الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

27  آب  2005

ومضات خاطفة

الدستور بين شركة تجارية و بين شراكة وطنية !

كتابات - مهدي قاسم

يُفترض أن ينال أي دستور - الذي  تتم صياغته بإرادة حرة و مستقلة - و يكسب رضا و قبول و موافقة  أغلبية الشعب ، أن لم يكن كله ! ، أو على الأقل هذا ما أثبتته لنا ، مؤخرا ، تجارب الشعوب التي مرت بتجربة مماثلة كشعوب المعسكر الاشتراكي سابقا ، على سبيل المثال  ، كما يمر الآن  الشعب  العراقي ، في ظروف مشابهة.

 وكما هو معروف للجميع ، ينبغي أن يكون الدستور الحقيقي و المتكامل و الجيد من جميع النواحي ، مجسدا  للإرادة الحرة و المصالح و الحقوق  العامة و الخاصة للناس ، و أن يكون مرآة نقية و ناصعة تعكس الحد الأقصى أو  الحد الأدنى ،  لتوافق وإجماع ، وانسجام  المواقف ومصالح مكونات المجتمع مجتمعة ، و ضمن مساواة بالحقوق و الواجبات ، بحيث تشمل الجميع ،  و بدون أي استثناء ،  إلى حد لا يشعر أي  طيف أو فئة  ، و شريحة  اجتماعية  ، و  مجموعات قومية و اثتية و دينية  معينة ، بالغبن و الظلم  ، و بمصادرة الحقوق ، أو نوعا من الهيمنة و الإقصاء و الإهمال المتعمد !.

فالدستور ليس وثيقة  ، لتأسيس شركة تجارية ، و فيما بعد و لسبب من الأسباب ،  يمكن حلها أو إلغاءها بكل سهولة و بساطة ،  و من ثم الانسحاب منها ،  ببعض الخسائر المالية ، و إنما هو نص ( مقدس ) وضعي ،  للشراكة الوطنية و العيش المشترك ، بين مجموعات و  أطراف معينة  من أقوام و ملل ، تحترم حقوق بعضها للبعض الآخر و تضمنها بتساو كامل ، على صعيد حقوق المواطنة ، و  بغض النظر عن  حجم الأغلبية أو الأقلية لهذا الطرف أو لذاك ! .

فأغلب الناس يعرفون هذه البديهيات ، و لكن لابد من  تكرارها بسبب إشكالية مسودة دستورنا الجديد المثارة !! .

إذن فأن الدستور الجيد ومكمل من كل جوانبه و المحرز على قبول كل الأطياف و الأطراف و الجماعات الوطنية المطمئنة على حقوقها المتساوية ، يمكنه و بالضرورة ،  أن يجمع أبناء الوطن الواحد ، تحت خيمة موحدة ، و يجب أن يوحدهم ،  ضمن إعلاء حقوق المواطنة الحقة ،  فوق أية  حقوق طائفية أو قومية أخرى ، بدلا من أن يكون عامل تفريق و تشتيت ، و مصدر إثارة نزعات و صراعات دموية و كوارث وطنية ! .

ولكن ــ و لخيبتنا الشديدة ــ لاحظنا أن مسودة الدستور  المقدمة إلى الجمعية الوطنية للتصويت عليها ، تحمل من عوامل تفريق و تشتيت ،  و من عناصر إثارة نزعات و صراعات ، أكثر مما تجمع و تقرب و توحد بين جميع الأطياف العراقية ، بسب الثغرات و النواقص و المأخذ  الكثيرة ،  التي تم التطرق إليها  بكثرة و إفراط  ، لحد الملل و الضجر، بحيث يبدو واضحا : أن هذا الدستور،  قد ولد سقيما ، و هجينا  ، و مرقعا ، لا يعجب أحدا ، و لا يرضي طرفا معينا ،  رضا كاملا ، فلماذا إذن ، هذا الإصرار على فرضه بشكل تعسفي على الجميع  ، في الوقت الذي ليس فقط ، لا يحظى برضا و قبول الجميع ، و إنما من الممكن أن يكون مصدر حرب أهلية  ، من كلا الطرفين في هذه المرة ؟؟! .

نحن نعلم جيدا أن من نصبوا من أنفسهم ( ممثلين ) للعرب السنة ، وهم  ، أصلا ، و بشكل عام ، يعدون  من أنصار النظام السابق و المتضررين من انهياره ،  سوف يجدون دائما ثمة مأخذا أو اعتراضا ما ،  على أي دستور جديد  تتم صياغته مستقبلا ، طالما أنهم  يرون أنفسهم غير قادرين على ممارسة  ( حقوقهم التاريخية ؟؟ ) في حكم العراق ، على أساس طائفي مثلما اعتادوا عليه ،  منذ تأسيس العراق في أوائل العشرينات من القرن الماضي ،  و حتى الآن ، و سوف يجدون دوما ،  عذرا ما  ، حجة ما ،  لإثارة القلاقل و الاضطرابات ، و يستعينون ب( مساعدة  الأخوة المجاهدين ) العرب الانتحاريين ، لاسترداد حقوقهم التاريخية تلك !!! .. و لكن مع ذلك .. يجب وضع هذا الدستورــ المختلف حوله ، بشكل و أخر ، من قبل الجميع ، أو على الأقل ، من قبل الأغلب ــ في خزانة الجمعية الوطنية ،  للاستفادة من بعض بنوده و فقراته و مصادره ، لصياغة دستور جديد ، أو على الأقل بهدف تعديل الدستور الحالي ذاته  ، وفقا لمتطلبات مصالح الجميع الأساسية ، بحيث  يحظى بقبول و رضا  جميع الأطياف العراقية : متدينين و علمانيين ، محافظين و لبراليين ، عروبيين و أمميين ، رجالا و نساء  !.. وهذا الأمر لن يتم تحقيقه ،  إلا بعد إجراء انتخابات جديدة ، ليصبح للعرب السنة أيضا ممثليهم الشرعيين فعلا و حقيقة ، بدلا عن مجموعة من البعثيين و الصداميين ، مثلما هو الأمر القائم  الآن !!! .

بل نحن نعتقد بأن صياغة دستور حقيقي و كامل ، تحتاج إلى وقت مناسب وطويل ،  قد يستغرق أربع أو خمس سنوات مقبلة ، لكي يستعيد المجتمع العراقي عافيته النفسية و الروحية  ، و ينضج وعيه السياسي ، و يصبح قادرا على الانتخاب ، بوعي  سياسي ناضج  ، و مواكب للتطورات السياسية و الاجتماعية و الفكرية  ، و  ليس على أساس فتاوى وإثارة  عواطف و مشاعر دينية أو طائفية مبتزة ، و إنما على أساس  برامج سياسية تمس مصالحه الشخصية مباشرة ، أن على الصعيد المعيشي أو الاقتصادي أم الاجتماعي ، ناهيك عن  الثقافي و الروحي .

بينما أن المجتمع العراقي يمر الآن ، بفترة نقاهة  بطيئة ! .. و يتعافى على مهل و تأن ، على الرغم من المحن الكثيرة التي تثقل حياته اليومية و تظلمها أكثر فأكثر  .

لذا فانه يحتاج إلى وقت طويل ،  لكي يستفيق  و يصحو من الضربة الصاعقة  الصدامية ــ البعثية الطويلة  !.

فلم الاستعجال و التسرع  إذن ، لفرض علينا دستور سقيم و هجين ، يحمل ألغامه و كمائنه ( المفخخة )  بين ثنياه ،  ليتسبب بمزيد من تصدعات اجتماعية ووطنية بين الأطراف و الأطياف العراقية المتنوعة و العديدة ؟؟! .

أم نسيتم أيها السادة  المستعجلون : بأننا لا نعيش في مكتب لشركة تجارية ، و إنما في شراكة وطنية واسعة ،  يجب أن تتسع لجميع العراقيين ، بدون  أي استثناء أو إقصاء  أو هيمنة ، من قبل أي  طرف كان  ، سواء كان يمثل الأكثرية أو الأقلية ؟؟! .

Qasim3@gawab.com