الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

8 أيـــلول  2005

ومضات خاطفة

الطبيعة تنتقم من الأمريكيين بالنيابة عن العرب..هل حقا أنا طائفي ؟؟!

كتابات - مهدي قاسم

يكاد بعض  العرب - وما أكثرهم -  أن يتصدعوا و يتشققوا و ينفجروا ، وهم يئنون  فرحا و بهجة و غبطة و شماتة على الموت و الدمار الذي حل ببعض المدن الأمريكية  ، بسبب الإعصار الذي عربد و صخب و خرب ،  كقنبلة نووية مريعة ، و انسحب تاركا خلفه آلافا من الضحايا  و خسائر تبلغ  مليارات من الدولارات .

و مع أن  جميع أنواع و أصناف البشر في العالم و منهم حتى الأكثر سذاجة ، قد نظروا إلى هذه الفاجعة ،  من منظور طبيعي و عادي : من منظور  كونه كارثة طبيعية  ، لا أكثر و لا اقل ، إلا  العرب و ألف آه من العرب !! ، فأنهم أصروا على أن ينظروا إلى هذه الكارثة الطبيعية من منظور معاكس و مناقض تماما : من منظور كون هذه الكارثة الطبيعية ما هي سوى غضب الرب و النقمة الإلهية  قد انصبا على رأس  الأمريكيين الأبرياء من كبار و صغار ،  بسبب سياسة الرئيس الابن  جورج بوش في أفغانستان و العراق !!! .

و هنا فجأة  يخطر على بالنا مقطع من قصيدة المتنبي و خاصة ذلك البيت الساخر و الشهير و القائل  : (( يا أمة ضحكت من جهلها الأمم )) ! .

إلا أن المسألة هنا تتجاوز حدود السخرية و الهزل ، لتأخذ طابعا همجيا لأمة  جاهلة ، لا ترى في مصائب الأمم الأخرى ،  إلا تعويضا و عزاء لهزائمها و تخلفها و نشوة مبتذلة  لروحيتها المتوحشة ! .

إلى حد يحاول  بعض  من هذه الأمة البائسة أن يروا في  الرب منتقما  و مدمرا و قاتلا لأطفال و نساء و شيوخ قضوا و قتلوا تحت أنقاض بيوتهم المنهارة ، أو غرقا بين الأمواج  الهائجة ، بسبب سياسة  رئيسهم بوش !!! ، و ليس بسبب كوارث طبيعية قد حدثت حتى في المناطق  و الدول الإسلامية في أسيا ، كإندونيسيا على سبيل المثال !.

فالزلازل الأرضية و الفيضانات ، غالبا ما تحدث في المناطق و المدن و الدول الإسلامية  ، و تترك آلافا من الضحايا و خسائر فادحة بالممتلكات الشخصية و العامة ، و مع ذلك ، فلم نسمع لا من مسيحي و لا من يهودي و لا من بوذي ، قال أن ذلك حدث بسبب غضب رباني على الإسلام ، مع أنه لدى الرب من أسباب كافية ليغضب على  بعض المسلمين لتأييدهم العنف و الأعمال الوحشية ولشماتتهم لموت الأبرياء من البشر جراء أعمال عنف و همجية .

و لكن الرب لا ينتقم من أمة أو من  قوم لأسباب سياسية ، من أجل عيون أمة أو أقوام أخرى ، لأنه و بكل البساطة رب للجميع ، مثلما يكون الأب رحيما و عادلا مع جميع أبنائه ! .

لذا فانه لا ينتقم من قوم من اجل قوم آخر ، مثلما يحاول بعض الجاهليين الجدد من العربان ترويج ذلك كعزاء لخيبتهم و هزيمتهم الدائمة !.

ولكن ماذا يرجى من أمة نشئت و ترعرعت و شاخت و انحطت  بين فصول عنف و عنف ، و بين أزمنة الاستهانة بحياة البشر و اعتباره أرخص شيء على وجه الأرض ! .. أجل  العنف و لا شيء أخر غير العنف و الهمجية ،  ذلكم هو الدافع الأساسي لهذه الشماتة الوضيعة ! ..أمة لا ترى في مصائب قوم إلا مسرة و تنفيسا عن شعورها بالدونية ، و تعويضا حاقدا  عن سلاسل هزائمها المزمنة ؟! ..

و كأن الأطفال الزنوج  و البيض الغرقى و الموتى الآخرين من الكبار رجالا و نساء ، الذين قضوا جراء ذلك الإعصار في مدن أورليانز و في ميسيسيبي و غيرها من مدن أخرى  ، هم الذين طلبوا من جورج بوش أن يغزو أفغانستان أو يحتل العراق !!!! .

و سؤلنا هنا هو : إلى متى ستبقى الأمم الأخرى  تضحك من جهل هذه الأمة الغافية في غيبوبتها التاريخية ؟؟! .

 

- هل حقا أنا طائفي ؟؟! :

وصلتني و تصلني رسائل من بعض القراء ، ليس من الصعب معرفة اتجاههم السياسي و نزعتهم الطائفية ، و ذلك من خلال ( مضمون ) تلك الرسائل التي تتهمني بالطائفية ، لا لشيء ، إلا لكوني احتج و أدين عمليات الإبادة  الوحشية  و النازية و المنظمة الموجهة حصرا  ضد الشيعة العراقيين بالدرجة الأولى ، و من ثم ضد الأطياف العراقية الأخرى ، و كذلك قيامنا و إصرارنا على فضح القائمين على ارتكاب عمليات الإبادة هذه .

ومن الواضح أن الغايات و الأهداف الكامنة وراء هذه الرسائل هي دفعنا إلى الصمت و السكوت و القبول لحدوث مثل هذه المجازر الجماعية المرتكبة ضد الشيعة العراقيين ، واعتبارها مسألة طبيعية !! ،  وإلا فأننا سنتهم فورا بالطائفية و بالعمالة للاحتلال ، كعملية ابتزاز خبيثة و لئيمة هادفة  لكتم أصواتنا و صرخاتنا ، بهدف القبول بالأمر الواقع المتجسد بالعنف البعثي ــ التكفيري .

من الواضح أنهم لا يسعون فقط إلى تجريد الضحية من حياتها فقط ، وإنما إلى خنق صرختها أيضا ! .

ولكن من الغباوة بمكان ، الاعتقاد بإمكانية ابتزازنا بتهم مضحكة كهذه ، و من ثم دفعنا إلى الصمت المطبق و نحن نحدق إلى ركام جثث قتلانا الأبرياء الذين يُقتلون ظلما و استهانة و استسخافا  ، لا لشيء ، إلا لكونهم عراقيين  ينتمون إلى  طائفة معينة  فحسب .

هل حقا أنا طائفي ؟؟! ..

لقد كتب أحد الكتَّاب الإسلاميين -  وهو الكاتب نبيل الكرخي - وصفا إياي بـ ( العلماني ) ، وهو عين الصواب بالفعل  ، وأنا  أعترف بعلمانيتي  بكل صراحة ، لأنها تحميني و ستحميني  من أية نزعة طائفية أو قومية عنصرية و شوفينية ، فكيف إذن  ، من الممكن أن أكون أنا العلماني الذي يمقت الطائفية و العنصرية  أشد مقت أن أكون طائفيا ؟؟! .

لقد كنا من الكتَّاب الأوائل الذين كتبوا و أدانوا ، قبل عام تقريبا ، عمليات القتل التي تعرض لها أخواتنا من المسيحيين العراقيين في بعض مناطق جنوب العراق ، من قبل  منظمات إسلامية متطرفة و فاشية ، و نفس الشيء فعلناه عند تناهى إلى أسماعنا خبر تعرض أخواتنا من الصابئة المندائيين إلى عمليات قتل مماثلة ! .

فهل كنتُ مسيحيا أو صابئيا مندائيا  آنذاك؟؟! .

قبل ذلك كتبنا ندافع عن أخواتنا الأكراد الذين تعرضوا إلى عمليات تشهير و طعن ظالمة من قبل بعض كتَّاب عنصريين و شوفينيين عراقيين ، الذين قلوبهم مزنجرة من شدة حقدهم على الأكراد العراقيين .

و لكننا كتبنا أيضا نحتج على عمليات محاولة  تكريد مدينة كركوك .

و قبل كل ذلك كتبنا أيضا ندين عمليات التعذيب المذلة و الوحشية في سجن أبو غريب ، و عمليات قتل المدنيين العزل في مدينة الفلوجة أثناء اقتحامها .

إلا أن كل هذا لا يمنعنا من  أن نذكر الأشياء و الحقائق و الوقائع الدامغة بصراحة قاسية :

فمثلا عندما يتم استقبال الانتحاريين و باقي العربان ( المجاهدين ) في بعض المناطق الغربية و المتاخمة للحدود السورية ، ومن هناك يتم انطلاقهم إلى مناطق و تمركز الحشود العراقية الكثيفة في الأسواق و المساجد و محطات النقل العام  ، بهدف تفجير أنفسهم في وسط تلك الحشود البشرية الكثيفة لقتل عدد كبير من المدنيين العراقيين ، فهذه حقائق ووقائع معروفة لكل القاصي و الداني ، و يجب أن تُقال بصراحة قاسية ، و ذكرها أو إدانتها لا يعنيان  أي نوع من أنواع  الطائفية أو الانحياز الطائفي  .

و إذا كانت الآية معكوسة  افتراضا ، أي أن إيرانيين انتحاريين يتم استقبالهم في مناطق جنوب العراق من قبل عراقيين  من ثم  ، من هناك يتم  إرسالهم إلى ( المناطق السنية ) بهدف قتل الأخوة السنة العراقيين ، فأننا بالتأكيد لكتبنا بنفس الصورة و الطريقة و المضمون و المحتوى ، و رفعنا إصبعنا احتجاجا و إدانة و فضحا و تعرية .

بعد كل هذا : فهل أنا طائفي  بالفعل ؟؟؟! .

و يبقى أن نقول أن العراق ــ من حسن حظنا  ــ بلد كبير و غني ، و يستطيع من كثرة ووفرة  خيراته و ثرواته الكثيرة ،  أن يعيل ليس فقط كل أفراد الشعب العراقي و إنما شعبا أخر أيضا :

ــ إذا .. إذا أصبح  و ارتفع الوعي الوطني والوعي  العراقي عاليا و شاهقا ،  فوق جميع ميول و نزعات الطائفية و العزلة القومية ! .. و إذا أمنا بوحدة العراق وطنا لجميع العراقيين بدون أية هيمنة أو إقصاء .

إذن فلنسعى إلى نشر وعي وطني و عراقي  كهذا بدلا من الترويج لأعمال العنف و الإرهاب و تبرير قتل العراقيين بحاجة الدفاع عن  سيادة الوطن التي كانت منتهكة  حتى في عهد النظام السابق أيضا ! .

و إذا كان هناك ثمة مَن يريد أن يدافع عن حرمة وعن  سيادة الوطن فليفعل بكلا  يديه و رجليه !..  و لكن دون أن يقتل العراقيين ،  كما لو كانوا سربا من البعوض و الذباب .  

  

Qasim3@gawab.com