|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
21 آب 2005 |
|
ومضات خاطفة الجياد الأصيلة لن تضرب عن الصهيل ! كتابات - مهدي قاسم كتب الزميل الكاتب و الفنان التشكيلي د احمد النعمان ، مساء أمس تعقيبا بعنوان ( أضربت خيولنا عن الصهيل ) المنشور على صحيفة ( كتابات ) ، ردا على مقال لي نُشر مؤخرا على الصحيفة ذاتها بعنوان ( شتان بين مثقفين مصريين وبين مثقفين عراقيين ) ، ليأتي هذا التعقيب ، ليكون بمثابة الدفاع عن المثقفين العراقيين الذين ــ حسب اعتقاده ــ قد ظلمتهم و غبنتُ حقهم ، و قد نسيتُ ، تضحياتهم الجمة التي قدموها أثناء مقارعتهم للنظام الدموي السابق ، و تاليا ليقدم ــ كدليل على صحة قوله ــ قائمة بأسماء الكتَّاب العراقيين الذين ما زالوا يحملون الهم العراقي الراهن . وهو الدليل الذي لا نشك بصحته إطلاقا ! . إلا أن الأستاذ الكاتب النعمان ، يرجع ليعترف مؤكدا حتى من خلال عنوان مقاله ( أضربت خيولنا عن الصهيل ) على صحة ما ذهبتُ إليه أنا من قصد من وراء كتابة مقالي المذكور، أي فقداننا الصارخ لغياب صوت المثقف العراقي العام ، في هذه المرحلة الحرجة و الخطيرة التي يمر بها مصير العراق ، و مصير الشعب العراقي الشائك ، و الموجع و المأساوي و الشبيه ، بمخلوق يحتضر معانيا بشدة و فظاعة ، و كأنه بحاجة إلى طعنة الرحمة ، ليتخلص من كل آلامه و أوجاعه المبرحة التي لا تطاق ! أظن أن سوء الفهم ــ الذي دفع بزميلنا الكريم النعمان إلى هذا الشعور ، بظلمي لجميع المثقفين العراقيين ــ يرجع إلى كونه قد استشف طابع التعميمية الإطلاقية ، في مقالي المذكور ، وهو السهو الذي كان يجب تجاوزه ، دون اعتماد على حدس و فطنة كل قارئ ، بينما أنا كنت أبغي التركيز على الغياب الواضح و المحسوس بقوة ، لصوت المثقف العراقي بمفهومه العام و ليس الإطلاقي و الكلي : إذ ليس من المعقول و أنا أقرأ يوميا ، أو بين حين و أخر ، لعديد من الكتَّاب و المثقفين العراقيين ، ممن ذكر أسماهم الأستاذ النعمان نفسه ، و كذلك لأولئك الذين لم يذكر أسماهم ، و الذين نكن لهم احتراما تقديرا عاليين ، لكونهم قد أعلنوا انحيازهم الواضح و الصريح ، إلى جانب الشعب العراقي ، من خلال كتاباتهم المحملة و المشحونة بالهم العراقي اليومي، و جهودهم الدائبة و الساعية ، إلى تعرية و فضح أكاذيب و تضاليل و تلفيقات الفيلق الإعلامي البعثي الغوبلزي ــ و العربي المرتزق و القومجي المهزوم ، و التكفيري ــ السلفي المسعور ؟؟! ، هذا ناهيك عن كوني كنتُ من ضمن الرعيل الأول للمثقفين العراقيين المهاجرين إلى المنفى ، في النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي ، و الذين رفضوا مبكرا جدا ، أن يتحولوا إلى أبواق صدئة و مبحوحة و إلى أصوات ذليلة و بائسة ، تمجد و تمدح و تشيد بنظام العفالقة النازيين و بالطاغية الأرعن البائد ، و حيث سقط العديد منا ضحايا و شهداء لعمليات الاغتيال الناجحة حينا و فاشلة حينا أخر ، في بيروت ذلك الزمان ، حيث كانت للسفارة العراقية آنذاك فرق اغتيال شرسة تصول و تجول في جميع الأراضي اللبنانية ، تغتال و تقتل من تريد و من تشاء و حسبما ترغب و تبغي دون أي رادع أو مانع ! . إذن فكيف يمكننا أن ننسى كل هذه الحقائق التاريخية للمواقف المشرفة لعشرات المثقفين العراقيين ، و خاصة بينهم من شهداء كلمة الحق و الحرية و التعبير ؟؟! . لذا فأننا عندما نكتب متفقدين صوت المثقف العراقي بمفهومه العام ، وبدون هوامش توضيحية للاستثناءات ، فأننا نفترض بأن القاري الكريم يعرف و يدرك بأننا لا نقصد جميع المثقفين العراقيين و بدون استثناء ! . لنرجع متسائلين بشكل مشروع : لكن هل فعلا ، أن الأسماء ــ التي ذكرها الزميل الكاتب احمد النعمان ، و تلك التي لم يذكرها ، و الذين يواصلون الكتابة في الصحف و المواقع العراقية و العربية ــ يشكلون صوت المثقف العراقي العام و الكلي قطعيا ؟؟! ، أم أنهم يشكلون جزءا يسيرا منه فقط ؟؟! . و إذا عرفنا بوجود آلاف من شعراء و كَّتاب و مثقفين و فنانين ، عاملين في مجال الفكر و الإبداع الأدبي و الفني ، و الإعلامي ، و الفكري ، و الذين يخيم عليهم صمت عميق و حياد عنيد ، يثير الدهشة و الاستغراب ، و خاصة في هذه المرحلة العصيبة و الحرجة التي يمر بها العراق ، وهو مهدد بالضياع و الزوال ، في حين أن المواطن العراقي ، يعيش نمطا بائسا ، من حياة صعبة و قاسية و غير إنسانية ، لم يكن ليتحملها حتى الرقيق في القرون الوسطى ! ، فنقول إذا قارننا هذا الجزء اليسير المقارع ، بذلك الكل الصامت و المهادن ، فسيتضح لنا كم كبير ذلك الفارق بين الطرفين ! . يضيف زميلنا الكاتب النعمان : ( اليوم أيضا اعتقد بأن الديكتاتورية الدينية بشتى الأوان عماماتها آتية لا محالة ) . و إذا كان الأمر كذلك ــ فهو كذلك بالفعل ــ فأليس من الواجب الأخلاقي و المبدئي إذن ، أن تصهل ( خيولنا ) في هذا الوقت بالذات ، بدلا من أن تيئس و تعلن الاضراب * عن الصهيل و الحمحمة ؟؟! ..أو ليس من الغيرة الوطنية و الحضارية ، أن تصهل و تصهل هذه الخيول و الجياد ــ إذا كانت أصيلة بالفعل ــ حتى تقع هذه العمامات من على رؤوس حامليها الدجالين و المنافقين الظلاميين ، مثلما تصيح الديوك إلى أن تشرق الشمس ؟؟! . بل سأزيد و أسأل : أين هو صوت الشاعر و الروائي فاضل العزاوي و الروائية و القاصة سالمة صالح و الشاعر هاشم شفيق ، والشاعر شاكر اللعيبي ، و الشاعر عواد ناصر ، أين هو صوت الشاعر مؤيد الراوي و صوت الروائي برهان الخطيب ، و الشاعر فاضل السلطاني و الشاعر عبد الكريم قاصد و الروائي نجم والي، و الشاعر جليل حيدر ، و الشاعر هاتف الجنابي ، فأين هو صوت الشاعر وليد جمعة ، و صوت الشاعر حميد العقابي و صوت الشاعر صلاح نيازي و صوت الشاعر صلاح فائق و صوت الشاعر حميد قاسم ، فأين هو صوت الباحث التراثي و المفكر علي الشوك ، و صوت الشاعر رياض النعماني و صوت القاص و الروائي محي الأشيقر ، و صوت الروائي جنان الحلاوي ، صوت مظفر النواب و الخ .. و الخ من مئات أسماء ثقافية أخرى و كثيرة ، ممن لا تخطر على بالي بغتة ؟؟! . هذا ناهيك عن أسماء مئات من فنانين تشكيليين ونحاتين ، و مخرجين مسرحيين وسينمائيين و ممثلين و مصورين و غيرهم الكثيرين جدا ! . و كل هذه الأسماء المذكورة ما هي ألا غيض من فيض ! .. و خاصة إذا عرفنا بأن كل عراقي ثالث هو شاعر بالضرورة ؟! ، أو قاص أو فنان أو شيء من هذا القبيل !!! . يجب القول ، مع الأسف الشديد : أن المثقف العراقي ــ و هنا أتكلم عن المثقف العراقي بمفهومه العام ، و ليس التعميمي بالمطلق ، أقول هذا ، تجنبا لأي التباس جديد ! ــ الذي رفض خدمة النظام السابق و منح نفسه لحياة الغربة و النسيان و العزلة ، نقول أن هذا المثقف العراقي الصامت و المحايد ، و غير المكترث بمصير بلده إلى حد ما ، بدأ يذكرنا بذلك الخلد الذي يشق لنفسه حفرة في بطن صحراء منسية ، ليستقر بها مستوطنا و مقيما ، محاطا بمؤونة شتوية ، ليعيش ناسيا حتى مسقط رأسه ، متكئا على وسادة إحباطه و يأسه و خيبته المريرة ، فاقدا ومسلوبا حتى نعمة الانتظار الغودوي ! . هل هذا من حقه ؟؟! .. بالطبع !! .. فهذا خياره الحر و قراره الأخير !.. ولكن كلما في الأمر، حاولنا إجراء مقارنة بسيطة ، بين مثقفين عراقيين ، كهؤلاء الأنفي الذكر من فصيلة ( الخلد الصحراوي ) المنعزل ، و بين مثقفين مصريين ، الذين يقلقهم مصير وطنهم المضطرب بعض الشيء ، والذين يقررون الوقوف إلى جانبه في هذا الزمن الاضطراب ، و ذلك شعورا منهم بالواجب الأخلاقي و المبدئي ، وهو الواجب الذي يحتم عليهم دلك الوقوف ، و لكن بدون وسائل إجبارية . إلا أن أصابعنا ليست سواسية ، و لا كذلك مثقفينا ، أليس كذلك ؟؟!!! . و يبقى أن نقول : إذا كان من حق البعض التحصن بالصمت و الحياد الخالصين ، و بالنص الإنشائي الإسهالي للتسلية ، أو التحديق الدائم بالجدار ، و بعزلة الجليد الفاصل و العازل ، فمن حق البعض الأخر إطلاق صرخاته العميقة ، و خاصة عندما يرى بيته ، أو وطنه ملتهما بألسنة النيران العالية ، حيث تؤجج و تثير أنفه رائحة شواء للحوم بشرية حية !. * بالرغم من سقوط نظامهم المخزي و المدوي فأن ( البغال ) البعثية الهجينة ، لم تعلن الاضراب عن (النهيق ) حتى الآن ، بل أنهم كسبوا صوت ( العندليب ؟؟ ) الأخضر أبن الأخضر ، الشاعر البصراوي سعدي بن يوسف الجميل ؟! ، كسبوا صوته المرتفع عاليا بمسبة العراقيين ، مشيدا و مادحا بقتلة العراقيين الملثمين ، و مدغدغا مشاعر وأحاسيس العربان المتحجرة ، و الباكين على أنقاض نظام البعثيين النازيين .، فنسأل : لماذا إذن تعلن ( خيولنا ) الاضراب عن الصهيل ، في برية الصمت الشاسعة للموت العراقي اليومي ؟؟! ، عندما يجب أن يرتفع الصهيل العالي لخيولنا الأصيلة ، حتى عنان الأفاق البعيدة ! .
|