الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

29  آب  2005

ومضات خاطفة

أليست الفدرالية أفضل من التقسيم ؟؟!

كتابات - مهدي قاسم

بدء ا لابد  من التأكيد على كوني من أنصار وحدة العراق أرضا و شعبا ، إلى حد أحبذ بأن يكون للأخوة الأكراد العراقيين نوعا من الحكم الذاتي الواسع و المرن ،  بدلا عن نظام  الفيدرالية ! ، بحكم  كون من أن عصرنا الراهن ،  يتجه نحو الاتحاد و الوحدة ، بين الشعوب و الأقوام  ،  بدلا عن التفكك و التقسيم و الشرذمة و العزلة ،  و تجربة الشعوب و الأقوام الأوروبية المتآخية تحت خيمة الاتحاد الأوروبي الدافئة و الهادئة و السعيدة ، لهي اكبر دليل على ما نقول و نعتقد .

فالوحدة و الاتحاد ــ كحالة اختيارية و ليست إجبارية  ــ   يعني التعاون و التعاضد و التماسك وتنامي  القوة الاقتصادية و الازدهار الفكري و الثقافي و الثراء الروحي  ، عبر أخذ و عطاء متبادلين  بين أقوام و ملل و نحل و مجموعات بشرية ، يُفترض بأنها متآخية و منسجمة فيما بينها ، ومؤمنة بالعيش المشترك ، و لكن خارج إطار من الهيمنة و التسلط  و فرض الإرادة التعسفية  ، من طرف ضد طرف أخر  ! .

كل ما قلناه أنفا ، قد و ربما ،  يبدو جميلا و رائعا ، و لكنه يحتاج في الوقت نفسه ،  إلى أطراف تؤمن و تقتنع به ، و تعمل من أجل تحقيقه بنية حسنة و شريفة ، و عبر أعمال ملموسة النتائج  ، فعلا و قولا و تطبيقا على أرض الواقع  ، كانفتاح وطني مخلص على الشراكة الوطنية تستوعب الجميع ولا تنفر أحدا منهم ،  و لا تلغي هويته القومية و الثقافية و الروحية ! .

و ما دمنا عند الحديث عن الوحدة و الاتحاد و الفيدرالية ، فلا مهرب من التأكيد على أن حالتنا العراقية الراهنة ،  مشحونة و متوترة  بالنفور و الشك و انعدام الثقة بين الأطياف العراقية ، إلى جانب الشعور بالغبن و الظلم  من ناحية  ، و بالتهشيم و التشرذم من ناحية أخرى ، وفوق ذلك ، في وسط عاصف من أعمال العنف و الإرهاب  و الإبادة المنظمة ، و عمليات اغتيالات متبادلة ،  بحيث تبدو الثقة بين الأطراف العراقية ، متشظية و متناثرة مثل مزهرية محطمة ، يحتاج  ترميمها إلى معجزة خاصة  ، في زمن انعدامت فيه المعجزات ! .

فثمة طرف يذرف دموعه على الهريسة ــ الثروة النفطية ــ و ليس على الحسين ــ الوطن ــ لا يني ، يدعو إلى التمسك بوحدة العراق ، و لكن بالسيارات المفخخة  ، و بارتكاب سلسلة متواصلة من  المذابح و المجازر الجماعية اليومية ،  وعبر احتضان و مساعدة و مساندة الملثمين النازيين والجزارين  الساديين .

بينما الطرف الثاني ،  الذي عانى عهودا طويلة  ، من تسلط و هيمنة الطرف الأول في السلطة و الحكم ، يريد استغلال سلطته الراهنة ،  لفرض إرادته السياسية و الطائفية ، والمُثيرة للشوك و الريبة و عدم الاطمئنان  ، و خاصة على صعيد و التقسيم و الانفصال ، مشكوكا بولائه الوطني   .

في حين كان ينبغي على الطرف الأول ، الذي يذرف دموع التماسيح على وحدة العراق ، خشية من فقدان الهريسة ، أن يعمل شيئا مخالفا ومعاكسا لما فعله  سابقا وحتى الآن  أيضا ، من خلال  ممارسات  و سلوكيات متواطئة على الإجرام  و الغدر و التآمر ، وفرض الإرادة بالقوة و العنف ، ضد الطرف الأخر ،  أي بدلا من التمسك بالبعثيين النازيين و حمايتهم ، و تبني  أيديولوجياتهم الفاشية و العنصرية و الدفاع المستميت عنها  ، و التماثل الفكري  معها ، و بدلا عن احتضان البهائم البشرية الملغومة من العربان المتسللين ،  و دفعهم إلى تفجير أنفسهم النجسة ، في وسط أبناء الوطن الآخرين الأبرياء من الأطياف العراقية  الأخرى ، وبدلا عن  التهديد الدائم بالويل و الثبور و تأجيج براكين نيران  الجحيم و جهنم ، فوق رؤوس أغلبية العراقيين ،  في حالة كذا و كذا ، وإذا !!! ،  نقول : بدلا عن كل ذلك ، كان يفترض من هذا الطرف ،  فتح القلوب و  الأذرع و الأحضان الأخوية و الوطنية الصادقة  ، لاحتضان  باقي الأطياف العراقية ،  و التعبير الصادق عن المحبة الوطنية  باتجاههم ، مع نوايا حسنة و حقيقية للمصارحة الوطنية ، و إبداء الأسف و الاعتذار عما مضى ،  قبل أن تعقبه مصالحة وطنية شاملة تفرز البريء  ، عن القاتل  المحترف ،  و الضحية  عن المجرم السفاح ! .

أما الصريخ و العويل عن وحدة الوطن ، و في الوقت نفسه احتضان القتلة المحترفين و الجزارين الممسوسين ،  والعيش معهم تحت سقف واحد ، فهو تهريج و تدليس و تضليل  الغاية منه ،  محاولة استرجاع الامتيازات السلطوية و الطائفية ،  التي فُقدت بعد انهيار النظام السابق ، و دفع الطرف الثاني إلى فقدان الثقة بشكل نهائي ، و إلى الاندفاع أكثر فأكثر نحو الانفصال و الاستقلال ، على اعتبار أن حليمة دائما ترجع إلى عاداتها القديمة !.

و بما أن السيئ هو افضل من الأسوأ ، فأننا نظن بأن الفيدرالية ، في مثل حالتنا العراقية الراهنة   ، تبقى هي الأفضل  بكثير ، من حالة التقسيم  الانفصال .

و ذلك تمشيا مع المثل العراقي القائل ( لاحظت برجلها و لا أخذت السيد علي ) ! .

إذ كل ما نخشاه هو : أن ثمة حربا أهلية شاملة وطاحنة ستعصف بالبلاد ،  بحيث يصبح  حلم الفيدرالية ضربا من المستحيل ! .

أما الوهم السائد على صعيد الاحتفاظ بوحدة العراق عن طريق ( إشعال العراق كله ) !!! ، عبر سيارات مفخخة  ، و إطلاق صواريخ و قذائف الهاون على المناطق و الأحياء الأهلة بالسكان الآمنين ،  و من خلال عمليات الاغتيالات اليومية ، فينبغي القول أن هذه اللعبة الدموية  قد فقدت تأثيرها تماما ، ناهيك عن أنه من المستحيل إبادة طيف ــ أي طيف كان ــ مكون من ملايين عديدة ! .

فالطريقة الوحيدة التي يمكن من خلالها الاحتفاظ بوحدة الوطن  ، هي استعادة الثقة المفقودة بين جميع الأطراف ،  و تبديد الظنون و الشكوك و الشبهات و عدم التحايل و الطعن و الغدر من الخلف و عدم التواطؤ مع القتلة المحترف و مع البهائم البشرية الملغومة ، و التخلص من أوهام فرض الهيمنة و التسلط عن طريق القوة و العنف ، و كذلك  من خلال اعتبار ميزان المواطنة و الانتماء إلى الوطن ، هو المعيار الوحيد للحصول على الحقوق ، و ليس من خلال الحزب أو القومية أم الطائفة !.

و لكن يبدو أن الأوهام ما زالت تمسك بخناق البعض و تدفع بالبعض الأخر ، إلى  ارتكاب حماقات تاريخية  واحدة نلو الأخر ، يكون الوطن هو ضحيتها الأولى و الأخيرة  ! .

Qasim32@gawab.com