|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
1 ايلول 2005 |
|
ومضات خاطفة زمن القرف و الغثيان و الهواء مشبع رائحة الدماء ! كتابات - مهدي قاسم يوما بعد يوم ، يتضح لنا ، بأنه كلما توغلنا بين قراءة الأخبار و الاستماع إلى الفضائيات ، ومن ثم التجول ، بين ركام و أهرامات جثث الضحايا العراقيين المتساقطين قتلى و شهداء ، بفعل الأعمال النازية ل ( المقاومة ) البعثية ــ التكفيرية ، نشعر و نحس بانقباض نفسي ، و بمزاج معتكر ، على مدار يوم برمته ، الذي يستحيل هو الآخر ، إلى يوم ثقيل و بطيء و خانق ، مخيما و جاثما ، على وقتنا و على أعصابنا المرهقة كصخرة ثقيلة ! .. أو نلجأ إلى حل أخر ، مضربين عن قراءة الأخبار و عن الاستماع إليها ، لنتظاهر بأن كل شيء سيجري على ما يرام ! .. و أن ليلى لم تعد قتيلة في العراق ؟! . أن نمارس لعبة خداع الذات ! .. و لكننا سرعان ما نكتشف بأن نازيي ( المقاومة ) البعثية ــ التكفيرية ، ينتقمون منا ، بشكل أو بأخر ، بالرغم من أننا بعيدين جدا ، عن شظايا و عن عواصف سياراتهم المفخخة ، و عن رصاصاتهم الغادرة ، وعن قذائف صواريخهم ، وعن نصل سكينهم المشحوذ جيدا لنحر رقاب العراقيين . و هذا يعني بأنهم يقتلونني ، و كذلك غيري من العراقيين المشدودين إلى أخبار العراق بقلوب موجعة ومتألمة ، بين ساعة و أخرى .. اجل ، يقتلوننا لمرات عديدة في اليوم الواحد ، مع أننا بعيدين عنهم ، إلا أن قتلهم الرمزي لي ، و لغيري من المسكونين بالهم العراقي ، يتكرر مع قتلهم لأي عراقي مسالم و مدني أخر، أطفالا و نساء و رجالا ، و على طوال اليوم : أنهم يقتلونني يوميا ، مع كل عراقي مسالم أخر يقتلونه أو يغتالونه ، سواء كان هذا العراقي مدنيا عابرا للسبيل ، أو ساعيا إلى عمله ، أو شرطيا ، أم مجندا في الجيش العراقي الجديد ، أو بائعا متجولا ، أم عاملة تنظيف ، أم سائق شاحنة ، أو موظفا في محطة للكهرباء و المياه الصالحة للشرب ، أم زائرا للعتبات المقدسة ! .. أجل أنهم يقتلونني بعدد الجثث البريئة ، تلك التي يتركونها خلفهم في كل يوم ، و يجعلون يومي أنا ، يوما كئيبا ، و رماديا ، و خانقا كالمدخنة ! .. أقول ذلك بصراحة ، و بصوت عال و ذلك : ليشعر كتَّاب ( المقاومة ) البعثية ــ التكفيرية ، بالفرح و الشماتة و بالثأر و الانتقام منا ، بسبب تعريتنا الدائمة لهم : ككتَّاب مروجين للنازية و للبرابرة و للساديين المسعورين في العراق !!.. مع كل توغل و استمرارية في قراءة الأخبار ، و مع تكاثر جثث العراقيين المسالمين المقتولين ، يوميا ، غدرا و عبثا ، اشعر بتلافيف الهواء مشبعة برائحة الدماء المسفوحة و الساخنة ، وهي تزاحم أنفي و رئتي ، و تلهب و تجلد أعصابي ! .. مع تصاعد مشاعر الغضب و النقمة و الثأر العدل و القصاص من المجرمين القتلة .. فهي تتصاعد سوية ، لتمتزج مختلطة بالعجز و بإثارة أسئلة من نوع : ما قيمة الكلمات أمام أفعال البعثيين النازيين ، والتكفيريين الجزارين و من لف لفهم ؟؟! .. أنهم يقتلون و يختفون تاركين جثث ضحاياهم المغدورة خلفهم ، كصرخة شاخصة و يائسة ، مصوبة ، في وجه الرب و العالم وضد تخاذل العراقيين و تفرجهم المخزي . و الكل يتفرج على القاتل الشرس و الهمجي المتوحش ، و المتحرك علنا ، كقاتل محترف تحت الشمس و بتحد نادر، ووقح فريد من نوعه!!! .. ويتفرجون على القتيل أيضا ، الذي كان كل ذنبه أنه عراقي مولد و مسقط الرأس .. و يريد أن يعمل لكي يعيل كتيبة من أطفاله الجياع و الحفاة ! .. قد تبدو الكلمات للوهلة الأولى مهمة و فاعلة ، لإثارة الانتباه إلى خطورة وجود القتلة ، و المطالبة باقتصاصهم ، و أن تعذر ذلك فمواجهتهم ، و أن تعذر هذا الأخير أيضا ؟! .. فآنذاك .. فآنذاك تتحول الكلمات إلى كومة من حطب يابس ، وإلى ركام من الرماد ! . وإلى همهمة خاوية من أي معنى !.. و لكننا ما زلنا نتشبث بذلك الوهم القديم و السائد والقائل : أن الهمهمة الخاوية من أي معنى ، و من نبض الفعل ، لهي أفضل بكثير من الصمت المتواطئ ، الذي يغطي على دم القتيل البريء و يكتم صرخته ، و يمر من جنبه بعيون مغمضة و قلوب متحجرة ! .. و من وسط كل هذا الكم الهائل من أهرامات الجثث المغدورة ، و برك الدماء الشاخبة ، الجأ على جزيرة ( مارجريت ) الغافية بين كتفي نهر دانوب ، وهي الجزيرة الساحرة و الأليفة ، التي تستقبلك بابتسامة الحبيبة و العاشقة الطيبة و الودودة و الزاخرة بالحب و بعطايا الروح و الجسد ! .. تلك الجزيرة التي تبدو أخاذة و جميلة بالفعل ، ك( جنات تجري من تحتها الأنهار ) ، ولكن في أرض الكفار ؟! ، مع نوافير شلالاتها العالية المتماوجة و المتراقصة ، على أنغام موسيقى وأنغام أغاني الأوبرا ، ذات أصوات سماوية آسرة و مذهلة ! .. أرى سنجابا يداعب كستناء ، تحت شجرة عملاقة و راسخة ، ذات عمر يتجاوز مئات السنين .. و يبدو السنجاب مرحا ، متقافزا في لعبته كطفل سعيد !.. مطمئنا من حسن نوايا الزوار القادمين ، و الرائحين حواليه ، وواثقا من أن أحدا من البشر سوف لن يؤذيه ، كعلاقة ودية متبادلة ، بين حيوانات الجزيرة و المرتادين إليها من البشر الوديعين ! .. تذكرتُ و قلتُ مع نفسي : ــ : بينما عندنا في العراق ، يقوم البعثيون النازيون بتفخيخ و تلغيم الحيوانات ، حميرا و كلابا ، ليفجرونها في وسط بشر من أبناء وطنهم و ( دينهم ) ! . ثم لفت نظري نورس ، كان يتهادى بين أضلاع موجة مخضبة بأشعة شمس الغروب ، فبدا النهر و كأنه يشتعل بنيران برتقالية ! .. وكأنه يتكأ على ذراع قوس قزح مباغت ، بنشوة خاطفة و متهورة ! .. كانت شمس الغروب تجلس كقبعة برتقالية فوق رأس النورس الوحيد و المتهادي على غير هدى ! .. ولكنه كان وحيدا في وسط وحدته القاسية و الجميلة ! .. كما كنتُ أنا وحيدا مع كثرة تراكم الجثث العراقية القتيلة تحت جسر الأئمة !. كنتُ ضاجا بالغضب و السخط ! .. و كم كان كبيرا و هائلا عجزي في أن أعمل شيئا ، من اجل هؤلاء القتلى و الشهداء ، ليصبح لموتهم معنى ولأهلهم سلوى و للقتلة عبرة !.. حتى كدتُ أن أرتكب كتابة الشعر !!!!!!!! .. و زجرتُ نفسي قائلا بصرامة : ــ ويحك يا مهدي قاسم ، ماذا جرى لك ؟؟! .. هل جننتُ لتكتب شعرا في وسط هذا التضخم الهائل في عدد الشعراء و الكتَّاب ؟؟! .! إلا أن الهواء المشبع برائحة الدماء الساخنة ، داهمني مجددا ، كما لو كنتُ في العراق محاطا بذلك الركام الهائل من الجثث العراقية القتيلة ، ظلما و غدرا و عبثا .. ممزوجا بصراخ و أنين أطفال جرحى ، وهم يحتضرون ببطء مُريع بين موجتي الماء و الدم و الغبار ! .. قلت : آه !! .. كتابة الشعر في زمن الموت و الدماء و القرف و الغثيان الجارف .. يا لها من قدرة استثنائية تلك التي أفتقر إليها أنا ، منذ بداية ( الموت المعلن ) اليومية ، لعراقيي الداخل المغلوبين على أمرهم ! .. أم تراني أحسد بعض ( الزملاء ) الشعراء المحايدين ، على هذا الترف الروحي ، الذي يعزلهم عن تشنق هذا الهواء المشبع بالدماء الساخنة لجثث العراقيين ، إلى حد يديرون ظهورهم لذلك الركام الهائل من الجثث القتيلة ، و يكتبون أو يلقون( شعرا ) عن همومهم الذاتية و الوجودية ؟! ، في قاعات واسعة و أنيقة ، لرهط من قراء متثائبين !.. إلا أن الكتابة : إنشاء و شعرا ، ضرورة لنا ؟!!!! .. كضرورة الهواء لرئة الأشجار!!! .. فهي عزاءنا الوحيد و سلوانا الفريد ! .. و تبريرنا القديم و العتيد على عدم العمل و الفعل و العيش متطفلا .. فهي عكازنا الكبير لكسلنا العظيم !!! .. فليس عبثا ، أن ركز الطاغية الأرعن البائد جل اهتمامه ، على الأدب و الفن و على سيول و فيضانات الكلام ، السيالة كمياه آسنة ، ناثرا عطاياه و مكارمه ، على كل مَن هب و دب ، من كل قدير و هزيل على حد سواء : إذ كان يعلم بأنه إذا منع العراقيين عن الكتابة الإنشائية و الشعرية وغيرها و عن الكلام الكثير ــ ولو مدحا و تمجيدا به و بنظامه ــ فأنهم حتما سينتفضون عليه و يغيرون نظام حكمه ، ولكن في هذه المرة بأيديهم ، و ليس بأيدي غزاة أجانب ؟؟؟!!!!!. أم فاتني أن أعرف بأنه قد أصبح من قدر كل عراقي ، أن يتعرض ل ( صعقة ) شعرية ، تنتابه كلوثة ذهنية و خيالية وتجعله يتبول شعرا ليلا و نهارا ، بحيث لا يكون عنده وقتا للعمل ولا للفعل ، و إنما الارتعاش أمام وحشية الموت و الإذلال و الخنوع والاستسلام للجلادين و الجزارين بمازوخية كاملة ؟؟؟!!!! .. و .. و التظاهر بأن الأمر لا يعنيهم لا من قريب أو بعيد .. كتلك النعامة التي و الخ .. و الخ ! .. ما زال الهواء حولي مشبعا برائحة الدماء الساخنة للضحايا العراقيين المغدورين ظلما و عبثا ! .. حيث يحيطني زمن القرف و الغثيان الجارف والمطلق ! .. أهمهم مع نفسي مستغربا : الشعر في زمن القرف و الغثيان ! .. وفي زمن الموت العراقي المعلن للعالم ، بكل استسخاف و استهتار سافرين !.. يا له من ترف روحي لأرستقراطيي هذا الزمن العراقي النادر !!! .. و دون إرادة مني أتجول من جديد بين الأخبار الضاجة بالقتلى الشهداء ، الغافين بوداعة أطفال بين أنقاض الجسر ، كما لو كانت قد مستهم مخالب حرب سرية ضارية ، تعربد هنا و هناك ، و من ثم تمضي ، لتختار غدا و بعد غد ضحايا جددا ، من الخراف العراقية المستسلمة لمصيرها التراجيدي الفريد !. في أثناء ذلك ، تزداد رائحة الهواء حولي و فوق رأسي ، تشبعا وكثافة بالدماء العراقية المسفوحة و الساخنة ! .. وهي تحيطني مع سيل جارف من القرف و الغثيان و .. ومن الغضب العقيم !.
|