه بأوهام، ولا يخاصمها حتى في أشد حالات غضبها عليه .

وب( اختراع ) السلطة، أنتقل بحث الانسان عن اليقين من الطبيعة الى السلطة . أعني أن وجوده ومصيره وما يخصه من أمور، صارت بيد السلطة . ومن هنا بدأ الانسان يتلقى الصدمات ويعاني أفدح خيباته وأوجع نكباته . وكانت أقسى اوجاعه النفسية عليه أنه صدّق بخدعة ما كان ينبغي أن تمّر عليه حتى في أشد حالاته سخفا وحماقة . فكل سلطة تأتيه  كانت تزقّه بيقين يتبين له بعد فوات العمر أنه وهم  ليس إلا. فالسلطة في الاتحاد السوفياتي وأوربا الشرقية  - في سبيل المثال-  وعدت إنسانها باجمل ما في الانسانية من قيم...العدالة.  واوحت له بأن يكون يقينه بها كيقينه بأن الشمس تشرق غدا . وإذا بكل السلطة تنهار في زلزال، وكانت نار ذلك الزلزال هو ) يقين ) العدالة الذي كان وهما.

وفي عالمنا العربي، كانت السلطة قد وضعت يقين الناس في ( القومية ) وإذا بهذا اليقين الذي حقنت به عقول الملايين من مئات السنين، ينهار ويتطاير في ستة أيام بنكسة أوجع خجلا من العار !.

وهنالك سلطات في مكان آخر من عالم قريب منا، التجأت الى الدين في تطمين الناس) بيقين )، فكان ما كان مما نحن نعرفه من خذلان للانسان والدين معا . وغسل الناس أيديهم – هنا – من القومية، و- هناك - من الدين . وكان آخر يقين سوّق الينا هو (الحرية )، وأغلب الظن أن الناس سيغسلون أيديهم منها بعد أن ينتهي التبشير بها ويكتشفون يقينها وهما  .

وكانت آخر سلطة حكمتنا متخبطة ب( يقينات ( بين القومية والاشتراكية والدين على طريقة ( عبد الله المؤمن ) الذي أثبت بالدليل المشهود أن إيمانه عميق عمق مقابره الجماعية !. وكان يقين السلطة السابقة بنفسها أنها تمتلك من القوة ما يبقيها الى الأبد، أو الى أحفاد السلطان في الأقل . والمصيبة ان عقل السلطة عندنا يخترع وهما بهيأة يقين ثم يصدّقه على طريقة جحا.

وإلا لو كانت( السلطة السابقة ) تدرك أن يقينها وهم فلما حلّت بها كارثة، الموت بها أهون من تعفّن صاحبها في حفرة وفضيحيه أمام الناس الذين كان يزقهم ب (يقينات ) آخرها : تحطم الغزاة على أسوار بغداد .

والحقيقة السيكولوجية المرتبكة التي يعيشها العراقيون االيوم، هي أن السلطة ليس لديها ( يقين ) تعد الناس به . بل أنها هي نفسها لا تملك يقينا بشأن نفسها . فهل هي – في سبيل المثال – اسلامية أم علمانية ؟ وهل لديها يقين بهوية العراق ما اذا كان سيبقى عربيا أم سيجري تمييعها ؟ وهل ستظل (الحكومة ) في صراع مع اسرائيل أم تتحول الى مغازلتها ؟ وكل غزل في البدء يكون على استحياء !.

ما نأمله من الحكومة الجديدة، التي يتمنى عليها العراقيون أن تخرجهم من المحنة، أن لا تعد الناس بما هو ليس يقينا، كما فعلت في أول يوم لها حين سوقت لهم ( يقينا ) بأنها ( حكومة وحدة وطنية ) . ولا تسوّق لهم وهم ( الحرية ) و ( الديمقراطية ) كيقين . فأغلب الظن أن الناس سيغسلون أيديهم منهما كما غسلوها من ( القومية ( وأخواتها . والأهم من ذلك أن تغتسل السلطة ( الحكومة ) من أوهام تخصها وتحسبها يقينا، في مقدمها  : أن تخاطب الناس  ب(يقين ) أن زمام الأمور بيدها وحدها، فتكون بذلك في وهم مبين.!

 

أغلقي عينيك وفكري في أنجلترا

 

في أواخر سبعينات القرن الماَضي، عرضت في لندن ولعشر سنوات من دون انقطاع  مسرحية بعنوان : (اغلقي عينيك وفكري في انجلترا) . خلاصتها، أن أحد اللوردات يدعو أحد شيوخ البترول الكبار(عربي طبعا) الى وليمة عشاء . وكان هذا اللورد رئيسا لمجلس ادارة شركة بترول كبرى . وعمالقة البترول – كما تعلمون-عمالقة السياسة في الوقت نفسه.

وعلى عادة الانكليز الذين يتمتعون بعقل استخباراتي حتى في الامور الاجتماعية، يقوم اللورد بجمع المعلومات عن ما يحبه الشيخ من أكل وشراب ...والأهم عن مزاج الشيخ في النساء، الذي أفادته المعلومات بأنه يحب الشقراوات، و(جزعانة) نفسه من السمراوات .

وبأسلوب اللورد المهذب!، يلمّح لزوجته بأن يكون بين المدعوات شقراوات (بموديلات) تناسب ذوق العربي في المرأة، وأن تراقبه عن بعد وترصد نظراته . واذا استقرت على واحدة تعجبه فما عليها سوى أن تقوم بتقديمها وتترك له الفرصة، فالعربي خبير بهذه الأمور، واشطن من ابليس في سرعة الاقناع ..اقناع النساء طبعا، فكيف اذا كانت فيه رائحة نفط أيضا ! .

وتجري أحداث المسرحية بين الويسكي الاسكتلندي المعتق، والسيكار الكوبي المعّفر، والعطور الفرنسية التي تقدح زناد الغرائز...وشيخ البترول هو شيخ (القعدة)..وسلطان زمانه ...يداعب هذه ويقرص تلك، ويغازل هذه، ويرفع الكأس لتلك من محترفات الغواية.

في المشهد الأخير من الفصل الثالث للمسرحية، تمسك زوجة اللورد بذراع زوجها وتسحبه جانبا لتختلي به وقد اختلطت عاى وجهها علامات الدهشة والحيرة، وهي تقول:

* جون ..هنالك مشكلة

يرد عليها بسرعة

- أرجوك، لا أريد مشاكل هذه الليلة.

ترد بانفعال تحاول السيطرة عليه

*ليس قبل أن تسمعني

- قولي، ماذا ؟

* هل تعرف من التي أعجبت الشيخ ؟

- بالتأكيد أكثر من شقراء

* أبدا..أنا التي أعجبته!..أنه يريدني أنا!!.

يفتح عينيه على سعتيهما مندهشا ويقول :

- أنت ؟!. لابد أنه مجنون

يسكت للحظة ..وتتلاعب على وجهه انفعالات الدهشة والحيرة. ثم يقول لزوجته بكلمات تتعثر على شفتيه :

- حسنا حبيبتي.. اغلقي عينيك وفكري في انجلترا !

ويسدل الستار

تذكرت هذا المشهد من المسرحية لدى مشاهدتي لتأليف الحكومتين الاولى والثانية ( وعشمي ان تلتقطوا الفكرة ولا تسيئوا التأويل ) . فلدى استبطاني لأحداث حضانة الثانية التي استمرت تسعون يوما تراءى لي فيها ان الشيعي يريد ان يكون العراق له، والكردي يريد ان تكون كلمته في العراق هي الاولى ... فكلاهما يريان نفسيهما ان ما وقع عليهما من ظلم لم يقع لأحد في الدنيا وان ساعة الحق قد حقت، وان عليهما ان لا يفرطا بفرصة تاريخية لن يجود الدهر عليهما ثانية بأختها . والسنّي يريد ان يكون العراق له، فقد كانت السلطة فيه ( طابو صرف ) له ابّا عن جد، وبريطانيا تشهد له بهذا الحق . والتركمان يريدون حصتهم، والكلد والاشوريين، والمندائيين، والفيليين، والايزديين، و ...

ومصيبة المصائب، ان الشيعة على شيع، والسنّة على فرق، والكورد على فصائل، والتركمان على جبهات.... والكلدواشوريين ...  ومن كان منهم بالأمس برى السياسة بعبعا مخيفا صاروا فجأة سياسيين محترفين، بعدد لا حصر له، والعراق واحد فقط !. وتحار في الامر حتى لتصاب بالدوار وكأن ما يجري من احداث في العراق هو مسرحية من صنف ما بعد اللامعقول، عنوانها – وهو المعقول الوحيد فيها -:

(( اغلقوا عيونكم وفكروا بكل شيء ... الا العراق ! )) .

 

 

السلامة العقلية  للمسؤول الأول  في الدولة...والدستور

 

قد يبدو طلبنا غريبا أن يتضمن الدستور مادة صريحة تنص على : ( توافر السلامة العقلية والصحة النفسية للمسئول ألأول بالدولة ) . ولكن شواهد التاريخ وما أصابنا من أحداث يجعلان من استفزه هذا الطلب يفكر فيه بجدية . فنحن نرى ( السيكولوجيون الذين لا يرتاح لنا السياسيون ) أن الكثير من قادة العالم الذين تسببوا بكوارث لشعوبهم، كانوا يعانون من خلل أو اضطرا بات نفسية  . يكفي أن نذكّركم بثلاثة من كبارهم جلبوا الشّر لشعوبهم أو كانوا قساة معهم : ( هتلر وموسليني وستالين ) فضلا عن سلازار، فرانكو، بينو شيت، والقيصر بطرس الثالث الذي أزاحته كاترين الثانية .. وآخرين عرب تعرفونهم جيدا . ولو لم تكن شخصية صدام حسين مركبة من ثلاث علل نفسية ( سيكوباث ونرجسية وبرانويا ) لما حدث للعراق والناس وله شخصيا هذه الكوارث والمآسي .

ومع أن صدام كأن الأقسى في ظلمه وبطشه، فأن كثيرين من الذين استلموا المسؤولية ألأولى في الدولة العراقية، كانوا يتعاملون مع الناس بسلوك استبدادي أو شبه استبدادي ناجم عن الشعور بالعظمة والشك المرضي بسلوك الآخرين وتوقع المؤامرات منهم . وكان حصيلة هذا المناخ السيكولوجي المعبأ بالمخاوف والانفعالات السلبية – الذي أشاعه المسؤول الأول في الدولة – أن توزع الناس بين متفرج على المشهد ومتملق للحاكم ... ومختار لمواجهة الموت شنقا أو رميا بالرصاص .

ان تاريخنا الحديث يقرصنا من أذاننا لالتقاط العبرة بوجوب تمتع المسؤول الأول بالصحة النفسية، لنغلق عليه وعلى أنفسنا ذلك النفق السري الذي تسلل منه مصابون بعقد نفسية خفية لسلطة الدولة .

وفي تاريخنا القديم ما يؤكد طلبنا . فالدين والفقه والفلسفة الإسلامية أيضا ( الفارابي مثلا ) وضعت ( السلامة العقلية ) شرطا في مسألة التكليف وصفة يجب توافرها في الحاكم .

وما نعنيه بسلامة العقل والصحة النفسية ليس ( الجنون أو الخبل أو السفاهة ) فهذه أمرها مكشوف . أنما الذي نعنيه أن في داخل كل أنسان عللا نفسية تكون خفية عن الناس . وبعض هذه العلل عصابية قسرية ( مرضية ) .. اعني حتى لو قاومها الإنسان فأنها تجبره على أن ينفذ أمرها بالنهاية . والإشكالية أن بعض المصابين بهذه العلل العصابية القسرية يبدون للناس أصحاء نفسيا . ولكنهم حين يجلسون في كرسي المسؤولية فأن هذا الكرسي سيقدح زنادها .. وتكون البلية .

 

 

شيزوفرينيا

 

اقتحمت الشرطة شقتي في منتصف الليل، وهو موعدي الذي أضع فيه رأسي على صدر حبيبتي لأشكو لها همومي فتزيحها مني بالكامل بقبلة واحدة  .كنت معتادا أن يأخذوني الى مستشفى الامراض العقلية كلما واجهت الناس بحقيقتهم، فيمدوني على السرير، ويربطوا يديّ ورجليّ، ويضعوا واقية بين فكيّ، ثم يفجروا دماغي بصواعق ليعيدوا الى عقلي )) توازنه )) ..أعني لأكون مزيفا مثلهم  .

  لكني وجدت نفسي هذه المرّة في قصر فاخر، حدست من هول ما رأيت، أنه المكان الذي سكن فيه من كانت أرواح العراقيين بيده . لم يكن بين من حولي من يوحي شكله بأنه طبيب، فبدأ فأري يلعب بعبي وشعرت بالخوف . لمح ذلك كبيرهم فأخذ بيدي وأجلسني في أكبر الكراسي، فتحول خوفي الى رعب تظاهرت باخفائه .

  كانوا يحملقون بي ويركزون في عيبنيّ وفمي كما لو كانوا ينتظرون مني خطابا . وكان أشد ما يخيفني هو الكلام ..لأن عقلي يدرك ما خلف الحقيقة، ولأنني أرى الناس عراة من زيفهم حتى عندما ينامون مع نسائهم  .

  ولأشد ما أدهشني وأذهلني، أن كبيرهم تقدم نحوي وقال بشيء من التوسل :

  *إننا بحاجة اليك.

  لم أنطق بكلمة، فالكلام كما قلت لكم، يخيفني، لأنه طريقي الى الكهرباء . وأعاد عليّ الطلب بصيغة أوضح وبرجاء صريح  :

- العراق في محنة، والعراقيون يريدون منا أن نخلصّهم منها . والمحنة الأكبر أننا وجدنا أنفسنا في محنة، فتوصلنا الى أن لا أحد يخلصّنا، والعراقيين من هذه المحن .. سواك  .

  وسألته مستفسرا : ولماذا انا بالذات ؟

  ردّ عليّ من كان يبدو أعقلهم  :

- لأن ما يجري في العراق يشبه تماما ما يجري في عالمك... فساعدنا على أمره ولك كل الصلاحيات، من رئيس جمهورية الى مدير مركز شرطة طربيل  .

  نفشت ريشي كالطاووس وضربت صدري بيدي ضربة الواثق وقلت : أنا لها، وسأسوي الأمر لكم في اللحظة والتو . مددت يدي بجيبي فأخرجت خاتم سليمان . وضعته بأصبعي وفركت فروة رأسه، فزعق صوت جفل منه الجميع وقال  :

- شبيك لبيك عبدك بين اديك  .

أمرته أن يعرفنا باسمه فقال   :

*أنا الجني الذي أتى بعرش بلقيس الى الملك سليمان قبل أن يرتد اليه طرفه . لا تعرض عليّ قضية إلا وحللتها بلمح البصر  .

قلت له، المسألة باختصار  أن هولاء القوم في محنة فجد لهم حلاّ يحلون به محنة العراق.

نظر بانكسار وأجابني بالعراقي : (( وما لكيت إلا العراق )) . وتابع قائلا : لقد طلب مني مديرأكبر مخابرات في عالمكم أن أنهي امبراطورية الشر ... يقصد الاتحاد السوفياتي  وتوابعه  ....فأنهيتها في لحظة وحولتها الى أنقاض . وهدمت حائط برلين برفسة ..ومستعد أن أحل لك مشكلة الصين والهند وباكستان وكشمير و.....اما العراق فلا حلّ لحاله إلا بقيام الساعة ! .

واقترب مني وهمس في أذني : تفحص جماعتك ...اعني عقولهم  وجيناتهم . وبلحظة عاد الجني الى محبسه، فيما أوقفت جماعتي وطلبت منهم أن يدخلوا عليّ بالدور.  كانت في رأسي مجسات أكثر دقة من اشعة الليزر تخترق الجمجمة وتنفذ الى الخلايا فتحللها، والى الجينات فتفك شفراتها . وفحصتهم واحدا واحدا فوجدت في الأمر عجبا  .

وجدت أن عقولهم فيها إحولال، وأنهم إذا تكلم أحدهم مع أحدهم، رآه أثنين . وإذا تكلم مع أثنين رآهم أربعة .. وكل لسان مختلف وعقل مختلف ...مع أنهم واحد ! .

والأغرب، أنني عندما تفحصت جيناتهم، وجدت أنهم يتشابهون في جميعها إلا جينة واحدة كانت تمشي متبخترة وتصيح )) : أنا الأمير، وعلى غيري أن يسوق الحمير ))، وخلفها جوقة تلبس الجراويات والشراويل  والعقّل والجينز... يدقون الطبول بهوس ..أيقضني من صحوتي عليهم اللعنة! .

 

 

اختيار رئيس كردي للعراق

 

كانت (المس بيل) على صواب عندما نصحت حكومة بلدها أن لا تنصّب على العراقيين رئيساً من بينهم , لأنها وجدت , بعد أن عايشت مزاج العراقيين عشائرياً وطائفياً وإثنيا , أن كل فئة منهم تريد أن تنصب ( شيخاً ) منها , وان الجميع ينظر الى موقع رئاسة الدولة نظرته الى موقع ( الشيخ ) , وكأن الدولة (مشيخة) أيضا !.ً

واقتنعت ( حكومة التاج البريطاني ) بأن ( سيكولوجية المشيخة ) تتحكم بمزاج العراقيين , فاستوردت لهم ( ملكا ) , فقبلوه بمزاج ( رائق ) معللين الأمر لأنفسهم بأن ( الملوكية ) تليق بهم , وان الملك أكبر من كل الشيوخ !.

ولأكثر من ثمانين سنة , كان الملوك و الرؤساء الذين حكموا العراق هم من السّنة العرب حصرياً , الى صباح يوم الاربعاء 4 /6/ 2005 الذي تم فيه علناً إلغاء عقد (الطابو) السياسي الممهور برئاسة الدولة العراقية للسّنة العرب . فماذا يعني هذا الحدث الذي (( فرمل )) تفكير العراقيين و مزاجهم ... أعني الدلالات النفسية لاختيار أول رئيس كردي للعراق ؟   الدلالة الأولى , مع أن لهذا الحدث وقع الصدمة لدى بعض السّنة العرب من الذين يتحكم بهم مزاج ( المشيخة ) , ويرون أن الكرسي من ( حصتهم ) , فإن فيه منافع نفسية , أهمهما : تذويب نزعة الاستعلاء لدى بعض السنّة العرب و ترويض مزاجهم لقبول تداول منصب الرئاسة , وتصحيح مشاعرهم  بأن أمريكا فقط عدوتهم لأنها أخذت منهم ما أعطته لهم بريطانيا التي لم تدخل قواتها أي منطقة سنية , وكأن احتلال البصرة ليس احتلال العراق . ومن جانب آخر , تذويب الشعور بالحيف و الإحساس بتدني المكانة و الاعتبار التي تشوب مزاج بعض  الشيعة والكرد , الذين ينظرون الى السنّة العرب كما لو إنهم ( مغتصبون ) لكرسي الرئاسة و( مستفردون ) به .

واختيار رئيس كردي للعراق يتطلب أن يغير العرب مزاجهم نحو الكورد , بأن يلغي اعتقاد بعض منهم بأفضلية العربي على الكردي , وينبههم الى أن الكرد - كما العرب - أمة عريقة في التأريخ . بل إن (هيرودوت) أقدم مؤرخ في العالم , أبدى إعجابه بالشعب الكردي , ووصف الكورد بأنهم أمة أرستقراطية وسط أمم ذلك الزمان التي لم تنزل بعد من ظهور الدواب . وفضلاً عن أن قبول العرب بأن يرأسهم كردي له دلالة حضارية تليق بالعراق , فإن هذا الحدث سيفل عقدة التعصب القومي , ويرفع قيمة ( العراقي ) الى مكان الصدارة في منظومة قيم كل من الكردي والعربي .

و اختيار رئيس جمهورية كردي يحتاج الى أن يغير الكورد مزاجهم بعضهم نحو بعض , بأن يغتسلوا من آلام الاقتتال المّر فيما بينهم منتصف التسعينات , وأن  يوحد الزعيمين الكرديين نفسياً بعد أن صارا يتحتملان مسؤولية العراق  معا . والأهم أن نزعة الانفصال لدى الداعين اليها الان من الاكراد ستضعف،  عندما يدركون عن يقين ثابت بأن العراق الديمقراطي صار الآن جسدهم الذي فيه قلبهم كردستان , فيصلون الى حالة نفسية يدافعون بها عن العراق كما دافعوا عن كردستان بالشجاعة و التضحية المعروفتين عنهم .

إننا جميعاً - من دون استثناء - بحاجة الى أن نروض مزاجنا , لا للتخلص من حالة اليأس بأية وسيلة كانت , بل لقبول واقع نفسي جديد نريده أن يكون مستقراً . فالسياسة هي في البدء مزاج . ولربع قرن مضى كان مزاج العراقي : كدرا , متجهما , متشائماً , قلقاً , مرعوباً - فضلاً عن من فقد عقله - لأن حياته ووجوده وأحبته كانت كلها مرهونة بمزاج شخص واحد , فيما تعددت الآن السلطات , واستقل القضاء عن مزاج رئيس الدولة , الذي صار يخشى الناس الذين ما عادوا يخافون منه .، بل ما عادوا يخافون حتى من السلطة .

وما يجعل المزاج ينفرج أن السيد ( جلال طالباني ) رئيس الجمهورية , يتمتع بمزاج رائق , محب للنكتة , مرح حتى في أحلك حالاته , وشبابي في روحه , مما يجعله قريباً من الشيوخ و الشباب . وما يحتاجه العراقيون منه أن يكون مزاجه الغضوب في القضاء على الإرهاب، هو نفسه في القضاء على الفساد ونهب الحق العام و الثروة الحرام الذي استشرى كالسرطان في جسد الدولة... وعندها سيتعافى مزاج العراقي من أوجاع ما خبرها بشر غيره .

 

السيد  رئيس  الجمهورية .. .مع  التحية

 

أولا / قبل حوالي سنة ونصف، رجونا الدكتور عدنان الباججي في فترة رئاسته مجلس الحكم، توفير الفرصة لنا – نحن الجمعية النفسية العراقية – لمقابلة صدام حسين بهدف إجراء دراسة نفسية لشخصيته، فأجابنا في حينه بأن صدام في عهدة القوات الأمريكية . وبما أنه أصبح الآن في عهدة الحكومة العراقية، فأننا نرجو شخصكم الكريم إتاحة الفرصة لاختصاصيين من جمعيتنا لمقابلة صدام حسين، يتفحصون بشكل مباشر المحددات النفسية لهذه الشخصية التي تمثل ظاهرة عراقية وعربية وعالمية في ميدان سيكولوجية السلطة والحاكم . ولأن الوقوف على أسباب تكّون هذه الظاهرة فيه عبرة للعراقيين بشكل خاص، وللحكام العرب وشعوب العالم الثالث بشكل عام . فضلا على أن لدينا اعتقادا يتاخم اليقين بأن علماء النفس الأمريكان يعكفون على نشر كتاب حول شخصية صدام حسين، وأنهم قد لا يكونون موضوعيين فيما يكتبون، وقد يسيئون للشخصية العراقية من خلاله  .

ثانيا / نرى ضرورة الاستعانة باستشاريين نفسانيين عراقيين يجري ضمهم أصوليا إلى اللجان القانونية المختصة بمتابعة مجريات التحقيق أو المحاكمة القادمة لصدام حسين وأركان نظامه . إذ يصعب الإحاطة الموضوعية والقانونية الشاملة ب( الدوافع ) الكامنة وراء سلوك هؤلاء المتهمين على مدى أكثر من ثلاثة عقود من دون الاستعانة بالمنطق السيكولوجي بوصفه أحد أهم مرجعيات التحليل والتشخيص التي يستند إليها الحكم القضائي العادل.

ثالثا /  وهذه قضية أهم

ان العنف والإرهاب يكون في البدء  فكرة، تتخمر في العقل فتتحول الى  معتقد . أي الاعتقاد بصحة الفكرة والإيمان المطلق بأنها هي الصواب وما عداها ضلال مبين . ثم تتحول بالتعزيز المادي والنفسي والروحي الى سلوك، يتجه نحو تحقيق هدف، حتى لو كان ثمن ذلك إفناء الذات . ولا يهم القائم بهذا السلوك ما يلحق بالناس من إزهاق أرواح، ففي حاويته الفكرية من التبريرات ما يعدّ حتى الأطفال الذين يذهبون ضحايا تفجيره سيارة أو عبوة... شهداء وولدان مخلدون في الجنة .

ونرى أن الأسلوب الصحيح لخفض العنف والقضاء على الإرهاب، هو في الدراسة التحليلية النفسية لتعَرف مصادر زرع أفكاره في عقول الناشئة والشباب، وأساليب الإقناع التي تحول الأفكار إلى معتقدات، وتصحيحها بالفكر والمنطق والحوار، وليس بأسلوب معركة الفلوجة التي أدت إلى قتل أكثر من ألف شخص  واعتقال أكثر من ألفين، وكان من نتائجها أن تنامى العدد وتفننوا في استعمال أسلحتهم والتخطيط الذكي لهجماتهم . فضلا على أن السلطة ينبغي أن تنظر إلى القائمين بأعمال العنف من العراقيين على أنهم بشر، وأنها مسؤولة عن حمايتهم من أنفسهم  .

ومع أن القائمين بأعمال العنف – باستثناء المقاومة الوطنية الحقيقية – خليط مركب، فأن أقبحهم قاطعو الرؤوس وهاتكو الأعراض . والعلم يدعونا إلى أن نقف على الأسباب النفسية والاجتماعية والبيولوجية، التي تجعل منهم قساة إلى الدرجة التي يذبحون الإنسان ذبح الشاة، ويفتحون صدره، ويضعون فيه قنبلة، يفجرونها عن بعد ليقتلوا بها أهله ومن يأتي إلى أخذ جثمانه ...وأن نقف على الأسباب التي هرأت ضمائر آخرين إلى الدرجة التي يقدم فيها خمسة أو أكثر على اغتصاب فتاة باكر ... في ليلة واحدة .

إن هذه الأعمال التي تقع خارج مدى القسوة لدى البشر، نعزوها – نحن النفسانيين – إلى خلل في تركيبة شخصيات هؤلاء، يجب الوقوف على أسبابه الحقيقية، بأجراء دراسات علمية، في نتائجها منافع للناس والوطن والإنسانية.

امنحونا الفرصة لطفا ...فهل أنتم فاعلون ؟.

 

كردي ما اعرف ... عه ره بي نازانم !

 

لأن بغداد الحبية استبيحت وهدرت كرامتها، ولأن الموت الرهيب المفجع المتشظي في شوارعها المهانة الخربة صار يصيب الناس بالقرعة العشوائية، ولأن الهمّ اليومي للأستاذ الجامعي لم يعد العلم والثقافة بل الركض المذّل للهيبة والاعتبار وراء البنزين والنفط، وتحت قدميه أوسع بحيراته في العالم . ولأن الحدث الضخم الذي تمناه العراقيون أن يأتي لهم بالأمنيات الجميلة، أتى عليها فأحرقها، وصاروا يتحسرون على (الأمان) في زمن الكابوس، ويتساءلون ما إذا كان الذي جرى أننا استبدلنا في المسؤولين ألقاباً كانت تغلب عليها حروف التاء والكاف والدال والراء والعين والنون بألقاب تكثر فبها حروف الميم والسين والشين والحاء والصاد . ولأنني أعشق القراءة والكتابة كالذين هاجروا من اجلها، فقد شددت الرحال إلى أربيل، إلى جامعة صلاح الدين تحديدا ً، واعداً نفسي بيقين إنني سأجد فيها ما افتقدته في جامعتي (الأم – بغداد ) التي خدمتها أكثر من ربع قرن .

كان إخواننا الكورد كما عهدناهم...طيبين، مسالمين، كرماء، مجدّين، يحبون الخير والحب والصداقة والسلام .غير إنني وجدت ظاهرة إذا استمرت فإنها تنبيء بحصول فجوة نفسية بين العرب والأكراد، هي أن غالبية الجيل الصاعد من الشباب الكردي لا يعرف من العربية غير ((سلام عليكم))!.

ولهذه الحالة أسبابها النفسية المشروعة، فقد تعرض الكورد إلى اضطهاد قاس وعنف بشع من جميع السلطات العربية التي توالت على الحكم في العراق . وإنهم منذ العام 1991م عاشوا لأكثر من اثنتي عشرة سنة بعيدين عن سلطة المركز العربية، متحررين منها، فخبروا حالة الشعور بالارتياح النفسي المشوب بالخوف ((الأبيض- الكيماوي )) المرعب منها !.

وما نخشى على هذا الجيل من الشباب الكورد، الذي سيتولى السلطة والأمور في أقل من عشرين سنة، أن يجري تعميم هذا الكره النفسي للسلطة العربية على كل ما هو عربي، وأن يأخذ هذا الكره طريقه إلى اللاشعور الجمعي لديهم، الذي إذا ما استقر فيه فإنه سيتحول إلى قطيعة نفسية عرقية بين الأجيال القادمة من العرب والكورد . وربما يكون في عدم تعلم الكردي للغة العربية مؤشراً على هذه الحالة الخطيرة، دون أن يدرك أن عدم تعلمه هذه اللغة أو عزوفه عنها يحرمه من التحدث إلى أكثر من ثلاثمائة مليون إنسان في أكثر من عشرين بلداً، فضلاً عن أن تعلم الإنسان لغة ثانية يعني المزيد من المعرفة والثقافة والمتعة أيضاً، لا سيما بعد أن شاعت وتنوعت القنوات الفضائية العربية .

على أن الأخطر من ذلك هو أن الشاب الكردي إذا جاء إلى بغداد ويجهل اللغة العربية، فإنه سيشعر نفسياً كما لو إنه مسافر إلى عاصمة دولة أجنبية وليس في وطنه العراق .

وبالمثل، فإن معظم الجيل الصاعد من الشباب العربي في العراق، إن لم يكن بكامله، لا يعرفون من اللغة الكردية غير (( كاكا ))، وإنهم سيعيشون الخبرة النفسية ذاتها إذا ما سافروا إلى أربيل أو السليمانية، وتكون النتيجة هي أن الفجوة النفسية ستتسع وتتعمق بين الأجيال القادمة من العرب والكورد .

وعليه فإن من واجب وزارتي التربية والتعليم العالي في بغداد و أقليم كردستان، تعميم تعليم اللغتين العربية والكوردية بالشكل الذي يضمن التحدث بهما بطلاقة لا بالشكل البائس المعمول به حاليا ً. ذلك أن تحدث العربي والكوردي باللغتين معاً، وبطلاقة، يعمق المشاعر النفسية الجميلة بينهما، ويوحّد الشعور المشترك بالمواطنة العراقية .

أما إذا بقي الحال كما هو عليه، ويظل الكوردي عندما يستفسر من العربي عن أمر ما فيجيبه العربي : (( كردي ما اعرف ))، والحال معكوساً فيجيبه الكوردي : (( عربي نازانم ))، عندها سيشعر الجيلان القادمان إلى السلطة من العرب والكورد كما لو إنهم غرباء أجانب في وطن واحد !. والأخطر، كيف سيكون حال هذا الوطن حينذاك ؟! .

 

حصة العراقي بالنفط ... والدستور

 

في دراسة ميدانية عن اسباب النهب والسلب التي حدثت في 9/4/2003 كانت احدى الاجابات الملفتة للانتباه، ان الذين قاموا بهذه الاعمال سوغوها بقولهم : ( حصتنا من النفط ) في اشارة منهم الى ان النظام السابق احتكر الثروة لنفسه وحرمهم منها . ومع أن هذا التجاوز على الحق العام ( وابشعه أن ينهب الانسان وطنه ) لايشفع له اي تبرير، فان له ( مسوغاته ) النفسية .

فالنفط كان هو السبب المادي في ما اصاب العراقيين من كوارث ومآس . فهو الذي مكّن الحاكم من شن حروب ( مخبولة ) وتشغيل ما كينته العسكرية التي كانت تحرق في اليوم ملايين الدولارات . وهو الذي مكنّه من ديمومة دكتاتوريته لثلاثة عقود . وهو الذي أغرى الدول الرأسمالية والتقدمية ايضا"! في أن تمنح الحاكم النفطي ( وليس العراق ) ديونا" بلغت اكثر من مئة وعشرين مليار دولار . وبالنفط ايضا" استطاع الحاكم أن يفسد أخلاق الناس بـ ( مكرماته). وبسببه فرض الحصار على الناس فأكلوا خبز النخالة المعجون بفضلات الصراصير، فيهما الحاكم يـأكل لحم الغزلان المطغّم برائحة الهيل. وبسببه مايجري الآن من أحداث لا عقولة تدمي القلوب وتذهل العقول، لشهب مبتلى بمصائب الدنيا والآخرة.

ولهذا تولّد لدى العراقيين كره نفسي لهذه الثروة الضخمة . فبدل ان تكون نعمة لهم صارت نقمة عليهم بأن تحولت الى بارود احترق فيه الأحبة والوطن، واسودّ بدخانه مستقبل جيلين او اكثر . ولهذا تجد كثيرا" من العراقيين يتمنون لو انهم يستيقظون ذات صباح على خبر يقول لهم : ( أن كل ما في العراق من نفط قد تّسرب الى مكان اّخر ) . وأظنهم سيهنىء بعضهم بعضا وان بألم لأنهم يرون بذهابه ان المحتل سيذهب ايضا"، وسيغلق باب الشر المفتوح على العراق.

ولكي يتم تبديد او خفض هاجس القلق والخوف من النفط لدى العراقيين . ولكي نمنع عن الحاكم المقبل للعراق ( الشريان ) المادي الذي يغريه بالانفراد بالثروة، ويحوله الى دكتاتور جديد، ومادامت الفرصة متوافرة الآن لأجراء تعديلات على الدستور من قبل البرلمان الجديد فاننا نرى ضرورة ان يتضمن الدستور مادة تنص على ( تحديد راتب شهري من واردات النفط لكل فرد عراقي ) .

ان تضمين هذه المادة في الدستور الدائم للعراق له  منافع وطنية واقتصادية ونفسية في مقدمتها : انها توحّد الشعور لدى العراقيين كافة بالشراكة في ثروة عامة، يؤدي بالضرورة الى الحرص عليها وتطويرها واستثمارها في مشاريع انسانية وحضارية، فضلا" على ان هذا الشعور سيؤدي ايضا" الى خفض الرشوة والاختلاس والفساد المالي والاداري، الذي انتشر بعدوى أسرع من الطاعون، حتى صار العراق الدولة العربية الأولى في (انفلونزا) الفساد وانفلونزا الطيور!.

ترافق هذه المنافع منفعة اخرى ــ  ربما أهم  ــ هي انها  ستحيي الشعور ( بالمواطنة )  و ( تعقلن ) قرارات الحاكم، وتعمل على ردم فجوة نفسية بين السلطة والعراقيين لها عمق في زمن يمتد اكثر من الف عام .

 

من للعراقيين المصدومين نفسيا ... ياوزارة الصحة

 

من بين أكثر الاضطرابات النفسية شيوعا التي تبتلى بها الشعوب المنكوبة بالحروب وبأنظمة سادية، هو (( اضطراب ما بعد الضغوط الصدمية )) . ويعود ( الفضل ) في اكتشاف هذا الاضطراب الى الحرب الفيتنامية في سبعينات القرن الماضي . فقد كشفت الدراسات النفسية عن وجود نصف مليون محارب  امريكي يعانون من هذا الاضطراب بعد مرور (15) سنة على انتهاء تلك الحرب !.

وتوصلت دراسات أخرى الى أن أعدادا كبيرة من الفيتناميين والكمبوديين واللتوانيين الذين عانوا لعقود من الحروب الأهلية، مصابون بأعراض هذا المرض النفسي . وان ما ارتكبه بول بوت من فضائع ( يقال ان ربع سكان كمبوديا البالغ عددهم سبعة ملايين نسمة، ماتوا ) وفرار مئات الالاف من الكمبوديين الى تايلاند وأوربا وأمريكا وكندا، وإسكانهم في معسكرات خاصة بهم ..كشفت الدراسات النفسية عن أن أكثر من (20%) منهم يعانون من أعراض هذا الاضطراب  ومنها  :

الكوابيس والاحلام المزعجة، الحزن والهم والتوتر، الغضب والهيجان، السلوك العدواني اللفظي والبدني، العزلة والعزوف عن ممارسة النشاطات الممتعة، الفتور والتبلد العاطفي،

وعدم القدرة على التعبير عن مشاعر الحب الذي يفضي الى الطلاق و.......)......).

وتوصلت الدراسات  الى ان أكثر من (25%) من سكان يوغسلافيا السابقة الذين شهدوا الحرب العرقية، يعانون من الصدمات النفسية . بل أن احدى الدراسات التي أجريت على البوسنيين اللاجئين الى امريكا فرارا من تلك الحرب، أفادت بأن (65%) منهم عانوا من هذا الاضطراب  .

ومع أن الحرب هي الحرب، والتعذيب هو التعذيب فيما تحدثه من صدمات نفسية، إلا أن الذي شهده العراقيون من حروب كارثية لأكثر من ربع قرن، ومن تعذيب واضطهاد ومقابرجماعية وقصف كيماوي، وتفنن في قتل البشر، بما فيه التفخيخ وقطع الرؤوس..يفوق ما أصاب أي شعب في العالم على أيدي جلاديه.

ومع ذلك، لم يحظ العراقيون المصدومون نفسيا باية  رعاية نفسية . نعم جاءت بعثات أو وفود ( طبية-  نفسية ) من حكومات وهيئات دولية وجامعية ومراكز بحوث . وتشكلت منظمات كثيرة أو جمعيات بعضها باسم ( حلبجة ) جاءت بالفعل اليها فما قبض أهل حلبجة منها سوى أنهم عرضوهم على شاشات التلفزيون وصوروهم على صفحات المجلات والجرائد، فصاروا ( فرجة ) للعالم، وصار (الحلبجيون ) يسخرون الآن من الذي يأتيهم من هذا الصنف . ودفعهم يأسهم الى أن يحتمي كثير منهم بالدين . ويذكر لى أحد الأخوة الاكراد، أن الذين تعرضوا لحملة ( الأنفال ) لجأوا الى مدينة (....)، قريبة من أربيل، ويصفهم بأن جميعهم ( أعصاب ) لدرجة أنك اذا أزعجت أحدهم ولو بكلام بسيط، سحب عليك أقسام الكلاشنكوف   .

أما وزارة الصحة فكانت مشغولة بأرسال أطبائها للتدريب في لندن وعمان وبيروت . وكل ما قبضه المصدومون نفسيا منها ندوات ومؤتمرات في ( الصحة النفسية ) تبين بالنتيجة أن مهمتها دعائية لغرض في نفس يعقوب . أما اذا وصلت اليها )) لقمة دسمة )) من منظمة عالمية فأن المعنيين بالأمر كانوا متفقين على أن ((الأقربون أولى .....))، وللعراقيين المصدومين ربّ يرعاهم .

 

الإرهاب...بعيون  أُخر (1)

 

ابتداءً , لست  سياسياً بمعنى  الانتماء الى حزب سياسي او تكّتل ديني , إنما أنا معني بتحليل شخصية الإنسان وسلوكه, وما يصيب الناس من أمراض نفسيه وانحرافات سلوكية وخبل ... وقد أصيب فيما أصل إليه وقد أخيب .

وابتداءً أيضا , لا يدخل ضمن من أعنيهم : هاتكو أعراض العذارى واللصوص وقاطعو الرؤوس لقاء الورق الأخضر الملطخ بالدم العراقي الزكي . فهولاء مجرمون قتله وسفلة الناس , لا يربطهم بالسياسة او الوطنية او الدين خيط او وشيعة . واكبر الأخطاء التي ترتكبها الحكومة أن تحسب هذه العصابات الإجرامية على التنظيمات الإرهابية . فقد يأتي يوم تتصالح فيه السياسة مع الإرهاب . فالسياسة في المواقف الصعبة التي تُحل بالتساوم , ترفس الضمير الأخلاقي رفسة الحمار لصاحبه !، أعني , لا تستبعدوا أن تشفع لهم فتكونوا – على عدّكم المجرمين إرهابيين – من النادمين .

وأبدأ بأن أقرر , وعلى مسؤوليتي , بأن السلطة ( الدولة ) التي تمتلك وسائل القوة , تشغّل كلّ مجساتها في التفتيش عن عدو , فإن لم تجده فإنها تخترعه !.

تأملوا التاريخ القريب والبعيد , ستجدون من الأدلة ما يثبت صحة ذلك . بل ستصلون الى ما يشبه القانون النفسي في نشوب الحروب , خلاصته : هنالك علاقة بين قوة السلطة و البارانويا . أعني , إن شعور السلطة بالعظمة يقدح فيها زناد غريزة العدوان , فتدفعها الى أن تفتش عن عدو تبطش به .

ويبدو أن هذه خصيصة او صفة عصابية قسرية في بعض البشر . فالأبطال الوثنيون في الملاحم الإغريقية كانوا مسكونين بالحاجة الى الغزو والتدمير والحرق لتوكيد العظمة والأبهة , بانتصار يروي ضمأ الحاجة الى الإعجاب بالذات , معزوفة  بإيقاع قراره الذهول وقمته الدهشة !. والمفارقة المخجلة أنكم لو خلعتم عن البطل الحضاري قناعه الحضاري , لوجدتم أن جوهره النفسي ونزعته العدوانية لا تختلف عن البطل الوثني . بل أن البطل الحضاري يبدو في كثير من المواقف أكثر وثنية من البطل الوثني , حتى في نوعية أهدافه , دع عنك وحشيته في التدمير.

فالسياسي، حتى في سلطة الدولة المتحضرة، غالبا ما يرى في الآخر سمّا يجعله بين خيارين : إما أن يقضي عليه، أو يطهّره منه بطريقته الخاصة، ليخفض لديه التوتر ويلطّف من هاجس الخوف ولو الى حين . ولهذا تجد كثيرا من السياسيين الذين يستعيدون توازنهم النفسي، يكتشفون أنهم كانوا في السياسة مثل عاشق مخدوع .

والعلَة النفسية أن السلطة القوية ( والإمبراطوريات كافة ) تكون مسكونة بوسواس الشعور بعدم الأمان ( بالمناسبة , يقولون إن أعظم الإمبراطوريات كانت نهايتها في بلاد مابين النهرين ! ) . ولهذا فإنها تضع في دائرة الشك كل من لا يكون معها , فيدفعها هوسها ( لأتغدى به قبل أن يتعشى بي ) لقتله حالاً . والوقاحة والصلافة , أنها تعتذر لأهله عندما يتبين لها أنه كان بريئاً . وما أكثرهم في العراق المبتلى بأحدث طغيانين . فقد قتل الطغيان الجديد (خطئا !) عراقيين كانوا استقبلوا قواته بتوزيع السجائر على جنوده فرحا بتخليصهم من الدكتاتور، وزاد صلفا على سابقه أنه ما اعتذر .

وما يجعلك تبكي أو تضحك أو تسخر أو تلطم على رأسك , أن الشعار الوثني ( من لم يكن معنا فهو ضدنا ) ينادي به أكبر (( بطل حضاري )) يريد نشر الحرية في العالم ! .

 

 

الارهاب في عيون اخر (2 )

 

كان العالم تحكمه قوتان، كلتاهما مصابتان بالبارانويا ... اعني التباهي بعظمة القوة ودافع السيطرة، والشكل الاخر . وكانا ( اميركا والاتحاد السوفيتي ) مشغولا احدهما  بالآخر بما ينشغل به المصاب بالبارانويا  : الحذر والاحتراس والتخطيط للانتقام . وكانت اميركا أكثر فطنة وشيطنة، بان عمدت الى انهاء خصمها من داخله وحاربته باهدافه بوصفها اوهاما"، اقنعت المواطن الروسي ان يتوقف عن الاستمرار بالخدعة . فيما راح الاتحاد السوفيتي يحارب اميركا من خارجها بان يجيش ( البروليتاريا ) في العالم المظلوم، فاسدى بذلك خدمة ( مقصودة او غبية ) بأن سحقت اميركا رؤوسا لعقول نيّرة، وقضت على قوى وطنية مخلصة في مقدمها الحزبان الشيوعيان السوداني والعراقي .

وفي تقديري، ان أحد الأسباب الرئيسة لظهور الأرهاب – ان لم يكن يتصدرها – هو غياب الساحة الدولية من الأحزاب الثورية والشيوعية، أو تغيير استراتيجيتها من مقارعة الاستعمار والأمبريالية الى التفاهم مع النظام الدولي الجديد، الذي فرض عليها هذه الآلية فقبلتها قبول المحبط الذي يحاول استعادة توازنه النفسي . ولأنها اقتنعت بأن ( جيفارا ) لو ظهر الآن لعدهّ النظام الدولي الجديد أخطر ارهابي في الدنيا !.

ومن أكبر أخطاء امريكا ( وتدفع ثمنه الآن وتظل تدفعه ) ان العسكري الأمريكي، بل حتى صانع السياسة فيها يجهل سيكولوجية الأنسان العراقي . وأن ادراكها للأمور ما كان بمستوى أن العراقي يسترخص روحه أمام قيمتين : الشرف والكرامة .

لم يكن مع الأمريكيين ( المس بيل ) مثلا، لتقول للعسكري الأمريكي : انك حين تبطح شيخا من عشيرة ما على الأرض، وتضع حذاءك فوق رأسه، فأنك تشعل نارا في أبناء عشيرته، فيهبون ضدّ من أهانهم لردّ الأعتبار، حتى لو أبيدوا عن بكرة أبيهم .

ولا يعلمون أن أهل ( الدليم ) بخاصة، اذا ما وقع عدوان أو اهانة على أحدهم، أو تجاوز من أجنبي على قيمة شرفية ( ابسطها صعود الأمريكان على سطوح أبنية المدارس وأشرافهم على البيوت  ) تناخت العشائر لنصرته، فضلا على تدمير بيوت وقتل أبرياء . وهذا بعض ما حصل ففسرته امريكا بأنه عداء سياسي ضدها ( تفسير بارانوي ) فيما هو في الأصل كان قيمة وتقليدا عشائريا، تحول فيما بعد الى فعل سياسي ووضعه البعض الآخر في خندق الأرهاب .

والمفارقة التاريخية، ان السنّة العرب كانوا في السلطة لألف عام، وأن الشيعة كانوا في المعارضة للمدة نفسها، فيما حصل الآن تبادل للأدوار، حيث الشيعة في السلطة والسنّة في المعارضة !.

واللافت، ان بريطانيا، التي جادت بالسلطة على السنّة العرب عام 1921، لم تدخل قواتها الى الآن (نهاية 2005) ارضا أو مدينةسنيّة، بالرغم من أنها في ضمن قوات التحالف . وهذا ما يفسر كره السنّة الشديد لأمريكا، ليس فقط لأنها سلبت منهم ( حقا مكتسبا ) بل ولأنها قست عليهم ايضا، وتحاول الآن استرضاءهم .

واذا استثنينا المقاومة الوطنية العراقية المناهضة للأحتلال تحديدا، فأن في الساحة عدوين: ارهابي  وخصمه  . أحدهما متورم بالشعور بالعظمة، والآخر محتقن بالشعور بالأظطهاد، مكانهما الصحيح، مستشفى الأمراض العقلية . لكن المصيبة أنهما طليقان يتحكم بهما دافع ابادة الآخر، غير مكترثين بما يحصده جنونهما من أرواح . فأحدهما يعدّ تلك الأرواح من الشهداء يصطحبها معه لتناول الغداء في الجنة، والآخر يعدّها ضريبة الحرية والديمقراطية . وعلى هذا السيناريو تستمر المسرحية في بلد التراجيديا .. بأخراج جديد !.

 

الاجتثاث… والإرهاب

 

من أقبح ما ترتكبه الأحزاب التي تغتصب السلطة أنها تجبر موظفي الدولة على الانتماء أليها قسرا، لتعتمدها وسيلة تضمن لها الشعور بالأمن والبقاء، دون أن تدرك أن إجبار الفرد بهذه الطريقة يفضي الى أن يجعل هذا الفرد يشعر اما بالاغتراب فيكون خاويا من الداخل، او منافقا يجيد لعبة مصلحته في ( لعبة المبادئ ) .

والوصمة، أن أبشع صورة لهذا القبح ملتقطة في العراق باسم ( حزب البعث ) . وأسوأ ما في هذا القبح أنه جار على الآف الناس بأن ( خيرهم ) بين قطع أرزاقهم وبين الانتماء أليه . وأنه ارتكب أيضا جرائم بعضها يفوق ما يبتدعه خيال مجرم شرير، فأن ردة الفعل ضده كانت بنقمة مضادة، اختارت لها أعنف وأوجع مفردة باللغة العربية (( إجتثاث )) التي تعني القلع من الجذور الذي لا يبقي أثرا للمقلوع .

لست معنيا بالتحدث عن المضمون السياسي (( للاجتثاث )) فذلك شأن السياسيين الذين نرجو من الله أن يهديهم الى إقامة العدل بين الناس بإنصاف المظلومين ومعاقبة المجرمين، إنما الذي دعاني رسالة وصلتني من مدير مدرسة، خلاصة ما جاء فيها أنه بعد أن تخرج من دار المعلمين في كركوك عام 1983، وإنهائه الخدمة العسكرية الإجبارية عام 1989، تم تعينه معلما في قرية ( يارقون- الرشاد) .

وكان شرط التعيين يقضي بانتمائه الى الحزب ( البعث ) . ثم أصبح عضوا وصار في عام 2001 عضو فرقة  (( واذا بالمشاكل لا تعد ولا تحصى، فكل يوم ندوة أو مسيرة أو ميلاد أو تهيئة لجيش القدس )) . وكان هو مدير المدرسة النائية ( وهو الحارس والفراش ايضا ) ومعه معلم واحد ( عضو فرقة أيضا ) يديران المدرسة من ( 120 ) طالبا .

ويضيف بأنه حاول التملص من هذا المنصب وتم فصله من الحزب قبيل السقوط ( ولسوء حظي لم يصل كتاب الفصل الى التربية ) ففصل من الوظيفة وجلس في بيته دون مورد يعيل به زوجته وأطفاله الثمانية .

كل هذا أمر عادي، وربما هذه ( حكاية ) معظم البعثيين . لكن ما هو غير العادي تلك العبارة التي ختم بها رسالته :

(( أستاذي الفاضل . تراودني نفسي والشيطان والعوز أن أكون في طريق غير سوي .. أنا الذي كنت أرشد تلاميذي الى الأخلاق الرفيعة والمحبة بين البشر، والذين صاروا الآن مهندسين ومعلمين )) .

أليس هذا طريقا الى الإرهاب فتحناه بأيدينا ؟. والكارثة أن (( التربوي )) يفكر أن يكون إرهابيا، فكيف الأمر مع العاطلين من الناس العاديين ؟ .

فكروا بواقعية وعقلانية، وتمثلوا الأمر لو انه وقع لاحدنا، فهل يترك أطفاله يتضورون جوعا ؟ . وهل لعين الخوف التي تراقب الزوجة والبنات أن يدفعهن العوز الى الرذيلة، طاقة للتحمل ؟ . أهذا يطاق، أم أن يزرع في الشهر عبوتين ليأخذ عنهما (ورقتين) ؟ .

إن نزعة البقاء لدى الإنسان، والخوف على شرفه وعرضه، تنحّي الأخلاق والقيم جانبا أمام ارتكاب أبشع الوسائل شرا، ومن يقل غير ذلك فليجرب المحنة !.

 

 

العنف.. والشخصية العراقية ( 1)

 

قضيت ربع قرن في تدريس مادتي ( تحليل الشخصية، والاظطرابات النفسية ) وقمت بتحليل شخصيات مجرمين ارتكبوا جرائم قتل عادية وأخرى بشعة …فوجدت ان النظريات التي حللت شخصية الإنسان وتلك التي حددت أسباب الاظطرابات العقلية والسلوكية لا تنطبق على سلوك الشخصية المعاصرة بخصوص ( العنف )  الذي تمارسه . وعليه فأنني ركنتها جانبا  ورحت اجتهد في إيجاد تفسير لهذا السؤال :

 

لماذا يكون العنف في الشخصية العراقية بهذه القسوة والبشاعة ؟

 

ولقد وجدت أن إحدى الصفات الغالبة في الشخصية العراقية هي ان  )) الموقف (( الذي تكون فيه يتحكم بها أكثر من العقل . وأنها تتصرف بأسلوبين متطرفين ومتناقضين، وكأن في داخلها  ( ملاك رومانسي ) يغني بطرب وينثر الفرح والحب على الناس، عندما تكون في أوقات الراحة والطمأنينة، و  (وحش هائج ) عندما تكون في أوقات الأزمات .

وأكيد أن الأمر لا يتعلق بالتركيبة الوراثية، إذ لا يعقل أن ( جينات ) الإنسان العراقي تختلف عن ( جينات ) باقي البشر، أو بالمناخ أو الطبيعة،  إنما الأمر يتعلق بطبيعة ( الصراع ) على السلطة، الذي بسببه تعرض الفرد العراقي الى اضطهاد  وقسوة وظلم  وقهر واستلاب تفوق ما تعرض له البشر الآخرون . فتاريخ  العراق هو تاريخ العنف والدم والمعارك والأهوال والكوارث .. ليس من بدء المشهد الكربلائي وتحوّل السلطة في الدولة الإسلامية الى وراثية، بل الى ذلك التاريخ القديم جدا، الذي يذكر لنا معلومة لها دلالة هي أن المهاجرين الى العراق القديم كانوا من المحاربين الأشداء !.

وهذا يعني ان المجتمع العراقي يكاد يكون الوحيد بين مجتمعات العالم الذي خبر العنف لزمن يمتد آلاف السنين، وما يزال . صحيح أن تاريخ أوربا كان مليئا بالحروب، لكنها ودعت العنف وصار توجهها نحو الحياة، فيما نحن نمارسه بأفضع صوره حتى صار توجهنا النفسي يميل أكثر نحو الإفناء، لا سيما في السنوات الخمس والعشرين الأخيرة التي شاعت فيها ثقافة العنف .

والغريب في الأمر، أن السيكولوجية العراقية والإسلامية ( بعد أن صارت بغداد مركز الدولة ) أشاعت العنف وجعلته الوسيلة الوحيدة لحل النزاعات ولإجبار الخصوم على الطاعة والخضوع . وكانت لا تلجأ الى التفاوض والحوار إلا بعد أن تقطف السيوف رؤوس أفضل ما في القوم . وهذه خاصية سيكولوجية في العنف،  أنها تغلق كل نوافذ التفكير وتحشد كل قوى الحقد والعدوان باتجاه الانتقام   .

 

العنف .. والشخصية العراقية (2)

 

…وانظروا الى تاريخكم الحديث، تجدون بين حوادثه الآتي :

1. قتل الملك فيصل الثاني صبيحة 14 تموز 1958، وقطعت أيادي الوصي  وآخرين وطاف بها الناس في شوارع بغداد .

2. وقتل في عام 1959، وسحل بالحبال، وعلّق على المشانق، أشخاص في الموصل وكركوك .

3 . وقتل عبد الكريم قاسم في رمضان 1963، وشوي في الشهر نفسه بالنار سكرتير الحزب الشيوعي العراقي وعدد من أعضاء الحزب وهم أحياء، وآخرون محسوبون على نظام قاسم جرى التمثيل بهم   .

4 . وعقب هزيمة الجيش العراقي في الكويت عام 1991، وصل العنف بالعراقيين أنهم وضعوا إطارات السيارات في رقاب عناصر من البعثيين وأحرقوهم وهم أحياء  .

5 . وبعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية في 1988 أبيد اكثر من مائة وثمانين ألف كردي في عمليات الأنفال، وأحرقت آلاف القرى الكردية، فضلا عن مجزرة حلبجة المعروفة  .

6 . وفي عام 2003 اكتشف العشرات من المقابر الجماعية تضم رفات آلاف العراقيين، بينهم نساء وأطفال دفنوا وهم أحياء .

وتبين أن السلطة في النظام السابق استعملت وسائل العنف في التعذيب حتى مع من كان موضع الشبهة، مثل وضع الشخص وهو حي في الأحماض التي تذيب اللحم والعظم، والكي والحرق وتقطيع الأعضاء .

ويخطئ من يرى أن هذا التفنن في العنف كان من مبتكرات النظام السابق، بل هو في الأصل  ( إرث سيكولوجي ) من الأنظمة السابقة التي حكمت العراق، منذ أن صارت بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية لألف عام.  ففي هذا الإرث مشاهد من العنف قد تكون أكثر بشاعة وأهانة لقيمة الانسان، إليكم واحدا منها  :

في عام 291هج جاء جنود السلطان بالقرمطي ( الحسين بن زكرويه ) ومعه أكثر من ثلاث مائة من اتباعه، وقد وضعوا في فمه خشبه مخروطية وشدت الى قفاه كهيئة اللجام . وأمر الخليفة ( المكتفي ) ببناء دكة في المصلى العتيق . وتجمهر الناس، وجيء بالأسرى يتقدمهم  القرمطي، فصعدوا به الى الدكة وقدّم له أربعة وثلاثون من الأسرى وقد قطّعت أيديهم وأرجلهم  وضربت أعناقهم واحدا بعد واحد . ثم قدّم كبيرهم فضرب مائتي سوط، وقطعت يداه ورجلاه وكوي ثم أحرق ورفع رأسه على خشبه، وصلب بدن القرمطي في طرف الجسر الأعلى الواقع في بغداد طبعا .

وكان العراقي أكثر بني البشر-  في زمانه -  تعرضا للقسوة والذلّ والإهانة . ففي زمن الخلافة العباسية فقط، ضرب الحصار على بغداد اكثر من عشر مرات، أضطر الناس فيها الى أكل القطط . وفي زمن الخلافة العثمانية  ( حوالى 500 عام ) كانت حتى العشائر في الريف تتصارع من أجل السيطرة . وكانت بغداد تنهب وتدمر وتهان لألف عام من الظلم والطغيان وإذلال اهلها من  قبل الغزاة . والحقيقة  -  التي تعيد نفسها اليوم  – أنه حيثما حكمت بغداد أو احتلتها سلطة أجنبية، ساد العنف كل ارجاء العراق .

 

العنف .. والشخصية العراقية (3)

 

إن ممارسة الشخصية العراقية للعنف تقدم، لمن يريد التقاط العبرة، دروسا في الكشف عن أسبابه، واول هذه الأسباب أن الإنسان ليس مجبولا على العنف، غير أنه يكون أشد ضراوة من الوحش عندما يتعرض الى ( الإحباط اليائس ) .. أعني عندما يعاق أو يحرم من تحقيق أهداف وإشباع حاجات يراها مشروعة، مصحوبة بمشاعر الحرمان النفسي، وبخاصة  عندما يدرك أنه أو جماعته يحصل على أقل من استحقاقه، أو أن جماعته تحصل على أقل مما تحصل عليه الجماعات الأخرى   .

وثاني هذه الأسباب، أن اللاشعور الجمعي للمجتمع له دور فاعل في تحديد سلوكه الجمعي . وبما أن اللاشعور الجمعي للعراقيين معبأ بالعنف ومبرمج من ألف عام على تشغيله في  حل الصراعات، ومشحون  بالثأر والحقد، فأن العراقي يستحضر هذا الانفعال – لا شعوريا  – في حل أزماته المعاصرة.

وثالث هذه الأسباب، أن السلطة في العراق كانت بيد السنّة من ألف عام، فيما كان الشيعة في المعارضة . وأن ما حصل الآن هو تبادل للأدوار، شبيه من حيث فعله النفسي، بتبادل دوري السيد والعبد . وهذا يعني أن العنف لا بد أن يحصل في المجتمع المتعدد الطوائف والأعراق، اذا انفردت بالسلطة طائفة أو قومية بعينها .

ورابعها أن وجود الأجنبي في أي وطن كان وبأي مسمّى كان ( محتل، محرر ... ) تثير في ابن الوطن الإحساس بالذلّ والإهانة والتحقير والاستلاب، وتستنهض فيه –  بحتمية نفسية –  مشاعر الكرامة وردّ الاعتبار، تدفعه إلى العنف، ليس فقط ضد المحتل بل وضد من يستميلهم المحتل من الناس، خوفا من أن يستفرد المتعاونون مع المحتل بالسلطة وبالمصالح  .

وخامسها، يذكرنا بواقعة حدثت في احتلال العراق أيضا . فقد زار القائد العسكري البريطاني ( لجمن ) قبيل اندلاع ثورة العشرين، المرجع الديني ( الشيرازي ) في النجف وعرض عليه أن يأتيه بمفاتيح روضة الإمامين في سامراء ( وهي بيد السّنة ) ويعطيها للشيعة، فرفض ( الشيرازي ) وعاد ( لجمن ) خائبا، وبعث بطلب الشيخ ( ضاري –  من وجهاء السّنة ) وقال له :  كيف تطيعون فتوى الشيرازي وهو مرجع للشيعة ؟ . فاجاب الشيخ ضاري : والشيرازي مرجعنا أيضا  !.

وهذا هو الموقف الذي نفتقده اليوم، وبدونه تتأجج أسباب العنف وينفجر في حرب أهلية لا يعوزها، في حاضرها الآن سوى الإعلان عنها  .

وثمة مسألة نوجز بالإشارة إليها  هي أن مجتمعنا الحالي فيه شخصيتان عراقيتان لا شخصية عراقية واحدة . الأولى، شخصية آبائنا التي كنا نفاخر بقيمها الأصيلة ( الشرف، الإيثار، النخوة، التكافل الاجتماعي، الخوف من العار ومن فعل الحرام...) وهذه في طريقها الى الاندثار . والثانية، يمثلها جيل بعمر الثلاثينات فما دون ..ولّد ونشأ في زمن حروب وكوارث متنوعه ! . ومعروف أن الحرب لا تدمر فقط البنى التحتية والفوقية، إنما البنى القيمية للإنسان . استحضروا ما أفرزته الحرب العالمية الثانية في خمس سنوات . فكيف إذا حدثت حروب وكوارث هائلة في وطن واحد استمرت فيه لربع قرن وبدأت العدّ في ربع قرنها الثاني !.

 

الاحلام .. من فرويد إلى الحاج عودة !

 

ما من احد منا لا يحلم، واختلافنا ليس فقط في محتوى احلامنا، بل وفي تفسيرنا لها، ويبدو انها مسألة قديمة . فالتلمود يرى أن الاحلام هي رسائل من ذواتنا إلى ذواتنا . وفيما يزعم سقراط أن الاحلام هي اللغة التي يتكلم بها (( صوت الضمير )) فان افلاطون يصفها بأنها رغبات تستيقظ اثناء النوم . وكان الاقدمون يعتقدون بأن للاحلام وظيفة تشخيص المرض، وانها رؤى وتكهنات صادقة، فيما وصف فولتير الفكرة القائلة بان الاحلام قادرة على التنبؤ باحداث المستقبل بأنها سخافة من السخافات . غير أن العالم النفسي الاجتماعي المعروف ( فروم ) يرى أن الاحلام تعبير عن جميع اشكال النشاط الذهني سواء كانت عقلانية ام غير عقلانية، أي انها تعبير عن افضل ما فينا وعن اسوأ ما فينا ايضا .

على أن فرويد يعد ابرع واجرا من انشغل في تفسير الاحلام، اذ يرى أن معظم احلامنا هي اشباع خيالي لدوافع مكبوتة وحاجات تعذر تحقيقها على صعيد الواقع، وانها ذات محتوى جنسي حتى تلك التي تبدو لنا بعيدة عنه . وانصافا لفرويد، فان تفسيره الجنسي لرموز الحلم لا علاقة له بشخصيته، فالرجل كان متعففا ومحتشما  ولم ينغمس قط – كما يرى البعض – في الملذات الجنسية والعبث والتمرد على القيم الاخلاقية الذي كانت تعيشه فينا عاصمة النمسا التي عاش فيها .

وكان أن زارني (( الحاج عودة )) وهو رجل ظريف يداري هموم دنياه بالنكتة فسألته عن احلامه ... اعني ما يراه في المنام، فقال :

+ (( حسافة على احلام ليالي زمان . اخرها يادكتور حلمت عندي مشحوف ( زورق ) وطار الهور ... انخرم المشحوف وغرك وظليت افوج واذا بحورية تسحبني من يدي وتعبرني لذاك الصوب، وبعد شهرين عبرت الشط فعلا ورحت خطبت الزايرة - يقصد زوجته . ))

_  بيها الخير، واحلامك الان حجي عودة ؟

+ (( الله يخليك دكتور، هي بقت احلام.. الليل والنهار صاروا كوابيس )) . وروي لي حلما  لا ادري ما اذا كان حقيقة ام من تأليفه، بأنه جرى اختطافه وانهم قيدوا رجليه ويديه وقمطوه كما الطفل، وان احدهم تربع على صدره عندما وضع السكين على رقبته، وقال له بلطافة : (( دير بالك حجي لا تتحرك ترى السكينة عمية ! )) .

وعلى رأي فرويد القائل بأن الاحلام هي اشباع خيالي لحاجات لا يمكن تحقيقها على صعيد الواقع، فان احلام حاج عودة الاخرى تكون في نسمة هواء لطيفة تداعب لحيته البيضاء من سبلت اجنبي ( موعراقي ! ) وقدح ماء بارد من الثلاجة ليس من صنع الطارمية .......... وان يرى بغداد من (( مزبلة )) توجع القلب إلى ايام كورنيش ابو نواس ... وان لا يرى في التلفزيون شيئين : الانفجارات و ( بوش ) الذي كلما ظهر فيه يقول (( لقد حققنا تقدما كبيرا ً في العراق ! ) .

 

كلنا متعصبون .. وعصابيون ايضا !

 

قد يوجد بينكم من يرى في هذا العنوان استفزازا، لأنه لا يستثني  أحدا فيما يرى في شخصه استثناءاً بعيدا عن التعصب، وخال تماما من الأمراض النفسية . وهذا النفر، اعني الذي ينكر أو يبرأ نفسه من كليهما (( التعصب والعصابية )) هو المقصود تحديدا !. والمصيبة أن هذا النفر صار لدينا بحجم أمّة . فالجميع (( يلعنون )) التعصب .. ولكن بأفواههم، فيما هم متعصبون حدّ النخاع إذا حقت الحاقة، وقد حقّت في اكثر من مشهد، فأثاروا فينا الخجل علينا وعليهم، وتأسينا من أجلهم، و(( لعنهم )) بعضنا في داخله، وبعضنا راح (( يقضمهم )) علنا، وبشهية !.

لنتحدث عن التعصب بلغة العلم بعيداً عن لغة السياسة التي صارت وجبة مفروضة علينا في الصباح لنتقيأها في المساء، فنقول : إن التعصب يعني النظرة المتدنية نحو جماعة، بخفض قيمتها، وإصدار حكم غير موضوعي بحقها قائم على تعميمات غير دقيقة، لا لسبب إلا لأنها تختلف في العرق أو الدين أو الطائفة أو أي فرق آخر له دلاله اعتباريه . وهو بهذا الوصف اتجاه سلبي وعدائي غير منطقي، يفضي بالضرورة إلى عزلة الجماعات عن بعضها البعض، وتقدح احياناً زناد الحروب والكوارث .

طبقوا هذا على المجتمع العراقي - والعربي بسياقات أخرى - ستجدون أن حياتنا كانت (( متخمة )) بالتعصب . فعلى الصعيد الاجتماعي، هنالك عشائرسنّية لا تعطي امرأة لشيعي، وعشائر شيعية لا تعطي امرأة لسـنّي، وعشائر كردية لا تعطي امرأة لعربي ( باستثناء حالات لها أسبابها )، وعشائر عربية لاتعطي  امرأة  لكردي . وهنالك عشائر تسمى (( الساده ))  -  نسبة  الى النبي(ص) - لا تعطي امرأة إلا لمن كان (( سيداً )) . بل أن اكثر من عشيرة في (( الساده )) تحصر زواج بناتها بأولاد العشيرة، ولا تعطيهن لغيرهم حتى لو (( تبور ! )) .

ومارسنا التعصب المؤسسي على صعيد الدولة . فواقع الحال يشير إلى أن اكثر من (90%) من مواقعها العليا، شغلها أشخاص من طائفة معينة على امتداد تاريخها من عام 1921 لغاية  2003.  أما التعصب العرقي والطائفي فتحدثكم عنهما حلبجة والأنفال والمقابر الجماعية .

كل هذا ونقول عن أنفسنا بتباهي : لسنا متعصبين !. والامّر من ذلك أننا نمارس نفاقاً بحيلة نفسية نرمي من خلالها مابنا من تعصب على النظام السابق ونظهر أنفسنا للناس كما لو أننا ولدنا في مجتمع ليس على هذه الأرض، فيما نعلم أننا نخدعهم، ونعلم  انهم يعلمون  أننا نخدعهم !. والمضحك المبكي، أننا مستمرون بلعبة المخادعة هذه، و (( مستمتعون ))  بها بالرغم من أنها سخفة جداً.

 

إن الخطوة الاولى في خفض التعصب هي أن نعترف جميعنا بتحيزاتنا لجماعتنا . وان نكون على دراية بها ومدركين لعواقبها المؤذية . وطبيعي ليس من السهل ان نخلّص أنفسنا من تحيزاتنا التي ترسبت وتكلس كثير منها في خلايا معتقداتنا وأمزجتنا . ولكن من الممكن السيطرة على ردود أفعالنا التعصبية التلقائية . والأهم ان لا تكون الوزارة محسوبة لطائفة أو عرق أو دين معين، لتصبح الوزارات عشائر وطوائف واديان، وتغدو لها أسماء أخرى يبتكرها العراقيون المحبون للنقد و(( التصنيف )) و (( الحسجة )) الساخرة .

أما العصابيه، فمن مظاهرها  : التوتر والانفعال والغضب والتهيج، والغمّ، وصعوبات في كبح الدوافع نحو : ( الأكل، الشرب، التدخين…) ومعتقدات غير عقلانية، ومطالب بالغة الكمال مفروضة على الذات، وقلق وتشاؤم لا يمكن طرده , وشعور بالعجز , والبحث عن إسناد عاطفي أو حب (( بكبر البحر! )) .

واعلموا أن  ادراكنا لما بنا من هذه الأعراض يمكّننا من السيطرة على سلوكنا . أما من كان بينكم، اعني عراقيا عاش ربع قرن من الحروب والكوارث و(( يحمد ربه )) انه سليم معافى من هذه الأمور، فأنه في حقيقته أحوج الناس الى طبيب نفسي ! .

 

لجنة صياغة الدستور و وزارة البيئة ...مع التحية

 

قد يرى بعضكم فيما سنطرحه نوعا من (( البطر )) عندما يوازن بين طلبنا وحال وطن ينطبق عليه قول الشاعر : ((تمزقت حتى لم اجد فيك مرقعا )) . فقد يجد في دعوتنا الى بيئة صحية وجميلة انها مطلب ثانوي ازاء قائمة من الاولويات تتزاحم على موقع الصدارة . وقد يجد في طلبنا تضمين الدستور مادة تنص على احترام البيئة وعدم اهانتها، نوعا من السفاهة، وقد يعلّق على ذلك ساخرا : (( عرب وين، طنبوره وين)).والحق اقول، اننا جميعا لا نملك وعيا ثقافيا بخصوص مدى حجم تأثير البيئة في صحتنا الجسمية والنفسية، بل حتى في سلوكنا ومزاجنا ومايصيبنا من اضطرابات انفعالية . وقد لا يعلم بعضكم انه من ربع قرن ظهر علم جديد اسمه((علم النفس البيئي )) بعد ثبوت تأثير البيئة وتزايد مخاطرها . وتشكلت، فضلا على انصار البيئة ....، فرق علمية في العالم المتقدم بميزانيات ضخمة لدراسة العلاقة المتبادلة بين البيئة وسلوك الانسان وتفاعلات بين الافراد ونوع البيئة التي يعيشون فيها، وخرجوا بدراسات تفيد ان البيئة السيئة والمزعجة تكون محمّلة باربعة انواع من المثيرات   :

الاول : الضغوط المستديمة مثل : الحرارة والمناخ والاكتظاظ والاصوات المزعجة . وهذه موجودة بحدها الاقصى في البيئة العراقية، من زحام المرور الى حرّ تموز ... الى هورنات التاتا (( وعلى ذكرها، نظرت محاكم بريطانية في شكاوى اشخاص تتعلق بالتوتر النفسي الناجم عن الاقامة في مناطق سكنية تتعرض للضجيج، واصدرت عقوبات بالغرامة والحجز، فهل سيأتي يوم لأصحاب التاتا والجار المزعج ؟(( .

الثاني : الضغوط الفجائية مثل : الحروب والكوارث وما تسببه من تلوث . وهذه تكون شديدة التأثير وتصيب المجتمع بكامله ولها اثار مزمنة . وتشكل البيئة العراقية (( انموذجا )) بين بيئات العالم في تجسيدها لهذا النوع من الضغوط  .

الثالث : الضغوط الحياتية وفي مقدمها : الطلاق والبطالة وموت الاعزاء . ولا توجد بيئة في العالم توازي اليبئة العراقية في هذا الشأن لاسيما بعد الاحتلال وتحول البيئة العراقية الى ساحة للارهاب تعج بالبارود  .

والرابع : الضغوط التراكمية وتحصل من تراكم المنغصات الصغيرة التي تؤدي الى التوتر . ولاحاجة للاشارة الى ان (( حوصلة )) العراقي ممتلئة الى اقصاها بالمنغصات من ربع قرن .

وقد لا ينتبه بعضكم الى ان جيلا كاملا من الشباب ( ونسبتهم في مجتمعنا اكثر من 50% ) ولّد في ضجيج ونشأ في ضجيج ولا يزال يعيش في الصّخب والضجيج . وان من يعتاد على الضجيج والصخب – وهذه حقيقة سيكولوجية – يصاب بحدّة المزاج والقلق والميل الى العدوان . فضلا على ان هذا الجيل لا يمتلك ثقافة بيئية متحضرة . فلقد شاهدت طلبة جامعات يرمون نفاياتهم على الارض بالرغم من ان الكلية وضعت سلالا وحاويات كتب عليها ( حافظ على نظافة كليتك ) وعلّقت على الجدران ( النظافة من الايمان ! (.

والمفارقة، ان وزارة البيئة انفقت الملايين لعمل لوحات انيقة تدعو الى المحافظة على البيئة فيما لم تفعل شيئا بخصوص مصفى بيجي مثلا، الذي يسّرب مخلفاته الصناعية في نهر دجلة، او معمل الطاقة الحرارية في صلاح الدين الذي يلقي هو الاخر في نهر دجلة مياهه الصناعية التي تحتوي على قواعد وحوامض ومياه صرف صحي، او معمل الاسمدة الكيماوية الذي يصّرف مياهه الصناعية المحملة باليوريا في دجلة ايضا ! . وحالات اخرى لو اطلعتم عليها لوليتم منها فرارا !.

ما نامله من أن يكون تضمين حقوق البيئة العراقية في الدستور ضمانته لحقوق الانسان . وما نتمناه على وزارة البيئة ان تضع برنامجا علميا يبدأ باشاعة (( ثقافة البيئة )) اولا . وان لاتكون قد جمعت موظفيها على وفق المعايير السابقة، التي يأتي في ذيلها معيار الخبرة بعلم البيئة !.

 

إلى  وزارة  التربية ... مع  التحية

 

أفادت البحوث  العلمية الصادرة بعد العام ألفين  بأن للانفعالات تأثيراً في التعلم والتذكر. إذ تأكد مختبرياً أن الرسائل الكيميائية العصبية الناقلة للمعلومات، تزيد سرعتها أو تنخفض تبعاً للحالة الانفعالية المصاحبة للمعلومة، وأن ((قرين آمون)) في الدماغ - الذي من دونه لا يمكن تعلم أي شيء جديد -  يستقبل المعلومات التي تأتيه بمزاج ((رائق)) و((ينزعج)) من المعلومات التي تأتيه بمزاج عكر.

وللتدليل على اثر الانفعالات في التعلم، درّست((الموسيقى))لإثارة الانفعالات وتعّرف مدى تأثيرها في التعلم والتذكر. والمدهش انهم وجدوا أن الموسيقى تعمل على تقوية التعلم والتذكر عن طريق ثلاث مهمات :

* الأولى ؛ إنها تنعش المرسلات أو النواقل العصبية الحاملة للمعلومات .

* الثانية ؛ إن اللحن الموسيقي يعمل بوصفه عربة للكلمات ويمارس بسهولة .

* الثالثة ؛ زيادة قوة الترابطات بين الأفكار.

وتوصل أكثر من بحث إلى أن الموسيقى تعد عاملاً حاسماً للنشاطات المعرفية اللاحقة، وإنها تحفز الذكاء الانفعالي بوصفه طريقة فاعلة في التواصل تتخطى حدود الكلمات المنطوقة أو المكتوبة، وإنها تسهل عملية تشكيل الاتجاهات العقلية والميول والاهتمامات بشكل غير شعوري .

وأفادت بحوث أخرى بأن أداء الموسيقى يشغّل نقاط التشابك الدماغية، ويزيد من نشاط آلية الدماغ وقدرته . ولوحظ من خلال تصوير الدماغ في أثناء الاستماع للموسيقى، أن القشرة الدماغية بأكملها تكون نشطة . وأجمعت هذه البحوث على أن الموسيقى تحقق الفوائد الآتية :

* تسهيل اكتساب اللغة والاستعداد القرائي .

* تسهيل التطور العقلي بشكل عام .

* تقوية الاتجاهات الإيجابية .

* التقليل من غياب الطلبة عن المدرسة .

* والارتقاء بالتطور الاجتماعي،والتكيف المدرسي، واحترام الذات .

وعلينا أن ننبه إلى أن ((الصورة النفسية)) المتشكلة لدى تلاميذنا وطلبتنا عن المدرسة هي صورة سلبية، لأن المدرسة كانت على مدى اكثر من ربع قرن مكاناً لتدريب ((الجيش الشعبي)) ومقرات لاجتماعات الكوادر الحزبية، ومخازن للأسلحة . وإنها كانت مستهدفة، وجرى ضرب الكثير من المدارس بالصواريخ والقنابل . وحتى  ((رفعة العلم)) فيها أيام الخميس، كانت مصحوبة بطلقات ((الكلاشنكوف)) . فامتلأت الذاكرة النفسية للطالب عن مدرسته بصور الحرب واقترنت بمشاهد الدمار وموت الأحبة .

وفي يقيني أن افضل وسيلة لتأسيس علاقة حميمة بين الطالب والمدرسة هي الموسيقى...أن تستقبل المدرسة صباحاتها بالموسيقى، ولتكن في الفرص بين الدروس أيضاً . وسترون أن الموسيقى لا تساعد على التعلم والتذكر فحسب، بل تقلل أيضاً من حالات العدوان والعراك بين التلاميذ، وتعّدل مزاج التلميذ والمعلم ايضا .

 

10% فقط. ..نزيهون  في  العالم

 

في دراسة عالمية شملت عينة من البلدان المتقدمة والنامية والمتخلفة، تبين أن هنالك (10)% من موظفي الدولة نزيهون (( خالصون )) ؛ أي أن بين كل مائة موظف يوجد عشرة فقط لا يسرقون ولا يرتشون ولا يختلسون ولا يزوّرون حتى لو توافرت لهم الفرصة لذلك. مقابل هذا يوجد (10)% فاسدون (( خالصون )) ؛ أي بين كل مائة موظف هنالك عشرة موظفين يرتشون ويسرقون و ....حتى لو كانوا ليسوا بحاجة الى ذلك . وإن هؤلاء لا يمكن اصلاحهم (( ما تصير لهم جاره )) كما لو كانوا فاسدين بالفطرة .

أما الـ(80)% فهم بين النزاهة وعدمها . والأمر مرهون بالظروف والموقف والفرصة. فإذا كانت الظروف غير مستقرة سياسياً، والقانون هش، والموظف يعيش هاجس القلق من المستقبل، والمجتمع يعيش حالة اضطراب اجتماعي ونفسي، فإن نسبة كبيرة من ال(80)% من موظفي الدولة يندفعون أو يتورطون في ممارسة الفساد المالي والاداري . والسؤال : ترى كم من هذه ال (80)% بين موظفي الدولة العراقية يمارسون هذا النوع من الفساد ؟.

أنا شخصياً، شاهدت بأم عيني موظفين ( محترمين ) غير معوزين وموظفات محجبات ( حد الحنك ) ينهبون ما خف وزنه وغلا ثمنه في (9)نيسان 2003م . وأن عدوى الفساد انتشرت آثارها بين الناس لتتشكل منهم فئة دخلت التأريخ باسم (( الحواسم ))!.( وظهرت بعدهم فئة باسم النوادم ! ) .

ولأن الظروف تردت من سيء الى أسوأ ( بطالة ..عنف..نهب ثروات البلد عينك عينك ..)، فكم من هذه الـ(80)% يغيرهم الحال، أو الشعور بالحيف، أو يضطرون أو يتورطون أو ( يتشاطرون ) في السرقة والنهب والاختلاس والرشوة ؟ . لنكن متواضعين، ولنقل (30)%. فإذا أضفنا لها الـ(10)% الفاسدين بالفطرة، يكون المجموع (40)% . هذا يعني اذا كان لدينا مائة ألف موظف في وزارة معينة فإن بينهم (40) ألف موظف يمارس أو مستعد لأن يمارس الفساد المالي والإداري . وقد يزيد العدد الى أكثر من ذلك في الوزارات ( الدسمة ) كوزارتي النفط والمالية مثلاً . ويبدو أن  التقارير الدولية لعام 2006، كانت على صواب عندما أشارت الى أن العراق أصبح إحدى الدول العشر الأولى في العالم التي يشيع فيها الفساد المالي والإداري !، والدولة العربية الأولى فيما لبنان السادسة.

وما نريد أن ننوه اليه عن جد، هو أن الأسباب السياسية ما عادت تحتل الآن المرتبة الأولى في تغيير الأنظمة السياسية . فلقد تراجعت لصالح سببين، الأول هو الفساد المالي والاداري، والثاني هو الاضطرابات الاجتماعية . فإذا توافر واحد منهما فإنه يمكن أن يطيح بالنظام السياسي للدولة، كما حصل في اندونيسيا التي كانت تحتل المرتبة الأولى في الفساد المالي والإداري. فكيف إذا توافر السببان!. وكيف اذا صار ينظر الى النفسدين (من السياسيين ورجال الأعمال) والفاسدين (من كبار الموظفين وصغارهم) أنهم (شطّار) وليسوا (حرامية!).

أغثنا يا من بيدك الغوث! .

 

مرض  الكراهية

 

ثمة صنفان من البشر، أحدهما مصاب بمرض الحب والآخر مصاب بمرض الكراهية . ولا أدري أن كأن ذلك بفعل الخالق أم المخلوق، اعني ما إذا كان الله خلقهما هكذا لحكمة في أمره أم أنهما نتاج الناس الذين عاشا بينهم ؟. واضرب على ذلك مثلا نزار قباني والحطيأة الذي هجا حتى نفسه من شدة كرهه لها .

والغريب في طبائع البشرية أن مزاجها يتقلّب من زمن إلى آخر. فبعد زمن من الكراهية دخلت البشرية في زمن آخر أنتشرت فيه (( عدوى )) الحب..أعني زمن الرومانسية التي شيعنا تابوتها في الربع الأخير من القرن الماضي، بعد أن ودعتنا في الخمسينات بأمتع الأفلام وأعذب الروايات والقصص والأشعار المفعمة بأنبل عاطفة أنسانية..الحب، لا كما هو الحال ألآن حيث بالكاد نشاهد فلما عن الحب ( مثل: ساهد في سياتل ) أو تقرأ قصيدة غزل تنعشك وتعزف على أوتار قلبك في محبة النفس والناس والطبيعة . فمعظم القصائد التي تنشر في صحفنا قصائد مآتم : فواجع ومآسي، ومراثي ويأس، أو تهديد بتدمير الآخر وتوق إلى الموت .

ويبدو لي أن ثمة معادلة نفسية في الأنسان هي : إذا ضعف النقيض النفسي ظهر نقيضه النفسي إلى الوجود . وبما أن الحب قد تراجع في مجتمعنا، فأن الكراهية قد ظهرت الآن بين الناس، ويعود ذلك لسببين الأول : أن الأحداث وتصرفات السلطة الجديدة أشعلت النار تحت قدر (( التعصب )) الكامن في أعماقنا، وأننا لم نعمد إلى أن نخمد ناره عندما اخذ يسخن، بل زدنا في الحطب والزيت... فكان الغليان . وافضع أنواع الكراهية شرا تلك الناجمة من التعصب لاسيما الطائفي، والعرقي اللذان ينذران باتساع حجم الكارثة.

والسبب الثاني لشيوع الكراهية هو (( الاستغلال )) . وهذه نظرية تقول : عندما تتضارب مصالح جماعة أخرى، فأن أفراد كل جماعة منهما سيعملون على حماية مصالحهم، وستعمد الفئة الأقوى الى التقليل من فرص الفئات الأخرى، وتحقيق مكاسب على حسابهم، لاسيما إذا لم تكن هنالك قوانين وأعراف ومعايير تحرّم الاستغلال، ولا يختلف اثنان على أن هذا واقع حال ( بأبهى ) صورة .

والمصيبة أن السياسيين لا يقتنعون بأن هنالك قانونا نفسيا هو أن الكراهية – إذا لم يحصل لها تنفيس – تفضي حتما إلى الانتقام، وكأنهم عن أحداث الأمس القريب غافلون ! .

 

اعمار الضمير

 

كان الرأي الشائع عن الضمير أنه (( صوت الله في الإنسان )) ولما كثرت ذنوب الناس وخطاياهم وصاروا أكثر قسوة من الوحوش التي لا تعرف الله تراجع لصالح رأي آخر يقول بأن الضمير (( انعكاس العادة في عقل الفرد )) أي ما اعتاد عليه الفرد في تكوين أحكامه الأخلاقية . وتراجع أيضا لصالح رأي ثالث يرى أنه (( الإحساس الخاص الذي يميز بين الخير والشر )) ويكون على نوعين : إحساس مباشر بالصالح والطالح ناجم عن الفطرة، وإحساس يميز بين الصح والخطأ ناجم عن التعليم والتهذيب .

وعلى وفق ما يرى فرويد، فأن العقوبات التي يفرضها الوالدان على الطفل تؤسس لديه ما نسميه (( الضمير )) فيما تشكل الاثابات ما نسميه (( ألانا المثالية )) وكلاهما يشكلان (( ألانا الأعلى )) الذي يعمل على معاقبة السلوك المنافي للأخلاق، ويكافيء السلوك الذي يلتزم بها .

غير أن الضمير يتخطى حدود هذه الأوصاف إلى كونه عاطفة وجدانية، بل أنه يكاد يحتوي كل العواطف بما فيها عاطفة الحب، لأنه يوازن بين الخير والشر، والفضيلة والرذيلة، والجميل والقبيح . وفات فرويد بأن المجتمع – وليس الوالدان فقط – له دور رئيس في تشكيل الضمير . وأن الازمات إذا ما اشتدت فأن النفس تدخل في حوار معه، وتتحايل على المتردد منه بإقناعه أن ( الضرورات تبيح المحضورات ) . وهذا ما حصل عند السقوط . فالكثير من الأشخاص الذين نهبوا، والكثير من الموظفين والموظفات ( بينهن محجبات ! ) الذين سرقوا خزائن مؤسساتهم، كانوا أبناء اسر محترمة لكنهم ساعتها حسموا الأمر مع ضمائرهم وصاروا من الحواسم . (( يقال أن فئة جديدة ظهرت اسمها – النوادم – تؤنبهم ضمائرهم أنهم ما كانوا من الحاسمين ! ) ) .

والكارثة الأخلاقية التي أصابتنا ونحن عنها ساهون، أن الضمير لدينا تعرض على مدى ربع قرن إلى (( قصف )) من ثلاثة مصادر : النظام السابق، والاحتلال،  والحكومتان الأولى والثانية  . الأول، عمد إلى (( قصف )) الضمير باستهداف مقصود، فيما أجهز الاحتلال على الضوابط التي تحكم الضمير ... القانون والنظام، فأشاع النهب والسرقة والاختطاف والقتل ... حتى وصل الحال إلى سلب ما بجيب الذي تحولّه المفخخات إلى جسد محترق، وهو أمر ما عرف عن العراقيين حتى في زمن العياريين .

أما الحكومتان الأولى والثانية، فقد تهرأت في زمنهما الخيوط المتبقية من النسيج الأخلاقي للضمير بالفساد الإداري .. التعيين الطائفي والحزبي، والفساد المالي بالرشا ونهب المال العام .

لقد رصدت مليارات الدولارات لإعمار العراق . وسيأتي يوم تبنى في مدنه ناطحات سحاب مادام يطفو على بحر من النفط . والكل منشغل بها حتى الكونغرس الأمريكي الذي اكتشف مؤخرا ضياع معظمها ... ولا احد يلتفت إلى إعمار الضمير الذي صار عند معظم الناس ما بين محتضر ومعطّل ومدفون إلى حين !.

 

سايكولوجية  السلطة  والشاعر

 

القاريء للعلاقة بين السلطة والشاعر من بدء الدولة الأموية الى الان، يجد أنها تتمحور في موقفين : إما أن تغدق على الشاعر ليكون مدّاحها وإذاعتها وإعلامها، وإما أن تضطهده اقتصادياً ونفسياً، وأن تطلّب الأمر تصفيته جسديا ً.

قليل من الخلفاء والسلاطين والأمراء في أمتنا تصرفوا مع الشعراء والفنانين تصرفاً حكيماً وإنسانياً و( براجماتياً )، كما تصرف الملك ( فيليب ) مع الفنان ( فيلاسكس) . فقد كان هذا الفنان مشتركاً في مؤامرة ضد الملك الاسباني فيليب، فأعدم المتآمرين جميعهم إلا فيلاسيكس الذي جعله فنان البلاط .

كان قتله سهلاً كالآخرين، غير أن الملك فكر بذكاء بأن الموهبة تكون في العادة نادرة، وأنه يمكن أن يستثمرها، فكان له ما أراد، إذ أنتج فيلاسكس لوحات فنية رائعة خلدت الملك فيليب . لكن الأهم أنها شكلت انعطافة جديدة في تطورالفن الاسباني، على العكس تماماً من موقف سلطة فرانكو التي أعدمت شاعر اسبانيا العظيم الشاب ( لوركا )، فخسرت اسبانيا والانسانية موهبة وعبقرية لا تعوض .

أما في تأريخنا العربي الاسلامي، فالحال أدهى وأمرّ، أتركُ استحضار مآسيه لذاكرتكم . لكن اللافت أن سايكولوجية العلاقة هذه بين الشاعر ( والفنان والعالم والمفكر) وبين السلطة لم تتغير. فعلى سبيل المثال، لنأخذ الشاعر (عبد الرزاق عبد الواحد ) . فما الذي فعله أكثر من مدحه لصدام حسين . والواقع أن مدحه كان لقاء ثمن يحتاجه مزاج الشاعر، بيت قيل عنه أنه فاخر. وكان ( السلطان ) ينفذ له رغباته، حتى إنه طلب منه ذات يوم أن تكون في البيت (مسنـّايه) ...فكانت !.

وعبد الرزاق لم يفعل أكثر مما فعله شاغل الدنيا الهائل العظيم ( المتنبي ) الذي مدح حاكماً وضيعاً مغتصباً للسلطة ليوليه على إمارة ولو بسعة مدينة حلب . ولما لم يستجب كافور لطلبه هجاه المتنبي بأفظع ما في قاموس لسان العرب من مفردات  . ولم يفعل أكثر مما فعل شاعرنا الخالد الهائل العظيم .. ( الجواهري )  الذي كان سكرتيرا للملك فيصل الأول ومدحه بقصائد كثيرة . ومدح ملك المغرب وملك الأردن  (يبن الملوك وللملوك رسالة ... من حقها بالحق كان رسولا )، وحتى نوري السعيد ( أبا صباح وأنت العسكري ..) . ومدح أحمد حسن البكر وصدام حسين : ( نعمتم صباحا قادة البعث واسلموا..) ثم هجاهم شرّ هجاء بعد انقلاب رمضان الدموي عام 1963 : (أمين لا تغضب وان أغرقت ...عصابة بالدم شهر الصيام  / وان غدا العيد وأفراحه ...مأتما في كل بيت يقام ) . ويبقى هو الجواهري صاحب الروائع الخالدات : ( أخي جعفرا، قف بالمعرة، يا دجلة الخير ...).

وكذا الحال مع مزاج الزعماء . فالجواهري كان قد مدح عبد الكريم قاسم، ولما ساءت العلاقة بينهما سجنه، ثم أمر باطلاق سراحه بكفالة قدرها ( خمسون فلسا ) بقصد اهانته .

ثم ألم يكن هو أفضل من شعراء ( كبار) نعرفهم يتنفسون الآن هواء الوطن المحروم منه ؟. ومَن مِن هؤلاء الشعراء نظم قصائد وجدانية غاية في الرقة والمشاعر الانسانية الراقية كالتي نظمها عبد الرزاق ؟ . ومن من شعراء الإسلام، والشيعة تحديدا ً، نظم قصائد في (الحسين ) و( الحر الرياحي ) كالتي تدفقت بها عبقريته، وهو الصابئي أصلاً وفصلاً ؟ . ثم من ( الأخطر)، إن كان في الأمر خطورة سياسية أو أخلاقية، الشاعر العبقري والفنان الموهوب والعالم المبدع، أم آلاف البعثيين من ضباط الشرطة والجيش والمخابرات و أساتذة الجامعة والمدرسين والمعلمين والموظفين الكبار الذين أعيدوا الى وظائفهم ؟!

أنا شخصياً أكره في عبد الرزاق عبد الواحد سلوكه، وأدين مدحه للطغاة والطغيان برغم ظروف المرحلة وطبيعتها . غير اننا لا نختلف بشأن عبقريته الشعرية، بل أكاد أضع موهبته فوق منارة لا تقل علواً عن منارات المتنبي والجواهري والمعري . فلماذا نضحي بعبقرية شاعر في عصر صار فيه ميلاد شاعر معجزة،..عصر الكومبيوتر الذي لا يجود لنا زمانه بشعراء وفنانين ومبدعين كما جادت به الأزمنة من قبله ؟ . ولماذا لا نتفق من الآن على أن يكون هؤلاء، أعني الشاعر العبقري والفنان الموهوب والعالم المبدع والمفكر الأصيل خارج (( الممنوع من الصرف ...السياسي؟ ! ))  .

 

انترنت .. في بلد العجائب

 

يصفون العراق بأنه (( بلد العجائب )) . وفي هذا  يقول الجواهري : (( ابا الفرسان لا عجب فإنّا ... نؤدي فدية البلد العجيب )) . ومن عجائبة الجديدة التي تجعلك تستلقي على قفاك من الضحك المبكي، ان سرقة السيارات صارت تسمى ( اخذ السيارات ) وبالتالي فهي – في عرفهم – مهنة مشروعة لها قواعد واصول، وفيها (( ابداعات )) تفوق الخيال . منها ان راكبا قال لسائق التاكسي الذي يقلّه انه عطشان، فوقف من اجله عند اول بائع، فاشترى قنينة مرطبات لنفسه وتكّرم بالاخرى للسائق( المعبأة بمخدر باتفاق بين السائق والبائع) . وما ان شرب هذا حتى غطّ  في غيبوبة ليجد نفسه بعدها ملقى على الرصيف ومعه قنينة المرطبات . ومن يدري أن شبكة أخذ السيارات – ولا تقل سرقتها فيزعلون عليك وزعلهم حيل صعب -  ستنشىء موقعا لها على الانترنت يدلك على كيفية استرجاعك سيارتك المسروقة ( المأخوذة ! ) .

ليست هذه الحكاية المّرة  هي الموضوع انما (عجيبة الانترنت) التي تمنينا أن نضيفها الى عجائبنا، ولكن ما أن دخلت بيوتنا حتى صرنا نخشاها . فقد اتهمها بعضهم بأنها أشد فسقا من الفاسق والفاسقة . وأنها هدامة البيوت ومفككة الاسرة . وأنها خبيثة..باثة للشك، وعدم الثقة بين الزوج والزوجة . فقبل أشهر – وهذه حادثة حقيقية - عمد أحدهم الى مغازلة زوجته عبر الانترنت باسم مستعار، واستدرجها الى أن أعطاها موعدا للقاء ..فكانت الفضيحة وكان الطلاق، بعد أن أثبت خيانتها بالجرم المشهود !.

ولأننا شعب كان محروما من كل شيء الا الهواء، ومأزوم نفسيا وجنسيا، فقد صارت الانترنت في ا لبيوت وفي نواديها الجامعية والعامة، مصدرا لاشباع ما حرمنا منه . ولأن فينا حاجة للتنفيس عما هو مكبوت، فقد اتخذناها ( صديقا، صديقة ) للبوح بالأسرار من خلال الدردشة (chat )، حتى وصل الحال ببعض الشباب الى الادمان عليها .

وإذا كان يتعذر على الشاب مشاهدة فلم أجنبي في تلفزيون الأسرة، فقد صار سهلا عليه الوصول  الى المواقع الاباحية عبر الانترنت، وتوفرت له فرصة إقامة علاقة عاطفية بل علاقات .

وأمست الانترنت مصدر إزعاج للزوجة التي يقضي زوجها ساعات ليله في تصفحها، فتفسره بأنه حجّة للهرب منها، حتى صارت تنظر لها كما لو كانت ( ضرتها ) .

ومن طريف ما حصل لي أنني تلقيت رسالة عبر الانترنت من ( وزيرة العمل ) في دولة أفريقية، خلاصتها أن لديها عشرة ملايين دولار في أحد البنوك السويسرية مسجلة باسم زوجها الذي توفي في حادث، وأنها تطلب الزواج مني بترتيب معين لقاء عمولة قدرها مليونا دولار . وقد علّق زميلي الساخر بقوله : (( اشمنتظر أخي .. اتوكل على الله وانا شاهدك بورقتين ..بسعر ارهابي .. وجمع راسين بالحلال اثوب عند رب العالمين من قطع راس واحد )) .

ومثل هذه ( الحيل ) قد يصدق بها الشباب الذين لا خبرة لهم بنصب ( الفخاخ) لا سيما العاطفية .

والمشكلة، أن الحيرة تلف الاسرة العراقية في كيفية التعامل مع أولادها وبناتها في استخدام الانترنت بما هو مفيد علميا وثقافيا واخلاقيا وترفيهيا، وإبعادهم عما هو مفسد وقبيح فيها . والحيرة نفسها تلف النوادي الجامعية والعامة للانترنت في غياب ضوابط ورقابة وطنية .

 

والحق أقول، ان لا حل سوى ( الضمير الأخلاقي ) الذي كانت تتعاون الأسرة والمدرسة والمجتمع على تشكيله، فتجعله محصنا، بينما يتسابق الآن على تهرئة نسيجه جمع غفير، من سارق السارة .. الى الارهابي .. الى متعاطين بالدين والسياسة في بلد العجائب .

 

ما لا  نعرفه  عما  أصاب  الدماغ  العراقي

 

كانت السنوات العشر الاخيرة من القرن الماضي قد خصصت لتكون (عقد دراسة الدماغ ). ومع بداية الالفية الثالثة تجمعت نتائج مذهلة غيرت الكثير من مفاهيمنا التقليدية بخصوص الدماغ , من بينها : ان الدماغ ليس لوحة مدينة كما كان يعتقد , ولا هو اشبه بالحاسوب , وان فكرة استقلالية نصفه الايمن عن نصفه الايسرغير صحيحة , وكذلك فكرة اننا نستخدم (10%) منه فقط , انما الدماغ يعمل بنصفيه ككل اثناء تأديته لنشاطاته , وانه يمكنه القيام بإنبات خلايا عصبية جديدة ! , ويمكنه تغيير تركيبته ووظائفه ايضا !. بعد ان كانت الفكرة ترى انه معدّ ومبرمج وراثيا بتركيبة لا يمكن تعديلها .

وما يعنينا هنا ان علم الاعصاب الحديث توصل الى ان نوع البيئة ( اكرر: نوع البيئة ) التي يعيش فيها الانسان تحدد الى درجة كبيرة نوع الدماغ ونوع وظائفه , بل حتى الابداع ايضا ! . ونزيد اكثر , ان الدراسات توصلت الى ان الثقافة نفسها تغير في الادمغة !.

لنطبق هذه الحقائق العلمية على بيئتنا ( الطبيعية والاجتماعية ) المتخمة بما لا يطاق ولنأخذ مجال ( الانفعالات ) فقط . فقد توصلت البحوث الحديثة الى ان فاعلية الدماغ تتراجع عندما يتعرض الفرد الى انفعال حزن مصحوب بتهديد بغيض مرتبط بالإحساس بالعجز . وهذا ما تعرض له الدماغ العراقي على مدى ربع قرن , لاسيما في السنوات الثلاث الاخيرة حيث الانفجارات بأنواعها , وعجز الناس , لا بل حتى السلطة  عن ايقاف استمرارها .

وتوصلت الدراسات الى ان الضغوط المصحوبة بالتهديد تؤثر بشكل خطير في كيميائية الدماغ , وتجبره على ان ينشغل بإصدار الاوامر الى الغدد الادرينالية لتفرز هرمون الكورتيزول  بمستويات مرتفعة وبشكل مزمن , الامر الذي ينجم عنه موت خلايا الدماغ لاسيما في (( قرين آمون )) المتخصص بالذاكرة  . وأظن ان لهذا السبب صار العراقيون يعانون من النسيان !.

كما أن اطلاق الكورتيزول بكميات كبيرة يؤدي إلى انخفاض مستوى هرمون (( السيروتونين )) الذي ينجم عن انخفاضه العنف والسلوك العدواني . ولا حاجة للتدليل على أن العراقي صار عنيفا حتى في بيئته , فضلا عن أن قلة (( السيروتونين ))  يسبب الاكتئاب والصداع  النصفي ( الشقيقة ) . وما لا نعرفه ايضا , أن التأثيرات الاجتماعية تعمل بطرائق معقدة لإثارة او تعطيل نمو الدماغ ووظائفه . ففي البيئات المفعمة بالأمن والراحة , والثرية بالتنبيهات المعرفية ( النرويج مثلا ) ينمو فيها الدماغ على افضل ما يكون .

اما في البيئة العراقية التي هرّأ نسيجها الاجتماعي وأهان طبيعتها النظام السابق والاحتلال والإرهاب , فأننا لو اطلعنا بالأجهزة الحديثة على ما اصاب ادمغتنا منها , لحمدنا الله اننا مازلنا عقلاء ! .

وثمة وصية للعراقيين , أن اكثروا من اكل السمك , فهو غذاء الدماغ المفضل.

 

أي  نوع   من الحب  نعيشه ؟

أ.د. قاسم حسين صالح

رئيس الجمعية النفسية العراقية

 

قد يعتقد بعضكم أن الحب نوع واحد . غير أننا -  نحن السيكولوجيين -  نصنف  ا لحب على ستة انواع، أكثرها شيوعا (( الحب الرومانسي )) الذي يتصف بتأجج الانفعالات والرغبة الجنسية والمشاعر الهوسية المتذبذبة بين البهجة والفرح الغامر وبين الألم والكدر . فيما يتضمن الحب الناجم عن العشرة والصحبة تقديرا عميقا للمحبوب، وايجاد الأعذار لتبرير أخطائه . وهنالك الحب الافتتاني، أي الحب من أول نظرة، والحب الفارغ القائم على الالتزام والخالي من المشاعر والانفعالات، والعشق الذي يهدف الى اشباع الرغبة الجنسية بلا ارتباط وثيق بالاخر، ثم الحب الكامل الذي يلبي حاجات العقل والقلب .

وقد يكون بيننا من لا يدري أن للحب ثلاثة مكونات هي : (( الحميمية  والعاطفة والالتزام )) . ونعني بالحميمية الجانب الانفعالي من الحب .. أي الاحساس بالقرب من المحبوب والارتباط الوثيق به . فيما تعني العاطفة العنصر الدافعي من الحب الذي يوقد المشاعر الرومانسية والتجاذب الجسدي والرغبة الجنسية . أما الالتزام فيمثل العنصر العقلاني الذي يعمل على ديمومة علاقة الحب .

لقد أكمل العراقيون الان ربع قرن أسود قضوه في حروب وكوارث وبؤس وموت أحبة ودمار وطن ...ثم محن ليس لها من حل، أتت على ثلاثية الحب فأنهكتها أو فتتتها . فلم تعد فسحة من الزمن يكون فيها العراقي قريبا من محبوبه في طمأنينة، ولا ضمانة لديه للأرتباط الوثيق به ..فضعفت بذلك (( الحميمية )) . وأين هو الزمن الذي تتأجج فيه مشاعره الرومانسية وليله ونهاره معطران بالبارود ومشحونان بالرعب ..فوهنت بذلك (( العاطفة )) . وانّى له أن يؤمّن (( الالتزام )) لحبيبه وهو يترقب الشر ومذعور من غده !.

ما أخشاه، أن يكون الحب قد مات في قلوب العراقيين، أو أنه صار غريبا عليهم، أو أنهم ابتكروا نوعا جديدا له غير تلك التي يعيشها البشر،  لكنه  بالتأكيد عليل بمرض نفسي . ولشكسبير مقولة  : (( العاشقون موجودون بكثرة بين الشعراء والمجانين )) . ولا أرى قد بقي في عراق الكوارث والمحن عاشق واحد بين شعرائه . أما مجانينه فأظن أن جميعهم من العاشقين !.

 

امتثال ... ام نفاق عراقي ؟

 

في رسالة بعث بها الفيلسوف (( سينيكا )) الى (( لوكاليوس )) حوالي سنة 60 ق.م قال فيها : (( انه لمن السهولة بمكان أن يتحول المرء إلى جانب الاكثرية )) . وكان في ملاحظته الجوهرية هذه قد سبق علماء النفس بان لدى الانسان نزعة نحو (( الامتثال )) لراي الاغلبية غالبا ما تكون ناجمة عن الخضوع لضغط الجماعات المرجعية ,سواء كانت جماعة اغلبية او اقلية .

ومن طريف ما توصلت اليه الدراسات الحديثة أن الرجال يمتثلون اقل مما تمتثل النساء عندما يجري الاعلان عن الامتثال او الاستقلالية  في الرأي امام الجماعة . وبالرغم من النظر إلى الامتثال على انه ميل الاقلية للخضوع امام الاغلبية ,  الا أن الاقليات قد تتمكن في بعض الحالات من أن نخضع الاغلبيات  لتأثيرها .

ومن غريب الامور أن سيكولوجية الفرد العراقي تنظر إلى (( الامتثال )) بوصفه حالة سلبية تتعارض مع مزاجه، مع انه يكون في ظروف معينة حكماً عقلانياً , وشرطاً لاستمرار الحياة وإشباع الحاجات , فضلاً على انه يعمل على تسليس آليات التفاعل الاجتماعي , ويمكننا من السيطرة على تصرفاتنا والتنبؤ بردود افعال الآخرين . ويبدو أن سيكولوجية العراقي تميل إلى تفضيل (( النفاق )) على (( الامتثال )) واليكم هذه الحادثة :

في الاسبوع الثالث لسقوط النظام , اكتظت قاعة الادريسي بكلية الآداب في باب المعظم بمئات الشعراء والصحفيين والفنانين والمذيعين , لتشكيل رابطة تدافع عن حقوقهم . وبدأت المزايدات الوطنية , فقال احدهم من على منصة الخطابة بأنه من ضحايا صدام , وانه امضى في السجن سنتين،  فيما صرّح اخر علنا بان هذا سجن لأنه كان مختلسا ! وساد القاعة هرج ومرج .

ولفت انتباهي موقفان , الأول (( تناوش )) احدهم شاعرا شعبيا معروفا قائلا له : ((عيب عليك استحي , لو كنت مكانك لأخفيت وجهي , فأنت رفعت صدام بقصائدك إلى السماء )) . فأجابه الشاعر : (( والان ذهب صدام إلى الجحيم , ولا مانع عندي أن امدح الشيطان اذا انتخبتوه رئيس جمهورية ! )) . والثاني , أن استاذا جامعيا كان عضوا في حزب البعث استشارا سياسيا قادما من الخارج أن ينصحه ما اذا كان من الافضل له أن ينتمي إلى حزب اسلامي ام الحزب الشيوعي !.

لقد وصف العراقييون من مئات السنين بأنهم (( اهل نفاق )) وتحديدا من يوم طلبوا من الحسين المجيء إلى العراق، وحين وصل قالوا له قولتهم المعروفة (( قلوبنا معك وسيوفنا عليك )) . وليس النفاق صفة متأصلة في العراقي , او (( لجـينة منافقة ))  في تركيبته الو راثية , انما لأن العراقيين افسدت اخلاقهم اربع سلطات (اموية , وعباسية , وعثمانية , و بعثية ) توالت على حكمهم اكثر من الف عام . وكان من حصيلتها أن ما يجري الان في الساحة السياسية العراقية اقرب إلى (( النفاق )) منه إلى (( الامتثال )) . والكارثة الاخلاقية الجديدة أن السنوات الثلاث الاخيرة ((جادت )) على العراقيين بما هو ادهى وامر : (شرعنة ) نهب المال العام والخاص ايضا  !.

 

العراقي وسيكلوجية الرمز

أ.د. قاسم حسين صالح

 

من دون تمهيد أقول  ان عقولنا ، نحن العرب ، محتلة ومستعمرة باستباحة مطلقة من قبل ( مارد أسطوري ) أسمه : ( الرمز أوالبطل المخلّص ) . وأن هذه ( الأرضّة النفسية ) نخرتنا من الداخل وأسهمت – ربما أكثر من السلطات السادية – في جلب المآسي لأنفسنا وتأخرنا بين الأمم منذ أن نبهنا السلف الى أننا  كنا خير أمة أخرجت للناس .

لا يعنينا أن نبحث في تاريخ البذرة الأولى لفكرة ( الرمز ) بقدر ما نقول : ان الأنسان خلقها حين واجه أزمات حياتية وجد نفسه عاجزا عن حلها .  ولقد نجم عن فعله هذا حاجة نفسية الى ( بطل ) يتوحد به ... وظهر البطل الرمز، ومنحه الناس قدسية الهية ... فكانت السلطة ، التي هي اختراع نفسي قائم على معادلة (السادي مقابل المازوشي ) .

وأطاع الناس صاحب هذا الأختراع الذكي الذي أراحه وأراحهم ، متلذذين بمازوشية استعذبوا الآمها . وحين نزلت الى العظم ، أدركوا أنهم ضحية وأنهم كانوا عن أنفسهم غافلين . وتشنجت العلاقة بين الطرفين ( السلطة والناس ) . ولما وجدوا أنفسهم عاجزين عن تخليص أنفسهم من سلطة ظالمة ، لجئوا من جديد الى احياء فكرة ( الرمز ) يكون هذه المرّة من بينهم ، ولكن بقدرات استثنائية يخلصّهم من الظلم ويقيم العدل على أرضهم .

وظهر البطل المخلّص ، الرمز، من جديد وأطاح بالظلم ، لكنه لم يقم العدل على أرضهم . واحتار الناس بالأمر وصاروا يتساءلون : لماذا كلما أتى بطل مخلّص تحول الى ظالم جبار ؟ وأظن أن النابهين منهم توصل الى أنه لا بد أن يكون هنالك مسمار في كرسي رئاسة السلطة يخرق ضمير من يجلس عليه، ويهرّيء  نسيج قيمه الأخلاقية ! . غير أن الحاجة النفسية الى ( بطل مخلّص ) ظلت تعمل في العامة من الناس ، وما زالوا، بالرغم من أن الأنسان هجر السيف والخيل ، وصار يقتل الملايين بحزمة ضوء من طائر فوق رؤوسهم لا من فوق ظهر بعير !.

والمشكلة أن العراقيين هم من اكثر الشعوب تعلقا بالحاجة النفسية الى ( رمز وبطل مخلّص ) لسببين، الأول : ان البذرة الأولى للرمز زرعت في تربتهم بأيدي ( جلجامش )، وأنها استقرت في لاشعورهم الجمعي من آلاف السنين . والثاني : قسوة الظلم الذي أصابهم من السلطة منذ أن دفن العرب الأقحاح ( الشورى ) بأرض الشام وجعلوها – السلطة – وراثية .فلجأ المغلوب على أمرهم الى تشييد أمكنة للرموز ملئت أرض الرافدين لتكون متنفسا للمظلومين المكبوتين قهرا . وأسهمت السلطة في تشييد هذه الأمكنة لتكون وسيلة كشف لسحق القاصدين إليها.

والمأزق النفسي الذي هم فيه الآن، أنهم وضعوا أنفسهم ، أو وضعوا !،  على سكة الديمقراطية ولا خيار لهم الا بأن يمشي الركب عليها . وأن ( الرمز) و( الديمقراطية ) ضدان لا يلتقيان  . ففي قاموس الديمقراطية يكون الحكم بيد مؤسسات لا بيد الفرد ...الرمز ..البطل . فيما السطر الأول بقاموس البطل أن يكون الحكم بيده . وفي مباديء الديمقراطية،التداول السلمي للسلطة ، فيما هي عنده حق مستحق مطلق ... واحترام الرأي الآخر حتى لو كان لا يروق لمزاجك ، فيما قناعات البطل أنه على حق دائما ، ومزاجه لا يقبل الرأي الآخر .

فكيف سيحل العراقيون هذه الاشكالية .. بين حاجتهم النفسية الى ( رمز وبطل مخلّص ) وبين الديمقراطية، التي لن تكون الا بقلع هذا الرمز المستقر في وجدانهم من ستة الآف سنة ؟!.

ما يبشرالناس  بالأمل ( الذي أنهكهم ) أن الكيانات السياسية  والدينية ايضا تهلل للديمقراطية . لكنها في حقيقتها مسكونة برعب نفسي منها لأنها – في يقينهم – تستهدف  بالنهاية القضاء على ( الرمز ) المتعلقين به وجدانيا وسلوكيا واعتباريا . ولا حيلة لهم سوى التمويه بالتظاهر بقبولها، ثم الاضطرار الى تقديم عربون اثبات . غير أنهم ( السياسيون والدينيون المؤمنون بالرمز )  ما أن يشعروا أن الديمقراطية ستدهم حصن ( الرمز ) في اعماقهم ، عندها ستكون هنالك ضريبة قد تكون أفدح من ضريبة الأرهاب !. والكارثة أن يكون ذلك مسألة وقت ليس الا .

 

العربي..والهوس بالسلطة

 

قد أبدو للبعض، لا سيما الذين في السلطة، منحازا لاختصاصي إذا قلت أن لكل سلطة سيكولوجية خاصة بها ومزاج نفسي يميزها عن غيرها من السلطات، بالرغم من وجود ثوابت نفسية تشكل قاسما مشتركا لكل السلطات في الدني، أهمها : الاحتفاظ بالسلطة والدفاع عنها سواء بالإقناع أو الإغراء أو الحيلة أو العنف أو قطع الرأس .

والمطلع على تاريخنا العربي والإسلامي يجد أن السلطة فيه قامت على نظرية ( الشخـــــــــص العظيم ) التي ترى أن القادة أشخاص استثنائيون يمتلكون شخصيات تمتاز على الآخرين بثلاث صفات : الشجاعة والذكاء والكارزما...أي جاذبية شخصية القائد التي تدفع الناس إلى تقديسه . وعلى مدى ألف وأربعمائة سنة، فعل هذا المناخ السيكولوجي فعله فينا، حتى صرنا نعتقد بأن القائد العربي يولد بتركيبة بيولوجية وقدرات خارقة تخصه بها قوة سماوية غير تلك التي يولد بها عباد الله . ولقد نجم عن هذا الاعتقاد – الذي جرى تشفيره في العقل الجمعي العربي للناس– أن القائد ( خليفة، ملك، سلطأن، رئيس، أمير..) منح لنفسه امتيازات استثنائية بوصفه شخصا استثنائيا .

وراحت السلطة تغريه إغراء فاتنة ( لعوب ) محترفة . فاستجاب أغلبية القادة العرب لهذا الإغراء أو ذاك، كل حسب هواه ومزاجه، وتوزعوا  على : الهوس ببناء القصور، أو جمع الثروة، أو جمع النساء، أو اللهو والمتعة، أو ( المكاون- مفردة  صدام - ..أي إشعال الحروب امتدادا لغريزة الغزو عند العربي )، أو الهوس النرجسي بالاستماع إلى قصائد المدح بالتعظيم والتفخيم لإشباع الحاجة العصابية إلى الإعجاب التي هي عند معظم القادة العرب، مثل جهنم، يسألونها : هل امتلأت ؟ تقول : هل من مزيد ؟..أعني لن يشبع حاكمنا العربي من المديح، ولن يفرز جبينه قطرة خجل حتى لو كتب فيه دواوين شعر تملأ ناقلة نفط . وكان بينهم أخيرا من هو في هوسه على شاكلة الشاعر ( تأبط شرا ) الذي سئل عما يحب في الدنيا فأجاب : ( أكل اللحم وركوب اللحم وحك اللحم باللحم ! ) .

وللأسف، أن معظم القادة العرب ( ربما باستثناء سوار الذهب ) ورثوا عن أسلافهم القادة هوسهم بالسلطة أكثر مما ورثوا عنهم فضائلهم وترّفع الندرة منهم عن ملذاتها . والشيء الوحيد الذي اختلفوا به عنهم، هو أن وسائل إشباع الحاجات الهوسية تطورت ألآن بفعل التكنولوجيا، التي جعلت أمر إشباعها أمتع وأسهل . فبعد أن كان أسلافهم يكثرون من أكل الدبس والتمر الزهدي، صارت حاجاتهم الهوسية تشبعها حبة زرقاء، منحوا لشركة إنتاجها امتيازا خاصا بتصنيعها قريبا من قصورهم . وأظن أنهم استبدلوا اسمها من ( الفياجرا ) إلى ( الفجيرة ! ) .

 

العرب .. أكثر المجتمعات تعرضا" للاصابه بالشيزوفرينيا

 

في السنوات الاخيرة، ظهر منظور جديد في تفسير الاضطرابات العقلية  والنفسية، هو المنظور الاجتماعي الحضاري Sociocultur  طرح وجهة نظر غير تقليدية، خلاصتها أن الظروف البيئية السيئة والأحداث السياسية والاجتماعية الضاغطة هي السبب الرئيس في الاصابة بالأمراض العقلية والاظطرابات النفسية . بل أن فريقا" داخل هذاالمنظور يطلق على نفسه ( البنيويين الاجتماعيين ) ذهب الى أبعد من ذلك بقوله : إن الشيزوفرينيا ليست مرضا"Disease  يصيب الدماغ، انما هي ناجمة قطعا" عن ضغوط نفسية أسرية واجتماعية وحضارية، وأن مفردة ( الشيزوفرينيا ) ليست سوى عنوان أو ( وصمة ) Label اجتماعية يضفيها المجتمع على الافراد الذين يعارضونه لكي يبرر سيطرته عليهم والتحكم فيهم، ولتصبح هذه التسمية من ثم مؤشرا على الاصابة بالشيزوفرينيا، فيقوم الأفراد المصابون بها بتصرفات غريبة أو شاذة على وفق ما هو متوقع أو مستقر في العقل الجمعي للمجتمع عن الشخص المصاب بالشيزوفرينيا .

ولقد حظي المنظّرون الاجتماعيون الحضاريون لا سيما البنيويون منهم بجلب انتباه الناس اليهم بقولهم : هناك مجتمعات أو حضارات أو ثقافات تعرض أفرادها للأصابة بالقلق والشيزوفرينيا أكثر من غيرها . وقاموا بدراسات عبر مجتمعات حضارية متنوعة، فوجدوا أن الناس الذين يعيشون في أقطار تمر بتحولات اجتماعية سريعة وقمع سياسي وحروب وتناحر وقيم صارمة تظهر لديهم حالات  الفصام واضطرابات القلق بأنواعه الخمسة ( الرهاب، الفزع، الوساوس القسرية، القلق العام، والقلق النموذجي )  بشكل يفوق المجتمعات المستقرة .

وفي ضوء وجهة النظر هذه التي تبدو منطقية، وفي ضوء حقيقة أخرى هي أن معظم البيئات العربية محمّلة بالضغوط الاجتماعية والسياسية والثقافية، فضلا عن أن خط الفقر يضع تحته عشرات الملايين فيما أرصدة عشرات الأفراد بالمليارات في بنوك العالم... وربطنا لها بحقيقة نفسية تقول : إن البيئات المحمّلة بالضغوط والأحداث الصارمة والتباين الحاد بين الغنى والفقر، تولد قلقا" مزمنا" وشاملا"، يتطور الى اضطرابات قلق وفصام،  فأننا نتوقع أن تكون الاصابات بالاضطرابات العقلية في مجتمعاتنا العربية أعلى من أي نسبة في العالم . غير أننا كالعادة، نخفي عيوبنا .  فنحن الوحيدون في العالم الذين لا نعطي ارقاما" صحيحة حتى بأعداد موتانا، فكيف بـــ ( المجانين ) بيننا ! .  ذلك ان السلطة في مجتمعاتنا مصابة بـــــــ ( البارانويا) ... أعني انها تضع نفسها دائما" موضع الشك والاتهام، حتى لو كانت بريئة منه فعلا" ! .

 

الحول الإدراكي...في العقل العربي

 

تصنف العقول من حيث بناؤها الادراكي إلى صنفين : عقول ببنى نفيذة، تمتاز بالمرونة والانفتاح على الخبرة والمعارف والأحداث الجديدة، وعقول غير نفيذة تكون مغلقة ومتصلبة وجامدة.

والغالب في العقل العربي أنه من الصنف الثاني . فهو سكوني لا يحب التغيير، وبسيط في محتواه المعرفي، وأحادي الاتجاه في تفسيره للسلوك والمواقف والأحداث .

ويقدم علم النفس تفسيراً لطيفاً بقوله : إن نوع البنى  Constructsالتي يتكون منها العقل هو الذي يحدد توقعاتExpectations  الشخص بخصوص سلوك الآخرين نحوه وسلوكه نحوهم .

فإذا كانت من النوع النفيذ فانه- بحكم ما يمتلكه من ذخيرة ثرية من المعلومات والمعارف- يكون منفتحاً ومرنا ومعتمدا الحوار وسيلة للتعامل مع الآخرين  . وإذا كانت من النوع غير النفيذ، فإن صاحبها يكون محكوما بخزين خبراته القديمة، وخشن التعامل مع الآخرين، وقد يتصرف معهم بشك وريبة و(( بارانويا )) اضطهادية .

وعقلنا العربي - بشكل عام - عقل مصفوفات وقوالب جامدة، يقسم الناس إلى صنفين : (نحن و هم ) يرى في أل(نحن) المزايا الجميلة والصفات الراقية،  فيما يرى في أل( هم ) ما هو قبيح وسلبي . ويرى في مواقف ( نحن ) إنها هي الصحيحة وإنها الحق بعينه، فيما يرى في مواقف (هم ) إنها الغلط بعينه .

والتشخيص النفسي لهذه الحالة، أن هذا العقل مصاب بـ( حول ) إدراكي . فحوله الخارجي لا يريه في ألـ( هم ) أية صفة إيجابية أو سلوكا مهذبا أو شيئا جميلا . وحوله الداخلي لا يريه في ألـ( نحن ) أية صفة سلبية أو سلوكا سخيفا أو موقفا خاطئا .

والعلّة في ذلك أن العقل العربي ( السلطوي لأسبابه، والشعبي لأسباب مختلفة ) متشكل من صور نمطية، أو قوالب إدراكية تتضمن تعميمات ساذجة ذات وجهين : ابيض مشرق جميل بخصوص ( نحن )  واسود قاتم بخصوص ( هم ) .

لنأخذ مثالا صريحا واقعيا من العراق عن ( الصور النمطية ) لدى كل من السنّة والشيعة إزاء بعضهما . فهي في العقل السنّي العام ( العراقي إلى حد ما، والعربي إلى حد أبعد ) تعزو الصفات السلبية للشيعة بأنهم : متخلفون، متزمتون، يصلحون للأمور الخدمية لا للسياسة، يكرهون السّنة ويحقدون عليهم ( وهي آلية إسقاطية ) . فيما يضفون على أنفسهم الفضائل والصفات الإيجابية والخلو من العيوب . وكذا الحال في الصورة النمطية المتشكلة في العقل الشيعي الشعبي . فهي تعزو الصفات السلبية للسنّة بانهم  : قساة، ظالمون، متكبرون، يكرهون الشيعة ويحقدون عليهم ( نفس الآلية الإسقاطية ) . ويضفون على أنفسهم الأخلاق و الفضائل والخلو من العيوب . ومثل هذا ( الحول ) في أمور أخرى، موجود في كل المجتمعات العربية من موريتانيا إلى الكويت دون استثناء، ومعها معظم المجتمعات الاسلامية ايضا .

والحقيقة،  أنني لا أستثني أحدا من هذا الحول ( وبعض من خفيفه قد يكون جميلا ) والاختلاف بين الناس يكون فقط في درجة شدة الاصابة به، حيث هي الشائعة في العقل العربي ولاسلامي، التي ما تزال تشكّل أحد أهم أسباب مآسينا وتخلفنا ايضا . وأنه ما لم يتم علاجه باعادة صياغة ثقافتنا وخطاباتنا الدينية والسياسية والاعلامية، وتغيير مناهجنا الدراسية  وتحريرها من التسييس وعقدة ( الأمة الافضل ) التي أصيب بها الرومان واليونان والألمان ...وجلبت لهم الكوارث، فاننا سنبقى نتعارك والعالم يضحك علينا . فأكثر مشاهد الكوميديا سخرية تلك التي يتعارك فيها مجاميع من الحولان !.

 

رذائل الشعوب

 

يمجّد السياسيون ( الشعب ) سواء كانوا في السلطة أو في الأحزاب، ويضفون عليه من الصفات بما يجعلنا نراه منزّها من الأخطاء . والحقيقة أن في ( الشعب ) رذائل بعضها أقبح من رذائل السلطة . بل أن هنالك علاقة جدلية بين رذائل السلطة ورذائل الشعب، ينطبق عليها في حافات منها قانون الفعل وردّ الفعل . فكل السلطات في الدنيا مصابة بالازدواجية .. أعني أنها تبدو للناس بوجه مشرق عندما تعلن عن برامجها السياسية التي تعزفها بإيقاع وردي على أوتار حاجات الناس وطموحاتهم، فيما تخفي عنهم وجهها السيكوباثي ضد من تشك به، حتى لو كان هذا الشك إثما، فتكون بذلك أشبه بشخصية ( دكتور جيكل والمستر هايد ) الذي يعالج الناس ويعطف عليهم في النهار فيما يتحول في الليل إلى مجرم سفاح .

وكل السلطات في عالم اليوم ما تزال تعتمد مبدأ ميكافيللي القائل أن من الحكمة أن ينكث الإنسان بوعده، أو ينقض معاهداته إذا كان في ذلك مصلحة له . بل أن استخدامه شاع الآن أكثر من عصر ميكافيللي الذي مضى عليه نصف قرن، وصار مبدءا في السياسة التي ما عادت تكترث بالقيم والأخلاق .

بالمقابل، مارس الشعب رذائله في تعامله مع السلطة، أقبحها – في تاريخنا – قول المحاربين ( صفوة القوم ) للحسين : ( قلوبنا معك وسيوفنا عليك ) . وأكثرها ضررا أن الشعب نفخ في قادته مشاعر التعظيم والتفخيم والانبهار، ورفعهم إلى السماء، جاهلا ( والجهل رذيلة) بأن بين هذه الأمور والطغيان قانون نفسي . ولما بطشوا به توزع الشعب على أكثر من ازدواجية : بين خاضعين للقائد الضرورة، الزعيم الأوحد، الملك المفدى، خليفة الله في الأرض...ومازوشيين يبررون ( للحاكم ) ما يصيبهم منه من آلام ومآسي . وبين متملقين له ومنافقين...ومبررين ( الياخذ أمي يصير عمي ).

ومن رذائل الشعوب أن الانفعال عندها يكون أحيانا أقوى من العقل في تقرير مسائل مصيرية. أبرز شاهد على ذلك : تأييد الشعب الألماني بحماس لمخططات  هتلر الجهنمية، الذي جاء به ( الشعب ) عبر انتخابات ديمقراطية بنسبة تزيد على (78%) . ولم ينفع الذين يعتقدون بنزاهة الشعوب من الرذائل تفسيرهم الأمر بأن الألمان يختلفون عن باقي الشعوب بكونهم يعانون من خلل أخلاقي . فلقد تبين فيما بعد أن مثل هذه الرذائل موجودة لدى كل الشعوب وأن تفاوتت حدتها ووسائل التعبير عنها، ومنها شعبنا، برغم أنه أسرع شعوب العالم الثالث إدراكا لأخطائه وأكثرها فطنة في التقاط العبرة منها . فقد مارسنا الانتخابات ثلاث مرات . في الأولى – التي جاءت بالجمعية الوطنية -  تحكّم بها الانفعال أكثر من العقل ..أعني أن الناس ( الشعب ) أعطوا أصواتهم لقلوبهم وليس لعقولهم . وإذا كان لهذه الممارسة تبريراتها النفسية، كونها مشحونة بردّ فعل الناس  لما اقترفه النظام السابق من جرائم بشعة لاسيما ضد الكورد والشيعة، فما هو التبرير لما جرى في الانتخابات الأخيرة التي جاءت بالبرلمان العراقي حين صوّت (الشعب) أو معظمه لا على أساس البرامج السياسية وتغليب مفهوم المواطنة، إنما على أساس الطائفة أو المذهب أو العشيرة ...؟.

يبدو أن لا تفسير لها سوى احتمالين :

الأول : إن ((الموروث السيكولوجي البدوي )) في رذيلة التعصب ما زال يتحكّم بنا لا شعوريا، برغم أننا غادرنا الجمال والحمير إلى الأيرباص والمرسيدس، وأننا تركنا بنات العشيرة السمراوات وتزوجنا الشقراوات عابرات المحيطات . فضلا عن أننا نجهل بأن هذا التعصب مصحوب برذيلة أخرى هي هاجس (بارنويا) الشك بالآخر والخوف من غدره .

والثاني : إن نضج الوعي السياسي ( الحالة التي يصل فيها العراقي الى أن ينتخب الكردي عربيا والعربي كرديا والسنّي شيعيا والشيعي سنّيا ...) يبدو أنه يخضع لنفس قوانين النضج البيولوجي .. أعني أنه يتم عبر مراحل، وأن ( الشعب ) هو الآن في مرحلة الرضاعة من وعيه بالانتخابات الديمقراطية.

ومع أنه من غير المعقول أن نطلب من رضيع ( بدوي ! ) القفز بالزانه، فأن السياسيين يدّعون أن هذا ممكن ومطلوب أيضا!، مع أن أفضلهم نضجا لم يصل بعد مرحلة الحداثة ...في الممارسة، برغم أنه يجيد صناعة الكلام بامتياز !.

 

أحقا... أننا خير أمّة  ؟

 

أعني بـ ( الأمّة ) المجتمع أو المجتمعات العربية التي يمتد تاريخها من الآن إلى انتهاء الخلافة الراشدية وقيام الدولة الأموية .

ولا يعنيني من ( الأمّة ) ما حملته خطاباتها من أفكار نبيلة ومثل عليا وقيم إنسانية، فكل الأمم والأديان تدعو إلى ذلك . أنما الذي يعنيني هو فعل الأمة ( أعمالها ) وسلوك أفرادها في الجمعين : السلطة والناس ( ولا أحبذ تداول مفردة  الشعب  لكونها تحمل معنى ضمنيا بنزاهته من الأخطاء والذنوب، مع أنه ارتكب الكبائر، فضلا عن أن السلطة والأحزاب في امتنا خدعت الناس باسم الشعب ) .

و (( خير أمّة )) عبارة تحمل معنيين، الأول : وصفي، يصف عمل الأمة بأنه خير ( ضد الشر ) . والثاني : تفضيلي، يرفع الأمّة ويضعها في المستوى الأرقى . فهل كان عمل أمّة العرب في ثلاثة عشر قرنا ( باستثناء قرن في الدولة العباسية وربعه في الدولة الأموية ) بالخير لأبنائها أكثر من فعل الشر بهم ؟. وهل نحن الآن خير أمم هذه الأرض ؟.

إن أهم فضيلة في أية أمّة هي (( العدل ))، فيما القضاء في حكومات العرب أما أنه أطوع عند الحاكم من يمينه، أو في طوع من يدفع أكثر( باستثناء حالات تحني هامتك احتراما  لها ) . وإلا فما تفسيركم  لتشكيل لجان تحقيق دولية من الأمم المتحدة في قضايانا العربية لولا أن عفونة القضاء صارت تزكم الأنوف وعبرت رائحتها المحيطات !.

ومن صفات الأمة الخيّرة أن تكون مسالمة، فيما العنف في أمّة العرب، التي تحيتها ( السلام عليكم ! ) يمارس بأبشع صوره . فهل وجدتم في تاريخ الأمم أمّة خصص القوامون على أمرها خزائن تحفظ بها رؤوس من لهم قامة النخل وجرأة البوح بوجه حكامها الذين تنفخ فيهم السلطة الظلم والطغيان كما حصل في أمتنا ؟!.

إن العراقيين يرتعبون الآن من ممارسة أمراء الإرهاب قطع الرؤوس، فيما نحن ( العراقيون والشاميون والحجازيون أقحاح هذه الأمّة ! ) مارسناه بقطع رأس الحسين، وطفنا به دنيا العرب، لنرهب الناس ولنقول لمن تسول له نفسه التذمر من السلطة : ( أنظر، لقد قطعنا رأس ابن بنت نبينا، فمن تكن أنت ؟! ) ولنشيع العنف بين أبناء هذه الأمّة وندفعهم إلى أن لا يتردد الأخ في قتل أخيه إذا تعلق الأمر بمنصب أو ثروة . وبثثنا ذلك في كتبنا نطعم بها عقول الأجيال، واصفين لهم من يتفنن في قتل خصمه حيلة أو غدرا بأنهم ( دهاة العرب ! ).

وتأملوا واقعكم في دول العرب كلها، فهل تجدون في الدنيا أمّة تفوق أمتنا فيما لديها من سجون وغرف تعذيب ودهاليز موت، وسموم، وهتك إعراض، وشرطة وأمن ومخابرات تثير الخوف والرعب بدل الأمن والطمأنينة، وقلّة تأكل لحم الغزلان المطّعم برائحة الهيل وجموع لا تجد قوت يومها ؟، وازدواجيات  وكذب ونفاق وخداع في الساسة والدين ؟!، وفساد الضمير والجسد واليدين ؟، وذلّ وتملّق لطغاة الداخل والخارج ؟، وقوائم أخر من الذنوب والفواحش .

أفبعد هذا وتقولون – ياقادة  العرب والاسلام  - أننا (( خير أمّة  )) !. خففوها في الأقل لتهضمها الأجيال بأن تقولوا : ( كنا ) لنصف قرن مثلا ... نجاملكم فيه بغضّ الطرف عن مقتل : عمر وعثمان وعلي وأبو ذر وطلحة والزبير ... وكفّوا عن قلّة الحياء بالتباهي الزائف، فوالله لو أن نبي هذه الامّة خرج عليكم الان لراعه ما فعلتم بأمته ... اراد لها حقا" أن تكون خير أمّة.

 

كلوبل.. أم الحكومة ؟

 

كنت أعتقد أن أبناء العم جون ( أقصد الإنكليز ) أقل غطرسة وسوء أدب من أبناء رعاة البقر في تعاملهم مع العراقيين . لكنني وجدت حقيقتين مرتين، الأولى : أن المحتل هو المحتل في إهانة العراقيين وإذلالهم نفسيا واعتباريا . والثانية - الأشد مرارة - : أن الحكومة العراقية هي أضعف حتى من شركة تأمين أو أمن  بريطانية أسمها ( كلوبل )، واليكم الدليل .

صباح يوم الجمعة 9/9 /2005 خرجنا متوجهين إلى مطار بغداد، بعضنا قاصدا دبي والآخر عمان . وعندما وصلنا السيطرة ( الأمريكية العراقية المختلطة! ) أعادونا قائلين إن المطار مغلق . رجعنا الى مقر الخطوط الجوية العراقية في الصالحية، واستفسرنا من مدير السيطرة فقال : لا اعرف .. انتظر التعليمات !. وصارت الساعة الثانية عشرة فاتصلت بالمستشار الإعلامي بوزارة النقل والمواصلات ( السيد حنين مانع ) فأجابني، وكان مستاء، بأن ( كلوبل ) أغلقت المطار، وأن الأمر قد بحث على مستوى عال وأن القرار أتخذ بفتح المطار ( رغم أنف المحتلين ) . وعدنا من جديد الى المطار . وعندما وصلنا السيطرة الثانية منعونا من دخول المطار وقالوا : انتظروا هناك . وكانت ( هناك ) هذه بقعة ترابية لا ماء فيها ولا شجر .

كانت الساعة الثانية، في عز ظهر أيلول الذي يترحم العراقيون على آب من شدة حرّه . وضع كل منا ( خاوليا ) على رأسه، وجلسنا كأننا أسرى أو مهاجرين . والأشد أننا كنا في ساحة حرب . فالخوف والرعب يحيط بنا من كل الجهات .. فالاباتشي السوداء تحوم فوقنا كالغربان، والهمرات والمدرعات في حركة مستمرة من حوالينا كما النحل .

أنهكنا التعب والحر والتراب والرعب ..والانتظار وكأننا في بلد لا نعرفه . أعدت الاتصال بالمسؤول الإعلامي بوزارة النقل فأجابني أن الوزارة شكلت غرفة عمليات وأن الشرطة العراقية والمغاوير في طريقهم الى المطار وسيصلون خلال ربع ساعة . ومرت ساعة، فتوجهت نحو نقطة السيطرة ( والخاولي الأبيض ! ) على رأسي والتراب قد ملأ الجوارب . كانوا ستة جنود عراقيين لا أكثر . رجوتهم أن يدخلونا قاعة الانتظار داخل المطار، فلا يليق هذا الوضع بمسافرين عراقيين بينهم أساتذة جامعة وأطباء وضباط من الجيش الجديد ! .أجابوني : ممنوع . سألتهم : بأمر من ؟ أجابوني : بأمر شركة كلوبل . سألتهم : وإذا جاء الأمر من الحكومة العراقية بفتح المطار، فأي أمر تنفذون، الحكومة أم كلوبل ؟ أجابوني : كلوبل، ومعها طبعا !، وهم عراقيون أبا عن جد !.

رجعنا عصرا إلى بيوتنا . وفي المساء قرأت في قناة الجزيرة سب تايتل يقول : ( الشرطة البريطانية تغلق مطار بغداد بوجه الركاب ) يليه سب تايتل آخر يقول : ( مسؤول عراقي : مطار بغداد لن يغلق والشرطة ستقوم بحفظ الأمن فيه ) .

ضحكت، وشر البلية ما يضحك، ليس على ما يفعله المحتل بنا الذي جاء ( ليحررنا ) و(يعلمنا الديمقراطية والسلوك المهذب ) واحترام المسافر كما يفعلون في مطار هيثرو ونيويورك، بل على حال حكومة شرعية منتخبة ! تقول إنها صاحبة سيادة وهي لا تقدر حتى على إدخال مسافرين عراقيين إلى مطارها الدولي !.

 

 

الثقافة .. وعلم نفس الشاشة

 

والشاشة عزيزي القارئ ساحرة ومدهشة دخلت علينا منذ نحو نصف قرن، فأفردنا لها مكان الصدارة في بيوتنا . ثم نصبنا لها مؤخرا" صحونا" فوق سطوح منازلنا . وكنا حين أدخلناها بيوتنا، لغرض واحد فقط .. أن تسلينا وتريحنا من همنا اليومي . ما كنا نتصور أبدا" أنها ستسطو على أدوارنا، وتتحول إلى أب ثان وأم ثانية ومعلم جديد لجيل مولود وأجيال ستولد .

وهرعنا، نحن المشتغلين بالعلوم النفسية، ندرس ((سيكولوجية الشاشة) وتأثيرها في الأطفال . وتوصلنا إلى أن التعلم ( ويعني التعلم حصول تغيير في السلوك )، لا يحدث فقط بالخبرة المباشرة، إنما يحصل أيضا" بالملاحظة أو المشاهدة،  في أن ينمذج المشاهد سلوكه على سلوك الأنموذج الذي يشاهده على الشاشة . فحذرنا، قبل أربعين سنة، أن برامج العنف ـ  التي غزت الشاشة آنذاك ـ  يمكن أن تغذي غريزة العدوان وتذكي شرارته . وها هو العنف قد أتى علينا في (أبهى ) صوره !.

وليت الكارثة وقفت عند هذا الحد .  فقد هرع أصحاب الثروة إلى إنشاء محطات فضائية، وصاروا يتسابقون  الى حشوها بأغان تسمى عاطفية،  وبرامج تسمى فنية . و( الحق ) معهم، فمن ذا الذي يشاهد في هذا الزمن الذي تتهيأ فيه الثقافة للانتحار،  قناة مخصصة للشعر أو الموسيقى أو المسرح أو الفيزياء والرياضيات، التي بتقدمها ( أعني الرياضيات ) غزا الاتحاد السوفيتي الفضاء قبل أمريكا، ودخل السوفيتي غاغارين التاريخ بوصفه أول رائد في العالم ( 1956 ) . وبسبب هذه الصدمة  أعادت أمريكا النظر في نظامها التربوي!، وها هي اليوم أول من يرسل سفينة ترتطم بنجاح في أول مذنب بالكون .

وصار اللهاث  وراء  مشاهدة هذه الشاشات هو الشغل الشاغل للجيل الصاعد من المراهقين والشباب المأزوم جنسيا" ونفسيا" . وفلت من أيدينا ـ  نحن الآباء والأمهات والمربين ـ  جيل كامل صارت القنوات الفضائية هي أباه وأمه ومعلّمه . هجمت عليه وأخذته من أيدينا ثقافة الصورة الساحرة، وحركة الأجساد الطرية الشهوانية، والخلاعة التي كان آباؤنا يمارسونها مع زوجاتهم استحياءا" في الظلام !، فيما تمارس أمامهم بالألوان والأفعال المغرية، حتى صارت الفاحشة مباحة . فماذا نستطيع نحن الآباء

والمربون أن نفعل أمام ساحر وماكر مغر يداعب الرغبات المتقدة والمحرومة جنسيا" والمضطهدة نفسيا"؟!.  ساحر يتقن لعبته ببراعة شهوانية، والشهوة هي أقوى الغرائز عند الأطفال والمراهقين والشباب، يمارس إذكاءها بل تحريضها، فيما نحن نمارس ترويضها لديهم ليكونوا مهذبين متحضرين مثقفين ومبدعين . جيل سيكون بلا مثقفين بلا مبدعين . ألا ترون معي أن نسبة المبدعين في العالم، لا سيما في الشعر والرواية والمسرح، كانت أعلى في زمن ما قبل الفضائيات ؟!.

والخطر الكارثي، أن الاندفاع النفسي، بل ( الثورة البيضاء! ) الحاصلة الآن للإطاحة بالثقافة والأخلاق، لابد أن يكتسح مساحة  الممنوعات بمد أقوى من المد البحري ( تسونامي ) الذي غير جغرافية الأرض . وسيغير بالتأكيد تضاريس نفوس جيل بكامله . والفضل في هذا التنبوء يعود إلى (علم نفس الشاشة ) الذي يقول لكم ( اللهم هل بلّغت .. اللهم فاشهد )) !.

 

 

اللهّم  عجرم  نساءنا

أ.د. قاسم حسين صالح

رئيس الجمعية النفسية العراقية

 

من ألطف ما يمتاز به الشارع المصري أنه مبتكر ذكي للنكتة الساخرة . و ( اللهّم عجرم نساءنا ) واحدة من أحدث نكاته، وفحواها أن الرجل المصري يدعو ربه بأن يجعل زوجته مثل ( نانسي عجرم ) : طريه، ناعمه، بشفتين نصف دائريتين حمراوين مثل تويجي ورده.... تتلوى أمامه بغنج وتؤدي له الرقصة المغرية لتوصله الى الحالة التي بلغها المرحوم فريد الاطرش ( أكلك منين يابطه !).

والذي أوصل الشارع المصري أن يطلق هذه النكتة، أنه امتلأ باشرطة (( مثيرة وموحية )) لموجة من مغنيات الفديو كليب بقيادة : نانسي عجرم وهيفاء وهبي وأليسا من لبنان، وروبي وبوسي سمير والراقصة لوسي من مصر، ونجلاء من تونس، وخلفهن فصيل من الواعدات بتكسير ما تبقى من الدنيا ...أعني دنيا الحشمة.

ولأن لكل موجة جديدة بركات، فقد كان من بركات المحروسة (عجرم ) وفريقها الذي سجل باسمه ازاحة نقطة الخجل قبل الاخيرة من على جبين الحياء، أن نسبة الطلاق قد زادت في المجتمع المصري، وأن الشجار بين الأزواج صار افتتاحية الصباح وختام المساء . وأن الشباب المأزوم نفسيا واقتصاديا وجد حلا لأزمته بأن أقبل على المخدرات ليعالج بها حالات الاحباط والبطالة والفراغ  وهو يتفرج على هذه الاشرطة . وأن العنوسة وجدت لها حلولا بالزواج : سّرا ..وعرفا، ومتعة، وصحبة . وأن الزوجات اللواتي ساوى الشحم تضاريسهن، هرعن الى نوادي التخسيس .. وربما يتدربن –  في طريقهن - على الرقص ( العجرمي ) للتسرية عن ازواجهن في الليل مما أصابهم من تعب النهار . وأن المراهقات أفرغن محلات التجميل من الشامبوات ( والذي منه ) وافرغن جيوب آبائهن في خزانات الشركات المنتجة للعطور . و ......أفبعد هذه البركات من بركات اجمل وأتم، والشكر كل الشكر لبنت (عجرم)!

وطبيعي أن أشرطة ( نانسي عجرم ) وقواتها غزت الشارع العراقي واحتلت ساحة الأخلاق مع القوات التي احتلت ساحات المدن . لكن ( بركاتها ) يبدو انها مؤجلة لحين عودة الامن والآمان . وقد يكون بيننا من يدعو ربه قائلا :

( اللهّم أدم علينا الانفجارات، فهذه أرحم من مفخخات عجرم وروبي وهيفاء ولوسي، وباقي العبوات الناسفة . فتدمير  شارع  وإزهاق روح أهون علينا من نسف البيوت والدين وكشف المستور والبوح بالمحظور وما يقّرّب قيام الساعة من أمور)!.

والحق أقول، ان هنالك قوة اسناد مدرعة لقوة ( عجرم ) الصاروخية الضاربة، تضم مذيعات ومقدمات برامج في الفضائيات العربية . فباستثناء قلة منهن ترفع يدك بالتحية احتراما لهن واعجابا بحضورهن الثقافي ومظهرهن الأنيق من دون تكلف، فان الغالبية منهن أقرب الى عارضات أزياء وموديلات مكياج وأكسسوارات ..وفواكه ترضي كل الأذواق .

وتعجب من أمر العربي بشأن المرأة . فمن جهة يستنكف كثير من السياسيين والقادة، أو يستحرمون مصافحة المرأة، لأنها – في عرفهم –  شيطان أو عورة . ومن جهة ينادون بمساواة المرأة في كل شيء . ومن جهة، فان الرمز الانثوي في الفضائيات العربية يجعلك تستنتج بأن العربي مصاب – على وجه اليقين – بالهوس الجنسي!.

بالمقابل، هنالك مفارقة أن احدى البرلمانيات في الجمعية الوطنية العراقية ( السابقة )، محجبة الرأس والوجه واليدين، صرحت لصحيفة أجنبيه بأن من حق الرجل أن يضرب زوجته ولكن ( باللمس! ) . وأن يتزوج اربعا . وأن على المرأة ان تتحجب( وجوبا ) . واظنها اذا سمعت بأن الرجال سيؤلفون جمعا يحمل شعار : (اللهّم عجرم نساءنا )، فانها ستؤلف جمعا يحملون شعار (اللهّم حجب نساءنا من فوق الى تحت ).

ومن يدري، فليس بعيدا أن يأتي يوم يلتقي فيه الجمعان في : القاهرة أو بغداد أو طنجة أو عمان .....أحدهما يلبس( حته قد كده ) والآخر ملفوف بالجبب . ولكم أن تتصوروا كوميديا المشهد، و

,..يا سلام على أمّة صارت (عجرم ) تهزها .. بوسطها !

 

qassimsalihy@yahoo.com    

 

 

القسم الثاني

مقالات وأوراق

 

الشخصية  الكردية  بين  الهوية  التأريخية

والسمات  المرحلية (*)

 

نجد في عالم اليوم، وفي حالات ليست قليلة، دولاً تولد من تجمع قبائل انحدرت لتوها من الغابات أو الصحاري، ليعترف العالم باستقلالها وسيادتها، ويصبح لها علم وسفارات ومقعد دائم في الأمم المتحدة؛ في الوقت الذي فيه قومية تاريخية اسمها ( الكردية ) تعدادها يقارب (35)مليون نسمة، تشغل وطناً تاريخيا اسمه ( كردستان ) تتراوح مساحته بين(400 - 480 ) ألف كيلومتر مربع، موزعة بين جغرافيا العراق وتركيا وإيران وسوريا وبعض الجمهوريات السوفييتية السابقة، ما تزال في مرحلة الكفاح الشاق لاثبات هويتها التاريخية والقومية والثقافية في أذهان الشعوب المجاورة المستعبدة لها، بوصفه (أي هذا الكفاح) مقدمة لنيل حقوقها السياسية والسيادية . إذ يصف ( جوناثان راندل ) في كتابه ( أمة في شقاق )1997 أرض كردستان بأنها : (( أرض الألف ثورة والألف حسرة )) . والغريب في هذه المفارقة التاريخية أن الكرد ليسوا من الشعوب المرتحلة من مناطق أخرى إلى كردستان الحالية، بل أنهم سكنوا بلادهم الحالية منذ فجر التأريخ وحتى اليوم، وأقاموا فيها دولاً كردية قديمة مختلفة، سميت تارة باسم المنطقة الجغرافية وتارة باسم القبائل التي أسست تلك الدول .

إن تحرر أي شعب من قيود الاستعباد والتخلف والوصاية، هو عملية تاريخية لها دينامياتها السياسية والسيكولوجية على حد سواء . فشعور الفرد بانتمائه القومي يمكن أن يغدو واحداً من أهم أوجه هويته النفسية، بل أن شعوباً كثيرة اختزلت هويتها الحضارية والتاريخية في مرحلة من مراحل صيرورتها وانعتاقها، إلى عنوانها القومي ذي الجذر العرقي، وهذا ما يمكن أن نصف به حال الشعب الكردي اليوم، لا سيما في العراق . ولكن اللافت للنظر أن الإنسان الكردي، في الوقت الذي يقطر الدم من ذاكرته السياسية، إلا أن شخصيته حافظت على مجموعة من الخصائص النفسية ذات الطابع الإنساني – الأخلاقي المتميز.

فتسمية (الكرد) اشتقت لغوياً من وفرة الشجاعة وشدة الحماسة والغيرة، طبقاً لـ(( الموسوعة التاريخية الكردية )) لمؤلفها ( شرف خان البدليسي ). ويتفق العديد من المؤرخين والمستشرقين على تمجيد الشخصية الكردية . إذ يكتب العلامة الهولندي (ماليبارد) عن صمود الكرد وثباتهم : ((الحقيقة لم نر مدينة أو قصراً أو جبلاً استطاع أن يصمد خمسين قرناً من الزمن مثلما صمدت أربيل)).  ويشخص الكاتب الروسي (باسيل نكتين) عادات الكرد وأخلاقهم بقوله : ((يمتاز الكردي باستقامته التي لا تتزعزع، وبحفاظه على العهد، وعطفه النبيل على أقاربه، وسلوكه الإنساني . فطبائع الكرد لم تتغير منذ ألف عام قبل المسيح ولحد الآن ...انهم شعب قوي وموهوب)). ومع ذلك نجد بين الكتـّاب الكرد ذوي النظرة النقدية غير المتساهلة تجاه شعبهم، من يحاول تقصي بعض العوامل الجغرافية والاجتماعية التي راكمت رواسب سلبية في الشخصية الكردية، إذ يكتب (خالص مسور) في تحليله لفضاءات العقل الكردي : ((البيئة الجبلية، وان كانت قد حافظت على الحالة الكردية كشعب،ومنعته من  الذوبان والانحلال ضمن واقع وخصوصيات القوميات الأخرى، وهذا هو الجانب الإيجابي في الحالة، إلا أنها ومن جانب آخر أدت وبالتوازي مع ضغط هذه الأقوام الى حجب هذا الشعب عن إشعاعات الحضارات الخارجية...وأسهمت في إكساب العقل الكردي المزيد من التقوقع ...مما جعله مغترباً عن محيطه)).

ولأجل مناقشة هذه الأفكار، وتحديد الكيفية التي مارست فيها التطورات التاريخية (سلباً أو إيجابا) فعلها التكويني الموضوعي في السيكولوجيا الكردية، ارتأينا أن نتوجه إلى أحد أعمدة الثقافة العلمية التنويرية في العراق، المؤرخ والمفكر الكردي الأستاذ الدكتور (كمال مظهر أحمد).

ولد الدكتور كمال في السليمانية في العام 1937. وهو أول دارس من الشرق الأوسط  نال شهادة دكتوراه العلوم (ناووك) السوفييتية في العام 1969. له عشرات المؤلفات في تأريخ العراق والكرد، نشرت باللغات العربية والكردية والروسية، من بينها : ((كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى))  و((الطبقة العاملة العراقية : التكون وبدايات التحرك)) و((صفحات من تأريخ العراق المعاصر)) وآخرها ((كركوك وتوابعها : حكم التأريخ والضمير) الصادر في العام 2004 . ولتلخيص المسيرة الفكرية لهذا المفكر الملتزم بحرفيات المنهج الأكاديمي ذي النزعة التقدمية الإنسانية الصلبة، نقتبسُ من القاضي والباحث (زهير كاظم عبود ) هذه الكلمات : ((كمال مظهر أحمد ...استطاع أن يؤسس مدرسة تاريخية تضم كل الأصوات الداعية لاعتماد الحقيقة الموضوعية في الكتابة التاريخية، اعتماد المنطق والضمير في التحليل التاريخي...اتسمت كتاباته وتحليلاته بالإنصاف وعدم الانسياق وراء رغبة السلطان ولا فتاوى السلطان، ولم تهتز له شعرة في إصراره على أن يقول الحقيقة ويعلّـّمها ويصر عليها ..)) . وكان سؤالنا الأول هو :

 

+ هل يمكن القول أن هناك شخصية كردية ذات سمات نفسية تاريخية محددة يشترك فيها أغلب الكرد سواء كانوا في العراق أو إيران أو تركيا أو سوريا أو الجمهوريات السوفييتية السابقة ؟ أم أن هناك شخصيات كردية متنوعة تبعاً لهذا التنوع الجغرافي الذي وجد الأكراد أنفسهم فيه ؟.

• لا أعتقد بوجود شعب واحد في العالم لا يحمل أبناؤه سمات نفسية مشتركة بغض النظر عن إفرازات جميع الحواجز، طبيعية كانت أم مصطنعة . ينطبق هذا القول حتى على شعوب الولايات المتحدة الأمريكية التي انقطعت جذورها عن الوطن الأم على مدى مئات السنين، فأن طبع ملايين الألمان هناك أقرب الى طبع بني جلدتهم في وطنهم الأصلي البعيد، بكثير من طبع مواطنيهم القريبين منهم من إنجليز وروس وبولونيين ويابانيين وغيرهم من أبناء عشرات الشعوب التي هاجرت الى أمريكا المعزولة عن قارتي أوربا وآسيا . شخصياً احتكيت بصورة مباشرة بأذربيجانيي وأرمن الاتحاد السوفييتي وإخوانهم في إيران والعراق، ولم أكن أتوقع بأن الفكر الاشتراكي لم يهز، برغم قوة تأثيره، القيم النفسية المشتركة بين الطرفين، مع العلم أن أبناء الشعبين بدءوا يعيشون حالتين مختلفتين بصورة جذرية على مدى حوالي قرن من الزمن منذ عهد القياصرة، وبلغ الانعزال بينهما في ظل ما عرف بالستار الحديدي في عهد ستالين ذروته.

حال الكورد حال هؤلاء وغيرهم، بل ربما أنهم عاشوا وضعاً أفضل إلى حد ما، خصوصاً إذا أخذنا بنظر الاعتبار حقيقة مهمة في هذا المضمار، خلاصتها أن حدوداً حقيقية فاصلة بين أجزاء الشعب الكردي المختلفة لم تكن موجودة على أرض الواقع منذ أن ظهر الكورد في وطنهم كردستان قبل آلاف السنين . وظل هذا الواقع يحتفظ بقوته حتى بعد ظهور الدولتين المتصارعتين العثمانية والصفوية، ولم يفض صراعهما المستمر على مدى قرون طوال إلى إيجاد حل لمشكلة الحدود بين تركيا وإيران إلا بعد أن وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها . ولكن حتى ذلك الحل لم يعدو عن كونه حلاً قانونياً، لذا لم يكن بوسعه أن يحول عملياً دون استمرار التداخل الاقتصادي والاجتماعي بين أقسام الشعب الكردي، خصوصاً في المناطق الحدودية، فأن العشرات من العشائر الكردية التي توزعت على دول مختلفة ظلت تحتفظ بعلاقاتها، ويحمل أفرادها في الغالب أكثر من جنسية، وتتوزع مشاتيها ومصائفها على طرفي الحدود، وتحول التهريب بالتدريج الى مهنة رائجة في صفوفها . لذا لا غرو أن لا يشعر المرء، مثلاً، بأدنى فرق بين نفسية أحد أبناء عشيرة الجاف في منطقة (كه لار) المجاورة لكركوك مع نظيره في منطقة (جوانرود) داخل الحدود الإيرانية . أضف الى ذلك أن ظروفاً خاصة وعامة أدت إلى أن يتخلف الكرد عن الركب الحضاري، الأمر الذي تحول موضوعياً الى عامل مهم يحول دون اختلاطهم الواسع بغيرهم، مما حافظ على نقاوتهم إلى حد كبير، فأن مفردات العربية مثلاً وجدت طريقها إلى لغتهم بصعوبة أكبر من اللغة الفارسية أو التركية .

لا أؤمن شخصياً بوجود فروق جوهرية بين طبائع البشر والشعوب . فباستثناء الشواذ يميل الإنسان عادة  إلى الخير إلا إذا حوصر في لقمة عيشه، أو إذا تعرض إلى ما يمس قيمه وموقعه، أو إذا وقع تحت تأثير فكر متطرف غير عقلاني يعرض بضاعته الفاسدة بأسلوب مغر ٍ. وخير أنموذج يخطر على بالي هو أن الكثير من الطائشين والمتطرفين الآن كان آباؤهم من خيرة الوطنيين العراقيين في أواخر العهد الملكي والمرحلة المبكرة التي أتبعت ثورة الرابع عشر من تموز لأنهم كانوا متأثرين يوم ذاك بأفكار قوى الخير العاملة على ساحة العراق السياسية .

 

+ إذن، ما دمت ترى أن هناك سمات نفسية تاريخية يشترك فيها أغلب الكرد،فما هي أبرز هذه السمات؟

• لا أريد أن أبدي رأيي في السمات الشخصية للكرد برغم اعتزازي اللامحدود بكوني واحداً منهم . لكن غير الكرد، بمن فيهم الرحالة الأجانب، يعطون أوصافاً للكورد فريدة في بابها . منها احترام المرأة والوفاء والطيبة والبساطة والصدق والجرأة وغيرها من الصفات التي لم يكن بوسع النظام السابق، برغم كل أساليبه الملتوية لتشويه أبعادها، بحيث بقيت صورة الكردي تمثل صورة إيجابية مثالية في العقل الباطن للأكثرية الساحقة من عرب العراق وغيرهم . وفي هذا السياق ألجأ الى نموذج بسيط في شكله، عظيم في محتواه، وهو أن أي متبضع في الشورجة يميل الى التاجر أو الحمال الكردي أكثر بكثير مما يميل الى غيره .

 

+ يوجد انطباع متداول بين الكرد أنفسهم،أن الأجيال الكردية الجديدة تختلف في تركيبتها النفسية، بنسبة ما عن الأجيال السابقة. كيف تنظر الى هذه المسألة؟.

 

• بعد اندماج المنطقة بالأسواق الرأسمالية العالمية منذ أواسط القرن التاسع عشر، طرأ بعض التغيير في السمات  النفسية لجميع شعوب المنطقة بتأثير قيم الحضارة الأوربية الحديثة التي انتقلت إليها جنباً الى جنب البضاعة النوعية المستوردة من الغرب. يضاف الى ذلك بالنسبة للكورد عامل آخر تجسد في تفاقم الاضطهاد القومي ومحاولات الأوساط الحاكمة الالتفاف على طموحاتهم وقيمهم، مما زاد من حذرهم وشكهم المشروعين . ولقد تجاوز النظام العراقي السابق جميع الأنظمة الأخرى في محاولاته المنهجية الماكرة للنيل من السمات النفسية الإيجابية الموروثة، والراسخة في أعماق عوام الكورد وخواصهم، الأمر الذي كان يهدف الى زعزعة ثقة الكردي بنفسه ليرنو تحت تأثير ذلك الى جنسية ((أفضل وأرقى)) من جنسيته . وكنت حصلتُ بفضل بعض الخيرين على كتب خاصة أعدّتها بصورة سرية شعبة الاستخبارات النفسية التابعة لرئاسة الجمهورية ومديرية الأمن العامة في النظام السابق، منها كتاب يقع في اثنتين وأربعين ومائة صفحة، ويحمل عنوان ((الشخصية الايزيدية) . يحمل الفصل السادس والأخير من هذا الكتاب عنوان ((السمات العامة للشخصية الايزيدية))، تحاول مادته بوضوح ترسيخ الاعتقاد بأن شخصية اليزيدي الكردي ((شخصية مقهورة ومتقوقعة ومرتابة ومكبوتة ومذلة ومنقادة وقلقة ومهزوزة ومادية)). ومنها أيضاً كراس ((سري للغاية ومحدود)) عنوانه ((ملاحظات حول عمل الحزب الشيوعي العراقي في المنطقة الشمالية))  . يقع الكراس في سبع وعشرين صفحة جلها مكرس للحيلولة دون اتصال الكوادر الشيوعية بالجماهير الكردية المهجرة قسراً من قراها خشية أن يعرقلوا مهمات أزلام النظام الذين كانوا يمارسون عملية غسل دماغ منظمة مع تلك الجماهير خدمة لسياسة التعريب المقيتة. وفي السياق نفسه أتذكر جيداً كيف منعت السلطة في أواخر السبعينيات وبدايات الثمانينيات من القرن الماضي تداول بعض مجلات الإغواء والإغراء العربية في جميع أنحاء العراق باستثناء المنطقة الكردية بحجة كونها منطقة سياحية، منها مجلة ((الشبكة)) اللبنانية على ما أتذكر.

 

+ يحذر المختصون بالسيكولوجيا الاجتماعية من أن المغالاة في (( الاعتزاز القومي )) يمكن أن تؤدي في ظروف معينة الى نوع من ((الشوفينية)) . أين تضع الشخصية الكردية من هذين المفهومين في الوقت الحاضر، وهي تستعد لمرحلة تاريخية  جديدة من مراحل نيل حقوقها السياسية والثقافية والإنسانية ؟.

 

• بالعكس تماماً، فهناك حد سميك فاصل بين مفهومي (( الاعتزاز القومي)) و ((الشوفينية)) . الأول أمر مشروع بالنسبة للجميع، ولا كبرياء عندي يضاهي الكبرياء القومي، خصوصاً إذا كنتُ منتمياً الى خندق المظلومين الذين لا يمكن أن يكونوا شوفينيين أصلاً . فالشوفينية مصطلح ظهر أيام حروب نابليون بونابرت وحملاته التوسعية التي كان يشنها بحجة نشر مياديء الثورة الفرنسية، وكان الضابط (شوفيين) أشد المتحمسين للنزعة البونابارتية هذه ليتحول اسمه الى مصطلح يطلق على غلاة القوميين المتعصبين المنتمين للقومية الكبيرة أو الحاكمة، ممن يطمعون في أرض الغير بحجج واهية تبلغ حد تزوير حقائق التأريخ . وتولـّد الشوفينية عادة التعصب القومي في صفوف الطرف الآخر، وهو أيضاً توجه غير إيجابي سوى في كونه رد فعل مشروع على عمل غير مشروع ليتحول بحكم ذلك الى احدى أهم أدوات حماية الذات . ومن خلال متابعتي الشخصية للعديد من الظواهر أستطيع أن أؤكد بأن التعصب الكردي لا يؤلف ظاهرة متفاقمة برغم أن شوفيين الفرنسي لا يستحق أن يكون سوى تلميذ متواضع في مدرسة علي حسن المجيد العراقي .

 

+ ولكن هناك منظور في علم النفس السياسي يقول : (( إن الأمم التي تُـقهر في مرحلة تاريخية معينة، غالباً ما تلجأ الى التعويض النفسي عن طريق الانتقام من مضطهديها في مراحل لاحقة )). فهل تتوقع أن ينقلب الكورد في المستقبل القريب أو البعيد،بعد أن ينالوا كيانهم الذاتي عبر الفيدرالية في العراق،من أمة مظلومة إلى أمة ظالمة تسعى للثأر من أبناء القوميات المحيطة بها ؟.

 

• كنت أتمنى أن توجه مثل هذا السؤال إلى باحث غير كردي، لا أريد مع ذلك، أن أتهرب من الجواب . الكورد أيضاً مثل غيرهم، من الممكن أن يخطئوا، كما من الممكن أن يصيبوا، الأمران اللذان يعتمدان على حكمة من يقودهم ويقود غيرهم من جيرانهم، وعلى النخبة المنتمية إلى جميع الأطراف، نحن بحاجة إلى عقل ومشاعر ( الجواهري ) و( معين بسيسو ) و( عزيز نسين ) و( إسماعيل بيشكجي) و( ايرج ) و( خسرو روزبه ) و( كوران ) و( ليلى زانا ) الذين رصعوا معاً إكليل الأخوّة والصفاء بدرر فريدة . كم أتمنى أن يحذو الجميع حذو الشعب الأرمني العريق . نحن ظلمناهم واشتركنا في مذابحهم غير الإنسانية بتحريض من قوى الظلام من أعوان السلطان عبد الحميد الثاني والاتحاديين فيما بعد . إلا أنهم باستثناء حالات نادرة، آمنوا بمبدأ العفو عند المقدرة، فتعاملوا مع كرد أرمينيا معاملة طافحة بمشاعر الكرم والأخوة . رأيت بأم عيني نعيم كرد بلدة (الكه ز) التي تقع على مبعدة أميال قليلة من العاصمة يريفان .

 

+ تتباين المواقف في الساحة العراقية اليوم من موضوعة ((الفيدرالية)) وتأثيراتها المحتملة على مستقبل العراق . وقبل الخوض في الإفرازات النفسية للفيدرالية، وما اذا كانت تعد حلاً يحفظ للشخصية الكردية هويتها التأريخية، أود أن أسأل عن جذورها التاريخية ؟.

• تعدّ الفيدرالية تاريخيا من أفضل ما أنتجه الفكر الإنساني النيّر بهدف تجاوز مشكلات اجتماعية مستعصية . أعتقد أن الذين يعادون الفيدرالية لا يفقهون معناها ومغزاها وموقعها الإيجابي في التأريخ . ومن أجل التوضيح أقتبس خلاصة ما ذكرته بهذا الخصوص في كراس لي صدر  قبل أشهر بعنوان ((آراء في الفيدرالية )) . إن كلمة الفيدرالية مقتبسة في الأصل من كلمة لاتينية قديمة  (Foedus)التي تعني الاتحاد نصاً . وكان هذا المصطلح يطلق في عهد الإمبراطورية الرومانية، التي ظهرت قبل الميلاد بعدة قرون، على العشائر الحدودية التي كانت تدافع عن تخوم الدولة وتحميها . من هنا فأن المصطلح ينطوي على مفهوم إيجابي منذ ظهوره قبل أكثر من ألفي سنة .

وهكذا كان الأمر أيضاً في التأريخ الحديث والمعاصر، وهو ما يهمنا أكثر من غيره، فأن جميع الذين آمنوا بالفيدرالية وناضلوا من أجلها في تلك المرحلة كانوا ينتمون إلى خندق الوطنية، والى المظلومين تحديداً، منهم،على سبيل المثال، الفيدراليون الفرنسيون الذين كانوا ينتمون الى المقاطعات والأطراف ممن علقوا آمالاً كبيرة على شعارات الثورة الفرنسية عن الحرية والإخاء والمساواة، فتطوعوا للدفاع عن مكاسب الثورة التي تكالبت عليها القوى الرجعية في الداخل، كما في الخارج، فتوجهوا من كل حدب وصوب الى العاصمة باريس وهم يحملون إيمانا عميقاً وسلاحاً بسيطاً حيث أبدوا آيات البطولة في ميادين القتال، خصوصاً ضد القوى الخارجية التي كانت ترنو الى وأد الثورة في مهدها . وهؤلاء الفيدراليون هم أول من أنشدوا نشيد الثورة الفرنسية المعروف بالمارسيليز. ولم يؤد فيدراليو إيطاليا دوراً أقل شأناًَ في الحركة الوطنية العامة في مطلع العقد الثالث من القرن التاسع عشر، مما ساعد على تمهيد الطريق لتحقيق الوحدة الإيطالية فيما بعد .

ومن المفيد أن نشير بالمناسبة إلى أن جميع المتعصبين تبنوا مواقف نقيضه تماماً للمواقف التي تبناها الفيدراليون في التأريخ الحديث والمعاصر، وخير مثال نسوقه هنا لتوضيح هذه الحقيقة هو موقف عدد غير قليل من قادة الثورة الفرنسية الذين تخلوا بسرعة عن قيم ثورتهم الكبرى، فغدوا يرون أن من حقهم حكم العالم بأسره بحجة نشر مبادئ الثورة، وبلغ هذا التوجه ذروته في عهد نابليون بونابرت . وهنا ينبغي أن نشير إلى أن جميع حملة النزعة البونابرتية في السيطرة على الغير يقفون في كل زمان ومكان ضد  الفيدرالية القومية، بدءاً بشخص نابليون نفسه الذي تبنى موقفاً غير ودي من فيدراليي بلاده المتفتحين، مع العلم أنه كان بأمس الحاجة إلى تأييدهم ومؤازرتهم .

تثبت تجارب التأريخ أن الفيدرالية تبعد أصلاً فكرة الانفصال شرط أن تكون هدفاً ثابتاً لا مناورة تستهدف الاحتواء . وكل تجارب التأريخ تثبت ذلك،وتبين أن أقوى الدول في العالم هي الدول الفيدرالية . فلم تظهر الفيدرالية كفكر سياسي الا بوصفها استجابة ضرورية لحاجات المجتمع، وفي ضوء خصوصياته المحددة، وهي تحولت الى أساس قوي لتعزيز مقومات الدولة حيثما طبقت بصورة صحيحة.وفي الواقع لم يستجب لهذا الفكر فقط أولئك الذين تخلفوا عن الركب الحضاري لأكثر من سبب، فجلبوا الويلات لشعوبهم بسبب ذلك . وخير أنموذج أسوقه في هذا المجال هو الإمبراطورية العثمانية المترامية الأطراف، فأن نظامها على أرض الواقع كان في أوج قوته يمثل أشبه ما يكون بنظام فيدرالي، بل وحتى كونفدرالي غير معلن، فأن السلاطين الأوائل لم يتدخلوا قطعاً في شؤون الإمارات غير التركية التي ظلت شبه مستقلة، لا تؤدي تجاه الباب العالي سوى ما عليها من التزامات مالية وعسكرية دون ضغط أو إكراه، ودون أي تدخل مباشر، أو حتى غير مباشر في شؤون حياة أهلها الخاصة والعامة،في تقاليدهم ولغاتهم، أو أرض أجدادهم . ولذلك لم يفكر أحد يوم ذاك بالانفصال،حتى أن الأرمن كانوا يؤلفون يومذاك عنصر بناءٍ لا هدم رغم انتمائهم الديني المسيحي، وموروثهم الحضاري . وهذا يعني أن التنوع الأثني والديني والمذهبي تحول الى مصدر خير، وعامل ازدهار للدولة بمقياس الزمان والمكان . غير أنه ما أن انقلبت الآية في زمن السلاطين المتأخرين، وخصوصاً في عهد الاتحاديين، حتى تحولت القوميات غير التركية، وشجونها الكثيرة الى عبء ثقيل على كاهل الدولة، والى عامل فاعل في نخر أسسها، وتحويلها إلى (( الرجل المريض )) الذي تخبط في اختيار الدواء فأدركه الموت غير مأسوف عليه .

+ ومع ذلك، توجد مؤشرات على وجود رأي عام في المناطق العربية من العراق،يعتقد أن الفيدرالية ستكرس (من الناحية النفسية) انعزال الكرد عن بقية قوميات العراق، وما سيترتب على ذلك من نتائج سلبية لاحقاً على وحدة البلاد. كيف ترد على هذا الرأي،بالرجوع إلى الحقائق التاريخية ؟.

 

• ظهرت أفضل الفيدراليات على أساس الاختيار الحر الذي يحتوي حق تقرير المصير دون أن يلغيه. لكن الملفت للنظر أن أحداً لم يلجأ الى  ذلك الحق سوى الفنلنديين الذين انطوى موقفهم على رد فعل مشروع كان مبعثه الاتحاد القسري الذي فرضه عليهم القيصر الروسي . وعلى هذا الأساس لم تجن الدول الفيدرالية في العالم، وبشتى أشكالها، سوى الخير من نظامها، ومنها الولايات المتحدة الأمريكية وكندا وسويسرا والبرازيل واستراليا والهند وغيرها لأنها حققت المساواة المطلقة بين رعاياها بغض النظر عن جميع انتماءاتهم . فأن (الريتورومان) الذين يؤلفون أقل من (1%) من مجموع السكان في سويسرا يتمتعون بنفس الحقوق التي يتمتع بها الألمان الذين يؤلفون حوالي (70%) من مجموع السكان،بما في ذلك حق تبوء أي منصب رئاسي أو وزاري أو دبلوماسي . ولهذا السبب،لا غيره، لم يستطع الزعيم الفاشي (موسوليني) منذ العام 1922، ولا الزعيم النازي (هتلر) منذ العام 1932 أن يؤثرا على وحدة الألمان والفرنسيين والإيطاليين والريتورومان الذين بدأ أبناء جلدتهم خارج سويسرا يأكل بعضهم البعض طوال سنوات ست من عمر الحرب العالمية الثانية . بل وأكثر من ذلك أن خلفية هذه المساواة جعلت أذهان القوميات السويسرية الأربع مستعدة للتحول الى نظام فيدرالي في القرن التاسع عشر بعد أن عاشت بلادها نظاماً كونفيدرالياً على مدى حوالي ستة قرون قبل ذلك التأريخ  .

إن الإفرازات الإيجابية لمثل هذا التعامل العقلاني لا تعد ولا تحصى، ويكفي أن نقول بهذا الصدد أن من الصعب أن يصدق أحد اليوم أن السويسري الذي يعد أفضل أنموذج إنساني في عالمنا المعاصر على جميع الصعد، ويتمتع باستقرار نفسي قلَ نظيره، كان أجداده يمثلون أسوأ أنموذج على صعيد القارة الأوربية في العصر الوسيط، حتى أنهم تحولوا الى مصدر رئيس لتزويد جيوش المرتزقة الأوربية بالأوباش الذين أدوا نفس الدور الذي أداه ((جحوش كردستان)) على مدى سنوات طوال .

أود أن أشير أيضاً الى حالة فيدرالية عشت في أجوائها على مدى عقد واحد من الزمن، وأقصد بها الفيدرالية السوفييتية . ان من أفضل ما حققته ثورة أكتوبر الاشتراكية عام 1917 لشعوب الإمبراطورية الروسية هو تحويل نظام القياصرة المستبدين الى اتحاد كونفدرالي في البداية، ومن ثم الى اتحاد فيدرالي اختياري منذ العام 1922.  لاحظت،مثل جميع زملائي العراقيين الآخرين الدارسين هناك،  العديد من الجوانب الإيجابية في الفيدرالية السوفييتية، فلم نحس بأي نوع من التعالي القومي الشوفيني لدى الأكثرية الروسية . وكان لكل جمهورية من الجمهوريات الخمس عشرة علمها الخاص يرفع جنباً الى جنب علم الدولة المركزي فوق جميع المؤسسات الرسمية دون استثناء . كما أن اسم العملة الروسية كان مطبوعاً  على الروبل بخمس عشرة لغة،بضمنها، على سبيل المثال، منات باللغة الأذربيجانية . وكان التعامل مع اللغات القومية يجري على قدم المساواة مع اللغة الروسية في جميع ميادين الحياة اليومية . ولم ألاحظ في المؤسسات العلمية التي كنت أتعامل معها في (باكو) عاصمة أذربيجان السوفييتية، ولا في (يريفان) عاصمة أرمينيا السوفييتية أي وجود روسي  . فعلى سبيل المثال لم أجد لا في معهد شعوب الشرقين الأدنى والأوسط التابع لأكاديمية علوم أذربيجان في باكو، ولا في معهد الاستشراق التابع لأكاديمية علوم أرمينيا في يريفان طالباً، أو أستاذاً روسياً واحداً، وكذلك في المكتبات العلمية الكثيرة التي كنت أتردد عليها باستمرار، بينما كان العشرات من أبناء القوميات غير الروسية يعملون ويدرسون في نظيرات تلك المؤسسات في موسكو ولينينغراد وغيرهما من كبريات المدن الروسية . ولن أنسى تواضع وبساطة (رينا) طالبة الدراسات العليا في معهد شعوب الشرقين الأدنى والأوسط بباكو، وتعاملها الطبيعي جداً، بل المشوب بقدر واضح من الخجل، مع الجميع، وتنقلها مع زميلاتها الأخريات مع العلم أنها كانت ابنة السكرتير الأول للحزب الشيوعي الأذربيجاني (آخندوف) .

 

+  من المعروف في حقل دراسات الإدراك الاجتماعي أن الأفراد المنتمين إلى أي جماعة بشرية سواء كانت سياسية أو قومية أو عرقية أو ثقافية،لا بد أن يحملوا في أذهانهم ((صورة نمطية)) عن السمات الشخصية لأفراد الجماعات الأخرى .ولهذه الصور النمطية تأثير مباشر في تحديد طبيعة العلاقات بين هذه الجماعات سلباً أو إيجاباً. ما هي برأيك خصائص الصورة النمطية التي يحملها كل من الكردي والعربي عن بعضهما في عراق اليوم ؟. وهل تغيرت هذه الصورة قياساً بما كانت عليه في الحقب السياسية السابقة؟ .وما هي طبيعة الآفاق المستقبلية للعلاقة بين الكرد والعرب انطلاقاً من نمطية هذه التصورات الذهنية التي يحملونها عن بعضهم ؟.

 

• العلاقات بين العرب والكرد كانت دوماً علاقات مثالية . لا أقول ذلك جزافاً أو بدوافع عاطفية، بل على أساس شواهد تاريخية محددة . فبعد أن فقد الكرد الأوائل حكم أنفسهم بأنفسهم، وتقلص دورهم الحضاري في ظل الدول التي توالى حكمها على كردستان على أثر سقوط الدول والإمارات الكردية القديمة الواحدة تلو الأخرى، كان أمراً طبيعياً أن يرحب الكرد بالإسلام باعتبار ذلك وسيلة للانتقال الى وضع أفضل مما كانوا فيه . ولقد دشن هذا الواقع أول احتكاك مباشر وواسع للكرد وكردستان بالعرب – حملة راية الدين الجديد-  ولم يمس الإسلام الكيان القومي للكرد داخل وطنهم، بل انه ساعد على تعزيز ذلك الكيان بوجه الشعوب والأنظمة غير الإسلامية المتاخمة لكردستان، لا سيما في طرفها الشمالي . ولقد احتفظ الكورد بخصائصهم القومية، وبلغتهم في ظل الإسلام وحضارته على الرغم من تحولهم الى عنصر فاعل بالنسبة لكليهما . وتعززت هذه العلاقات أكثر في أواخر العهد العثماني، ولا سيما بعد انتقال السلطة الى الاتحاديين المتعصبين الذين عادوا العرب والكورد على حد سواء . فحسب الوثائق الروسية الخاصة أجرى الشيخ محمود اتصالات خاصة مع شريف مكة، حسين وأولاده، مقترحاً عليهم التعاون في نضال الطرفين ضد الاتحاديين، بأن بعث إليهم رسائل عديدة بهذا الخصوص، وقعت إحداها بيد المسؤولين العثمانيين . وعلى أديم الشعيبة اختلطت دماء العرب والكورد في نيسان 1915 أثناء تصديهم للجيوش البريطانية الغازية، فمنح بسطاءُ الفرات الأوسط الكوردَ ثلث الجنة في هوسة شعبية معروفة وردت بصياغتين ((ثلثين الجنة لهادينا وثلث الجنة لكاك أحمد وأحفاده))، و(( ثلثين الجنة لهادينا وثلث الجنة للشيخ محمود وأكراده )).

وقد دخلت هذه العلاقات مرحلة جديدة مع انتهاء الحرب العالمية الأولى وفرض الاحتلال ثم الانتداب على العراق. وبحسب وثائق وزارتي المستعمرات والخارجية البريطانيتين، وبشهادة مؤلفين إنجليز مطلعين من أمثال (لونكريك) و(ادموندز) كان (( الطائر الشؤم )) الشيخ محمود، حسب وصف البريطانيين له،على اتصال مباشر برجال الحوزة في النجف وكربلاء، وبعدد من رؤساء العشائر العربية المعروفين . وتحدثت إحدى الوثائق عن استقبال زعماء العبيد والبيات للشيخ محمود بعد عودته من منفاه في الهند سنة 1922. وتتحدث وثيقة خاصة أعدت لشخص الملك فيصل الأول في كانون الثاني 1923 عن اجتماع مهم عقده الشيخ محمود مع (43) رئيساً عشائرياً لوضع خطة لنظامه، كان اثنان منهم من رؤساء العشائر العربية في الحويجة، الأول رئيس فخذ البوعلي فرحان الروحان، والثاني هو سيد عبد القادر اغا من ملحة . ومن المناسب أن أشير هنا الى عبارة وردت في نص القـسَم الذي كان على كل من يمنح العضوية في صفوف الحزب الشيوعي العراقي في خمسينيات القرن الماضي أن يؤديه، وهي أنه يكون مخلصاً لتراث محمد جعفر أبو التمن والشيخ محمود .

ومع ظهور الفكر التقدمي على الساحة اتخذت الأخوة العربية - الكردية بعداً أعمق حين تحول النضال المشترك للشعبين الى واحد من أهم عناصر الحركة الوطنية العراقية، مما تجسد في أيام الوثبة عام 1948 وانتفاضة 1952 وحركة الاحتجاج ضد العدوان الثلاثي على مصر . أتذكر شخصياً حتى اليوم الهوسة التي كنا نرددها نحن الطلبة العرب والكرد معاً في ساحة دار المعلمين العالية، وفي شوارع الوزيرية وباحة السفارة المصرية : ((مصر الحرة ما نبيعها، عشر سنين نحارب بيها )) .

هذا يعني،على الخيرين أن يبذلوا كل ما في وسعهم من اجل إحياء هذا التراث السياسي الجليل بعد أن امتدت إليه يد التخريب والتحريف في ظل النظام السابق الذي زرع بذور التفرقة والشقاق والتعصب الأعمى بصورة منهجية على مدى خمسة وثلاثين عاماً، وأصبح الكرد الضحية الأولى لمثل هذه السياسة الخرقاء لأنها جعلت وجودهم القومي، وأرض أجدادهم أمام خطر محدق حقيقي غدا معه كل ما هو كردي مرفوضاً لا في نظر المتعصبين وحدهم، بل وحتى في نظر قطاع  من بسطاء الناس بسبب وعيهم المتدني، أو بدوافع مصلحية ضيقة، مما أصاب الوحدة الوطنية في الصميم، وجريرة ذلك تضاهي جريرة القبور الجماعية دون ريب. مع ذلك علينا أن نكون متفائلين ونؤمن بالمستقبل. ان جميع زملائي وأخواني الكثيرين من العرب والكرد يفكرون مثلما أفكر، وفي ذلك مبعث تفاؤلي دون أن أنسى أن الساحة بدأت تشهد ظواهر خطيرة للغاية تمس الكرد وكرامتهم في الصميم، وهي غريبة عن طبيعة العراقيين وتأريخ علاقة العرب بالكرد الذين أتمنى أن لا ينفذ صبرهم .

 

+  هناك رأي يقول أن الجالية الكردية في بعض بلدان شمال أوربا - التي ما تزال لها أواصر اجتماعية واقتصادية قوية بموطنها الأم- صارت تشكل بحد ذاتها مجتمعاً كردياً له خصائص حضارية وسلوكية متمايزة إلى حد كبير عن مجتمع  كردستان. ما تأثير هذا الانقسام الجغرافي على الهوية التاريخية للشخصية الكردية مستقبلاً ؟.

 

• كنت أتمنى دوماً أن يكون للكورد والعرب دوما ً، كما لليهود لوبيهم الخاص في الغرب الذي يتمتع بتأثير مباشر على سير الأحداث في كل مكان . كان الشهيد الدكتور (عبد الرحمن قاسملو) سكرتير الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، يولي هذا الموضوع اهتماماً استثنائياً إدراكا منه لأهميته، وحقق في مضماره مكاسب جديدة خدمت القضية الكردية . فقد قطعت علاقات قاسملو الودية بعدد كبير من كبار الساسة والصحفيين الأوربيين شوطاً بعيدا ً، بحيث عندما استشهد في فيينا نقل جثمانه خصيصاً الى باريس ليدفن هناك في مقبرة الاشتراكيين في تشييع مهيب حضره عدد كبير من أقطاب اليسار المعروفين .

وقد أدى الوجود الكردي الملموس،خصوصاً في فرنسا وألمانيا، دوراً متميزاً في جلب انتباه العالم المتمدن الى مأساة الكرد . من هذه الزاوية يفترض تقويم وجود الجالية الكردية في الأقطار الأوربية . وأرى أن ما هو ايجابي في هذه الظاهرة أكثر بكثير مما هو سلبي . فقد تحول معظم هؤلاء الى مصدر رزق لأفراد أسرهم في الوطن الأم،فضلا عن ظاهرة التزاوج فيما بينهم، أو إقبالهم على الزواج من قريباتهم في كردستان التي تؤشر حرصهم على هويتهم القومية وتمسكهم بتقاليدهم الخاصة . ومن المعروف أن لدى الجالية الكردية في أوربا تنظيماتها وصحافتها الخاصة بها، وهي تولي أعيادها وتقاليدها الموروثة كل ما يستحق من اهتمام، وتتابع القنوات الفضائية الكردية أكثر من غيرها . وشخصياً أحتفظ بعشرات الرسائل من شباب تلك الجالية دون أن أعرفهم، كما أن العديد منهم يتصلون بي هاتفياً في مناسبات مختلفة، ويبعثون لي بمؤلفاتهم،الأمر الذي ينطبق أيضاً على مثقفنا البارز محمد الملا عبد الكريم المدرس، وربما على غيره أيضاً .

 

+ وأخيراً ...  تبقى قضية  حق الكرد في تقرير مصيرهم بما فيه حق إقامة دولتهم القومية المستقلة، قضية لها بريقها وحيويتها في نفس كل كردي،بل ويذهب غالبية الكرد الى القول أن الكرامة الكردية تظل منقوصة حتى يرفرف علم موحد لدولة كردستان المستقلة .إلا أن هناك رأيا آخر أقل انتشاراً يقول أن الشخصية الكردية يمكن أن تجد فرصتها الإنسانية في تحقيق ذاتها ضمن عراق ديمقراطي تعددي فيدرالي أكثر مما هي عليه في دولة كردية مستقلة ذات طابع قومي عشائري في بنيته السياسية . فما هو موقفكم من وجهتي النظر هاتين ؟.

 

• يحق للكورد أن يتمتعوا بكل ما يتمتع به غيرهم، وهذا قانون طبيعي ينطبق على جميع شعوب الدنيا دون استثناء إذ ولى عهد ((شعب الله المختار))، ولا اختلاف بين عقلاء الناس في تقويمهم لهذا المبدأ القويم الذي من شأنه أن يساعد كثيراً في حل مشكلات العباد والجماعات والبلدان . فمنذ القرن الرابع عشر كان يوجد نظام في إنجلترا ينطبق على الجميع اسمه (( قانون العدالة أو المساواة )) Equity . وبعد مرور أكثر من ستة قرون على ذلك لا يقر الظلاميون المتخلفون مثل ذلك الحق للكورد . أما حق تقرير المصير تحديداً فأنه أصبح شائعاً على نطاق واسع في عصر الثورات البورجوازية الأوربية الكبرى، ولم يتصد له هناك سوى من كانوا يحملون بقايا الفكر الإقطاعي، وللأسف الشديد يعيد التأريخ هنا نفسه بحذافيره لدينا .

مع انتصار أول ثورة اشتراكية في العالم في تشرين الثاني 1917 ترسخ مبدأ حق تقرير المصير الى حد كبير . مع كل ذلك علينا أن لا ننسى أيضاً أن حق تقرير المصير لا يعني الانفصال بالضرورة، ومن الثابت أن الانفتاح ساعد كثيراً على احتواء النزعات الانفصالية في كل زمان ومكان .علينا أن نواكب العالم المتمدن في توجهاته العقلانية . ان الحدود الدولية في طريقها الى الزوال في أوربا الغربية منذ أواخر القرن الماضي، وحل اليوم الصفاء والوئام بين الفرنسيين والألمان بعد أن فرّقت أنهار من الدم بينهما على مدى قرون طوال، وفي هذا درس بليغ لكل من يريد أن يعتبر، وأن يدرك بأننا دخلنا القرن الواحد والعشرين .

 

ومع آخر حروف الدكتور كمال في سياحته التأريخية في الأعماق الكردية، وجدنا كلمات شاعر الكرد الخالد (عبد الله كوران) تصدح فيّ  :

أريد من الفتى الكردي أن يضع على كفه

قلبه الدافئ، المفعم بالإحساس

ويطوف به بين فرق الشباب

ويذيع مشاعره في أعطاف العالم

ولا يتوهم أنه كردي، متأخر، ضئيل

فقد بزغ في الأفق فجر للإنسان

يمحو مساحات الصغر والكبر بين الشعوب .

 

صياغة ثقافة الارهاب

(مدخل سيكولوجي)

 

استهلال في اشكالية مصطلح

شاع بين الناس مصطلح ((إرهاب )) ليعني الأعمال التي تستهدف قتل المدنيين أو إلحاق الأذى بهم . والواقع أن مفردة أو مصطلح (إرهاب) ترجمة غير موفقة لمفردة ( Terror ) الأنجليزية . ذلك أن جذر مفردة ( ارهاب ) هو ( رهب) بفتح الراء والباء وكسر الهاء،ويعني (خاف ) .    ويقال في الأمثال : ( رهبوت خير من حمروت ). أي لأن ترهب، بضم التاء  وفتح الهاء، خير من أن ترحم، بضم التاء وفتح الحاء . و ( أرهبه ) و ( استرهبه ) تعني أخافه . وبهذا المعنى ترد في القرآن الكريم في سورة الأنفال : ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل  ترهبون  به عدو الله وعدوكم وآخرين لا تعلمونهم الله يعلمهم   – من الآية رقم - 60) .

هذا يعني أن مفردة (ارهاب)  تحمل دلالة أو معنى ايجابيا . فالتفسير النفسي لها يعني أن الذي  يهمّ  بالعدوان على جماعة معينة يحجم  عن تنفيذ  عدوانه اذا رأى ما عليه الطرف المقابل من قوة، فيخاف  على نفسه  وجماعته خشية أن يلحق بهم الدمار أو الأذى، وكأنه ( تكنيك ) أو أسلوب للوقاية من شرّ محتمل .

هذا يعني أن الارهاب، لغة، يقصد به ( إخافة ) الطرف الآخر في النزاع أو الصراع، ولا يعني فعل ايقاع الأذى به . بمعنى آخر أن الارهاب أقرب إلى (الانذار) الذي يسبق الفعل ليحذر الخصم من أنه اذا شن عدوانا فأن ما سيصيبه من اذى ودمار أكثر مما يوقعه هو في الطرف الآخر . وواضح أن هذا لا ينطبق على ما جرى ويجري في العراق من الأعمال التي وصفت بالإرهاب . ونرى أن الأقرب لوصفها، لغة، هو مفردة (( إرعاب ))،

من الرعب الذي يتضمن أيضا ترويع الناس واشاعة الذعر بينهم . لكن اللغة، العربية بشكل خاص لتعدد لهجاتها، متخمة بالأخطاء الشائعة . ويبدو أن الخطأ الشائع أسهل في التخاطب بين الناس -  لكثرة تداوله – من المفردة الصحيحة لغة . وعليه قد يصعب تداول( إرعاب ) بدلا من ( ارهاب )، لا سيما بعد أن اكتسب مصطلح إرهاب  معنى جديدا هو : إيقاع  الأذى بآخر أو آخرين ليسوا طرفا في النزاع  .  ومع ذلك فأن ( الإرعاب ) أصح لغة من ( الإرهاب ) في وصف الحالة موضوع البحث .

 

أراء من دون تفاصيل.. للتأمّل

• لا يولد الأنسان ارهابيا بالفطرة، انما تصنعه مؤسساته الاجتماعية .  واذا ظهر من  بيننا  ارهابي

فهذا يعني أننا نحن الذين صنعناه . أو – بعبارة أخف – ساهمنا في صنعه .

• إن الارهاب  ليس وليد القرن العشرين، بل هو سلوك قديم   رافق البشرية  عبر تاريخها  الطويل

بمسميات متنوعة : القراصنة، الصعاليك، .... العيّارون، الشطّار ( لاسيما في بغداد أيام الفتنة بين الأمين والمأمون ) . وأن الارهاب لم يظهر فقط في أرض العرب والإسلام، إنما في أوربا أيضا، ومنها – في سبيل المثال – فرنسا بين عامي 1789 و 1799.

• إن القاسم  المشترك لظهور الارهاب بمسمياته المختلفة عبر تاريخ البشرية، يتحدد بانقسام الناس

الى فريقين :  معدمون  وفقراء  وجياع  وعاطلون  ومهمشون  يشكلون الأكثرية، وزعماء وحكّام

وأغنياء  ومترفون  يشكلون الأقلية  ..   في نظام يفتقر إلى العدالة والإنصاف . يضاف لها عامل

حديث معاصر هو : غطرسة واستعلاء دول كبرى في العالم،  وسعيها الى فرض قيمها  وتسفيه

قيم الآخر.

• إن الإسلاميين وجدوا أنفسهم  محاصرين بثلاثة أنواع من الأطواق الخانقة : حصار خارجي يتمثل

بدول الغرب الكبرى، وحصار داخلي يتمثل بالأنظمة السياسية، وحصار الحركات والتيارات اليسارية والعلمانية . وأن نزعة الأنسان الى البقاء تدفعه الى فك الحصار عن نفسه بأية وسيلة كانت .

• يشكّل الإسلام مشروع حضارة وتحديا ثقافيا لحضارة الغرب وثقافته،مما دفعه(الغرب ) الى التفتيش عما هو سلبي في الإسلام وتضخيمه بأساليب شكّلت استفزازا للإسلاميين الأصوليين، أو إساءة لمقدساتهم .

• إن الإسلاميين الذين اعتمدوا العنف وسيلة لتحقيق أهدافهم، استعانوا أو التحق بهم أفراد محترفون للجريمة، وآخرون منحرفون نفسيا، يجمعهم ( الأصناف الثلاثة ) فعل الجريمة وان اختلفت أهدافهم .

• إن اعتماد أمريكا لنظرية ( السيفون ) في العراق، أي ترك حدود العراق مفتوحه ليتجمع فيه أعداؤها، ثم الاجهاز عليهم، كان أحد الأسباب الرئيسة في شيوع الارهاب  في العراق، فضلا على غطرستها وسوء تعاملها مع العراقيين واسترخاص حياتهم .

• إن الإرهاب لا يمارسه فقط من يوصف بالاسلاميين الأصوليين أو التكفيريين أو أية جماعات بعناوين أخرى، انما الحكومات ايضا، وبأسلوب أشمل وأبشع . وأبرز مثال معاصر عمليات الأنفال في العراق . ولا توجد الآن ضمانات تجعلنا نطمئن بيقين ثابت أن الحكومات العراقية المقبلة سوف لن ترتكب أعمالا ارهابية .

• إن الانتحاريين من الإرهابيين مخلصون تماما لمعتقداتهم . فلا يوجد اكثر اخلاصا للمعتقد من أن يضحي الفرد بحياته من أجله . ولا فرق – من حيث الفعل النفسي والادراكي – بين ( عمر المختار ) مثلا، وبين ارهابي يشد نفسه بحزام ناسف ليفجرها بين حشد من الناس، فكلاهما ينتهيان الى نهاية واحدة : تدمير الذات وإفناؤها.  والفرق يكمن في نوعية المعتقد . فالسياسي الذي يخيّر بين الاعدام وبين التخلي عن معتقده.. ويختار الاعدام، انما يضحي بنفسه من اجل هدف واقعي يراه  يحمل الخير للناس، ولا يلحق مشهد اعدامه أذى بالآخرين أنما التعاطف معه، فيما يؤدي تدمير الارهابي الانتحاري لذاته الى ارتكاب جريمة بقتل نفوس بريئة، والحاق  الأذى بآخرين، من اجل هدف خيالي نسجه معتقد يراه الآخرون وهميا أو باطلا . وعليه فأن الخلل ليس في الإنسان بحدّ ذاته، إنما في طبيعة معتقده .

والسؤال الذي يشكل تحديا لنا هو :

 

كيف تشكّل هذا المعتقد لدى أفراد في مجتمعاتنا  الى الدرجة التي لا يفني الفرد فيها وجوده فقط، إنما يفني معه أرواحا بريئة من أبناء قومه يستهدفهم عن قصد، ولا يعدّ فعله هذا جريمة، بالرغم من أنه يعلم بأن من قتل نفسا بريئة كأنما قتل الناس أجمعين ؟!

 

تفاصيل ..ليست بحجم الظاهرة

عندما نتحدث، نحن السيكولوجيين، عن الارهاب فإننا نبدو للسياسيين كمن يغرد خارج السرب . وبصريح العبارة فأنهم لا يعيرون لكلامنا اهتماما . والسبب هو أن السياسيين يختزلون الارهاب بمسألة واحدة هي  (( الأهداف ))  التي يسعى الارهاب الى تحقيقها . ويركزون في إبراز شرعية النظام السياسي القائم وإنسانيته وأخلاقياته، وإظهار قبح الإرهاب ووحشيته  وما سيحلّ بالناس من بلاء  اذا ما أزاحهم  عن السلطة وأخذها منهم . فيما نركّز – نحن النفسانيين – في ((الأسباب)) التي أدت الى ظهوره والعوامل التي جعلت منه أن يكون بحجم ظاهرة دولية ذات أبعاد وعناوين متعددة  :  سياسية  ودينية  واجتماعية ونفسية وأخلاقية واقتصادية . وفي رأينا،  إن الذي يقف على أسباب أية ظاهرة  يمكنه اقتراح سبل أو أساليب لعلاجها...وهذا ما تهدف أليه هذه الورقة .

إننا، نحن المعنيين بالعلوم النفسية والسلوكية، ننظر إلى انه توجد في داخل أي إنسان " منظومة قيم" هي التي تحرك سلوك الفرد وتوجهه نحو أهداف محددة، تماما مثلما يفعل " الداينمو " بالسيارة .  فكما انك ترى السيارة تتحرك ( وحركتها سلوك) ولا ترى الذي حركها " الداينمو" كذلك فأنت لا ترى " المنظومة القيمية" التي تحرك سلوك الفرد . ولذلك فان اختلاف الناس : ( رجل الدين عن رجل السياسة عن رجل الاقتصاد عن المنحرف عن الإرهابي ......... ) إنما يعود إلى أن شبكة المنظومة القيمية والثقافية الناجمة عنها، تكون مختلفة لديهم نوعيا وكميا وتراتبيا وتفاعليا .

ونرى أيضا أن الإنسان لا يولد مزودا" بالفطرة بهذه المنظومة القيمية إنما يكتسبها من خلال ثلاثة مصادر أساسية هي :

 

1ـ الأسرة .

2ـ النظام التربوي ( المدرسة ) .

3ـ السلطة (نظام الحكم ) .

والمتفحص للمنظومات القيمية (محركات السلوك ومحددات أهدافه) لدى الإرهابيين العرب، يخرج بنتيجة أنها  نتاج هذه المصادر المحلية الثلاثة، مضاف لها "الجامع" بوصفه مصدرا للتثقيف الديني، ومصدر آخر خارجي استفزازي عدواني تحريضي قادح لزناد الإرهاب هو "أمريكا" . فضلا على محاولة الاعلام الغربي تصوير الاسلام بأنه كان قد  اشاع ثقافة انتشاره بالسيف وليس بالحوار، وأن المنادين به الآن ملتزمون بهذا النهج، وغيرها من التهم .   غير أن ما يعنينا هنا هو ما صنعته أيدينا .

فالدراسات النفسية الاجتماعية تشير الى أن "الأسرة العربية" لا سيما في الأوساط الفقيرة والمتوسطة والمتدنية ثقافيا، وهي الأوسع في أمة الإسلام والعرب،  تنشئ أطفالها على العقاب الجسدي والترهيب والتهديد والقهر النفسي والازدراء  والتحقير والتخجيل والسخرية والتهكم وخلق الإحساس بالدونية الذي يفضي إلى عقدة الشعور بالنقص ووأد حرية الرأي . فضلا عن أن البعد السلطوي في الثقافة العربية يبدأ مع الأطفال وهم في المهد . فالأم تمارس أسلوب تخويف الأطفال بالأب والحيوانات و الجن كي يناموا ويطيعوا . فالعصا والحيوان والشيطان أدوات تستخدم لقمع الأطفال، ومثيرات للرعب تفضي الى اغتيال أو خنق روح الحرية في نفوس الناشئة وتغلق نوافذ تفكيرهم في السؤال والحوار.

ونميل نحن النفسيين إلى الاعتقاد بأن المنحرفين والمجرمين و المتمردين على النظام والقانون يأتون من بين هؤلاء الأطفال الذين عاشوا هذه الخبرات . فالذي أحتقر في صغره وكان موضوعا للسخرية والقمع النفسي والفكري... وكان ممسوخ الهوية "أعني قمع صوت الأنا"  يتشكل لديه أسلوب عصابي في التعامل مع الآخرين يدفعه من بدايات شبابه إلى أن يعمل على "ردّ اعتباره" لنفسه واعلاء صوت "الأنا" من خلال النيل ممن يتخذه ضحية من هؤلاء الآخرين بإذلاله والاعتداء عليه . وبتكرار الضحايا يجري تضخيم "الأنا" وصولا لأن يكون بحجم صورة "البطل" في ذهن صاحبه، التي تكون عند العصابي بلا حدود .

والإرهابي ـــ في اجتهادنا ــ عصابي، بمعنى أنه يفقد المرونة في التعامل مع الأمور ولا يجد الا حلا واحدا لكل قضية يسيطر عليه ويكون هذا الحل قسريا، بمعنى يجبره على ان يقوم به، ويجعله حرونا عنيدا حتى لو كان فيه فناؤه .

ويعد النظام التربوي بمؤسساته التعليمية من الابتدائية إلى الجامعة القناة الأكثر تأثيرا في تشكيل القيم لدى التلاميذ  والطلبة، وأول من يحدد لهم الطريق الى ثقافة معينة . والباحث في الأنظمة التربوية العربية يجد أنها تقوم على تكريس علاقات السلطة الخاصة بالنظام الأبوي، وتسعى الى الضبط الاجتماعي بدلا من توظيف الحرية المترتبة عن المعرفة .  فالتعليم عندنا يقوم على التلقين وحشو الذاكرة الذي ينتج بالضرورة عقلا يأخذ بالأمور كما لو كانت مسلمات دون أن يتحاور معها بفكر ناقد.  فتلقين الطالب تفسيرا واحدا أو رأيا واحدا، وإجباره على تبنيه، واحدة من السمات السلطوية البارزة في مناهجنا التربوية التي نجم عنها أن الطالب (حتى الجامعي) تعود على الخضوع والعجز، وغلق كل نوافذ عقله إلا النافذة التي تضخ عليه المعلومات ليودعها في مخازن الذاكرة .  وبهذا صاغ النظام التربوي العربي عقولا عودها على أن " تستقبل" لا على أن "تحاور" . وجعل من هذه العقول أشبه بحصان العربة، لا ترى إلا الذي أمامها في خط مستقيم، وإن استدارت فبتوجيه من سائسها . وللأسف فأن "السائس" لها من أصحاب الفتاوى المتشبع بثقافة الحقد ضد سلطة أو قوة يرى فيها أنها طاغية أو باغية وأنه لا سبيل الى ايقافها عند حدها الا بالعنف  . ولهذا السبب فأنه سهل على  العقول التي لا ترى الا حلاّ واحدا لكل أزمة  والنفوس المحبطة، تّلقي الفتاوى والعمل بها دون نقاش .

أما موضوع السلطة، فذلك هو مرض العرب المزمن منذ ما يزيد عن ألف وثلاثمائة سنة . فقد كانت ولا تزال أقرب إلى "التسلط" منها إلى "السلطة".  ذلك أن السلطة في المفهومين الفلسفي والأخلاقي ضرورة اجتماعية ( لتنظيم أمور المجتمع )،  وضرورة نفسية ( لتحقيق العدالة بين الناس)،  فيما يتضمن مفهوم "التسلط"  معاني الظلم، والقهر، والإكراه، والتشديد، والعنف، والإرهاب ... وهو الأقرب  لواقع الحال في مجتمعاتنا العربية .  فضلا عن أن السلطة لدينا تتفرد بالثروة والبذخ والترف السفيه . ومعروف أن المجتمع الذي يضع قيمة كبيرة على الأمور المادية، تتمتع فيها فقط جماعات قليلة في السلطة تأكل لحم الغزلان المطّعم برائحة الهيل فيما يأكل الفقراء خبز النخالة ( كما حصل في العراق )، فأنه تبرز في هذا المجتمع حالة الإحساس بانعدام العدالة الاجتماعية لدى الجماعات المحرومة منها، فيظهر بينهم من يعمد الى تجاوز قيم المجتمع ونظامه ليأخذ حقه بسيفه .

والمفارقة أن عامة العرب رسمت صورة عن السلطة العربية مشابهة لصورة أحمد عبد الجواد ( سي السيد في ثلاثية نجيب محفوظ ) الذي يحل لنفسه اللهو الحرام، ويحرّم على أهل بيته اللهو الحلال . فنشأت حالة من  "اغتراب"  الفرد العربي عن سلطته، نجم عنها فقدان المعنى أو الهدف من الحياة، فصار معظم الشباب العربي موزعا بين القديم والحديث، سواء نزع قسم منهم إلى السلفية، أو اتجه آخر إلى تقليد الغرب، فكلا الحالين يمثل الاغتراب عن السلطة والمجتمع والذات .

ومحنة نفسية ثقافية وقيمية أخرى يعيشها الشاب العربي، هي أنه يملك تاريخا مجيدا و يحمل في الوقت نفسه صورة سلبية عن ذاته . وبين هاتين الصورتين( الحالين ) يعيش حالة مأزقية .  فتاريخه يحدثه بالأمجاد فيما حاضره يصفعه بالانكسارات وبما يحاول أن يذلّه . وما  يزيد من هذه المحنه أن السلطة في مجتمعاتنا العربية تعمق إحساس الفرد بمشاعر الإحباط، وتمارس آلية "الإسقاط  "  بأن تتنصل عن مسؤوليتها وترميها على قوى خارجية،  فوضعته في حالة نفسية مأزقيه، أما أن يستكين لها و يقبل بالأمر الواقع بأي تخريج نفسي مخفف، واما أن يخاصمها ويبحث عن "سلطة" أخرى، يجد فيها ذاته...ولقد وجدها في  "الجامع" و "أهل الفتوى".

فقد التقط بعض أئمة الجوامع من الذين أفتوا بقطع الرؤوس،  من التاريخ الإسلامي وفقهه ما يشبع الحاجات النفسية لدى بعض الشباب العرب المتشبعين بثقافة الإحباط والانكسار النفسي، ويحرضّهم على " الجهاد" لتغيير واقع متخم فعلا بالظلم  وتخلخل أو انعدام العدالة الاجتماعية  وتحلل من قيم يرون فيها الأصالة والهوية،فاحتقنوا بما يثير لديهم غريزة العدوان وشرعية الانتقام . وأهملوا الضفة الأوسع من الدين التي تدعو إلى التسامح والحوار واصلاح الحال بالتي هي احسن، ومتى يكون الجهاد فرضا موجبا. وغيّبت قوى الإصلاح الديني وصارت مهمشة، فكانت فوضى الفتاوى التي انشغل بها  الناس الآن بعد أن كانوا منشغلين بالفكر والثقافة  والسياسة .

وللحقيقة فأن قطع رؤوس الخصوم وذبحهم ذبح الشاة، ليس جديدا في تاريخنا العربي و الإسلامي .فقد ذبح السلف ابن بنت نبيهم . وما كان الذابحون من عامة الناس . فالذين نحروا رأس الحسين كانوا أبناء صحابة، وجرى المشهد أمام أنظار صحابة أيضا . وطافوا بالرؤوس ( الحسين وأصحابه ) في أمصار العرب والإسلام .

وقتل معاوية عمر الخزاعي ورفع رأسه على رمح من الموصل حتى دمشق، ثم رموا رأسه في حجر زوجته الرهينة . ورمى هشام بن عبد الملك رأس الإمام زيد بن علي في حجر والدته . ورمي رأس مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية في حجر ابنته . ورمى أبو جعفر المنصور رأس إبراهيم أخي النفس الزكية في حجر والده عبد الله بن الحسن . ورمي رأس المعتز بالله في حجر جاريته . ورمي رأس ابن الفرات في حجر والده الوزير قبل ضرب عنق الأخير ...والقائمة طويلة،  فحكام العرب والإسلام كانوا يتفردون بحفظ  رؤوس الخصوم  بخزائن في مقرات إقامتهم !.

ولا يختلف التخريج الفقهي للذبح في (( دين السلطة )) و (( ثقافة العنف ))  وفتاوى القائلين بـ ((حلال الدم )) التي أشاعها السلف عن ذبح الخلف لشباب من الكورد والشيعة في الفلوجة، وذبح عميدة كلية الحقوق وزوجها في الموصل، ومئات مشاهد الذبح الأخرى، التي لا نملك إزاءها سوى موقف الحلاّج ( الحسين بن منصور ) حين جاءوا به الى منصة الإعدام، فصعد وضحك حتى دمعت عيناه . وشرّ البلية ...أن النابشين في موروثنا  الفقهي عن ما يحرق الحاضر، يفتي به ليس فقط بعض من يضع العمامة على رأسه، بل وأكاديميون وقيادات أحزاب يدعون الى العدالة والفضيلة !.

نكرر ما بدأنا به :

إن الارهابي لا يولد إرهابيا، إنما نحن الذين صنعناه : الأسرة والمدرسة والجامع والسلطة  التي لم تقم العدل بين الناس .

وفي أدبنا العربي قول بليغ :

ألقاه في اليم مكتوفا وقال له         اياك اياك أن تبتل بالماء

وفي الإنجيل ايضا  مقولة بليغة :

" إذا فسد الملح فبماذا نمّلح ؟! "

 

في سيكولوجية العنف والعدوان

 

شغل موضوع العدوان اهتمام رجال الدين والسياسة وعلماء البيولوجيا وعلماء النفس والاجتماع . ويبو أن العنف بين الناس يزداد بتقدم الزمن . ففي عام 1961 كان عدد الموضوعات المنشورة عن العدوان والعنف بحدود الأربعين موضوعا، ثم ارتفع في غضون عشر سنوات الى أربعمائة، ليصل العدد في بداية القرن الواحد والعشرين الى عشرات الالاف، أفضى الى ظهور علم جديد اسمه ( علم العنف ) .

ومع أن هذا يرتبط بالتقدم في مجال البحث العلمي، الا أنه يعني أساسا شيوع أسباب العدوان والعنف المتمثلة أهمها في : القمع السياسي، والتسلط، وردود فعل الذين طحنهم الفقر والبطالة، وحال الأكثرية من المحرومين والمستضعفين الناجم عن القهر والظلم الاجتماعي والشعور بالحيف، وضعف او غياب العدالة والمساواة، والاحتلال وغطرسة القوة، والهيمنة السياسية لدولة على أخرى، وازدواجية المعايير في تعامل السياسة الدولية بشأن قضايا مصيرية تخص الشعوب، فضلا عن جرائم السلب والنهب والاختطاف والسرقة .

ويعد العنف أخطر أنواع العدوان، لكونه يتضمن الحاق أذى أو دمار مادي جسيم بفرد أو جماعة، أو انهاء حياة شخص أو أكثر بشراسة وانتقام، بقصد مسبق . وهو غير العدوان المشروع لحماية النفس، والعدوان لحماية الآخرين، والعدوان الوسيلي الذي يعني القيام بفعل عدواني لتحقيق هدف غير عدواني، مثل قيام رجال الأمن بمطاردة مجرم لالقاء القبض عليه .

والاشكالية التي لم تحل بعد تتمثل فيما اذا كان العدوان لدى البشر ناجما عن أسباب بيولوجية ( أي أنه وراثي ) أم انه يعود الى عوامل تتعلق بطبيعة النظام الاجتماعي والسياسي، أم التكوين النفسي، أم أساليب التنشئة والتعلم ؟ .

ينضوي تحت الصنف الأول الذي يتبنى المفهوم البيولوجي للعنف عدد كبير من الفلاسفة وعلماء البيولوجيا وعلماء النفس والاجتماع . ففي سبيل المثال، تنظر فلسفة هوبز الى الناس على أنهم يميلون بالفطرة الى التنافس والعدائية الذي قد يصل حد التدمير المتبادل بينهم ما لم تكن هنالك دولة تحول دون ذلك . ويرى نيتشه أن وجود ناس لطفاء يتصفون بالرقة هي حالة شاذة بين البشر، يرجح أنها تعود الى خلل أو تلف عضوي . ويرى شاعرنا ( المتنبي ) الرأي نفسه اذ يقول ( والظلم من شيم النفوس فأن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم ) .

ويقف  فرويد  في مقدمة علماء النفس الذين يؤكدون بيولوجية العدوان في مقولته بوجود غريزتين في الأنسان هما غريزة الحياة ( ايروس ) وغريزة الموت ( ثاناتوس ) يعيشان في صراع دائم، وأن الحل يكون بتحويل وجهة غريزة الموت الى الخارج بنشاط  تفريغي ملائم ( الرياضة مثلا ) . والا فأن الناس يلجأون الى التصرف بأساليب عدوانية ضد الآخرين لتفريغ ما تراكم لديهم من طاقات عدوانية .

ويذهب  فرويد  الى أبعد من ذلك اذ يرى أن الدول كالافراد . فكما أن الأنسان يختزن بداخله عدوانا غريزيا يتمثل بحب الفناء والتخريب والتدمير، فأن الدول ايضا يتحكم بتصرفاتها هذا العدوان الغريزي . ولم يستثني الشعوب اذ وصفها بأنه توجد فيها غرائز كابحة ذات توجه تدميري . وهو رأي يشبه الى حد ما رأي مدرسة ألمانية ظهرت قبل النازية تقول ان بعض  الشعوب تتمتع بـ ( حاسة المجال ) وأن لها الحق بالتوسع على حساب الشعوب التي لا تمتلك حاسة المجال الحيوي هذه . وقد انتقد الماركسيون بشدة هذه الأراء وعدوها تفسيرات ساذجة تتجاهل السبب الرئيس للعنف المتمثل بالصراع الطبقي وظهور الدولة التي تحتاج – على ما يرى لينين – الى شيئين : الكاهن والجلاد .

وفي الاتجاه نفسه ( البيولوجي ) توصل  لورنز، الذي اشتهر بدراسته لسلوك الحيوانات لاسيما الأوز وحصل على جائزة نوبل في العام 1973 عن دراسته الخاصة بالأسس الأيثولوجية للسلوك وأنماط السلوك الغريزية لدى الأنسان، توصل الى أن العدوان غريزي، وأنه طاقة تعمل بصورة مستمرة ومتجددة، وأنه لابد من تصريف هذه الطاقة والا تراكمت الى مستويات خطيرة . ومن طريف ما توصل اليه، أن معظم الحيوانات تتعلم ما اسماه ( أدوات السلامة الفطرية ) تحول دون قتل أفراد ينتمون الى النوع نفسه عندما يحدث صراع بينهم . وأنها تستخدم طريقة ( العراك المراسيمي أو الطقوسي ) يجري من خلالها تفريغ الشحنات العدوانية باسلوب نمطي محدد لدى أفراد النوع الواحد، ينتهي بالحد الأدنى من الخسائر، ويفسح المجال في الوقت نفسه الى خروج طرف منتصر . ففي سبيل المثال، يبنتهي العراك بين ذئبين عندما يخفض الذئب المهزوم رأسه اشارة الى استسلامه، فينتهي الصراع .

وهنالك طريقة أخرى تستخدمها الحيوانات للحيلولة دون نشوب قتال بينها أسماها  لورنز  ( طريقة الأسترضاء أو التهدئة ) . ففي سبيل المثال، هنالك نوع من طيور الغربان يختلف لون مؤخرة الرقبة لديه عن بقية جسمه بريشه الملون، وأن العراك فيما بينها يتوقف حين يطأطيء أحد الطيرين المتنازعين رأسه كاشفا ريشه الملون، فيمتنع الطير المهاجم عن الهجوم وينتهي النزاع . والمفارقة أن هذه الحقائق تكشف لنا أن الحيوانات أعقل بكثير من الأنسان – لاسيما العراقي ! – في ممارسة العنف ضد أخيه الأنسان، العراقي !.

وعلى رأي  لورنز  فانه يفتقر الى أدوات السلامة الفطرية الموجودة لدى الحيوانات، مثل ممارسة الطقوس وأساليب الأسترضاء أو التهدئة . وحتى على افتراض أنها موجودة لدينا فأنها أصبحت غير فاعلة لأن وسائل الدمار البعيدة المدى صارت تحول دون وجود اتصال بصري بين المتقاتلين، فتعطلت الغريزة  وسيطر على المقاتل هدف واحد هو تحقيق الأنتصار مهما كان حجم الدمار .

وتنضوي تحت خيمة ( الغرائز ) نظرية  لومبروزو الذي حاول فيها ربط الأجرام بالمرض العقلي، وبالاعتماد على الملامح وشكل الرأس والوجه واليدين لتشخيص الميول الأجرامية وعلامات التحلل الخلقي  . وهو مقتنع بأن النزعة نحو الأجرام تورث بيولوجيا شأنها شأن لون العينين والشعر . وينضوى ايضا تحت هذه الخيمة افتراض مؤداه أن الذكورة والعدوان أمران متلازمان . وشاع منتصف ستينيات القرن الماضي اكتشاف مورث ذكري زائد لدى عدد من المجرمين السيكوباث عدّوه أنه السبب في سيكوباثيتهم، لأن كروموسوم (Y  ) مشبع فطريا بطاقة عدوانية، على ما يرون . وبما أن لدى هؤلاء مورثان ( كروموسومان ) ذكريان، فأن  العنف لديهم يكون تحصيل حاصل . غير أن البحوث اللاحقة لم تؤيد ذلك بدرحة قطعية .

ويرى الكثير من علماء الاجتماع الغربيين ان العدوان غريزة تنتقل بالوراثة من جيل الى جيل . ويذهب عالم الاجتماع الاميركي فولن (( Wolin  )) الى القول بأن الأنسان هو بالطبيعة حيوان قنص .. غريزته الطبيعية هي القتل . وأنه الوحيد بين الحيوانات الذي ابتكر نظاما" بارعا"  لاستخدام وسائل العنف . فضلا" عن ابتكاره لنظام بارع من القيم الدينية والمبادىء السياسية والخرافات العلمية التي ( شرعنت ) العنف وبررت استعماله .

ويرى مؤيدو الأيثولوجيا الاجتماعية، أن التغيرات الاجتماعية والثقافية، أو التحضر والتمدن لم تعمل على خفض العنف والعدوان . وأن كل الوسائل العلمية باءت بالفشل . وعليه فأن غريزة العدوان ستبقى ــ على ما يرون ــ متأصله بالنفس البشرية .

على ان نظريات الغرائز تعرضت للنقد في تفسيرها للعنف والعدوان، لاسيما تلك القائمة على وفق الأنموذج ( الهيدروليكي ) الذي يفسر العدوان بعملية ميكانيكيه . بمعنى ان العدوان يحدث تلقائيا عندما تتراكم الطاقة العدوانية الى المستوى الذي يحتاج الى تصريف او تفريغ . وجاء هذا النقد من علماء في الاختصاص نفسه ( البيولوجيا والأيثولوجيا ) الذين رأوا ان العدوان هو استجابه او رد فعل لعوامل بيئية، وانه يمكن السيطرة عليه او تعديله في ظل توافر شروط داخلية وخارجية معددة .

وازاء نظريات الغرائز طرحت فرضية او نظرية ( الاحباط ــ العدوان ) التي ترى ان العدوان ينجم دائما عن الاحباط، وان وجود الاحباط يفضي دائما الى عدوان من نوع ما . فعلى رأي صاحبي النظرية  دولارد وميلر في العام 1939، فأن كل احباط يفضي الى عدوان، وكل عدوان يسبقه احباط . ويعني الاحباط هنا : اعاقة سلوك متجه الى هدف أو غايه أو قصد، او هو ما يحول دون صدور استجابه متجهة نحو شيء ما قد حانت لحظتها .

وعلى الرغم من انتشار هذه النظرية فأنها تعرضت الى انتقادات كثيرة، منها أن الاحباط لا يؤدي دائما الى ظهور العدوان، ولا يتجه بالضرورة الى مصدر العدوان، اذ يحصل ان يتوجه نحو ضحية تكون ( كبش فداء ) . ويحصل هذا في ظروف الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي المجتمع الذي تتعدد فيه الأديان والأعراف والمذاهب، وتسود فيه حالات التعصب . واظن ان العراق يشكل أنموذجا" فريدا" لهذه الحالات في الوقت الحاضر . وقد يكون اختيار كبش الفداء مقصودا" وقد يكون عشوائيا" كما هو حاصل الان في العراق . وفي التاريخ الحديث كان اليهود هم كبش الفداء في عهد النازيه . فقد قال ( هيرمان راوشنج ) احد كبار النازيين : ( لو لم يكن اليهودي موجودا" لاخترعناه ) . ومن الجدير بالأشارة أن الدوغماتية، التي تعني النظرة المتشدده للحياة وعدم التسامح مع ذوي الاعتقادات المعارضه بغض النظر عن موقعهم الاجتماعي أو اتجاهاتهم السياسية، هي العامل الرئيس في نشوء التعصب . وتفيد الدراسات الاجنبية ان الشخص المتصلب في رأيه ينجذب الى الأيديولوجيات السياسية التي تقع في اقصى اليمين أو اقصى اليسار.

وكان أبرز المنتقدين لنظرية ( الأحباط – العدوان ) هو  بيركوفيتز  الذي فسر العدوان بمفاهيم النظرية السلوكية للتعلم بقوله : ان العدوان يتم تعلمه من خلال التعزيز . فالشخص المنخرط فيما يسمى قوات المرتزقة أو في جيش دولة معينة، يقتل من أجل المال أو مكافأة مادية أو الحصول على جنسية الدولة المعينة، أو أي تعزيز مادي أو معنوي آخر . ويرى أن الأحباط يؤدي الى الغضب وليس الى العدوان بالضرورة . غير أن الأحباط يسبب ألما نفسيا، وأن ما يسبب ألما نفسيا قد يؤدي الى العدوان . وهو يعتقد بوجود شرطين يعملان معا ويقودان الى العدوان عند حدوث الأحباط هما : الأستعداد للسلوك العدواني، ووجود قرائن أو تنبيهات بيئية مرتبطة اما بالسلوك العدواني أو بمصدر الأحباط .

وبتأثير ذلك، أي دور التعلم في العنف والعدوان، ظهرت نظرية ( التعلم الأجتماعي ) التي صاغت فرضية فحواها أن السلوك العدواني متعلم، وأن تعلمه يتم من خلال تقليد النماذج العدوانية وما تحصل عليه هذه النماذج من تعزيز أو مكافآت . واستطاع  باندورا وزملاؤه أن يبرهنوا على أن التعزيز يرفع من احتمال التصرفات العدوانية للمعتدي . وأن الميول العدوانية للطفل يمكن أن تتقوى من خلال التعزيز غير المباشر حين يرى الآخرين ينالون مكافأة على السلوك العدواني  . وبالرغم من الأنتقادات التي وجهت الى نظرية التعلم الأجتماعي، لاسيما محدودية تعميم نتائجها، الا أنها لاقت دعما من مصادر متعددة يرى معظمها أن الأجيال المتعاقبة تتعلم العنف من خلال ممارسته في الحياة الأسرية، واهتمام القنوات الفضائية بمتابعة أحداث العنف، مما يعد ترويجا لها وأن كان غير مقصودا .

أما أنصار التفسير النفسي لظاهرة العنف المعاصرة، فأنهم يميلون الى القول بأن السبب الرئيس لها، ليس لأمور اقتصادية ولا اجتماعية، انما التكوين السيكولوجي لشخصية الأنسان المعاصر، الذي صار يعاني من الأغتراب في عالم مشحون بالأزمات ومحتقن بالأحقاد .

 

وما نخلص اليه أننا نتفق مع القائلين بأن العدوان سيبقى مسألة ازلية، ونتفق ايضا مع الأراء والنظريات التي فسرت العدوان، غير أننا لا نتفق مع أي رأي  أو نظرية تختزل العدوان بسبب واحد، سواء اكان غريزيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا أو سياسيا أو نفسيا … انما هو ناجم عن تفاعل هذه الأسباب مجتمعة . وما يستحق الأنتباه أن هناك اتجاها قويا وخطرا في علم الأجتماع الأمريكي والأوربي يشيع عبروسائل اعلامها التي تغزو العالم، خلاصته  أن التعطش والعدوان غريزة فطرية في الطبيعة البشرية، و أنها منبع كل النزعات الأجتماعية في العصر الراهن.  وواضح أن في هذا اشارة  الى أن الأنسان الغربي قد جرى ترويض هذه النزعة لديه بفعل التحضر والتمدن، فيما هي لا تزال على حالها لدى الأنسان الشرقي .  و أن القصد النهائي  من ذلك هو  ( شرعنة ) تدخل الأنسان الغربي  في شؤون الأنسان الشرقي من اجل أن يكون متحضرا !. ويتجاهل هؤلاء العلماء، الأميركيون تحديدا،  أنه في عام واحد فقط (1991 ) اقترفت حوالى سبعة ملايين عمل اجرامي في أمريكا بحسب احصاءات وكالة التحقيق الفيدرالية، اكثرها شيوعا : جرائم القتل والأغتصاب والسرقة والاحتيال والتهريب . ومعروفة مآسي غابات الأسفلت، وكيف تحولت مدن بكاملها الى ساحات حرب في ايطاليا وفرنسا . ويغض هؤلاء العلماء الطرف عن أن واحدا من أهم أسباب العنف في المجتمعات الغربية، أميركا تحديدا، تحول الأنسان فيها من كائن بشري الى أنسان آلي، وتحول ( الشخصية ) الى سلعة أو بضاعة في خدمة من يدفع أكثر ..الأمر الذي نجم عنه : التنافس بين الأفراد القائم على الأنانية والأنتهازية وتخلخل القيم الروحية والأخلاقية التي تفضي الى العنف الأجتماعي، والأغتراب النفسي الذي يفضي الى التفكك الأسري و العزلة والشعور بالعجز وتعاطي المخدرات والأدمان على الكحول والهروب الى ممارسة الموبقات...والأنتحار، حيث نسبته هي الأعلى في المجتمعات الغربية . فضلا عن حقيقة واقعة هي أن العالم اليوم تحكمه صراع المصالح واقتصاد السوق وأستراتيجيات الشركات العملاقة عابرة الجنسيات .

ان أسباب العنف موجودة في المجتمع العراقي كما هي موجودة في أي مجتمع آخر، لكنها كانت راكدة فيه . وأن الذي قدح زنادها أكثر ليس دخول قوات الاحتلال تحت شعار ( تحرير العراق ) انما – بعبارة أدق – أساليب الغطرسة والكبرياء والأذلال والأهانة التي مارسها الأمريكيون، وجهلهم بسيكولوجية الشخصية العراقية . فضلا عن قصد آخر لأمريكا وضح أمره حين أبقت حدود العراق مفتوحة لتجعل منه ساحة لتصفية أعدائها وتطبيق ( نظرية السيفون ) عليهم .. التجمع في مكان واحد والقضاء عليهم دفعة واحدة . والأنكى من ذلك، استرخاص أرواح العراقيين حين صرح الرئيس الأمريكي ( جورج بوش ) من أن اميركا تكافح الأرهاب في العراق، بعيدا عن أميركا، من أجل حياة الأمريكيين، وكأن العراقيين ليسوا بشرا

والسبب الرئيس الآخر لتأجج العنف في العراق بهذه الصور البشعة، هي الأخطاء ( وأفدحها كان مقصودا ) التي ارتكبتها أمريكا في العراق، وفي مقدمها الأنهيار الكامل لمؤسسات الدولة وشيوع الفوضى وانعدام الأمن، مع أنه من مسؤولية الدولة المحتلة أن تحافظ على النظام في الدولة التي تحتلها . وأشك في أن الأدارة والعقلية الأمريكية كانت تجهل حقيقة نفسية، هي أنه عندما تغيب الدولة وتنهار مؤسسات القانون والنظام، ينفرط عقد الناس الذي يربطهم بالدولة، فيتفرقون الى طوائف وفئات تعود الى جماعاتها المرجعية، سواء كانت طائفية أو عرقية أو دينية ... يجدون فيها ملجئا وملاذا يحتمون بها خوفا من خطر حقيقي أو وهمي، يجري تضخيمه في أوقات الأزمات .

وقبل سنتين قال  نوح فيلدمان، الكاتب والأستاذ في القانون الدستوري والفكر الأسلامي بجامعة نيويورك  :  ( ان عملية اعادة بناء الدولة في العراق تتضمن العمل على كسب عقول العراقيين وقلوبهم ) . واظن أن ذلك صار، بعد ما جرى،  بعيد المنال . أما القريب المنال فهو، أن العنف بين العراقيين سينحسر ويتوجه نحو المحتلين .. وسينظم اليهم حتى أولئك الذين ما زالوا يرون في المحتل محررا ولا تعلو وجوههم حمرة الخجل !.

 

التعصب والصور النمطية في المجتمع العراقي

(مدخل لثقافة السلام)

أ. د. قاسم حسين صالح

رئيس الجمعية النفسية العراقية

 

ما سنتطرق إليه ليس بحثاً اكتملت مقوماته العلمية إنما هو أقرب إلى مقالة أو ورقة تحمل أفكارا  قد تفضي ، بعد مناقشتها واغنائها ، إلى مشروع إنساني أو برنامج عمل وطني يؤسس لثقافة جديدة تنعكس في سلوك مهذّب يعتمد الحوار وسيلة للتعامل في تسوية الخلافات وحلَّ النـزاعات، والحدَّ من التعصب الذي كان السبب في معاناة مئات الملايين من الناس ، وقتل عشرات الملايين غيرهم من  البشر .

والتعصب prejudice  ظاهرة عالمية موجودة في كل المجتمعات ، متعددة الأسباب والمصادر والصور التي تظهر فيها . فقد تكون أسبابها دينية أو طائفية أو عرقية ... وقد تكون مصادرها سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية … وقد تحدث بصور بسيطة تأخذ شكل تجنب الاختلاط أو عدم الزواج ، إلى صور قاتمة ومرعبة… في إبادة بشرية جماعية .

وفي تاريخ البشرية ، وتاريخ الشرق الأوسط ، كان السبب الرئيس للكثير من الحروب والنـزاعات ، هو التعصب . ففي سبيل المثال ، كان مجتمع الهنود في شمال أمريكا قد انخفض من ثلاثة ملايين في القرن السابع عشر إلى حوالي ستمائة ألف في القرن العشرين ، بسبب القتل الذي تعرضوا إليه . وتشير كتب التاريخ إلى أن اكثر من ستة ملايين يهودي قتلوا من قبل النازيين في الأربعينات (1940) بحجة ((تنظيف أو تنقية)) العرق الأوربي . ويعلّق أحد الباحثين (هيرش 1995,Hrsch) انه بالرغم من مرور اكثر من نصف قرن على استئصال النازية ، وبعد تحرير معسكرات الاعتقال فأن السلوك المتعصب (( مازال مستمراً دون أن تنكسر له شوكه ، ودون أن يلقى العقاب أو يتم تداركه . ففي ما كان يُعرف بيوغسلافيا ، ظل التعذيب والقتل والاغتصاب والتجويع يجري كممارسة يومية )) .

وفي زمن من تاريخها ، استوردت أمريكا أفارقة وجرى التعامل معهم بوصفهم عبيداً ، وجزءاً من الملكية الشخصية . وحتى النصف الأول من القرن العشرين ، كان معظم الأفارقة الأمريكيين يتم عزلهم ، بموجب القانون ، عن المطاعم ودور السينما وحافلات نقل الركاب … وظلوا حتى بعد إلغاء قانون العزل ،  يعيش معظمهم تحت خط الفقر . وليس الأفارقة الأمريكيين الأصليين هم الذين تعرضوا للتعصب العنصري في الولايات المتحدة فحسب ،  إنما أيضا من أعراق أخرى ، يعيشون تحت خط الفقر وليس أمامهم سوى العمل الخدمي .

وفي التسعينات (1995) شهدت رواند وبوروندي نزاعاً اخذ شكل الإبادة البشرية genocide بين جماعتين هما التوتسي والهوتو. وكان الفرق أو الاختلاف بين التوتسي ( وهم الأقلية العددية ، ولكنهم الطبقة الاجتماعية الاقتصادية العليا ) والهوتو، هو في المستوى الاجتماعي وليس فرقاً في اللغة أو العرق أو الثقافة . وقد حدثت حرب أهلية بين رواند و بروندي ، بالرغم من أن أجيالا منهم كانوا يتزاوجون فيما بينهما ، لدرجة أن الاختلاف في الشكل والبنية الجسدية ما عاد ملحوظاً بين أفراد الجماعتين .

وفي السبعينات (1975) شهدت  لبنان حرباً أهلية بسبب التعصب الديني والطائفي . ويوجد التعصب ( و التحيز و التمييز )  في كل المجتمعات العربية من دون استثناء ، وان اختلفت أسبابه وصوره أو حالاته .

وفي العراق ، اخذ التعصب ثلاث صور واضحة ، هي :

الأولى : التعصب الاجتماعي . ويحصل هذا في محدودية التزاوج القائم  على أساس العرق أو الدين أو الطائفة . فبعض العشائر الكردية لا  تعطي امرأة لعربي   . وبعض العشائر العربية لا تعطي امرأة لكردي . وغير مقبول أن يتزوج المسيحي من مسلمة . والأسرة المسيحية لا تعطي امرأة لمسلم . وقد يحصل أن يتزوج مسلم من امرأة مسيحية ، ولكن بعد أن تترك دينها وتدخل في الإسلام ، الا في حالات نادرة يكون فيها النضج الثقافي لدى الطرفين في أعلى درجاته  . وقل الشيء نفسه فيما يتعلق بالأديان الأخرى ، وان حصلت حالات فهي من النوادر .

وأذا تحدثنا بصراحة أكثر فأن هنالك  مدن ذات طابع سنّي لا تعطي امرأة لشيعي . ومدن ذات طابع شيعي لا تعطي امرأة لسنّي . وهنالك أسر  في العراق يطلق عليها اسم (( السادة )) - أي الذين يرجعون بنسبهم إلى النبي محمد(ص) - لا تعطي امرأة إلا لمن كان (( سيداً )) . بل أن هناك اسراً من (( السادة )) في عشيرة معينة ، تحصر زواج بناتها في داخل نسبها أو عشيرتها ، ولا تعطي امرأة لشخص آخر حتى لو كان من (( السادة )) ، ولن تعطيها بالمطلق حتى لو ((تبور!)) .

وبالرغم من ان هذا النوع من التعصب ليس فيه أذى عام ، إلا أن له آثارا نفسية سلبية تتعلق بتفضيل اجتماعي واعتباري (( للأنا )) على (( الآخر )) قد لا يكون صحيحاً ، وليس مبرراً، فضلا عن انه غير منطقي .

الثانية : التعصب المؤسسي . ويقصد به احتكار مواقع اتخاذ القرار في السلطة والمراكز الحساسة و المؤثرة في مؤسسات الدولة لطائفة معينة. ويشير واقع الحال إلى أن اكثر من (75%) من هذه المواقع والمراكز شغلها أشخاص من طائفة معينة ، منذ تأسيس الدولة العراقية عام (1921) لغاية سقوط النظام في (2003 ) . وهذا النوع من التعصب مؤذي اقتصادياً واعتباريا  .

والثالثة :التعصب السلطوي . وفيه يأخذ التعصب شكل الحروب التي تصل أحيانا إلى حدَّ الإبادة البشرية . وابرز حالاته ، التعصب العرقي ضد الأكراد، الذي مورس من قبل  السلطات العربية التي توالت الحكم على العراق في تاريخه الحديث . ثم التعصب الطائفي ، الذي كشفت عنه المقابر الجماعية مؤخرا .

ويقودنا التحليل الى أن الحالة السيكولوجية الخطيرة التي تعيشها الآن طائفتا السنّة والشيعة في العراق ، أن إحداهما كانت في السلطة والأخرى في المعارضة على مدى ألف وثلاثمائة عام ، وأن ما حصل بينهما بعد 9/4/2003 هو تبادل للأدوار يشبه في فعله النفسي تبادل الدورين بين السيد والعبد ، ويشبه في خطورة وساوسه "البارانويه"  تبادل الدورين بين "الضحية " و " الجلاّد ".

ولكي نفهم  الأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية للتعصب والصورة النمطية وما يترتب عليها من نتائج ، بهدف الوصول إلى مبتغانا المتمثل باقتراح أساليب أو وسائل لخفضها أو الحدّ منها ، ينبغي تحديد مفهومي التعصب والصورة النمطية .

إن المعنى الحرفي لكلمة التعصب في اللغة الإنجليزية  ( Prejudice )  هو الحكم المسبق ، فيما ينظر علماء النفس الاجتماعي للتعصب على انه  اتجاه سلبي غير مبرر نحو فرد ، قائم على أساس انتمائه إلى جماعة لها دين أو طائفة أو عرق مختلف ، أو اتجاه عدائي نحو جماعة معينة قائم على أساس الأنتماء اليها . ويعني أيضا النظرة المتدنية لجماعة أو خفض قيمتها أو قدراتها أو سلوكها أو صفاتها ليس لها أساس منطقي . كما يعني أيضا إصدار حكم غير موضوعي بشأن جماعة معينة . وهو اتجاه مؤذي قائم على تعميمات غير دقيقة بخصوص جماعة على أساس اللون أو العرق أو الدين أو الجنس ، أو أي فرق أو اختلاف آخر قابل للملاحظة ، يتضمن شيئا سلبيا قائما على اعتقاد الشخص بشأن جماعة أخرى غير جماعته .

والسؤال، ما سبب نشوء هذا التعصب ؟.

والجواب يكمن في (( الصور النمطية  Stereotypes   )) بوصفها المكوّن المعرفي للأتجاه التعصبي ، والتي تعني تحديدا : تعميمات غير دقيقة يحملها الفرد بخصوص جماعة معينة ، ولا تستثني أحدا منها .. وقد تكون هذه التعميمات إيجابية وقد تكون سلبية . والتعميم الإيجابي يتضمن صفة جيدة أو مفضّلة يضفيها الفرد على جماعته التي ينتمي إليها ، ولنفترض أنها ( س ) فيقول : إن جميع المنتمين إلى ( س ) أذكياء أو طيبون مثلا . فيما يتضمن التعميم السلبي صفة سلبية أو غير مفضلة يضفيها الفرد على الجماعة الأخرى التي تختلف عن جماعته في العرق أو الدين أو الطائفة ، ولنفترض أنها ( ص ) فيقول : إن جميع المنتمين إلى (ص) هم أغبياء وشريرون مثلا . وهكذا يتبين لنا أن الصور النمطية  ( Stereotypes ) - وهي في الأصل  مستعارة من عالم الطباعة التي تعني القالب الذي يصعب تغيره بعد صنعه-  سواء كانت إيجابية  أم سلبية هي أحكام خاطئة أو غير دقيقه ، و انها تكون مؤذيه لثلاثة أسباب :

الأول : إن الصور النمطية تسلب قدرتنا على التعامل مع كل عضو في الجماعة على انه فرد بحد ذاته . ذلك ان المضمون النفسي للصور النمطية الاجتماعية يعني تصورات مجردة بالغة التبسيط  والتعميم  يحملها الناس عن جماعتهم أو عن جماعة أخرى . فعندما نحمل صورة نمطية عن جماعة ، فإننا نميل إلى أن نتعامل مع كل عضو فيها كما لو كان شخصاً يحمل كل صفات الجماعة ، بغض النظر عما إذا كان هذا الشخص يحمل تلك الصفات أم لا . وحتى لو كانت الصورة النمطية صحيحة جزئياً أو قائمة على حقيقة معينة ، فإن الكثير من أفراد تلك الجماعة سوف يختلفون عن الصورة النمطية لجماعتهم بأمور جوهرية .

إن أحد أشكال الأذى الذي ينجم عن ذلك هو أننا إذا كانت لدينا صورة  نمطية عن جماعة عرقية أو طائفية معينة بأنها قليلة الذكاء مثلاً، فإن النتيجة الخطيرة المترتبة عليها أن الفرص التربوية و الوظيفية لجميع أفراد تلك الجماعة ستكون قليلة إن لم تكون معدومة .

الثاني : ان الصور النمطية تقود إلى توقعات ضيقة بخصوص السلوك . فصورنا النمطية تقودنا إلى أن نتوقع بأن أفراد جماعة معينة سيتصرفون جميعهم من دون استثناء بطريقة معينة . ففي سبيل المثال ، نحن نتوقع من النساء أن يتصرفن جميعهن بطرائق مهذبة ، وبتعاون وعطف وشفقة ، فيما نتوقع من الرجال أن يتصرف جميعهم بأساليب خشنة وعدوانية وتنافسية . وما ينجم عن هذا ان الفرد ، سواء كان رجلاً أم امرأة ، إذا تصرف بطريقة لا تتطابق مع الصورة النمطية التي نحملها عن الجنس الذي ينتمي إليه، فإننا سننظر له كما لو كان شاذاً.

وعليه ، فإن الصور النمطية يمكن أن تكون قوة محددة للأشخاص الذين لا يتطابق سلوكهم مع توقعاتنا الضيقة .

والثالث : إن الصور النمطية تقود إلى عزو خاطئ . فعلى وفق نظرية العزو القائمة على فكرة أن الناس يكونون مدفوعين لاكتشاف الأسباب الأساسية للسلوك كجزء من جهودهم لأن يجعلوا معنى لتصرفاتهم من خلال وصولنا إلى تعليلات سببية لما يصدر عن الآخرين وعن أنفسنا من سلوك في المواقف الحياتية المختلفة ، فإنه غالباً ما يعزى السبب إلى مصدرين : داخلي أو ذاتي يخص الشخص القائم بالسلوك ، وخارجي يخص الآخرين أو الموقف الذي نكون فيه .

وما يحصل لدى الفرد المتعصب انه يعزو الصفات الإيجابية إلى شخصه والى جماعته التي ينتمي إليها ، ويعزو الصفات السلبية إلى الجماعة الأخرى التي يختلف عنها في القومية أو الطائفة أو الدين .

والمؤذي في ذلك ، انه في حالة حصول خلاف أو نـزاع بين جماعته والجماعة الأخرى فإنه يحّمل الجماعة الأخرى مسؤولية ما حدث من أذى أو أضرار، ويبرئ جماعته منها ، حتى لو كانت جماعته شريكاً بنصيب اكبر في أسباب ما حدث .

ونستزيد أكثر فنقول : إن علماء النفس الاجتماعي انشغلوا لعقود من الزمن بدراسة الصور النمطية ، وتوصلوا الى أن انطباعاتنا الأولى عن الآخرتنشأ أو تقوم أساسا على توقعاتنا المسبقة . فحيثما ندرك موضوعا أو حدثا ما فأننا نقوم داخليا بتصنيفه من خلال مقارنة المعلومات القادمة الينا بما تخزنه ذاكرتنا من موضوعات أو حوادث سابقة مماثلة ،استقرت فيها على شكل مخططات Schemas . ويعني المخطط  (نظرية ) عن الكيفية التي يعمل بها العالم المادي والأجتماعي ، بأن تقسّم (  الناس، الأشياء، الحوادث، والمواقف ) الى أصناف تأخذ صيغة مكوّن معرفي تساعدنا على ادراك وتنظيم ومعالجة المعلومات . وبهذا يكون المخطط، معارف ومعتقدات منظّمة بخصوص عالمنا الأجتماعي . وكما تستعمل المخططات في التعامل مع الأشياء والحوادث الجديدة ، بأن نبحث في الذاكرة عن المخطط الأكثر اتساقا معها ، فأننا نستعملها ايضا مع الناس الذين نقابلهم أو نعيش معهم . فنحن نصنف الأفراد على أساس خصائص معينة مثل : العرق ، الجندر أو الجنس ، العمر ... أو بعلاقتهم بهويتنا الأجتماعية مثل ( نحن مقابل هم ) . بل أننا نصنفهم احيانا حتى على أساس المنشأ أو الأنتماء الجغرافي . تأمل ذلك في العراقيين عندما يقابل أحدهم شخصا يقول له أنه من : البصرة أو سامراء أو الموصل أو العمارة أو الناصرية ...فأنه يتصرف معه بمعالجة المعلومة بناء على الصنف الأجتماعي أو الجغرافي أو العرقي ...أو أي صفة أخرى تكون لها دالة على انتماء الشخص .

والذي لا نعلمه أن الصور النمطية تعمل فينا وتقرر سلوكنا بنشاط تلقائي ( اوتوماتيكي ) . تأمل ذلك – مرّة أخرى – في العراقيين عندما يتعرف أحدهم على شخص يقول له انه من : شمّر مثلا ، أو زوبعي ، أو ياسري ...، أو تكريتي ، أو بصري ، أو عاني ، أو كوفي ، أو مصلاوي ...،فأنه يتصرف معه بطريقة معينة ، حتى ليصبح الأمر في تصنيفم للناس على أساس : ( المدينة، أو العشيرة، أو الجنس، أو العرق ...) يشبه عملية قيادتهم للسيارة ... أعني عملية تلقائية أو تعودية ، تعمل على مستوى يكون خارج درايتنا به .

والذي لا نعلم به أيضا ، أن الصور النمطية تعمل ترابطات أو اقترانات وهمية بين أحداث أو موضوعات غير موجودة في الواقع ، تدفعنا الى أن نعمل استدلالات نبني عليه احكاما غير دقيقة . خذ، في سبيل المثال، الترابطات أو الاقترانات الوهمية الآتية عند العراقيين  :( المصلاوي والبخل ، البصراوي وخفة الدم ، الكوفي والغدر، الشروكي- العمارتلي بشكل أخص- وقلة الذوق، الدليمي والفطارة ..)

 والأمّر من ذلك أن هذه الأوهام تتحكم في الكثير من تصرفاتنا ونحن عنها غافلون !. وأننا لن نكون في مأمن من الكارثة حتى لو وصفنا أنفسنا وتحدثنا عبر القنوات الفضائية بأننا نعشق الديقراطية قولا وفعلا ، فيما نحن في بيوتنا ومع أهلينا متعصبون حدّ النخاع !.

 

التعصب العرقي: ( Ethnocentrism) :

يعدّ التعصب العرقي اخطر أنواع التعصب و أكثرها أذى . وتعنى العرقية Ethnocentrism، النزعة لدى الفرد نحو تفضيل الجماعة التي ينتمي إليها على باقي الجماعات الأخرى . ونظرته إلى جماعته على أنها مركز كل شئ ، والحكم على الآخرين بمقاييسها . وتميل الجماعة العرقية إلى ان تضع نفسها فوق الجماعات الأخرى ، وتنظر بازدراء إلى الغرباء عنها ، وتعتقد أن طريقتها في الحياة هي الطريقة الصحيحة .

وثمة حقيقة نفسية خافية عن الناس هي انهم يحابون جماعتهم العرقية، وينظرون إلى أعضائها بمنظار غاية في المحاباة . إذ يرون أنفسهم بأنهم يمتلكون صفات لطيفة ، وسلوكاً مهذباً ،  وانهم محبوبون للغاية . والعامل المزاجي في هذه الحقيقة النفسية هي ان الناس ينـزعون إلى تصنيف عالمهم الاجتماعي الى صنفين (( نحن )) و (( هم )) . وانه من هذا التقسيم ينشأ التعصب و الصراع و التحيز و التمييز .

وما يدعو للدهشة والتأمل ان أفراد الجماعة العرقية ينزعون الى رؤية قدر كبير من الاختلاف ( لا التشابه ) فيما بينهم كأفراد، فيما يرون قدراً اكبر من التشابه ( لا الاختلاف ) بين أفراد الجماعة الأخرى . لنأخذ صفة الكرم في سبيل المثال . فعندما يطبقونها على أنفسهم ، فانهم يرون في أعضاء الجماعة التي ينتمون إليها من هو كريم ، ونصف كريم ، وبخيل ،  وبخيل جداً . أما إذا طبقوها على أفراد جماعة عرقية أخرى ، فهم يرون فيهم جميعاً ، بخلاء دون استثناء . وقس على ذلك خصائص أخرى ، مثل : الذكاء ، الصدق ، الأمانة، الشجاعة…   وما يعاكسها من صفات . ( تفحص نفسك وتفحصها بين العراقيين ) .

وعلينا أن نعترف بحقيقة نفسية أخرى ،  هي حاجة الإنسان إلى هويتين  :  واحدة للذات وأخرى اجتماعية . الأولى تمثل كينونته ووجوده و( أناه ) الخاص به . والثانية تمثل عضويته في جماعة مرجعية ( قومية، دينية، مذهبية ...) . ونشير هنا الى أن الاعتزاز بالقومية أو الدين أو المذهب ، يحقق حاجتين نفسيتين لدى الأنسان : الحاجة الى هوية اجتماعية  والحاجة الى الانتماء ، وهما حاجتان انسانيتان مشروعتان ، شرط أن لا تكونا مصابتين بالتضخم الذي يقود الى الاستعلاء ، أو الاحساس بالنقص الذي يفضي الى الشعور بالاضطهاد ، وكلاهما من صنف ( البارانويا ) . وأبشع ما في البارانويا أنها اذا ما تمكنت من صاحبها فأنه يصاب بهذيان ( لأتغدى به قبل أن يتعشى بي ) ، ولن يرتاح الا بعد أن يفعلها ، وهذا ما يحصل الآن بين العراقيين ، لدرجة أن القتل صار يستهدف من أسمه " عمر " و "حيدر "  !.

ان للعربي الحق في أن يعتز بعروبته ، والحق نفسه للكردي في أن يعتز بكرديته ، وكذا التركماني والقوميات الأخرى . وكما للسنّي الحق في الايمان بمذهبه ، فأن للشيعي الحق نفسه في الايمان بمذهبه ، وكذا اليزيدي ومن هو على مذهب آو دين آخر .

غير أن الجانب السلبي في الهوية الاجتماعية يبرز عندما يعمد صاحبها، شعوريا أو لا شعوريا ، الى  إعلاء مكانة واعتبار الجماعة التي ينتمي إليها، وتفضيلها  على الجماعات الأخرى .

والغالب في مجتمعنا العراقي ، أن الجماعات المرجعية العرقية تميل إلى أن تهتم اكثر بتغذية الجانب السلبي من هذه الهوية في تنشئة أطفالها ، وتعزيزه في الحديث اليومي للراشدين منهم ، والتركيز عليه في خطاباتها السياسية والثقافية والدينية بأن تعمد إلى تضخيم ما أصابها من حيف أو ظلم من الجماعات  الأخرى ( بمعنى انهم طيبون والآخرون أشرار )، او الإكثار من تمجيد تاريخها والزهو به،لا بصيغة تبيان حقيقة موضوعيه واعتزاز مستحق إنما بصيغة تحمل،  تصريحاً او تلميحاً ، أفضليتها على الجماعات الأخرى ، وإنها كانت ، عبر تاريخها الطويل ،  منزّهة من كل خطأ ، وإن كانت ارتكبته فأن الآخرين كانوا هم السبب !.  وهذا لسان حال كل الجماعات في كل المجتمعات ،  ظالمة كانت أم مظلومة ،  حتى لتحسبها سجية في البشر !.

وما لم ينضج وعينا الى مستوى ادراك أن حق الآخر مشروع كمشروعية حقنا ، ونرتقي تلقائيا الى سلوك مهذب  يحترم الهوية الاجتماعية للآخر، فأن الحال يؤول الى ما يمكن تسميته ( حرب المعتقدات ) . والمشكلة أن المعتقد اذا ما اصيب  بـ ( الألتهاب ) يصير هو  ( فيروس ) التعصب ..ينتشر بين ( نحن مقابل هم ) في عدوى هستيرية تشعل حربا تكون أشد ضراوة وأكثر سخفا من حروب الأيديولوجيات .

 

أسباب التعصب و الصور النمطية وسبل خفضها :

تمثل الصور النمطية المكوّن المعرفي لاتجاه التعصب . ونعيد إلى الذهن بأن الصورة النمطيةStereotype  تعني : تعميمات أو أحكام غير موضوعيه بخصوص جماعة معينه، لا تستثني من أفرادها أحدا، بالرغم من وجود اختلافات حقيقة فيما بينهم . ويمثل التمييز  Discrimination المكوّن السلوكي لاتجاه التعصب . ويعني التمييز: فعلاً عدائيا أو سلبياً أو مؤذياً غير مبرر نحو أفراد من جماعة قائم أساساً على عضويتهم في تلك الجماعة،  وليس لسبب آخر . وهذا يعني أن أي إنسان يمكن أن يكون هدفاً للتعصب .

ويمكن تحديد أربعة جوانب في الحياة الاجتماعية تفضي إلى التعصب هي :

الطريقة التي نفكر بها، والطريقة التي من خلالها نضفي المعنى على الأشياء، والطريقة التي تخصص بها موارد العيش والثروة، والطريقة التي نتمثل بها المعايير والقواعد الاجتماعية .

إن عملية الإدراك أو التعرف الاجتماعي مهمة في خلق الصور النمطية التي تفضي إلى التعصب . والخطوة الأولى في نشوء التعصب تبدأ بتصنيف بعض الأفراد في جماعة واحدة على وفق صفات او خصائص معينة ،  ووضع الآخرين في جماعة أخرى على وفق صفاتها او خصائصها المختلفة . فالفكرة الأساسية في الإدراك الاجتماعي هي أن تجميع التنبيهات يكون قائماً على أساس ما بينها من تشابهات، ومقابلتها بتنبيهات على أساس ما بينها  من اختلافات . ومن هذه الفكرة تنشأ عملية عقلية أخرى تقسّم الناس الى ما اصطلح على تسميته بـ (( داخل الجماعةIn- group)) و (( خارج الجماعة Out-group )) . ومن هذه العملية ينجم ما نريد ان نسميه بـ (( الحَوَل الادراكي )) ، وهو مصطلح منّا نريد ان ندخله في ثقافتنا . ويكون هذا الحَوَل على نوعين :

حَوَل داخلي   : يرينا  ما هو إيجابي في جماعاتنا ولا يرينا ما هو سلبي فيها .

وحَوَل خارجي : يرينا  ما هو سلبي في الجماعة الأخرى ، ولا يرينا ما هو إيجابي فيها .

و الواقع إننا جميعاً مصابون بهذا الحَوَل، والاختلاف فيما بيننا هو في الدرجة ليس إلا .

و إذا كان تصحيح الحَوَل البصري يتم من خلال عدسات معينة،  فأن (( حولنا العقلي )) يمكن تصحيحه ايضاً من خلال :

           التربية .

           الثقافة .

           الاختلاط .

           العدالة .

ففيما يخص التربية ، فإننا نعني بها كل أشكال التعليم الرسمي في المدارس و التنشئة الأسرية ،  والتعّلم الاجتماعي بمجالاته المختلفة . وبما ان التعصب سلوك ، فانه يتم تعلّمه مثل أي سلوك آخر . فأذا كان الوالدان - في سبيل المثال - يحملان صورة نمطية سلبية عن جماعة تختلف معها في الطائفة او العرق او الدين… فأن أطفالهما سيحملون الصورة النمطية نفسها ، ويتصرفون بنفس الطريقة . وإذا ما وجدوا تعزيزا لها من أقرانهم فأن تلك الصورة ستتقوى لديهم ، ويصعب من ثم تعديلها .

والملاحظ  على المجتمع العراقي أن عقله محشو بصور نمطية لا تحصى، وبشكل عجيب غريب . ففضلاً عن الصور النمطية المتعلقة بالعرق والدين والطائفة والجندر ( المرأة والرجل بالمفهومين النفسي والاجتماعي )… فأن فيه صوراً نمطية أخرى قائمة على أساس المدينة . فـ (( المصلاوي ))  لدينا عنه صورة نمطية ، وكذا : البصراوي ، والنجفي ، والعاني ، وناصري ، والدليمي... وأهل  أربيل  لديهم صورة نمطية عن  أهل السليمانية ،  والعكس موجود ايضاً .

و الأغرب انك تجد صوراً نمطية قائمة على أساس المحّلة : ابن الفضل ، ابن باب الشيخ ، ابن الشواكه ، كظماوي، معظماوي ( وكلها أحياء سكنية في بغداد )… وما يجعلك تندهش أنهم يعِّدون أنفسهم مختلفين تماماً بعضهم عن بعض ،  بالرغم من انهم يسكنون في محلات متجاورة . ولا تجد تفسيراً لذلك سوى انهم مصابون بـ (( الحَوَل العقلي )) .

وثمة ملاحظتان :

• الأولى ، إن " الموروث السيكولوجي البدوي " في رذيلة التعصب ما يزال يتحكم بنا لاشعوريا ، برغم أننا غادرنا الجمال والحمير الى المرسيدس والأيرباص ، وأننا تركنا بنات العشيرة السمراوات وتزوجنا الشقراوات عابرات المحيطات . فضلا عن أننا نجهل بأن هذا التعصب مصحوب برذيلة أخرى هي هاجس " بارانويا " الشك بالآخر والخوف من غدره .

• والثانية ، أن نضج الوعي السياسي ( الحالة التي يصل فيها العراقي الى أن ينتخب :  الكردي عربيا والعربي كرديا والسنّي شيعيا والشيعي سنّيا ..." يبدو أنه يخضع لنفس قوانين النضج البيولوجي ..أعني أن يتم عبر مراحل. وأن " الشعب " هو الآن في مرحلة الرضاعة من وعيه بالانتخابات الديمقراطية .

ومع أنه من غير المعقول أن نطلب من رضيع " بدوي !" القفز بالزانة ، فأن الكثير من  السياسيين العراقيين يدّعون أن هذا ممكن ..ومطلوب أيضا ، مع أن أفضلهم نضجا لم يصل بعد مرحلة الحداثة ..في الممارسة ، برغم أنه يجيد صناعة الكلام بامتياز .

  وبالعودة الى مناهجنا الدراسية ( اعني تحديداً : كتب المطالعة والتربية الوطنية والديمقراطية وحقوق الإنسان…) فان عليها أن تنتبه للصور النمطية التي أشرنا الى عدد منها ، وتعمل على محوها . وان تلتقط موضوعات تعتمد الحوار وسيلة لحل النـزعات بين الجماعات والأفراد . ويكون ذلك بتعاون مؤسسات الثقافة في بغداد والمحافظات . فالتربويون يجيدون اختيار مثل هذه الموضوعات، فيما المهتمون بالثقافة ( لاسيما المعنيون منهم بثقافة الأطفال ) يمتلكون الأسلوب المشوق في صياغة مفرداتها ، وسعة الخيال في جمالية صورها . وعليها ان تركز في مسألة غاية في الأهمية هي ان تعيد لقيمة (( الحياة )) اعتبارها بعد أن هوت من مكانتها السامية إلى ما هو عادي بفعل حروب كارثية ،  ثم أجهز عليها الإرهاب ببشاعة الوحوش الضواري . فضلاً عن رخص حياة العراقي بعيون العسكري الأجنبي (( المتحضر جداً! )) .

ويبقى على الناس تعزيز وتعميق الاختلاط والاتصال الحميم فيما بينهم . غير ان هذا لن يكون - كما ينبغي -  ما لم يشعر الجميع بأنهم متساوون في المكانات،  وان توزع الثروة  بينهم بالعدالة ،  ليحيوا الصلات الاجتماعية القديمة المعروفة عنهم بروح عصرية جديد ه،  بعد ان أرعبها انعدام الأمن واجبر الناس على الجلوس في بيوتهم .

أخـيراً.

إن نقطة الشروع في تحقيق هذا المشروع ، هي أن نعترف جميعاً بأننا مصابون بهذا (( الحَوَل الإدراكي )) ، اعني انحيازنا الى جماعتنا ونظرتنا لهم بعين الرضا ، عين المحب للمحبوب ، والى الغير بعين تبدي المساوئ ، عين الكاره للمكروه  .  وان نكون راغبين حقاً في تصحيحه  . ففي ذلك أجمل المنافع وأرقى الصفات …أحوجها أن لا يوصف السياسي من العراقيين بأنه (( أحول عقل )) !.

والحقيقة أنني لا أستثني من هذا الحول أحدا ، فهذا مرض شائع في العقل العربي والإسلامي ، ما يزال يشكل احد أهم أسباب مآسينا وتخلفنا أيضا . وأنه ما لم يتم علاجه بإعادة صياعة ثقافتنا وخطاباتنا الديتية والسياسية والإعلامية ، واسهام مثل هذه المؤتمرات في تحرير الوعي الشعبي من أوهام ومعتقدات معبئة بالحقد والكراهية ... فأننا سنبقى نتعارك والعالم يضحك علينا . فأكثر مشاهد الكوميديا سخرية ، تلك التي يتعارك فيها مجاميع من الحولان !. 

 

   من مصادر الورقة

 

• مدخل الى علم النفس الاجتماعي .تأليف روبرت مكلفين و رتشارد غروس         

، ترجمة ياسين حداد وآخرون – عمان : دار وائل ، 2001.

• بانوراما نفسية . تأليف قاسم حسين صالح ، وزارة الثقافة العراقية ، 2005

• سيكولوجيا عراقية . تأليف قاسم حسين صالح ، مطبعة جامعة صلاح الدين ، 2006.

 

• * Aronson . Elliot and others (2004). Social Psychology .

PearsonEducation International.

• * Fiske,S.T.(1993). Social cognition and social perception .

AnnualReviewof Psychololgy ,44,155-194.

* Gross,R.D.(1996). The Science of Mind and Behavior. London :

Hodder&Stoughion.

* Steele,C.M.&Arnson,J.(1995).Stereotybe vulnerability and intelletual performance. New York : Freeman.

* Wolfe,C.,&Spencer,S.(1996).Stereotypes and prejudice . Amercan Behavioral Scientist,40,176-185.

 

استقطاب الكفاءات العلمية ورعايتها

 

ثمة مقولة فلسفية تقول : إن المقدمات الصحيحة تفضي إلى استنتاجات صحيحة . فلنبدأ بعدد من هذه المقدمات .

أولا" /  إن المجتمع الذي ينشد التطور لا يمكن أن يحقق ذلك إلا بوجود كفاءات علمية .

ثانيا" /  إن المجتمع الذي يبغي تسريع التطور، والانتقال من مرحلة إلى مرحلة أرقى، يكون    ذلك  مشروطا" باستقطاب الكفاءات العلمية ورعايتها .

ثالثا" /  إن الدعوة إلى استقطاب الكفاءات العلمية ورعايتها ليست جديدة في العراق، وأنها أخذت ثلاث صيغ بارزة  :

أ . صدور قانون الكفاءات في السبعينيات لاستقطاب الكفاءات العلمية المهاجرة والعودة بها الى العراق .

ب . صدور قانونين في التسعينيات،  الأول باسم رعاية الملاكات العلمية، والثاني بأسم رعاية العلماء.

ج . صدور قانون الخدمة الجامعية لسنة 1964 ولسنة  1978.

وباستثناء قانون الخدمة الجامعية الذي خص أعضاء الهيأة التدريسية العراقية برعاية مناسبة، ولمدة محدودة، فإن جميع القوانين الأخرى باءت بالفشل .

ففيما يخص قانون الكفاءات فإن معظم أصحاب الكفاءات العلمية الذين عادوا إلى العراق في التسعينيات قفلوا راجعين الي البلدان التي هاجروا إليها،  بالرغم من الامتيازات التي عدتها السلطة في حينه نوعا" من الاغراءات،  مثل منحهم قطع اراض وتخصيص منطقة سكنية لهم بأسم ( حي الكفاءات) . والسبب أن السلطة السابقة لم تفهم أن ما يحتاج إليه العالم هو حرية التفكير والرأي والتعبير التي هي عنده  أشبه بالماء للسمكة .  فضلا" عن دخول العراق في حربه مع إيران . ومعروف عن العالم أنه يهاجر من بلده عندما يدخل في حرب غير مشروعة.

أما القانونان الآخران، فقد فشلا أيضا"، لانهما ما كانا منصفين ولا عادلين،  فضلا" عن انهما أثارا  من الفتنة أكثر مما أثارا من التنافس العلمي، لاسيما بين أساتذة الجامعة .

رابعا" /  إن أية محاولة بشأن استقطاب الكفاءات العلمية ورعايتها لا تأخذ بنظر الاعتبار أسباب فشل المحاولات السابقة فأنها ستلقى نفس المصير .

ويستكشف من هذه الندوات وجود نية للاهتمام بالكفاءات العلمية العراقية. غير أن هذه النية ما لم تتحول إلى إصدار قانون جديد خاص بالكفاءات العلمية، فإنها ستحفظ في ملف النيات الحسنة . وان إصدار قانون ـ  وهذا ما نتوقعه ـ  لن يكون ناجحا ما لم يكن مبنيا على دراسات ميدانية متأنية تقدم تقويما" موضوعيا لواقع أصحاب الكفاءات العلمية .

 

على أننا نستطيع أن نقدم في هذه الورقة عددا" من المؤشرات، نوجزها بالآتي:

 

أولا" / الوضع الاقتصادي لاصحاب الكفاءات العلمية

 

عانى أصحاب الكفاءات العلمية ـ  من غير المحسوبين على النظام السابق ـ  وضعا" اقتصاديا" مزريا" لا سيما أساتذة الجامعة . فأضطر عدد كبير منهم للهجرة الى بلدان عربية في مقدمها : الأردن وليبيا واليمن، وبلدان خليجية وأجنبية أخرى .

أما الباقون الذين اختاروا البقاء في الوطن، ولهم الفضل الأول في ديمومة مؤسساته التربوية والعلمية، فهم ـ  فوق المعاناة القاسية والإذلال والمهانة ـ  يعيشون حياة بسيطة . إذ تفيد دراسة حديثة (2005 ) أجرتها الوحدة الإرشادية بجامعة بغداد، بان 31%  منهم فقط يمتلك سيارة مقابل 69%  لا يمتلك سيارة .

أما الموجودون في الخارج فأنهم لا يريدون العودة إلى العراق، لآن الراتب الذي يتقاضاه العراقي في دولة خليجية في شهر، يعادل في بعض الحالات ما يتقاضاه عراقي الداخل في سنة .عليه ينبغي الآتي :

إصدار قانون جديد للخدمة الجامعية وإنهاء العمل بقانون الخدمة المدنية فيما يخص أساتذة الجامعة . وأن تكون نقطة الشروع في تعديل رواتب أساتذة الجامعة في العراق، مساواتهم بأقرانهم في الأردن بالوقت الحاضر والعمل على مساواتهم مستقبلا" بأقرانهم في دول الخليج من حيث الراتب والامتيازات .

 

ثانيا"/  البحث العلمي

 

انشغل معظم أصحاب الكفاءات العلمية لا سيما أساتذة الجامعة، وعلى مدى ربع قرن، بالأمور المعيشية التي تديم الحياة .  ولهذا تراجع البحث العلمي إلى مستويات متدنية، حتى صار الهدف منه أما الحصول على  الترقية العلمية أو تحسين الدخل بما يسمى بحوث التعضيد التي كانت تحسب على الكمّ وعدّها ( مصدر رزق ) بالرغم من شحته .

وتفيد الوقائع أن عدم توافر الظروف المناسبة للبحث والتطور العلمي أدى إلى هجرة الكثير من أصحاب الخبرة الواسعة، لا سيما الى الدول المتقدمة .

ذلك لأن الكفاءات( الكفايات ) العلمية، تعشق البحث العلمي بوصفه هدفا" بحد ذاته . وعليه ينبغي توفير المناخ العلمي الذي يستهوي الباحث ويجذبه إليه، وفي مقدمها :

* تجهيز الجامعات ومراكز البحث العلمي بالمختبرات العلمية الحديثة.

* المشاركة في المؤتمرات العلمية العربية والعالمية على اسس عادلة وموضوعية.

* منح من هو بمرتبة استاذ سنة تفرغ علمي في جامعة عربية أو اجنبية بموجب ضوابط معينة.

* إصدار مجلات علمية تخصصية تؤمّن نشر البحوث الرصينة باللغة العربية أو الكردية أو التركمانية وبلغة أجنبية او لغتين .

* اعتماد ساعات بحث علمي لكل عضو هيأة تدريسية بوصفها محاضرات مضاعفة.

* منح مكافآت مجزية للبحوث التي تنشر في مجلات علمية محكمة.

* تخصيص جوائز سنوية للمتميزين في ميدان البحث العلمي . وأن يعهد بهذه المهمة الى لجنة تتصف بالخبرة والنزاهة والموضوعية .

 

ثالثا"/ الثقافة العامة والمعلوماتية

 

على مدى ربع قرن كان أستاذة الجامعة شبه معزولين عن عالم الثقافة والمعلوماتية والاطلاع اليومي على الجديد حتى في ميادين تخصصاتهم لأسباب معروفة .  وتفيد دراسة حديثة ( المشار لها آنفا ) أن اقل من  10%  من الاساتذه لديهم بريد إلكتروني . واقل من  8%  منهم يقضي اقل من ساعة يوميا في تصفح الإنترنت .

ومن المفارقات المؤلمة أن الجامعات وزعت في عام 2001 أجهزة حاسب على من هو برتبة أستاذ وأستاذ مساعد، وان كثيرا  منهم باعوها او  احتفظوا بها في بيوتهم ولم يخرجوها من صناديقها .

واظنٍ أن هذا الاحتفاظ كان على طريقة ( الفلس الأبيض ينفع في اليوم الأسود ) . وهذه مفارقة موجعة في الألم أن يكون الكومبيوتر جزءا" من حياة الطفل في اليابان، فيما يكون لدى  الأستاذ الجامعي العراقي بهذا الحال  . وعليه ينبغي أن يحظى أصحاب الكفاءات بالتسهيلات التي تمكنهم من زيادة معارفهم وتوسيع آفاق ثقافتهم والاطلاع على ما هو جديد في ميادين تخصصاتهم .

 

رابعا"/ الأعباء الدراسية

 

يعاني الأستاذ الجامعي متاعب وأعباء تدريسية من بينها أن قسما" كبيرا" منهم، إن لم يكن غالبيتهم منهكون في تدريس محاضرات صباحية ومسائية، فضلا" عن نصابهم المقرر . ولا يعود هذا لاسباب اقتصادية فقط، بل لان سياسة التعليم كانت غير صائبة في أنها فسحت المجال واسعا" أمام التدريسيين بأخذ المحاضرات .

واذكر أنني كنت عام 1979 مديرا" للتخطيط في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي تسلمنا إحصائية تفيد بأن كثيرا" من  الأساتذة كانوا يأخذون ستين محاضرة أسبوعيا". وواضح أن هذا يقتل الكفاءة العلمية. والأمرّ من ذلك أن الحال وصل في سنوات الحصار أن بعض التدريسيين كانوا يأخذون أكثر من ستين محاضرة، ويشرفون على أكثر من 15 طالب ماجستير ودكتوراه!، في كليات انسانية معروفة .

ومن المتاعب الأخرى أن نسبة الطالب إلى التدريسي في البلدان المتقدمة وبعض البلدان العربية تتراوح بين ( 11/1  و  20/1) ( في السعودية مثلا" 14/1) . أما في الجامعات العراقية فأن المعدل الإجمالي لهذه النسبة بحدود ( 25/1) .

وعليه ينبغي معالجة موضوع المحاضرات ـ اقتصاديا" وعلميا" وفنيا" ـ  والعملٍ على القضاء على هذه الظاهرة تدريجيا". واعادة النظر بسياسة القبول في التعليم العالي ومعالجة نسبة الطالب الى التدريسي .

نضيف إلى ذلك أن قانون التعليم العالي والبحث العلمي رقم 44 لسنة 1988 ـ  بالرغم من انه اقر استقلالية الجامعات، وانه حدث الآن  (2004- 2005 )  تحسن ملحوظ في هذا المجال، إلا أن المركزية والروتين لا يقبلهما مزاج أصحاب الكفاءات العلمية .

 

خامسا"/ الاحتراق النفسي

 

يعاني أصحاب الكفاءات العلمية لاسيما أساتذة الجامعة مما نسميه في أدبيات الصحة النفسية بـ ( الاحتراق النفسي ) الذي يعني أن الإنسان يبذل جهدا" كبيرا" ويشقى في عمله، فلا يصيبه منه إلا بما يبقيه حيا". ولأن هذا يخالف الواقع والمنطق، ولأن صاحب  الكفاءة العلمية يعدّ نفسه مميزا" وله مزاج حساس، فأنه يعيش حالة احتراق من الداخل، فضلا" على متاعبه النفسية وما تعرض له من إذلال ومهانة .

عليه ينبغي الترويح عنهم، ونقترح هنا طريقتين :

الأولى : قضاء إجازة لمدة شهر خارج العراق له ولأسرته .

الثانية : فتح منتديات اجتماعية ثقافية ترفههم ولأسرهم .

 

ملحق

 

هذا كتاب من وزارة المالية بخصوص الموضوع نثبته هنا للتوثيق.

 

 

وزارة المالية

دائرة الموازنة                                                                                     العدد/   13273

قسم المصروفات                                                                                التاريخ/14/8/2004

401

مستعجل

 

الى / رئاسة جامعة بغداد / قسم الشؤون العلمية

م/ ندوة

 

إشارة إلى كتابكم المرقم 12146 في 4/8/2004 ومرفقة المقالة المتعلقة باستقطاب الكفاءات العلمية ورعايتها للدكتور قاسم حسين صالح رئيس رابطة أساتذة جامعة بغداد .

نود بيان الآتـــي :-

ان وجهة نظر وزارتنا فيما تضمنته تلك المقالة من المؤشرات التي تعبر عن واقع التدريسين الجامعين والحاجة الملحة الى ضرورة تطوير هذا الواقع والارتقاء به الى المستوى اللائق الذي يتناسب وهدف استقطاب الكفاءات العلمية ورعايتها هي كالآتي :

1ـ أن تتولى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وضع خطة تعني برعاية الكفاءات العلمية وفق اسس موضوعية تهدف الى تحقيق ما تضمنته الفقرة/ ثانيا" من المقالة المبحوث عنها أعلاه.

2 ـ احتساب كلفة تحقيق اهداف هذه الخطة سنويا" في اطار المناقشة الدورية لموازنة الوزارة مع وزارة المالية والبحث في امكانية ووضع التخصيصات اللازمة والسنوية لتنفيذها ضمن موازنة وزارة التعليم العالي  والبحث العلمي.

3 ـ قيام وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ومن خلال رابطة اساتذة جامعة بغداد او اية جهة اخرى معنية برعاية الكفاءات العلمية بالتنسيق مع كل من وزارات التخطيط والعدل والمالية والخارجية واية جهة اخرى معينة كذلك باقتراح صيغ القوانين والتعليمات التي تصب في تحقيق هدف استقطاب تلك الكفاءات وتحقيق الحد الادنى من طموحاتها على اقل تقدير في المرحلة الحاضرة.

راجين التفضل بالاطلاع. مع التقدير

فهمي جار الله ربيع

وكيل وزارة المالية

14/8/2004

 

هذا وقد اثمرت الجهود عن صدور قانون الخدمة الجامعية. وفي لقاء لنا مع السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي الاستاذ الدكتور سامي المظفر في 6/9/2005 رجوناه تفعيل الفقرة الخاصة بتقاعد الاستاذ الجامعي بأن يبقى يتقاضى نفس راتبه. واقترحنا استبدال مفردة (التقاعد) فيما يخص الاستاذ الجامعي. لأن هذه المفردة بنيت على فلسفة ترى ان موظف الدولة الذي يبلغ الخامسة والستين يصبح غير قادر من الناحية الجسمية على أداء مهامه الوظيفية، فيما نرى ان الاستاذ الجامعي الذي يبلغ هذا العمر يكون قد وصل الى قمة النضج وغزارة العطاء. وعليه نرى استبدال مفردة (التقاعد) بفردة : (الاستاذ المتفرغ) أو (الاستاذ القدير) أو (استاذ شرف). وأن يبقى على اتصال بقسمه العلمي في مجالات التدريس والأشراف والاستئناس بالرأي في مجالس الأقسام العلمية.

 

الى السيد بريمر .. الحاكم المدني للعراق

بعد التحية .. نصيحة نفسية

 

( كيف سأدير العراق ؟ ) . هذا هو الذي يشغلك في اليقظة، وربما في النوم أيضا"، مستنجدا" باللاشعور علّه يسعفك في حلّ ويقول لك في لحظة الهام : ( وجدتها ! ) .

والحق معك . فالقضية محكمة التعقيد تجلب لصاحبها الأرق  الذي يضطره احيانا" الى تناول المهدئات النفسية . غير انك ما انتقيت الا لأنك تحمل صفات استثنائية لمهمة استثنائية، في بلد استثنائي بحضاراته وثرواته وموقعه الاستتراتيجي، وبما ابتلي اهله من كوارث ونظام حكم ما لهن وما له من مثيل في العالم المعاصر .

واكيد أنك حين قدمت الى العراق، جئت مفعما بالفرح والزهو والفخر لفوزك بمهمة أنسانية نبيلة ادخلتك التاريخ، وأين ؟ في بلد جلجامش وحمورابي وأبراهيم الخليل ونوح، وقائمة من العلماء والمفكرين اظنها أطول قائمة لبلد مفرد في العالم بحجمه . ولهذا فأنك تشعر بالقلق والخوف، ليس فقط للاستثناءات التي ذكرناها، بل ومن سابقة تاريخية حدثت في هذا البلد، عندما دخلت القوات البريطانية العراق عام 1917، وقال قائدها الجنرال ( ستانلي مود ) نفس ما قلتموه الان : ( جئنا محررين لا فاتحين ـ أو محتلين ) . وكانت نهايته ان اسقط العراقيون تمثاله وسحبوه في شوارع بغداد  .

وقلقك هذا مشروع، بل هو دليل على الصحة النفسية ويقظة الضمير والشعور العالي بالمسؤولية . فالفشل في مهمتك لا يعني فقط  فشلا" شخصيا" لك، بل ووطنيا" أيضا" لأ قوى دولة في العالم تسعى الى تحرير الناس من الخوف وجبروت السلطة على حدّ  زعمها .

لقد جئتم بالحرية للعراقيين، وفعلتموها بما يشبه افلام الخيال . ورفع العراقيون أكفهم بالدعاء ـ بالرغم من جسامة ضحاياهم ـ وقالوا : ( شكرا" للرب ) . لأنهم كانوا يتوقعون أن الحرب اذا نشبت فأنها ستجلب معها هذه المرة كارثة افضع واشد هولا" من سابقاتها .

غير أننا نلفت انتباه شخصكم الكريم الى أن حاجة الانسان الى الامان اهم لديه من حاجته الى الحريه . وهذه عند المشتغلين في علم النفس حقيقة سيكولوجية . فالأنسان يستطيع أن يعمل ويدبر امور حياته وشؤون أسرته، ويمكن أن يعيش ( مرتاحا " ) في نظام يقيد الحرية . غير أنه لا يستطيع ذلك اذا كان مرعوبا، في ظرف الامن فيه مفقود، والاستهداف تعدى المال والممتلكات الى اغلى قيمتين اخلاقيتين واجتماعيتين عند العراقي .. الشرف والكرامة، اللذين دونهما يسترخص حياته .

وربما تكون اخذت فكره اوصلها لك بعض الاختصاصيين بعلم النفس من أن الشخصية العراقية صارت ( مازوشية )، منطلقين من واقع ان اثني عشر عاما من الترويض، متبوعة بثلاث وعشرين عاما من الاذلال والالام النفسية، كافية لانتاج شخصية مازوشية . وانك قد تبني رأيا" على ذلك بأن العراقيين يستطيعون تحملّ سنتين أو ثلاث أضافية .

ان هذا ليس صحيحا" . فبالرغم من أن النظام السابق عمدا" فعلا" الى انتاج شخصية مازوشية تتآلف نفسيا" مع حاكم سادي، الا أن الأمر مع العراقيين يشبه حكاية تدريب القطط على التآلف مع الفئران . فما أن حلت لحظة الحقيقة الكاشفة عن الطبيعة المتأصلة فيها، رمت الشموع وهجمت على الفئران . وهذا ما حصل في  9  نيسان .

ولعلك تعلم أن العراقيين بطبيعتهم يكرهون (الحاكم ) نفسيا . ربما لأن تاريخ السلطة في العراق على مدى ألف واربعمائة سنة ارتبط بالظلم والعنف والقسوة . وأنك حيثما تولي وجهك في ارض العراق تجد لها رموز ادانة . فأضرحة علي والحسين وأبي حنيفة، ليست فقط لتخليد أصحابها العظام، وانما لتذكير الناس ايضا بوحشية السلطة التي تفضي الى كره الحاكم حتى لو كان مسلما، فكيف اذا كان من غير دينهم، وأجنبيا، وأمريكيا !، وأمريكا في نظر كثيرين عدوة الشعوب والأسلام .

وصحيح أنكم غمرتم معظم العراقيين بالفرح لتخليصهم من نظام رهيب وكابوس مرعب، لكنكم بدأتم تصادرون هذا الفرح منهم . وما ألفت انتباه جنابكم اليه، هو أن الفرحة شعور مصاحب للنشاط الأنساني المثمر . وأكثر ما يريح الحاكم أن يكون الناس فرحين، فيما القنوط يؤدي الى خمول القدرات الأنسانية، ويفضي الى ما يشبه الشلل في حركة النشاط الأجتماعي والأقتصادي، فينجم عنها مشكلات عويصة للحاكم .

وألفت ايضا، أن الشعور بالسلطة المطلقة  للقوة، يؤثر نفسيا في تحريك سلوك الحاكم باتجاه السيطرة على الناس أكثر مما يدفعه الى تحسين أوضاعهم . فالخاصية السيكولوجية لشعور  الحاكم  بالقوة، هي أنه يكون شحيحا على الناس، ليجعلهم في حاجة دائمة اليه، تضمن له خضوعهم والسيطرة  عليهم .  والعبرة شاهدة الحال من سلفكم الذي أطحتم به ! .

وأضيف، أن مهمتكم ما كانت – في حساباتكم للعقل الجمعي العراقي – القضاء فقط على الترف السفيه لرموز النظام، انما الأساس فيها القضاء على الفقر المذلّ لشعب كريم مهان ومعوز في بلد يعد الأغنى في العالم . فيما العامة وجدوا فيكم أنكم أخرجتم حاكما من قصره لتدخلوا انتم فيه، وبضريبة باهضة دفعوها هم ( دون وعد منكم بتعويض مستحق من ثروة وطنهم ) . فكان ان حصل لديهم انكسار نفسي من خيبة أمل نخشى عليكم أن تتحول الى قطيعة نفسية، ويغير حتى المتفائلون بكم ما طبعوه عنكم في مخيلتهم: ( ما أجمل الجديد  ) الى

( ما أقبحه ! ) .

 

السيد بريمر

ان العراقيين اذكياء، مجدّون، مبدعون، طموحون، ... خبرت، لا شك، عينة منهم في بلدك أمريكا . وهم معروفون بالصبر، ولكن فقط حين يكون لأمر وراءه فرج . والمشكلة أنهم ينظرون الى امريكا – بوصفها ولية أكرهم – كما لو كانت ساحرة، اذا أرادت شيئا فأنها تحققه في اللحظة . ويرون أنهم دخلوا الشهر الثالث والحال لا يزال في الأنعاش , ويتسائلون : هل بطل سحر الساحر، أم أنه يريد أن يستغفلهم لأمر في نفس (يعقوب ) ؟!.

والبسطاء من الناس، الذين طحنهم الفقر وأدمت قلوبهم الفواجع، غير معنيين بما يتداوله المثقفون من أن السيد بريمر يعمل على ان يجعل من العراق أنموذجا للشرق الأوسط، على رأي ... أو أن امريكا دولة محتلة ستأخذ أكثر مما تعطي، على رأي آخر ... أنما يعنيهم همومهم اليومية : ماذا يأكلون، من أين يدفعون اجور سكنهم، كيف سيعيشون وقد غص الشارع بالعاطلين ...؟ . وهم مقتنعون بأن أمام الحاكم حلولا كثيرة وسريعة، أبسطها تخصيص مائة دولار شهريا على البطاقة التموينية لكل أسرة ..حصتها من النفط لا منّة منكم، مع أنه مبلغ بخس في بلد يملك من ( البترول ) ما لا تملكه ثمانون دولة في العالم مجتمعة ! .

وفيما يلتمس آخرون العذر لكم لأدراكهم أن حالك في اجتماعاتك مع ( عليّة ) القوم من السياسيين والوجهاء، أشبه بحال موسيقار أمامه جمل موسيقية جميلة لكنها لا تتآلف في سمفونية أجمل، فأن النفسانيين يدركون أن أصعب وضع نفسي على الحاكم أن يكون مترددا في اتخاذ القرارات . وأظنك لم تجد فيما درست من نظريات ( اتخاذ القرار ) واحدة تنطبق على الحال الذي كلفت به لتهتدي بها .

ولهذا فأنت بك حاجة الى أن تسمع أراء الأختصاصيين بعلم النفس والاجتماع، يفهمون سيكولوجية الأنسان العراقي ودينامية المجتمع ..يتحسسون نبض الشارع ويقدمون قراءات تساعدك على اتخاذ قرارات فيها ما يريح الناس ويبعد الأذى عن الجميع، وأكثرها شرّا أن تتفاعل مشاعر الأستياء والكره وخيبات الأمل وضنك العيش، لتصل الى حالة من الاحتقان تفضي – بقانون نفسي – الى العنف الذي يؤذيكم ويؤذي العراقيين، الذين جئتم لتخليصهم من الأذى !.

ان شعورا بزهو الأنتصار ما زال يغمركم، لكننا نخشى عليكم من يوم تكون فيه حتى الناس الذين تلقوكم بالأحضان، لا يخرجونكم من احضانهم فقط، بل أن يتحولوا الى أعداء لكم ..وعداء العراقيين لا يرحم !.

أخيرا

ان صورتك – من خلال التلفزيون – توحي، والله أعلم، بأنك شخص ودود محب للحياة، وتبدو أصغر من عمرك بكثير . وشخص كهذا يؤمن بمبدا (احترام الحياة ) ويسعى الى اشاعة البهجة فيها . وأنك شخصية انبساطية وفي طلتك ما يترك الأنطباع بأنك تحمل نوايا طيبة . وأنك لا شك تحسست طيبة العراقيين بنفسك . وهم – لا سيما الذين أتوا معكم – في موقفهم من جميل ما صنعته قوى التحالف، ينطبق عليهم قول شاعرهم الجواهري :

 

ولسوف تعرف بعدها ياسيدي     أني أجازي بالجميل جميلا

 

وما نرجوه أن تحرصوا على أن لا يكون موقف العراقيين منكم ينطبق عليهم قول شاعرهم :

 

لا تنه عن خلق وتأتي مثله     عار عليك اذا فعلت عظيم

 

مع الاحترام والتمنيات الطيبة  .

 

ـــــــــــــــــ

* نشرت في جرائد : الأتحاد  بتاريخ 24/6/2003،  والأيام  بتاريخ 26/62003، والساعة . وبعث رئيس جامعة بغداد الأستاذ الدكتور سامي المظفربكتاب شكر ( تقديرا للمشاعر الوطنية الصادقة ) حيث كان الكاتب في حينه رئيسا للوحدة الأرشادية بالجامعة . وننشرها هنا لكونها تمثل موقفا ( تاريخيا ) للأكاديميين والمثقفين العراقيين في موقف مبكر ( أقل من ثلاثة أشهر ) على دخول القوات الأمريكية إلى العراق .

 

 

القسم الثالث

بحوث  ميدانية

 

أساليب تنشئة الأمهات لأطفالهن في مدينة بغداد وضواحيها

( بحث ميداني )

 

ثمة اتهام يوجه الى الأمهات العربيات بأنهن ما زلن يمارسن في تربية أطفالهن الكثير من الأساليب المتخلفة، التي ورثناها عن أمهاتهن، في عصر أصبحت فيه الحضارة متعددة المناشيء تدخل بيوتهن بأسرع من لمح البصر عبر القنوات الفضائية والانترنت، ثم ... الانترنت الخلوي! .. "فما زالت أساليب التربية التقليدية تهيمن بشكل واسع في أوساطنا الاجتماعية المختلفة" ( وطفه،2000،ص 32) . والدراسات العربية الجارية في ميدان التنشئة الاجتماعية تشير الى شيوع انماط التربية المتسلطة والمحافظة التي تسعى الى بناء شخصيات مطواعة تميل الى الاذعان والتبعية ( رمضان، 1990، ص68 ) . وأن الأم العربية" تلجأ الى التخويف بالأب والحيوانات والجن كي ينام  الطفل أو يطيع او يهدأ . ومن ثم ينتقل التخويف الى التهديد بالضرب والعصا" ( زيعور،1987، ص 56) . ويصف  بو علي ياسين  خصائص القهر والتسلط في التربية العربية بقوله : "أن طرق التربية العصملية التسلطية ما زالت موجودة حتى الان.. فطريقة القمع والكبت متوارثة تلقى من بعض أهل الطلاب والتلاميذ التأييد والترحيب، بشرط أن لا تؤذي جسم الطفل، متناسية ان له نفسية حساسة يمكن ان تشوه وتؤثر في كيانه كتأثير الجسم المشوه، وما هذه الطريقة سوى امتداد للتربية التسلطية في البيت" ( ياسين، 1994،ص206 ) .

ويشير وطفه الى أن الأبوين في الاسرة العربية، يعمدان الى تخويف الطفل من اجل تكوين نمط من السلوك لديه، بالاعتماد على قصص خيالية مخيفة، تفوح منها رائحة الموت، والذبح والحرق بالنار، وقطع الاعناق.. وينتهي الى القول بأن تبني مثل هذا النموذج التربوي الارهابي" لا يمكن أن يكون مقصودا من قبل الأباء والأمهات وانما يجري ذلك بشكل عفوي وبحكم العادة وجهل النتائج المترتبة على ذلك" ( وطفة، 2000، ص 33) .

وهناك من الدراسات ما يؤيد هذه المقولات . فقد أفادت دراسة الدمرداش التي أجراها في مصر عام 1980 بأن الأمهات المصريات يعتمدن الأسلوب التقليدي القديم في تربية الأطفال المثمثل بأسلوب الشدة.. وأن الأم المصرية تنظر الى حرية الطفل في التعبير والمناقشة بوصفها جرأة شديدة لا يسمحن بها ( الدمرداش، 1984) . وافادت دراسة اجرتها جامعة الاسكندرية بأن " احد الأركان الأساسية للتنشئة الاجتماعية يتمحور في  مبدأ تطبيع الطفل العربي مع الاوضاع والخضوع للكبار، سواء اكان ذلك عن طريق التسلط ام طريق الرعاية الزائدة" ( اسماعيل، 1986، ص 331) . ويضيف الباحث نفسه الى أن " اغلبية الدراسات العربية الجارية تشير الى ان التنشئة الاجتماعية العربية تسعى الى ان تخلق الطاعة والأدب عند الطفل . والاساليب التي يلجأ اليها غالبا" هي العقاب البدني، ثم خلق المخاوف عند الطفل عن طريق كائنات خرافية" ( اسماعيل، 1986، ص 232) .

ويبدو ان هذا الاستنتاج بناه الباحث على عدد من الدراسات العربية .  ففي الدراسة التي اجراها محمد عماد الدين اسماعيل ورشدي فام منصور ونجيب اسكندر، التي شملت ألف أسرة مصرية عام 1974، خرجت بنتيجة هي أن الأسرة العربية المصرية تستخدم العقاب البدني في التربية، لا سيما في البيئات الشعبية، بينما تلجأ الى اثارة الألم النفسي عند أسر الطبقات الوسطى( اسماعيل واخران، 1974 ) . والى مثل هذه النتيجة توصل قاسم عزاق الى " ان الأسرة التونسية تستعمل أساليب الترهيب والعنف والضرب بكثرة.. وان الامهات يستخدمن الشدة بصورة خاصة مع البنات" (في : رمضان، 1990، ص  69) .

ويشير بركات الى ان البنية التراتيبية للأسرة العربية" تقوم على اساس العمر، كما تقوم على اساس الجنس . فالصغار تقليديا" عيال على الكبار، وتتوجب عليهم الطاعة شبه المطلقة في شبكة من علاقات القوة السلطوية والعمودية بين افراد غير متساويين ... تتخذ طابع توجيه الاوامر والتبليغ والتحذير والتهديد والتوبيخ والتخجيل واملاء التعليمات" (    بركات، 2000، ص381) .

وتوصلت حسناء الحمزاوي في  دراستها للمجتمع التونسي الى ان خطاب الامهات الاقل في المستوى التعليمي ما زال محافظا" بدرجة كبيرة على الايدولوجيا التباينية ( اي تلك التي تقيم حدودا" فاصلة بين الصغار والكبار وتفرق بين الصبيان والبنات ).. وان لهجة الخطاب هذا تتلطف بارتفاع مستوى التعليم ( الحسناوي  1995 ) .

ويخلص بركات الى ان علاقة الأهل بالبنين والبنات في الأسرة العربية" تتسم بالحماية المفرطة من ناحية، وبالسلطوية من ناحية اخرى، مع بعض التحيز في المعاملة بحسب العمر والجنس واختلاف انماط المعيشة" ( بركات، 2000، ص4 ) . وعلى مستوى الدراسات المحلية، أشارت دراسة نسرين العمر(1966) التي اجرتها في مدينة البصرة على مائة أم، نصفهن من الطبقة المتوسطة والنصف الاخر من الطبقة الفقيرة، الى وجود فروق ذي دلالة احصائية بين أمهات الطبقتين فيما يخص الاطعام والتدريب على استعمال المرافق في تربية أطفالهم الذين تراوحت أعمارهم بين الرابعة والسادسة ( في : صالح، 2000 ) .

والى مثل هذه النتيجة توصلت معروف (1972) في دراستها التي هدفت الى اعطاء فكرة عامة عن الأساليب التي تتبعها الأمهات في تنشئة الاطفال في ثلاثة مستويات اقتصادية ( فقيرة، متوسطة، وغنية ) فتوصلت الى وجود اختلافات ثابتة في الأساليب التي تتبعها الأمهات الأميات بالمقارنة مع المتعلمات، والأمهات المدنيات بالمقارنة مع الريفيات، والأمهات تبعا" للمستوى الاقتصادي .

وتوصل صالح في دراسته لأساليب تنشئة الأمهات لأطفالهن في قرية عراقية الى شيوع معتقدات خاطئة بين الأمهات الريفيات، ومن بينها مثلا" :

• ذبح خروف أو عجل "فجران دم" يؤدي الى طرد الشر.

• وضع السكينة التي يقطع بها الحبل السّري، تحت فراش الطفل لمدة أربعين يوما" تحمي الطفل وأمه من الشر والحسد .

• تعليق "خضرمة او شذرة"، أو قطعة من الذهب على شكل هلال بشعر رأس الطفل، تقيه من تساقط شعره ومن عين الحسود .

• رمي الحبل السري في" حوش الحلال" يجعل الطفل مستقبلا" ميسور الحال، ورميه في ساحة المدرسة يجعله يتولع بالدراسة ( صالح،  2000) .

 

وتفيد الدراسات التي اجريت عن الرضاعة الطبيعية والرضاعة الصناعية، والفطام المتدرج والمفاجىء بأن الأطفال الذين أرضعوا من ثدي الام والذين فطموا تدريجيا" كان تكيفهم الاجتماعي  أفضل من الأطفال الذين ارضعوا بالقنينة (watson ,1966  ) . ووجدت Ribble  علاقة بين تجارب العناية ( التغذية والفطام ) والقلق النفسي والنكوص والكتابة عند الأطفال، فيما أفادت دراسة وليم وسكوت بأن الأطفال الذين يطعمون بطرائق حسب جداول منتظمة يكونون أقل فعالية ونشاطا" من الأطفال الذين يطعمون عند الحاجة، فيما نفت دراسات اخرى وجود علاقة بين أساليب الرضاعة وسلوك الطفل مستقبلا" . على ان معظم الدراسات أفادت بوجود علاقة بين أسلوب الفطام ( تدريجي، مفاجىء ) وسلوك الطفل، بينها دراسة ايسلر التي أشارت الى وجود علاقة بين الفطام المبكر والمتأخر من جهة والفطام المتأخر والتفاؤل من جهة اخرى . ودراسة وايس wise التي افادت بأن الفطام المتأخر يؤدي الى اضطرابات أكثر مما ينتج عن الفطام المبكر (في : معروف، 1972،ص 4 ـ 6 ) .

وتوصل صالح (2000 ) في استعراضه للأدبيات والدراسات السابقة في موضوع تنشئة او رعاية الأطفال، الى عدد من الاستنتاجات، بينها :

 

• ان الجانب الاكبر من التعلم المبكر للطفل يحدث من خلال علاقته بأمه. وهذا يتساوق مع النفهوم العام للتربية العربية التي يجسدها قول الشاعر:

(( الأم مدرسة اذا أعددتها                 أعددت شعبا" طيب الأعراق))

• ان تنوع شخصيات الأفراد الراشدين، وتباين أمزجتهم وتصرفاتهم أو أساليبهم السلوكية يعود في واحد من أسبابه الجوهرية الى تنوع أساليب الرعاية أو التنشئة التي تلقوها في طفولتهم المبكرة بشكل خاص .

• تتباين  أساليب تنشئة الأطفال من مجتمع الى اخر، وبين الفئات أو الطبقات الاجتماعية داخل المجتمع الواحد .

• ان الدراسات التي اجريت على أساليب تنشئة الأمهات الريفيات لأطفالهن هي أقل بكثير من تلك التي أجريت على الأمهات اللواتي يسكنن المدن ( صالح، 2000، ص188). ونضيف لها بأن الدراسات الميدانية الخاصة بموضوع تنشئة أو رعاية الأطفال (بمرحلة الطفولة المبكرة تحديدا") قد انحسرت أو تراجعت في مجتمعاتنا العربية مقارنة بسنوات السبعينات (1970) وما قبلها، برغم أن بعض الكتاب العرب يعزو ليس فقط اخفاقات الفرد العربي في أمور شخصية من فبيل الاعتقاد بالخرافة والتفكير السلفي، بل حتى النكسات الكبيرة التي أصابت الأمة العربية، وتحديدا" نكسة الخامس من حزيران 1967،... يعزوها الى أساليب تنشئة ورعاية الأسرة العربية لأطفالها .

 

في ضوء ذلك تتبين أهمية البحث الحالي في كونه يجري على عينة واسعة نسبيا" شملت شرائح اجتماعية متباينة، ومن احياء سكنية متعددة في مدينة بغداد العاصمة، وعددا" من الاحياء السكنية التي تقع في أطرافها .

 

• أهداف  البحث:

أولا". معرفة الاساليب التي تعتمدها الامهات الساكنات بمدينة بغداد وضواحيها  في تنشئة أطفالهن، وذلك في المجالات الاتية :

1.           التقميط .

2.           الرضاعة .

3.           الفطام  ووسائله وغذاؤه .

4.           التدريب على النظافة .

5.           أساليب التدريب على المشي .

6.           مكان نوم الطفل .

7.           الصحة والمرض وأساليب العلاج .

8.           الامراض النفسية التي تصيب الطفل .

9.           التشوهات الخلقية والعوائق .

10.المشكلات السلوكية وأساليب التعامل معها .

11. الحسد والاصابة بالعين .

12. تفضيل الذكر أو الانثى .

13. مهنة المستقبل التي تريدها الام لولدها أولأبنتها.

14. ما تحبه وما تكرهه الام في الاطفال .

 

ثانيا". معرفة ما اذا كانت هنالك اختلافات ( فرووق ) بين أساليب تعامل الامهـــات في (اولا" ) أعلاه تبعا" لمتغيري :

1.           التحصيل الدراسي للأم .

2.           منطقة السكن : (داخل العاصمة، في الضواحي أو الاطراف ) .

 

حدود البحث

يتحدد البحث الحالي بعدد من الاحياء السكنية داخل العاصمة بغداد، وفي أطرافها أو ضواحيها وعلى النحو الاتي : حي اور، الحرية، حي العامل، بغداد الجديدة، الكاظمية، الجهاد، البياع، تونس، الربيع، الاعظمية، الشعب، زيونة، العدل، شارع فلسطين، مجمع القادسية، المنصور، العامرية، الشرطة، الجادرية ( وجميعها احياء سكنية داخل العاصمة بغداد) .

فيما شملت الاطراف أو الضواحي كلا" من : المدائن، الطالبية، أبو غريب، الطالبية، وأبو دشير.

هذا وجرى جمع البيانات خلال شهري اذار ونيسان من عام 2001 بعد المناقشة والتدريب مع فريق البحث .

 

عينة البحث وخصائصها :

تألفت عينة البحث من (256 ) امراة من الامهات، وفيما يأتي وصف لأهم خصائصها :

 

1ـ العمر: بلغ متوسط أعمار العينة (38 ) سنة، بمدى تراوح بين (25 الى أكثر من خمسين سنة ) . وكانت نسبة اللواتي تقع أعمارهن دون سن الخمسين( 85%)  ونسبة اللواتي تقع أعمارهن خمسون سنة فأكثر (15%) .

2ـ التحصيل الدراسي : بلغت نسبة اللواتي بمستوى الدراسة المتوسطة والاعدادية(50 %) فيما كانت نسبة الاميات (17%) ومن هن بمستوى الدراسة الابتدائية (13%) و (20%)  لمن هن بمستوى الدراسة الجامعية .

3ـ المهنة : بلغت نسبة الموظفات بين أفراد العينة ( 20%) فيما كانت نسبة (80 %) منهن ربات بيوت .

4ـ مدة الزواج : بلغ معدل نسبة الزواج بين أفراد العينة( 12) سنة بمدى تراوح بين ثلاث الى خمسين سنة .

5ـ عدد الاطفال : أحتلت فئة الاطفال من (1 ــ 2 ) المرتبة الاولى بنسبة ( 40%) بين افراد العينة، تليها الفئة (3 ــ 4 ) بنسبة( 30% ) وتوزعت النسبة المتبقية على الفئات الاخرى التي تنتهي بتسعة أطفال .

6 ـ بلغت نسبة الامهات اللواتي يسكن الاحياء داخل مدينة بغداد (82%) واللواتي يسكن الاطراف (18%) .

 

أداة البحث :

تم استخدام اسلوب المقابلة المنظمة بموجب أداة تكونت من أسئلة ثابتة بعضها يجاب عليها بـــ "نعم" أو " لا" وبعضها الاخر فيه أكثر من بديلين للأجابة يمكن للمجيبة ان تختار واحدا" منها أو أكثر، غير ان الاجابات عليها تكون محددة . ويشار الى ان هذا النوع من المقابلات يمتاز بالدقة والموضوعية العلمية . (فان دالين، 1969، ص 416) .

كما تم اعتماد اسلوب المقابلة غير المنتظمة بما يناسب المستوى الثقافي للامهات، حيث صيغت أسئلة بالمفردات الشائعة وبالأسلوب الدارج بينهن، مما يمكنهن من التعبير بمرونة وتلقائية، والحصول من ثم على اجابات اكثر عمقا".

 

نتائج البحث:

1.           التقميط : تببن ان (99.5%) من الامهات يقمطن اطفالهن .وان ( 60% ) منهن يقمطن اطفالهن لفترة الستة أشهر الاولى من عمر الطفل، فيما تمتد فترة التقميط الى سنة كاملة من عمر الطفل لدى( 20 % )من الامهات وتوزعت النسبة الباقية على فترات اخرى بين ثلاثة اشهر الى تسعة أشهر.

ولقد اجابت( 99،5% )من الامهات بأن التقميط مفيد للطفل وليس مضرا" . ويمكن اجمال هذه الفوائد بثلاث هي :

أ. يساعد على استقامة الجسم وصلابته .

ب. يقوي العظام والعضلات .

ج. يساعد على النوم لمدة اطول .

وهناك فوائد اخرى اشارت لها الامهات منها": حتى لايسقط من الكاروك، وحتى لا ينمتن (اي يتشنج)، وحتى لا يطلع أعوج، ولسهولة حمله..." فيما أفادت اجابتنان بأنه " عادات وتقاليد".

2ــ الرضاعة : افادت (60%) من الامهات بأنهن يستخدمن الرضاعة الطبيعية و( 30% )يستخدمن الرضاعة الطبيعية والصناعية و(10%) يستخدمن الرضاعة الصناعية فقط .

3-الفطام : اشارت النتائج الى ان (80%) من الامهات يقمطن اطفالهن بعمر سنة ونصف أو بعمر سنتين (وبنسبتين متقاربتين،39% و 40% على التوالي ). فيما كانت نسبة اللواتي يقطمن اطفالهن بعمر سنة واحدة( 19 % ) . ووردت ثلاث اجابات تقول بأن الامر متروك للطفل نفسه( لمن يذبه وحده، اي الى ان يتركه من نفسه ) وبعمر اربع سنوات، كما أشارت احدى الاجابات .

4- وسائل الفطام : احتلت مادة الصبر والحناء المرتبة الاولى في الوسائل التي تستعملها الامهات لفطام اطفالهن وبنسبة (45%) . تليها وسيلة (نظام غدائي) بنسبة (40%) ثم وسيلة التقليل التدريجي لللرضعات بنسبة (12%) . وكانت هناك وسائل اخرى من بينها : (وضع شعر على قنينة الحليب، رسم اشكال مخيفة على قنينة الحليب، استعمال احمر شفاه احمر)، فيما افادت ثلاث أمهات بأنهن" يتركن الطفل وحده يفطم روحه".

5- غذاء الفطام : احتلت" الشوربة" المرتبة الاولى وبنسبة (35%) بين الاغذية التي تستعملها الامهات عند فطام اطفالهن، تليها "الحلوى والتمر" بنسبة (33%) ثم السوئل بنسبة (30%) .

6.           التدريب على النظافة : كان السؤال الموجه  للامهات هو : (في اي عمر تبدأين تدريب طفلك على النظافة ؟. وقد أفادت(40%) منهن بأنهن يبدأن بذلك في عمر تسعة اشهر، و (20%)  بعمر سنة واحدة و (30%) بعمر سنة ونصف و (10 %) بعمر سنتين .

7.           وسائل التدريب على النظافة: تحددت وسائل التدريب على النظافة بأثنتين في اجابات الأمهات هما: "القعادة" وأحتلت المرتبة الأولى بنسبة (67%) و" المرافق" وجاءت بالمرتبة الثانية بنسبة (33%).

8.           أساليب التدريب على النظافة : احتل اسلوب " تعليم الطفل بالتدريج" المرتبة الاولى وبنسبة (75%) بين الوسائل التي تستعملها الامهات في تدريب أطفالهن على النظافة، فيما توزعت النسبة المتبقية على أساليب اخرى هي : " ضربه على يديه، ضربه اينما تأتي الضربة، جر اذنه مع التهديد بالعقوبة " الصراخ بوجهه حتى يخاف وينتبه، الضرب والعطف معا".

9.           اساليب التدريب على المشي : احتلت" الحجلة" المرتبة الاولى وبنسبة (65%) بين أساليب تدريب الاطفال على المشي، تليها" المسك باليد" بنسبة (20%) ثم "الاتكاء على الاشياء " بنسبة (15%) .

10 . مكان نوم الطفل :  كان السؤال الموجه الى الامهات هو " الى أي عمر يبقى الطفل ينام ليلا" في غرفتك ؟ . وتبين أن (50%) منهن يبقينه الى عمر سنتين ثم يتم عزله في غرفة اخرى،  و( 30%) يبقينة الى ثلاث سنوات و (10 %) يبقينه الى اربع سنوات،  فيما توزعت النسبة المتبقية على أعمار اخرى هي : خمس سنوات، ست سنوات، (15) سنة و .... كل العمر.

11.الصحة والمرض : كان السؤال الموجه الى الامهات هو : " ما الأمراض التي أصابت طفلك في السنوات الخمس الأولى من عمره ؟ . وقد احتل "الزكام" المرتبة الاولى بنسبة (32%) يليه " الاسهال" بنسبة (30%) ثم " الحصبة " بنسبة (15%) و "السعال" بنسبة (13%) فا" ابو صفار" بنسبة (8%) واخيرا" "الربو" و "ذات الرئة" بنسبة (2%) .

11.أساليب العلاج : افادت (96%) من الامهات بأنهن يعتمدن أسلوب" مراجعة الطبيب واتباع الوصفة" في علاج أطفالهن من الامراض، فيما أفادت (3%) منهن بأنهن يستعملن الأدوية الشعبية (البابنك، الدبس) و (1%) يراجعن "السيد او الشيخ" عندما يمرض اطفالهن . ولقد أفادت احدى الامهات بأنها "تصبغ بركع بلون أحمر واخضر واسود، حتى ما ينجبس الطفل ويصير بيه مرض".

12.الأمراض النفسية : تضمن اداة البحث سؤالا"، ماذا كان الطفل ـ الى عمر خمس سنوات قد اصيب بمرض نفسي... فأجابت (5%) من الامهات بــ "نعم" وتحددت الامراض النفسية بكل من : الكابة، الانطواء، العزلة، قرض الاظافر، الفزة بالليل .

13.التشوهات الخلقية :ظهرت فقط أربع حالات من العوائق بين أطفال أفراد العينة، اتنتان في النطق، واحدة سمعية والأخرى بصري، في عين واحدة اثناء الولادة .وحالتان من التشوهات الخلقية، هما كساح في الساقين وظهور "بقاع" في الجلد .

14          . المشكلات السلوكية :احتل " العناد" المرتبة الاولى وبنسبة (60%) بين التصرفات السلوكية التي يقوم بها الطفل ( لحد عمر خمس سنوات ) وتسبب قلقا" او ازعاجا"للأم . يليه "الاعتداء" بنسبة (20%) ثم التبول بنسبة (10%) . وتوزعت النسبة المتبقية على كل من : الكذب، اشعال نار، تكسير اشياء، انطواء، تأتأة، تصرفات عبثية، الفاظ غير مقبوله، وضع الأصبع في الانف ثم وضعة في الفم، واللعب في اماكن قذرة .

15          . ساليب التعامل مع المشكلات : وعن أساليب التعامل مع المشكلات افادت (50%) من الأمهات بأنهن يستعملن اسلوب " التفهيم " مع أطفالهن فيما افادت (20%) منهن باستعمال اسلوب التخويف و(18%) منهن باستعمال أسلوب الضرب و(12%) باستعمال أسلوب التخويف بالجن والعفاريت .

 

16          . الحسد والاصابة بالعين : كان السؤال الذي تضمنته أداة البحث هو : "ماذا تفعلين لطفلك دفعا" للحسد، أو اذا أصيب بالعين؟ . وتصدرت قراءة القران المرتبة الاولى بنسبة (30%) تليها وبنسب متقاربة كل من : التبخير، الخرزة، السيد، الحرز، تعليق رصاصة في رقبته" . فيما افادت (20%) منهن بأنهن لا يؤمنّ بالحسد أو الاصابة بالعين .

17          . الطفل يفهم ام لا : توجهت أداة البحث بسؤال للمبحوثات ما اذا كن يعتقدن بأن الطفل بعمر سنتين يفهم ام لا،  فأجابت (80%) بأنه يفهم  و (20%) منهن بأنه لا يفهم .

18          . تفضيل الذكر أو الانثى : افادت (30%) من المبحوثات بأنهن يفضلن الولد، و (25%) يفضلن البنت و (45%) منهن لا يفرقن بين الولد والبنت .

19          . مهنة المستقبل : كان السؤال : ماذا تريدين لطفلك الولد ان يكون في المستقبل؟ . ولقد احتلت المراتب الاولى كل من : مهندس(30%)، طبيب (20%) وضابط (20%) . وتوزعت النسبة المتبقية بين كل من : أستاذ جامعي، أعمال حرة، محامي، قاضي، رجل دين، خطيب جامع، وطيار.

اما ماذا تريد الامهات للبنت ان تكون في المستقبل، فقد تصدرت مهنتا الطبيبة والمدرسة باقي المهن بنسبة (35%) على التوالي . وتوزعت النسبة المتبقية بين : ربة بيت، ة، محامية، موظفة، مترجمة، صيدلانية، واكمال دراسة، وزواج .

20 . ما يحب وما يكره في الطفل :        كان السؤال الاخير هو : ما اكثر شيء تحبينه في الاطفال، واكثر شيء يزعجك فيهم ؟ ".  ولقد تبين ان الامهات يحببن الآتي في الأطفال : الابتسامة، البراءة، الضحك، اللعب والكلام معهم، الأدب والهدوء، طريقة الكلام، النوم.... وكل شيء .

أما ما يكرهنه في الأطفال فهو : العناد، البكاء ليلا"، البكاء المتواصل، الوكاحة، الضوضاء، الكذب، التبول، النحاسة .

 

الفروق بحسب متغيري التحصيل الدراسي ومنطقة السكن.

تم تقسيم متغير التحصيل الدراسي الى ثلاثة مستويات هي :

أ‌.            المستوى الاول، وتحدد بـ (الأمية والدراسة الابتدائية) وكانت نسبته (30%) .

ب‌.          المستوى الثاني، وتحدد بـ ( الدراسة المتوسطة والاعدادية) وكانت نسبته (50%) .

ج. المستوى الثالث، وتحدد بـ( الدراسة الجامعية) وكانت نسبته (20%) .

فيما تم تصنيف متغير منطقة السكن الى نوعين هما :

أ‌.            داخل العاصمة بغداد، وكانت نسبته (82%) .

ب‌.          الأطراف او الضواحي وكانت نسبته (18%) .

وبما ان البحث استخدم التكرارات فأن المعالجة الاحصائية المناسبة كانت باستخدام مربع كاي . ونظرا" لوجود تشابهات في النتائج بين المتغيرين اعلاه في عدد من الموضوعات الخاصة بأساليب رعاية أو التنشئة، علية فأنه سيتم التطرق لها دفعة واحدة .

 

لقد كشفت المعالجة الاحصائية عن وجود فروق في الموضوعات الاتية :

1.           الرضاعة : كانت قيمة مربع كاي بين المستويين الاول والثالث في متغير التحصيل الدراسي تساوي(15,13) . وبين الساكنات في العاصمة والساكنات في ضواحيها تساوي(17,45) وكلا القيمتين ذات دلالة احصائية عند مستوى (0,05) .

وتشير هذه النتيجة الى ان الامهات من الاميات ومستوى الدراسة الابتدائية وكذلك الامهات الساكنات في الاطراف، يميلن الى استخدام الرضاعة الطبيعية، فيما تميل الامهات من مستوى الدراسة الجامعية ومن الساكنات داخل مدينة بغداد، الى استخدام الرضاعة الصناعية . ولدى الرجوع الى البيانات تبين ان اللواتي يملن (او يفضلن) الرضاعة الطبيعية هن ربات بيوت فيما اللواتي يستعملن الرضاعة الصناعية هن موظفات . وهذا يعني ان العمل الوظيفي للمرأة يكون على حساب ارضاع الطفل من ثدي أمه .

2 . اساليب التدريب على النظافة : كانت قيمة مربع كاي بين المستوى الاول للتحصيل الدراسي والمستوى الثالث تساوي (9,35) وهي ذات دلالة احصائية عند مستوى (0,05) . وتشير هذه النتائج الى ان الأمهات من مستوى الدراسة الجامعية يستعملن أسلوب " التعليم بالتدريج" في تدريب الطفل على النظافة فيما تميل الأمهات الأميات ومن مستوى الدراسة الابتدائية الى اسلوب "الضرب" اما على يدي الطفل او على خديه (واينما تأتي الضربه، أو جر اذنه) .

3. مكان نوم الطفل : تبين أن الامهات الأميات ومن مستوى الدراسة الابتدائية وكذلك اللواتي يسكن في الاطراف يسمحن للطفل بالنوم معهن في غرفهن الى عمر اربع سنوات او اكثر (11 سنة, 10 سنة , كل العمر!) . فيما تميل الامهات من مستوى الدراسة الجامعية ومن الساكنات داخل مدينة بغداد الى عزل الطفل في غرفة خاصة بعمر سنتين او ثلاث . وكانت قيمتا مربع كاي (7,05) بالنسبة لمتغير التحصيل و(6,9) بالنسبة لمتغير السكن، ولهما دلالة احصائية بمستوى (0,05) .

4. اساليب التعامل مع مشكلات الأطفال : تبين أن الامهات الاميات ومن مستوى الدراسة الابتدائية يملن الى استعمال اساليب التخويف والتهديد، والتخويف بالجن والعفاريت في تعاملهن مع المشكلات السلوكية لأطفالهن، فيما تميل الامهات من مستوى الدراسة الجامعية الى استعمال اسلوب التفهيم والتوجيه في تعاملهن مع هذه المشكلات .  وكانت قيمة مربع كاي(21) وهي ذات دلالة احصائية عند مستوى (0,05) .

5. الحسد والاصابة بالعين : تبين ان الامهات الاميات ومن مستوى الدراسة الابتدائية يعتقدن بالحسد والاصابة بالعين، وانهن يعمدن الى تعليق خرزة او تعويذة في رقبة الطفل او شعر راسه، فيما لا تؤمن الأمهات من مستوى الدراسة الجامعية بالحسد والاصابة بالعين . وكانت قيمة مربع كاي (32,5)  وهي ذات دلاله احصائية عند مستوى (0,05) .

6. مهنة المستقبل :  تبين ان الامهات الاميات ومن مستوى الدراسة الابتدائية وكذلك اللواتي يسكن في اطراف بغداد يردن لبناتهن ان يكن (معلمات او ربات بيوت) فيما تريد الامهات من مستوى الدراسة الجامعية ومن اللواتي يسكن داخل مدينة بغداد، أن تكون بناتهن في المستقبل ( طبيبات أو مهندسات) . وكانت قمتا مربع كاي (19,3) و (11,7) على التوالي، ولهما دلالة احصائية عند مستوى (0,05) .

 

• استنتاجات

1.           ان ارتفاع التحصيل الدراسي للأم يمكنها من أستعمال وسائل تنشئة أفضل مع أطفالها بالموازنة مع الأم غير المتعلمة أو من مستوى الدراسة الابتدائية . وهذا يعني ان الثقافة التربوية الاكاديمية التي تتلقاها المرأة، هي لصالح تربية الاطفال بالدرجة الاولى، وانها تشكل ضمانه أكيدة في تنشئة جيل جيد من الناحيتين السلوكية والنفسية .

ومع ذلك، فأن التحصيل الدراسي العالي قد يكون مجرد شهادة لدى بعض الأمهات، لا ينعكس في تصرف سلوكي تربوي مع الاطفال، حيث هنالك حالات من أمهات جامعيات يعتمدن اسلوب الضرب في تعاملهن مع أطفالهن الذين لديهم مشكلات سلوكية ـــ من قبيل " العناد" .

 

2.           ان التحضر ـــ  بمعنى العيش في المدينة ــ  يساعد الأم على اعتماد وسائل تنشئة أفضل مع أطفالهن ـ بالموازنة مع الامهات اللواتي يعيشن في أطراف المدينة ( القريبة من الارياف ايضا" ) ... وهذا يرتبط بعوامل متعددة من بينها توفر الفرصة أمام الفتاة التي تعيش في المدينة لمتابعة دراستها،  والاختلاط مع الشباب والشابات،  فضلا" عن الاجواء الثقافية التي توفرها المدينة، واختلاف طبيعة الحياة في كل من المدينة وأطرافها .

ومع ذلك، فقد ظهرت حالات من سكنة الأطراف كانت فيها الأمهات تمارس أساليب رعاية وتعامل مع الاطفال بشكل أفضل مقارنة ببعض الأمهات اللواتي يسكن داخل المدينة .

 

3.           تبين أن الخرافات أو المعتقدات الخاطئة في عينة البحث الحالي المؤلفة معظمها (82%) من الامهات اللواتي يسكن داخل العاصمة بغداد، كانت أقل شيوعا" مقارنة بعينة في دراسة سابقة مؤلفة من أمهات يسكن في قرية عراقية . ( صالح، 2000 ) .

ففى سبيل المثال، كانت نسبة اللواتي يضعن هلالا" من الذهب أو يعلقن (خضرمة أو خرزة زرقاء اللون ) بشعر رأس الطفل أو في رقبته، لغرض الهاء الناظرين ودفع الحسد عنه (90%) في عينة الامهات الريفات، مقابل (40%) بين الأمهات "الحضريات" اللواتي يسكن داخل المدينة .

ومع ذلك فأن هذه النسبة عالية، وقد لا تكون هذه الممارسات لدى البعض منهن اعتقادا" يؤمنّ به بقدر ما هو تقليد تعارفن عليه يمارسنه دون الايمان به .

 

4.           تنين أن نسبة لا بأس بها من الأمهات يستعملن أساليب التخويف والتهديد، والتخويف بالجن والعفاريت في تعاملهن مع المشكلات السلوكية لاطفالهن . وان من شأن أسلوب التخويف هذا جعل الطفل في حالة من القلق والتوتر والشعور بعدم الأمان الذي قد يلازمه في مرحلة الرشد . بل أن بعض الباحثين يرى ان هذا يؤدي في نهاية الأمر الى " شلل كامل في بنية الطفل الذهنية والعقلية" ( وطفة، 2000، ص33 ) .

فيما يذهب اخرون الى أن التخويف بالأب والحيوانات والجن والعصا، تنمي في الطفل الالتواء والازدواجية والاعتماد على الكبار، وتكون العصا والاب والحيوان والشيطان أدوات قمع للطفل ومثيرات للرعب تؤدي في النهاية الى قتل روح النقد والابداع وأغتيال الحرية في نفوس الناشئة . (زيعور،1987، ص56 ) . وان التسلط"يؤدي الى حالة من ضعف الثقة بالنفس وفقدان القدرة على مممارسة الأدوار الايجابية وميل كبير الى الخضوع والاستكانة لكل أشكال السلطة،  ومن ثم فقدان المبادرة الذاتية والعمل التلقائي (رمضان، 1990، ص68 ) . وينوه اخرون الى ان النزعة السلطوية القهرية" تنتهي في الغالب الى ايجاد انسان خانع يتجنب القهر والقوة والأذى عن خبث احيانا"، وعن أحساس بالضعف أحيانا" أخرى، وهو بالتالي لا يعترض بل ينتقم عندما تسنح له الفرصة بأسلوب المراوغة". (رضا  وشرابي،1984، ص83) .

 

5.           تبين ان الغالبية المطلقة من الامهات (99،5%) في عينة البحث الحالي يستعملن التقميط لفوائد صحية يرينها فيه تتعلق ببنية الجسم وسلامته . والواقع أن كاتب هذا البحث لا يمتلك معلومات من دراسات صحية تفيد ما اذا كان التقميط مفيدا" أو مضرا" لبنية الجسم . غير انه توجد أشارات تفيد بأنه يمكن أن يؤثر سلبا" في الجانب النفسي للطفل، تناصر أو تستند على رأي روسو في توكيده على الارتباط الشامل بين الحرية والطبيعة الانسانية الخيرة حين يقول : " لنؤمن ايمانا" لا مرية فيه ان الحركات الاولى للطبيعة تكون دوما" قوية رشيقة وما من فساد أصيل في القلب البشري"... ويضيف مهاجما" القيم السائدة في عصره بأن " الانسان المتمدن يولد ويعيش ويموت في حالة عبودية، اذ يوضع في قماط عندما يولد ويزج في كفن عندما يموت، ويقيد باغلال الحياة الاجتماعية أثناء حياته" ( في : وطفة، 2000، ص147) .

 

أن غالبية الأمهات، على اختلاف مجتمعاتهن الحضارية، يعمدن الى تقميط الطفل الوليد، والاختلاف بينهن يكون في طريقة هذا التقميط وطول مدته .

فالأم الأوربية تقمط طفلها ولكن بوضعه في "لفة" ولمدة لاتزيد عن أشهر معدودة من بدء ولادته . أما الأم العراقية، لاسيما الريفية، فأنها تستعمل "سفيفة" بطول متر ونصف تقريبا"، وبعرض ثلاثة سنتمترات، وتكون مصنوعة من صوف أو قماش قوي مخاط بصورة جيدة . وتجري عملية التقميط بأن تمسك الأم "السفيفة" بين اصابع قدميها، ثم تضع فوقه قطعة القماش التي تلف بها الطفل، وتضع قطعة قماش أخرى صغيرة تحت مقعد "الطفل" ثم تضع الطفل على رجليها وتلفه بقطعة القماش من اعلى صدره الى نهاية قدميه لفا" محكما"،  من اعلى الصدر واليدين الى نهاية القدمين . وتعتقد الأم أن احكام عملية التقميط تزيد من قوة الطفل ومتانة عظامه وأستقامتها (صالح، 2000، ص 194 ) . وقد تستمر فترة التقميط سنة كاملة، على ان "احكام" عملية التقميط أصبحت أخف بين الأمهات العراقيات الحضريات وأقصر مدة أيضا".

 

ومع أنه يصعب اعطاء رأي علمي (بدراسة منهجية طولية) عن الآثار النفسية السلبية للتقميط، فأن القائلين بها يميلون الى تضخيمها . ولو كان هذا صحيحا" اذا لكانت الاجيال من العراقيين ــ والعرب أيضا" ــ تعاني نفسيا" من اثار التقميط، لأننا جميعا" خبرنا التقميط في طفولتنا بأيدي أمهاتنا الطيبات .

 

• التوصيات :

1.           العودة الى تطبيق التعليم الألزامي، كونه الوسيلة المؤثرة والفعالة في ضمان حصول المجتمع على أمهات متعلمات .

2.           توظيف نتائج هذا البحث ونتائج الدراسات المماثلة في برامج الاذاعة والتلفاز والجرائد والمجلات، لاسيما، تلك المعنية بشؤون المرأة .

 

• المقترحات :

اجراء دراسات مماثلة على عينات من مراكز المحافظات وأريافها .

 

* المصادر:

1.           اسماعيل، محمد عماد الدين (1986) . الاطفال مرآة المجتمع : النمو الاجتماعي للطفل في سنواته التكوينية . الكويت، سلسلة عالم المعرفة (99) .

2.           بركات، حليم (2000) . المجتمع العربي في القرن العشرين . مركز دراسات الوحدة العربية بيروت .

3.           الحمزاوي، حسناء (1995) . مقارنة نفسية للرباط الوجداني بين الابوين والبنات والبنين في رحاب الاسرة . تونس، جامعة تونس .

4.           رمضان، كافيه (1990) . انماط التنشئة الاسرية في المجتمع العربي . حولية كلية التربية، جامعة قطر.

5.           رضا محمد جواد، وشرابي،هشام (1984) . التنشئة العائلية وأثرها في شخصية الطفل . الجمعية الكويتية، الكويت .

6.           زيعور، علي (1987) . التحليل النفسي للذات العربية : أنماطها السلوكية والاسطورية . بيروت، دار الطليعة، الطبعة الرابعة .

7.           صالح، قاسم حسين (2000 ) . أساليب تنشئة الامهات لاطفالهن في قرية عراقية - بحث ميداني . مجلة العلوم التربوية والنفسية، العدد (38)، كانون الاول.

8.           فان دالين، ديولدب(1969 ) . مناهج البحث في التربية وعلم النفس . ترجمة محمد نبيل نوفل .

9.           معروف، امل عواد (1972 ) . اثر بعض العوامل الاجتماعية الاقتصادية في تنشئة الاطفال من الميلاد حتى الخامسة ببغداد وأريافها . كلية الاداب ــ جامعة بغداد (رسالة ماجستير غير منشورة) .

10.         وطفة، على السعد (2000 ). بنية السلطة واشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي.      مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

11.         ياسين، بو علي (1994) . على دروب الثقافة الديمقراطية . سلسلة دراسات معاصرة   (1)، دمشق، دار صوران .

 

 

الحزن المرضي ... والشخصية العراقية(*)

 

الحزن ( Grief ) من أقدم الأنفعالات والمشاعر التي رافقت الحياة الأنسانية . ففي قصة تكوين الخلق، أغوى الشيطان حواء وآدم ليأكلا من ثمار الشجرة المحرمة، فأمرهما الله سبحانه بالخروج من الجنة، فتملكهما حزن شديد على ما حلّ بهما .

ويذكر لنا التاريخ أمثلة كثيرة مشابهة عن حالات حزن عميقة أنهكت اصحابها وجعلتهم في حيرة فلسفية أمام مآسي الحياة من بينها : حزن جلجامش على موت صديقه أنكيدو، وحزن النبي  نوح  على غرق ابنه، وحزن النبي  يعقوب  على ولده يوسف، وحزن الخنساء على موت اخوتها . والأمثلة في ميدان الأدب لا تقل أهمية وعمقا وانفعالا، سواء في الدراما الأغريقية والشكسيبرية، أو في الروايات والقصص الأنسانية، أو في أشعار قيس ليلى والمتنبي والمعري والسياب .

غير أن الحزن يتخذ صفة أكثر تحديدا من الناحية المفاهيمية، اذ يعدّ انفعالا وعاطفة بشرية تنتاب معظم الناس في المجتمعات كافة حين يتعرضون الى أزمة أو فاجعة كفقدان شخص عزيز أو صدمة نفسية تسبب معاناة ذاتية، أو الشعور بمعاناة الآخرين حين تصيبهم الكوارث لاسيما الزلازل أو الأعاصير المدمرة، او خسران لأشياء لها قيمة مادية كبيرة أو اعتبارية أو اجتماعية مهمة .

سنركز في هذا الموضوع على الحزن الناجم عن فقدان الفرد لأحبائه، بوصفه الحزن الأكثر تغلغلا في النسيج العراقي، والأكثر شيوعا في مآتمنا وحتى في أغانينا، نبدءه برؤية نظرية سيكولوجية للحزن، ثم في بحث ميداني لعيانات عراقية .

التشريح النفسي للحزن

يصنف الحزن واحدا من الأنفعالات الرئيسة في الحياة الأنسانية . والأنفعال  Emotion – بتشريح سيكولوجي – احساس أو مشاعر أو وجدان ينجم عن تفاعل عوامل متعددة أبرزها ستة،هي :

• التقويم المعرفي Cognitive appraisal . ويعني تفسير الفرد للحدث المسبب للحزن، وتقديره للمعني الشخصي المتعلق بالحدث، ولحالته الراهنة التي هو فيها .

• الخبرة الذاتية Subjective appraisal  . وتعني الحالة الوجدانية ونوعية الأحاسيس التي تلوّن الخبرة الشخصية للفرد .

• التوجهات التي تحكم الفكر والفعل . Thought and action tendencies. وتعني الحاحات الفكر او الفعل للتصرف بطريقة معينة .

• التغيرات الجسمية الداخلية .Internal bodily changes . وتعني الأستجابات الفسيولوجية وبخاصة المتعلقة بالجهاز العصبي الذاتي من قبيل، تسارع نبضات القلب وزيادة النشاط الغدّي .

• تعابير الوجه . Self expression. وتعني ما يطرأ على الشفتيا والعينين وبشرة الوجه من تغيرات .

• الأستجابة للأنفعال . Responses to emotion. وتعني كيف ينظم الفرد ويتعامل مع انعالاته في المواقف التي تقدح زنادها .

والأنفعال، بوصفه حالة داخلية، تقرره – بدرجة أكبر – طبيعة الحياة النفسية والمزاجية للفرد، وسماته الشخصية، وتجاربه الحياتية عبر الزمن الذي عاشه، ووجود أو انعدام تجارب مماثلة عن الوفاة كانت قد مرّت به، ودرجة الصلة التي تربطه بالمتوفى، والأهمية الرمزية للوفاة  لديه وتفسيره لها، وما يتوقع أن ينجم عنها في المجالين الأسري والأجتماعي .

أما الأنفعال بوصفه حالة ظاهرية، فأن ما يقرره الى حد بعيد هو الواقع الأجتماعي والثقافي الذي يعيش فيه الفرد . وما يحدده من تقاليد وطقوس حدادية متنوعة . فبالرغم من أن الكثير من مظاهر الأنفعالات تكون متشابهة عبر الحضارات المختلفة، لأسباب بيولوجية، فأن الكثير منها ايضا يكون التعبير عنها مختلفا، لأسباب تتعلق بأن كل حضارة أو ثقافة تضع معايير بشأن متى واين وكيف ينبغي التعبير عن الأنفعال .

ولا يحدث الحزن دفعة واحدة انما على مراحل . ففي المرحلة الأولى يشعر الفرد بعدم واقعية الحدث ( الوفاة )، ويصعب عليه قبول هذا الفقدان، فيوجه غضبه نحو أناس آخرين يعتقد بأنهم كانوا قادرين على منع حدوث الوفاة لكنهم لم يفعلوا ذلك . وينتابه في هذه المرحلة احساس بالخدر يستمر لدقائق أو ساعات .  بعدها يتحول الى المرحلة الثانية، وفيها يشعر الأنسان المفجوع بالفقدان بالأنزعاج، ويواجه صعوبات في التركيز، وتضعف شهيته للطعام أو يفقدها تماما، ويعاني من اضطرابات في النوم من قبيل الأرق أو النوم المتقطع، المصحوب بأحلام مزعجة أو كوابيس  يصحو منها مفزوعا أو هائجا. وبعدها تأتي المرحلة الثالثة التي يمكن تسميتها بمرحلة القبول، وفيها تنحسر تلك الأعراض تدريجيا، ويبدأ الشخص المفجوع يدرك أن الحدث ( الوفاة ) أمر واقع فيتكيف لقبول الخسارة ويعود بالنهاية الى حالته الطبيعية .

وتتباين الأراء بخصوص مدة الحزن، فمن الباحثين من يحددها بأربعة الى ستة أسابيع، ومنهم من يقدرها بـ ( 6-12 ) أسبوعا، تنخفض بعدها الأعراض ويعود الشخص المفجوع الى وضعه الطبيعي، وهذا ما يحصل لدى غالبية الناس، ويطلق عليه في هذه الحالة ( الحزن الطبيعي ) وهي حالة انسانية لدى البشر عموما، ولا تعد اضطرابا نفسيا .

 

متى يصبح الحزن مرضيا ؟

يتفق معظم الأختصاصيين في الأضطرابات النفسية على أن أعراض الحزن اذا استمرت أكثر من ستة أشهر عندها يصبح الحزن اضطرابا ويعدّ حزنا مرضيا ( Pathological Grief ) . وتشير الدراسات الى وجود عوامل تؤدي دورا مهما في حدوث مضاعفات في الحزن تحوله من حالته الطبيعية الى حالة مرضية . ويمكن تحديد هذه العوامل من خلال الاجابة عن الأسئلة الآتية :

• ما المرحلة العمرية للفرد الذي فقد عزيزا عليه ؟

• هل توجد في حياة الفرد وفيات سابقة لأقرباء أو اعزاء ؟ وما الوسيلة أو الآلية التي تعامل بها مع تلك الأحداث ؟

• ما درجة القرابة مع الفقيد ( زوج / زوجة / أخ / أب / أم / أبن ...) ؟

• ما هي مشاعره نحو الفقيد ؟ وهل يحمل نحوه مشاعر وجدانية متناقضة...حب وكره في آن معا ؟

• عند حصول الوفاة، هل كان جميع أفراد الأسرة أو الأقارب موجودين ؟

• هل كانت الوفاة متوقعة أم غير متوقعة ؟

• ما حجم الفراغ  الأجتماعي والعاطفي الذي تركه الفقيد ؟ وهل حدث تدهور اقتصادي تزامن مع الوفاة ؟.

ان الأجابة عن هذه الأسئلة تقدم مؤشرات عن مضاعفات يمكن أن تسهم في حصول الحزن المرضي . فالوفاة غير المتوقعة، في سبيل المثال، تحدث تأثيرا انفعاليا أقوى من الوفاة المتوقعة .

 

تداعيات الحزن المرضي

تحدث تغيرات بيولوجية سلبية عند الأصابة بالحزن المرضي تكون على ثلاثة مستويات :

تغيرات في افراز الغدد الصم، وتغيرات في نشاط  مناعة الجسم، وتغيرات في نظام النوم .

أما على المستوى النفسي المباشر، فتشير الدراسات الحديثة الى أن المصابين بالحزن المرضي تظهر لديهم اضطرابات مصاحبة من قبيل  : الاكتئاب،   والوسواس القهري، والتحول الهستيري، وتوهم المرض، والنحول العصبي . وتظهر في بعض الحالات الأوهام والهلاوس السمعية والبصرية عندما يتركز تفكير اصحابها على ذكرياتهم مع الفقيد، فتغدو حية في مخيلاتهم . وقد يستعيدون مشاهد منها في اثناء نومهم أو في أحلامهم . كما يتوهمون احيانا رؤية الفقيد أو المتوفى موجودا في البيت أو في الشارع، أو يسمعون صوت خطواته، أو ينادونه باسمه . وتذكر بحوث أخرى أن عددا من المصابين بالحزن المرضي تظهر لديهم اضطرابات سلوكية كالرغبة في الأنتحار أو التجوال الليلي أو الفزع أو الخمول في النشاط اليومي . فيما يقوم آخرون ببناء أضرحة كبيرة للمتوفي ووضع حاجاته فيها كما لو كان حيا، ويكثرون من زيارة هذه الأضرحة . فيما يعتري سلوك آخرين نكوص يعود بهم الى مرحلة الطفولة، فيتصرف الواحد منهم في حديثه وسلوكه كما لو كان طفلا . هذا فضلا عما ينجم عن سلوك المصابين بالحزن المرضي من مشكلات أسرية واجتماعية وتقصير في الالتزامات الحياتية والعاطفية والمهنية قد تؤدي الى نفور الأسرة  وفقدان الوظيفة وابتعاد الناس عنهم .

 

الحزن المرضي في السيكولوجيا العراقية

في ضوء ما توافر من معرفة فقد تنبهت المجتمعات المتقدمة الى ان الحزن المرضي ينبغي أن يولى من الأهتمام ما تحظى به الاضطرابات النفسية الأخرى، سواء من حيث البحث العلمي أو التشخيص أو العلاج . وأذا كان علماء النفسيهتمون بدراسة الحزن في المجتمعات المستقرة، فأن دراسته في مجتمعنا العراقي تعدّ ضرورة ملحّة على الصعيدين الأنساني والعلمي . ذلك أنه ينفرد عن المجتمعات المعاصرة في أنه تعرض لثلاث حروب طاحنة خلال أقل من ربع قرن، بدءا من الحرب العراقية الأيرانية عام 1980، مرورا بحرب الكويت عام 1991، فالحرب الأخيرة عام 2003، ثم حروب العنف والأرهاب ومقاومة الاحتلال، فضلا على ثلاث عشرة سنة من الحصار تخللها اهيار النظام الصحي وعودة المراض الوبائية، والموجات المتلاحقة من القصف بالصواريخ والطائرات الحربية، وما نجم عن ذلك من الاف القتلى والضحايا في ساحات المعارك وفي البيوت والأماكن العامة، وهجرة الآف من الأحبة . يضاف لها ما حصل في الاعوام الثلاثة الأخيرة من العنف وحوادث الخطف والذبح وهتك الأعراض واغتصاب العذارى ... والتفجيرات اليومية التي طالت ارواح عشرات الالآف من المدنيين، وحرب المدن التي شنتها القوات الأمريكية ...

هذا يعني أن الحزن كان رفيقا يوميا للأنسان العراقي طوال ربع قرن من تاريخه الدموي المعاصر، مما يستدعي التعرف ميدانيا ما اذا كان هذا الحزن قد تحول الى حالة مرضية أم أنه ما يزال ضمن دائرة العاطفة الأنسانية الطبيعية . وعليه قمنا بتصميم  ( مقياس تفسي ) يقيس درجة الحزن، وجرى تطبيقه على عينة واسعة من المواطنين العراقيين ممن فقدوا أناسا أعزاء عليهم ومضى على وفاتهم ستة أشهر فأكثر . وقد شملت العينة أفرادا من الجنسين، من مراجعي المستشفيات والعيادات الطبية النفسية،وأشخاصا آخرين تمت مراجعتهم في بيوتهم . وبعد تحليل البيانات تم الوصول الى النتائج الاتية :

• تعاني عينة الدراسة ( في مجملها ) من الحزن المرضي .

• الأفراد ( من الجنسين ) ممن خبروا فقدان عزيز عليهم منذ أقل من سنة، كانوا أكثر اصابة بالحزن المرضي من أقرانهم الذين مضى على وفاة فقيدهم أكثر من سنة .

• الاناث اللاتي خبرن وفاة فقيدهن الذي مضى عليه أقل من سنة، كن أكثر حزنا من الذكور للمدة نفسها .

• تبين أن أفراد عينة البحث الذين خبروا وفاة الفقيد بطريقة غير متوقعة، كانوا أكثر اصابة بالحزن المرضي من أقرانهم الذين كانوا يتوقعون الوفاة .

• وتبين أن الأفراد ذوي الصلة بالفقيد من الدرجة الأولى، كانوا أكثر اصابة بالحزن المرضي من الأفراد ذوي الصلة من الدرجة الثانية أو اكثر .

 

استشراف

ان هذه المؤشرات المأخوذة من واقع  الحياة الأجتماعية للعراقيين، مضافا لها ما نلمسه يوميا من مشاهد الحزن والأسى والقنوط العميقة المرتسمة (بهذه الدرجة أو تلك ) على وجوه العراقيين في حياتهم الخاصة والعامة، وهم يشهدون فقدان واندثار ما أحبوه من اشخاص ورموز وأماكن وذكريات، يجعلنا نجازف بالقول أن ( الحزن المرضي ) أمسى سمة ( نفستأريخية ) تلوّن أو تغلّف ملامح هذه الحقبة العصيبة من مسيرة التطور الأجتماعي في العراق  . وبالرغم من أن هذا الحزن صار يعجن أيام وليالي العراقيين بالحسرة والألم واليأس، الا أن دافعية النمو والبحث المتجدد عن البدائل  هي  الأخرى سمة مميزة في الشخصية العراقية المعاصرة، مما قد يجعل حزنها المرضي هذا اضطرابا عارضا وقابلا للشفاء التدريجي، اذا تزامن ذلك مع النوايا الصادقة والعمل الحقيقي على القضاء أو التخفيف من العوامل المسببة لهذا النوع المرضي من الحزن .

 

العراقيون .. والتباهي بالحزن

من الشائع لدى البشر في كل المجتمعات أنهم يتباهون بما لديهم من مال وحلال أو جمال أو مكانة أو أولاد ... الا العراقيون فأنهم على ما أرى ( المؤلف ) مغرمون أو مهوسون بالتباهي بالهموم والأحزان . لاحظ ذلك في نفسك أو بين أصدقائك . فما أن يبدأ  احدهم بالشكوى من

همّ أو ضيق حتى يبادره الآخر، بل يقاطعه قائلا : (يأخي  انت زين ..لكن لو تشوف آني ..) ويروح مسترسلا يروي بألم أكثر ما حلّ به، وبدراما تصور للمقابل وكأن مصائب الدنيا وقعت كلها فوق رأسه !.

وفي ( الدارمي ) وهو أبلغ ألوان الشعر الشعبي، وراوية الحزن العراقي، حكاية تفي بأيصال المعنى، مفادها : أن امرأة ذهبت الى صديقتها تشكو حالها، فقالت لها :

( ما تدري  بيّ  الناس      العلّة خفية

بالكلب سبع أزروف    ويلاه يخيه )

أي   : ان الناس لها الظاهر ولا تدري ياأخيتي بأن الهموم قد أحدثت سبعة ثقوب في قلبي .

وكان المفروض بصديقتها أن تواسيها وتهون عليها الأمور . لكنها أجابتها بالدارمي ايضا :

( نيالك  بدنياك         بس سبعة ازروف

الكلب منخل صار     بيه العمى يشوف )

أي : سعيدة انت بدنياك اذا كان في قلبك سبعة ثقوب فقط، فأنا قلبي  صار منخلا يرى من خلاله حتى الأعمى ! .

ولهذه الحالة ( التباهي بالحزن )أسبابها النفسية . فالعراق يكاد يكون البلد الأكثر تعرضا للكوارث والحروب والفواجع والمحن .. بدءا من الطوفان وصولا الى ما هو عليه الآن . وأظن أن أول تراجيديا في العالم كانت في العراق .. أعني تراجيديا جلجامش وأنكيدو . واظن ايضا أن اقسى تراجيديا كانت على أرضه.. أعني أحداث واقعة كربلاء . ومنذ ذلك التاريخ ( 61هج ) وألى الآن حكمت العراق أربعة أنظمة  ( الأموي والعباسي والعثماني والبعث ) كانت قاسية جدا في ظلمها للناس وبطشها بالخصوم . حتى أنه مرت أزمان على العراقيين ما خلا فيها بيت من كارثة . والأقسى أن السلطة كانت تمنع أهل من تنهي حياته أن تقيم مجلس عزاء لفقيدها . وهذا يعني في فعله النفسي اشراط أو اقتران الحزن بالظلم والقسوة الذي يؤدي الى تكثيف التعبير عن الحزن بانفعال أشد.

وثمة مسألتين  نفستين  نوجزهما بالآتي :

ان المكّون السلوكي للأنفعالات يكون أما شفويا ..كلام، واما بلغة الجسد ..اشارة ..حركة. ويتفق علماء النفس على أن لغة الجسد تكون أصدق أحيانا من لغة الكلام، وأن تعابير الوجه هي الأكثر تعبيرا عن الحزن من اللسان . ويطرح آخرون فرضية اسمها ( التغذية الراجعة لتعبير الوجه ) مفادها أن عضلات الوجه وارتعاش الشفتين وسيلان الدموع علىالخدود، أو مشهد العينين وهما تبكيان بصمت ...ترسل اشارات الى أكثر من مركز في الدماغ  تعمل على تنشيط الجهاز العصبي الخاص بالأنفعالات ( الهيبوثلاموس، الأمجدالا،... ) يؤدي بدوره الى  تصعيد الأنفعال لدى أطراف الحدث المشاركين في المشهد .

ومع أن تعابير الوجه عن الحزن تكاد تكون متشابهة عند خلق الله، الا أن الملاحظ على العراقيين أنهم يضخمون أو يبالغون في التعبير عنها . وهذا ناجم في واحد من أسبابه النفسية عن هول ما أصابهم من فواجع ومحن وكوارث عبر أكثر من ألف سنة ..جرى التعبير عنها بمشاركة وجدانية اقتضى الحال أن تكون بمستوى الفجيعة. ثم تحول هذا التعبير، عبرتكرار الفواجع وما صاحبها من تعزيز، الى تقليد، حتى صار من غير اللائق اجتماعيا أن يكون الأنفعال هادئا أو باردا في مواساة من كان انفعاله ملتهبا .

ولأن الفجيعة كانت بين العراقيين مثل كرة السلة، فأن العراقي كان يشارك بانفعال حار أخاه المفجوع، ليس من جانب أنساني فقط، انما ايضا – وهذا أهم – لأن الفجيعة ستحل بالآخر يوم ما، وعلى المقابل أن يردّ الفضل ساعتها . والغالب عند العراقيين أنهم يردون الفضل بأحسن منه . فأن كان الفضل بكاء ساعة مثلا، فأن ردّ الفضل يكون بكاء ساعتين وأن أمكن فبأكثر !. والمثل يقول ( دين بدين حتى دموع العين ) .

والشائع عن النساء في كل المجتمعات أنهن عاطفيات، يعبرّن عن انفعالاتهن بشكل أشد وأعمق، حتى صارت العواطف مرادفة لـ ( الأنوثة )، وتحديدا الأنفعالات الرقيقة والحزن في مقدمها . فيما الأنفعالات الخشنة مرادفة لـ ( الرجولة ) والغضب في مقدمها. ولو تمعنا في العواطف الرقيقة ( الأنثوية ) لوجدنا أنها مقتصرة على ما يمكن تسميته بـ ( الأنفعالات العاجزة ) من قبيل : الحزن والقلق والخوف، وهي انفعالات تعمل على أن تجعل الفرد يبدو ضعيفا وعاجزا . والمسألة النفسية هنا، هي أن الأنسان يتعاطف أكثر مع الأنسان الضعيف العاجز، وأن هذا العاجز تدرب على تجسيد انفعال الحزن، بفعل تكراره، فصار ماهرا في تمثيل دوره، فكيف اذا كان هذا الأنسان هو المرأة !.

ولأن الحزن في المجتمع العراقي كان بحجم فواجعهم، فأنه اختار المرأة لتكون بطلته . ولقد أجادت و (أبدعت ) في تجسيد هذا الدور بدراما تراجيدية . فكما في المسرحية التراجيدية، فأن في مأتم الحزن النسائي العراقي أكثر من جوقة، تتصدرها جوقة النائحات اللاتي يجدن الصراخ والعويل، وجوقة اللاطمات على الخدود، وجوقة ناثرات الشعر وشاقات الصدور ...، تقودهن قائدة أوركسترا المأتم – ( الملاّيه )- في ايقاع يجمع هذه الجوقات ويوحدهّن في مباراة بينهن، في أيهما تجيد دور التعبير عن انفعال الحزن، وأيهما كان لها التأثير الأكبر بين الحاضرات المشهد .

وبعد أن تعلن قائدة الأوركسترا  - ( الملاّيه ) - عن فترة استراحة، فأنه يتم فيها تقويم للمشاركات على وفق معايير ( موضوعية ) من بينها :شدة احمرار الوجه، ولا بأس اذا كان مخرمشا بالأظافر، أوسيلان الدم على الخدود، أو تقطيع شعر الرأس، أو تمزيق الملابس، أو شدة بحة الصوت، أو من كانت قد أغمي عليها صدقا أو هستيريا .... وتحظى الفائزة منهن بالأهتمام والتعاطف والاطراء والمديح على وفائها وطيبتها وصدق مشاعرها .

والغريب عند العراقيين، والمرأة بشكل خاص، أنهم ماضون بالتباهي في التعبير عن أحزانهم  وطول حدادهم، بالرغم من أنهم جزعوا منها، وفي أعماق كل واحد منهم صرخة تصيح :

أما لهذه الأحزان من آخر !! .