الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

4  شــبــاط 2007

ابحث في كتابات

 

قصة أشهر مجلة تبشيرية

 

كتابات - اورخان محمد علي

 

نتناول في هذه المقالة بإيجاز قصة أشهر مجلة تبشيرية مسيحية وهي مجلة ( العالم الإسلامي The Muslim World)، والمراحل المختلفة التي مرت بها، والتحولات التي طرأت عليها وعلى سياستها ومنهجها.

  قبل مائة عام تقريبا كان المسلمون يعيشون سنوات حالكات، فقد وقع ثلثا أراضي المسلمين في أيدي المستعمرين فإندنوسيا( وهي أكبر البلدان الإسلامية نفوسا) كانت محتلة من قبل هولندة (التي كان نفوسها يزيد بقليل على المليون نسمة)، وكانت الهند ( التي كانت تضم آنذاك باكستان وبنغلاديش) تحت الاستعمار البريطاني، وكان المسلمون في شمالي أفريقيا يرزحون تحت الاستعمار الفرنسي، كما وقعت أفغانستان وإيران تحت الاحتلال البريطاني. أما الدولة العثمانية فكانت تعيش – بعد وصول جمعية الاتحاد والترقي إلى الحكم – مرحلة السقوط والانهيار، حتى أن أربع دول بلقانية صغيرة – بتحريض من الدول الأوروبية الكبرى وعون منها- اتحدت وأعلنت الحرب عليها بشكل فجائي وانتصرت وقطعت أجزاء منها. أما مسلمو آسيا الوسطى فقد انحشروا بين عملاقين : بين الصين وروسيا.

في هذه السنوات الحالكات التي انتشر فيها اليأس والقنوط بين المسلمين كان الغرب يراقب هذه التطورات بفرح كبير وبسعادة غامرة...لقد آن الأوان للانتقام من هؤلاء المسلمين الذين شكلوا أكبر تحد للغرب منذ ظهور الإسلام. لقد تقهقروا أمام المسلمين في الشام وفي مصر والمغرب وفي آسيا الوسطى وفي إسبانيا وبلاد البلقان حتى وصل المسلمون إلى أسوار فينّا، وخرجوا خاسرين من جميع الحروب الصليبية التي شنوها عليهم سواء في فلسطين أو في آسيا الوسطى ضد الدولة العثمانية.

كان من الضروري إصدار مجلة تسجل انتصارات الغرب المتوقعة في الساحة الدينية كذلك وذلك بتقديم نشاطات المبشرين ونجاحهم المرتقب في تنصير المسلمين، لأنهم اعتقدوا جازمين بأن جو التقهقر والهزيمة واليأس الذي أحاط بالمسلمين، وجو السيطرة العسكرية والإدارية على بلدان المسلمين سيسهل مهمة المبشرين، ويفتح أمامهم آفاقا رحبة لتحويل المسلمين إلى دين الغالبين ...إلى دين الغرب المنتصر والمتحضر، ولن تستطيع هذه المجتمعات الإسلامية الجاهلة الصمود طويلا في الساحة المعنوية مثلما لم يستطيعوا الصمود في الساحة المادية والعسكرية.

صدر العدد الأول من مجلة (العالم الإسلامي The Moslem World) في الشهر الأول من عام 1911م. كان رئيس التحرير فيها أحد الأسماء اللامعة في ميدان التبشير وهو " صموئيل م. زويمر" الذي نذر نفسه للتبشير في العالم العربي. ونجد تلخيصا لأهداف المجلة في العبارة الآتية التي وضعت تحت اسم المجلة مباشرة: " مجلة فصلية أدبية وفكرية تعرض نجاح المبشرين المسيحيين في العالم الإسلامي وحوادث وأخبار المحمديين".من هذا الاسم والعنوان يدرك الإنسان الموقف غير الموضوعي لهذه المجلة من المسلمين فهي تستعمل كلمة Moslem بدلا من Muslim، وتستعمل كلمة " المحمديين" بدلا من "المسلمين"، فالمسلمون لا ينتسبون إلى الرسول محمد (ص) مثلما ينسب المسيحيون إلى المسيح (ع) بعد أن قاموا بتأليهه. فمثل هذا التأليه غير موجود في الدين الإسلامي الذي يتميز بطابع التوحيد الخالص. ثم ما الداعي للعجلة والقول بأنها ستعرض " نجاح المبشرين المسيحيين في بلاد الإسلام"؟ ومن أين لها أن تعلم بأن نشاط المبشرين سيتكلل بالنجاح هناك؟.

أظهرت المقالة الافتتاحية للعدد الأول الطابع التبشيري للمجلة، فالمقالة تتساءل أولا:

" أكانت هناك حاجة إلى إصدار مثل هذه المجلة حول العالم الإسلامي في الوقت الذي توجد هناك مجلات أخرى حول هذا الموضوع مثل المجلة الفرنسية  Revuedo Monde Musluman( بدأت بالصدور عام 1900م) والمجلة الألمانية Der Islam( بدأت بالصدور عام 1903)، وكذلك مع وجود دائرة المعارف الإسلامية Encyclopadia of Islam ؟". وتجيب المقالة بالإيجاب على هذا السؤال لأنها ترى أن الطابع الغالب على هاتين المجلتين وعلى دائرة المعارف الإسلامية طابع أكاديمي، وهي لا تهتم كثيرا بالتبشير، ولا تستطيع حل " المشكلة الإسلامية!!" أو " مشكلة المسلمين !!". وهذه المجلة ترى أن أنه ما من حل لهذه المشكلة إلا القيام بتنصير المسلمين، بينما لا تستطيع تلك المجلتان الفرنسية والألمانية ولا دائرة المعارف الإسلامية القيام بهذه المهمة الكبيرة، لذا أخذت هذه المجلة على عاتقها تنفيذ هذه المهمة، وأداء هذه الوظيفة.

إذن فقد صدرت هذه المجلة لهذه الغاية وللوصول إلى هذا الهدف، وهو تنصير المسلمين، لأنه دون تحقيق هذا الهدف فلا علاج لما سمته بـ" المشكلة الإسلامية!!" حسب رأيها ، فما دام المسلمون باقين على دينهم فهناك مشكلة، ويجب حلها.

ولم يخل هذا العدد من مقالات أكاديمية والحق يقال، ولكن أهم ما ورد فيها تفاصيل دقيقة عن مؤتمرين تبشيريين عقدا عام 1910م في ألمانيا وإنكلترا. كما نطالع في هذا العدد مقالة تقول بأن جميع الشروط والظروف أصبحت الآن مواتية لتنصير العالم الإسلامي. ولكنها تتعجب أشد العجب أمام ظاهرة لا تستطيع تفسيرها وهي ظاهرة انتشار الإسلام في قارة أفريقيا مع وجود جميع عوامل الضعف والانهيار في البلدان الإسلامية. ولكن المقالة تستمر فتقول بأن هدف المسيحيين لا يقتصر على إيقاف انتشار الإسلام في أفريقيا، لأن الهدف المرسوم أكبر من هذا بكثير وهو القيام بكسب قلوب المسلمين وتنصيرهم، ولن يتم هذا إلا بهز قواعد الإسلام في شمالي أفريقيا ولا سيما في المغرب وفي مصر حتى يتم انهيارها. كما توقعت المقالة هجوم الإسلام على المسيحية التي ستنتشر في أفريقيا.

ولكن كيف يمكن تنصير المسلمين؟...وماذا تقترح المجلة من طرق واقتراحات ليتم هذا التنصير؟

أهم الاقتراحات التي تقدمت بها المجلة هي:

1-           تدجين الإسلام.

2-           تحديث الإسلام.

3-           تهيئة قائمة بأسماء المسلمين الذين تنصروا،والاستفادة منها في شن حملة نفسية منظمة على المسلمين.

4-           فتح المدارس والمستشفيات في البلدان الإسلامية والاستعانة بها في كسب عقول وقلوب المسلمين.

كما نقرأ في هذا العدد الدعاء الذي كتبه رئيس أساقفة دورهايم من أجل المبشرين المسيحيين العاملين في العالم الإسلامي...يدعو من الله أن يهدي المسلمين – الذين أعمت الخطايا أعينهم كما يزعم- إلى المسيحية.

إذن فهدف هذه المجلة كان واضحا منذ صدور العدد الأول منها...إما تنصير المسلمين بشكل مباشر، أو تحويل الإسلام في الأقل إلى دين يشبه النصرانية.

في العدد الثاني نرى النهج نفسه في جميع المقالات. ولكن المقالة الافتتاحية تجلب النظر بشكل خاص، فهي تذكر جميع الأديان الأخرى غير المسيحية، ولكنها تميز الإسلام عن باقي الأديان. فبينما تصف الأديان الأخرى بأنها" أديان غير مسيحية" تصف الإسلام وحده بأنه  "الدين المعارض والمناقض الوحيد للمسيحية!!". ويكفي هذا لفهم مدى العداء والتعصب الموجود في هذه المجلة تجاه الإسلام مع أنه الدين الوحيد خارج المسيحية الذي يؤمن بالمسيح (ع) نبيا ورسولا كريما ويؤمن بعذرية والدته، وبميلاده المعجز. وتستطرد المقالة فتقول بأن من الضروري حدوث تجديد في الإسلام كما حدث في المسيحية لكي يقترب الإسلام من الثقافة ومن المدنية المسيحية.

في العدد نفسه نطالع مقالة أخرى بقلم " كارل مين هوف" يقول فيها:

" بينما نرى انحسار الإسلام عن قارة أوروبا وفقده لقوته وتأثيره فيها نراه يسجل تقدما كبيرا في أفريقيا، إذن فليس من السهل الصراع مع الإسلام". ويستطرد قائلا بأن المبشرين المسيحيين في العالم الإسلامي يجدون صعوبة كبيرة جدا ويقعون في اليأس. ثم يقول:

"تكاد القناعة العامة لدى هؤلاء المبشرين هي استحالة تحويل المسلمين إلى المسيحية، لذا نراهم يتهربون من إقامة علاقات وثيقة معهم". ولكنه يوصيهم بطرح اليأس جانبا، ليقول في الختام:" يجب تهيئة مبشرين يعرفون دقائق القرآن والحديث والتاريخ الإسلامي، فإذا نجحنا في هذا فقد نستطيع الوصول إلى الهدف".

تتناول المقالة الرئيسية في العدد الثالث من المجلة المدن الثلاث المهمة في العالم المحمدي حسب تعبيرها وهي: مكة ، القاهرة واسطنبول وتقول:

" إن مكة هي قلبه، والقاهرة دماغه واسطنبول يداه، فإذا سقطت هذه المدن الثلاث فلن يستطيع العالم الإسلامي القيام بمزيد من المقاومة. ولكن يستحيل التسلل إلى مكة لأن دخول غير المسلمين إليها ممنوع. لذا كان على المبشرين تكثيف جهودهم واهتمامهم في القاهرة واسطنبول".

 

وفي مقالة أخرى بقلم " هنري و.دويت" نرى الكاتب وهو يعرب عن أمله وعن تفاؤله في ان تنقلب اسطنبول في المستقبل إلى مدينة مسيحية. كما تقوم المجلة في هذا العدد بإعطاء معلومات جيدة عن نشاط المبشرين في مدينة اسطنبول.

في العدد الرابع منها ، اي في أواخر سنة 1911م نقرأ مقالة طويلة جدا بقلم رئيس التحرير صموئيل زويمر تحت عنوان ( نظرة عامة على أحوال العالم الإسلامي) تناول فيها بالتقيين جميع البلدان الإسلامية تقريبا من المغرب إلى إيران ، ومن مصر إلى الصين، ومن أواسط أفريقيا إلى الهند وجاوا. والشيء المشترك الوحيد بين هذه البلدان هو طابع التقهقر والتراجع والفقر والجهل، والحل الوحيد أمام العالم الإسلامي – في رأي الكاتب- هو التحول إلى النصرانية، فلا يوجد حل آخر.

ولكننا نقرأ في مقالة أخرى في العدد نفسه تذكر بأن " أصعب مهمة للكنيسة المسيحية هي تأمين قبول المحمديين عيسى كرب وكمخلص لهم". كما نجد في العدد نفسه خبرا وتعليقا حول زيادة عدد المسلمين على الرغم من جميع الظروف السيئة المحيطة بهم، وعلى الرغم من جميع مؤشرات التراجع والسقوط في مختلف الميادين في هذه البلدان الإسلامية، حيث نقرأ أن قبيلة " منسا" الحبشية التي كان جميع أفرادها مسيحيين في عام 1860م فقد تحول ثلثا القبيلة اليوم ( أي عام 1911) إلى الإسلام. كما أن عدد المسلمين في قبيلة "بوغوس" كان قليلا جدا قبل خمسين عاما أما الآن ( أي في 1911)فنصف القبيلة من المسلمين. كما تحولت قبيلة "بت كوك"كلها إلى الإسلام بينما كانت نسبة المسلمين فيها قبل خمسين عاما يقارب النصف.

 

الآمال التي خابت

مرت السنوات على هذا المنوال على هذه المجلة التبشيرية...تضع آمالا كبيرة، وتسرح في أحلام وردية ثم تصدمها الحقائق في أرض الواقع، حتى نصل إلى سنة 1917م حيث تتغير الجهة الممولة لها حيث تنتقل إلى حماية وتمويل جمعية تبشيرية أمريكية. غير أن هذا التغيير لا يؤدي لا إلى تغيير في كادر رئاسة التحرير ولا إلى تغيير في سياستها وأهدافها.

كانت المصائب تتوالى على العالم الإسلامي، ففي هذه السنة خسرت الدولة العثمانية الحرب العالمية الأولى وانهارت وتبعثرت أشلاؤها وهرب القادة الاتحاديون خارج البلاد بعد أن مزقوا الدولة العثمانية بعدما أدخلوها بحماقة منقطعة النظير في أتون حرب عالمية وهي غير مستعدة لها لا من الناحية العسكرية ولا من الناحية المالية. أي لم يعد هناك أي بلد مسلم خارج الاحتلال الأجنبي.

كان إلى جانب جنود الاحتلال الذين غزوا العالم الإسلامي جيش من المبشرين الذين انتعشت آمالهم بعد هزيمة دولة الخلافة التي كانت رمزا لوحدة المسلمين. ولكن على الرغم من هذه الصورة القاتمة للعالم الإسلامي وعلى الرغم من جيوش المبشرين العاملين تحت حماية السلاح، وعلى الرغم من الأموال الكبيرة التي انهالت على الجمعيات التبشيرية العاملة في العالم الإسلامي فإنهم لم يحققوا أي نجاح يذكر مع أنه بدا لهم بأنهم أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من هدفهم. لقد لمسوا مناعة قوية في العالم الإسلامي أدهشتهم، وعجزوا عن معرفة أسبابها ودواعيها.

 

ولكنهم لم ييأسوا، بل إن إلغاء الخلافة في 1923 وتأسيس الجمهورية التركية على أنقاضها أعطى لهم أملا جديدا. لذا نجد في عدد شهر نيسان 1924م مقالة بقلم " بول نلسون" بعنوان :" تركيا التي أراها من طرسوس"جاء فيها :

" لقد أصبح مصطفى كمال باشا رئيسا لدولة تركيا، لذا لم نعد نحن المبشرين تحت سلطة حكومة خلافة مستبدة".

كان العدد الأول لعام 1924م مشحونا أيضا بالآمال الكبيرة التي انعكست على مقالتها الافتتاحية، كما كانت هناك مقالة حول فعاليات " الهيئة التعليمية الأمريكية The American Board" الموجودة في تركيا، لأن الآمال كانت معقودة على فعاليات التعليم في تنصير المسلمين. ومع أن المقالة كانت تقول:"لم يتم الحصول على أي شيء ذي بال طوال مائة سنة" وتعترف بهذه الحقيقة إلا أنها كانت تستطرد وتقول:" على الرغم من هذا الفشل الواضح في الماضي، إلا أن المبشرين الأبطال الذين لا يتملكهم اليأس أبدا لا يزالون يأملون في قيام الأتراك بقبول النصرانية".

كانت هناك إشارات مشجعة لهم في تركيا، فقد طرد الخليفة وجميع أفراد وأمراء آل عثمان، وألغيت الخلافة، ودعي البروفيسور الأمريكي " جون دوي" من جامعة كولومبيا إلى تركيا من قبل الحكومة التركية لكي يقوم ببناء التعليم في تركيا ووضع أسس ومناهج علمانية له. كانت المقالة تشير إلى هذا وتقول:" إن هذا تغيير أساسي وعميق جدا، وهو يشكل فرصة ثمينة للمبشرين المسيحيين لكي ينفذوا إلى عقول وقلوب الجماهير التركية. يجب ترك الطرق القديمة وهجرها والاستفادة من هذه الفرصة المهمة وعدم تضييعها أو إهمالها".

ولنأت إلى عام 1927م...أي إلى ما بعد ثلاث سنوات لنتصفح أعداد هذه المجلة .

في عدد شهر نيسان من هذا العام نقرا مقالة بعنوان:" فكر المسلم الحالي في تركيا" بقلم " دبليو.م.ساك وول وورث...."جاء فيها:

"إن المسلم الذي يحاول حاليا متابعة وقراءة القرآن أو السنة يواجه صعوبات كبيرة في تركيا". وذلك إشارة إلى  قلة وندرة الكتب الإسلامية ، وإلى جو الإرهاب السائد في تركيا ضد التعليم الديني بعد غلق جميع الطرق الصوفية وجميع الزوايا والتكايا، وإلى منع تدريس الدين في المدارس. وقد اعتبر الكاتب هذه الصعاب التي وضعت أمام الإسلام آنذاك فرصة وبارقة أمل أمام المبشرين المسيحيين. إذن فالأتراك – في رأي الكاتب- يبحثون عن أمل وعن شيء جديد، والمسيحية هي هذا الشيء الجديد الذي يبحث عنه الأتراك.ولم يفهم كاتب المقالة أن ما حدث في تركيا لم يكن يعكس فكر ولا مطالب الجماهير التركية.

في السنة التالية، أي في سنة 1928م تذكر المجلة وقوع مصيبة كبيرة في تركيا وهي: "منع تدريس الدين في المدارس ومنع الدعاية الدينية فيها". وتشير المجلة إلى هذا المنع بأنه مثال على " عدم التسامح الديني". ولا يخطرن ببال أحد بأن هذه المجلة التبشيرية ذرفت الدموع على منع تدريس الدين الإسلامي في المدارس، لأنها سبق وأن سجلت فرحتها الغامرة وسعادتها الكبيرة عندما زفت إلى قرائها نبأ منع تدريس الدين الإسلامي في المدارس في تركيا. المنع المذكور أعلاه كان منع الدعاية النصرانية أيضا في المدارس. وقصة هذا المنع هي ورود نبأ عن تنصر أربع طالبات في إحدى المدارس الثانوية المدارة من قبل مؤسسة تبشيرية أمريكية في مدينة بورصة، وأن هذا النبأ احدث ضجة كبيرة بين السكان. وعندما وصل الخبر إلى المسؤولين في أنقرة قاموا بإغلاق هذه المدرسة واستجواب هيئتها التدريسية. هذه هي الحادثة التي سجلتها هذه المجلة إشارة إلى التعصب وعدم المسامحة الموجودة لدى الأتراك.

نقرأ في العدد نفسه مقالة أخرى تحت عنوان:" الثمن المدفوع لتنصير المسلمين" بقلم "ه.ج.لاين سميث  H.J.Lane Smith"جاء فيها:

" ليس تنصير المسلمين مجرد كلام سهل يطلق هكذا جزافا" و" إن الإسلام أكبر دين ظهر بعد المسيحية ".

وكاتب المقالة مبشر يقوم بالتبشير في الهند، وهو يبدي دهشته لأنه في مقابل سهولة تنصير غير المسلمين من الهنود فإنه يصطدم بصعوبة غير متوقعة عند محاولة تنصير المسلمين. وأمام هذا الأمر يقوم بنقد ذاتي وبتقديم مقترحات جديدة. والشيء الذي ادهش هذا المبشر هو قيام المسلمين بأداء الصلاة خمس مرات في اليوم فهو مذهول من هذا الأمر ومعجب به غاية الإعجاب، ويعتبره مقياسا لقوة ارتباط المسلمين بدينهم وتوقيرهم له، وهو يقارن هذا بحال المسيحيين فيقول بأسى:

" كم مسيحي يؤدي عبادته مثل المسلمين؟...اي مسيحي يقوم بالعبادة لا خمس مرات في اليوم بل ثلاث مرات؟...لا بل كم مسيحي يؤدي العبادة مرة واحدة فقط كل يوم؟...إذن؟ ...أنا أرى بأن على المسيحيين أداء عبادة ولو قصيرة في النهار بين الساعة الثانية عشرة صباحا والساعة الثانية ظهرا، ففي هذا فائدة كبيرة من ناحية النشاط التبشيري". ولا يرى هذا كافيا بل يشير إلى أهمية شكل العبادة وكيفية أداء الصلاة ولعله أعجب بحركات الصلاة في الإسلام وكيف تشير إلى عبودية الإنسان وتواضعه وركوعه وسجوده أمام خالقه. ويقول بأن على المبشرين تشجيع المسيحيين على أداء هذه العبادة بالخشوع والصدق الذي يبدو في صلاة المسلمين.

ومقالة أخرى في العدد نفسه كتبها من القاهرة "س.ا.موريسون" تحت عنوان :" التطورات الحديثة في بلاد المسلمين". وتعد هذه المقالة نقدا ذاتيا فالكاتب يقول بأن المسيحية أصبحت في بلاد المسلمين تذكر مع العالم المسيحي المستعمر، ومع الأقلية المسيحية الموجودة في هذه البلدان التي تتسم بضعف الولاء للوطن، وتذكر كذلك الحروب الصليبية ومع الإدارة الإنجليزية المتسمة بالغرور والعجرفة، ومع أوروبا الغارقة في أوحال المادية والتحلل.ويقول في نهاية المقالة:

"بينما العقائد والمذاهب الأخرى في طور الانقراض والزوال، فإن الإسلام لا يزال منتصبا أمامنا وواقفا على قدميه". ثم يقول:" قد يكون من الصعب حمل الصليب في البلدان المسيحية، ولكنه أصعب بكثير في البلدان الإسلامية".

ومقالة أخرى في هذا العدد تجلب النظر وهي بقلم "أرنست بي Ernest Pye" يقول فيها بأن الإسلام لم يضعف في تركيا، ويقارن بين تدين المسلمين وتدين المسيحيين فيقول:

" في مقابل كنائسنا التي تظل فارغة طوال أسبوع كامل، والتي تكون فارغة أو في أفضل الأحوال تمتلئ حتى النصف في أيام الآحاد، نرى شيئا مناقضا تماما عندما نلقي نظرة على الجوامع. فهذه الجوامع تمتلئ تماما مرة واحدة في الأقل كل يوم. أما في الأعياد  فإن المصلين يملئون الشوارع المحيطة بالجوامع بعد امتلائها في الداخل. والمسلمون ينظرون إلى المجتمعات المسيحية كمجتمعات بعيدة عن العبادة. لذا فهل ترون هناك أي احتمال أن يحترم المسلم – الحريص على أداء عباداته- أي مجتمع بعيد عن العبادة، أو يأخذه مأخذ الجد؟".

في تلك السنوات نرى تغيرا في طابع مقالات هذه المجلة التي أسست لتنصير المسلمين. فقد تخلت هذه المجلة عن كتابة المقالات التي ترسم آمالا وردية في موضوع التنصير، وذلك بعد تعاقب الأخبار المثبطة للهمم من العالم الإسلامي، وبدأت المقالات تتجه نحو النقد الذاتي أي البحث عن الفشل في هذا الموضوع.

في ظل هذه الأجواء حلت سنة 1938م وفيها تغيرت مرة أخرى الجهة المسؤولة عن هذه المجلة، حيث انتقلت إلى إشراف وقف Hartford Seminary وهو معهد لاهوتي دولي عريق تأسس سنة 1834م من أجل إعداد الكوادر التبشيرية وإرسالهم إلى شتى أنحاء العالم.

بعد انتقال المجلة إلى هذا المعهد نقرأ في العدد الأول منها مقالة بقلم البروفيسور Duncan B.Macdonald وهو من كبار المسؤولين في هذا المعهد، ويعترف في مقالته بما يأتي:

"علينا أن نعترف بكل صدق بأن الذين تناولوا الإسلام باسم المسيحية لم يكونوا يعرفون عن الإسلام إلا النزر اليسير". ويعطي مثالا على هذا فيقول:

" قبل ثلاثين سنة كان العديد من المبشرين المسيحيين على جهل تام بأن الإسلام يملك أدبا وفكرا لاهوتيا( تصوفيا) غنيا وواسعا يماثل ما تملكه الكنيسة".

لم تكن المجلة قد تخلت عن أهدافها التبشيرية، لذا نرى هذا الكاتب يقول:

" لا يزال الهدف النهائي لهذه المجلة هو تحويل قلوب وعقول أكبر عدد من المسلمين إلى المسيحية"...الهدف لا يزال هو الهدف، ولكن رأوا أن من الصعب أن يصلوا إلى هذا الهدف بأسلوب من التعصب الأعمى والفكر المسبق وجهل بالإسلام، فهذا الأسلوب لن يجدي ولن يفيد. بل يتطلب الأسلوب العصري فهم الإسلام ومعرفته عن قرب، فليس الإسلام دينا ساذجا وبسيطا، بل هو دين عميق وغني، لذا فليس من السهل أبدا الصراع معه بأسلوب بدائي...هذه هي النتيجة التي انتهوا إليها بعد 27 عاما من إصدار المجلة.

 في العدد نفسه نرى مقالة أخرى طويلة كتبها Edwin E.Calverley تحت عنوان(الإسلام: تفسير وتحليل). في هذه المقالة نرى الاتجاه نفسه، فهو يقول بأنه من الصعب جدا أو من المستحيل القيام بسل الإسلام وإخراجه من قلب المسلم في الوقت الذي تغلغل الإسلام في جميع مظاهر الحياة وساحاتها. ثم يقول بأنه آن الأوان لترك المقولات السطحية والجاهلة التي تدعي بأن الإسلام قد انتشر بالسيف، لأنه ما دام الإسلام قد أعطى لليهود وللمسيحيين وضع أهل الذمة ولم يجبرهم على اعتناق الإسلام إذن فمن الضروري إعادة تقييم الإسلام على ضوء الحقائق ، وفي جو هادئ بعيد عن التشنج. وينهي مقالته بالقول:

" إن الإسلام يحيط بجميع شؤون الحياة، وهو يبدو أكثر جاذبية من أي دين آخر، فهو أكثر الأديان جلبا للثقة".

والخلاصة أن القائمين بإصدار المجلة بدءوا يدركون مدى صعوبة التبشير بين المسلمين.

في سنة 1947م حدث تحول أساسي في المجلة، فقد انسحب صموئيل زويمر من رئاسة التحرير بعد أن عمل فيها سبعا وثلاثين سنة، وجاء السيد Edwin E.Calverley إلى رئاسة التحرير.

    في العدد الأخير لسنة 1947 أعلنت المجلة أنها ستغير اسم المجلة من The Moslem World إلى The Muslim World. وتغييرا آخر نشهده وهو تركهم استعمال كلمة " المحمديين" ، وهو تراجع عن خطأ قديم ومزمن في تسمية المسلمين. وتغيير ثالث وهو قيامهم بحذف عبارة " عرض نجاح المبشرين المسيحيين في بلدان العالم الإسلامي" التي كانت موجودة تحت اسم المجلة مباشرة. وهي عبارة بقيت في غلاف المجلة مدة 37 عاما. ذلك لأنه لم يكن هناك أي نجاح يذكر في هذا الصدد لكي يتم عرضه.

لم تحدث هذه التغييرات إلا بعد انسحاب صموئيل زو