الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

16  آب  2005

ومضات خاطفة

لقاء غامض مع الشيطان

كتابات - مهدي قاسم

لم الإنكار ؟! .. أنني من المعجبين  جدا بالشيطان  ، مع أنني لستُ يزيديا ، و لا شيطانيا بأي حال من الأحوال !! .

يرجع سبب إعجابي بالشيطان إلى كونه قد تحول ، حسب  تصوري و ظني ،  إلى رمز للحرية و التمرد  و الإرادة الحرة و الطليقة ، لأنه و بكل بساطة رفض العبودية ، و الخشوع ، والخضوع لأية إرادة كانت ، ما عدا لإرادته الحرة  ، الأمر الذي كلفه الشيء الكثير ،  من النفور و النبذ و التكفير و اللعنة ، إلى جانب اعتباره سببا لكل المصائب و النوائب ،  التي حلت و ما زالت  تحل بالبشرية ، منذ أن تورط جدنا الأول آدم ،  بقضم تفاحة أودت به منفيا و مطرودا  إلى خارج الجنة  ، ساعيا حافيا مشردا  مثقلا بهموم و منغصات  الحياة اليومية و الكثيرة . و كأنني بالشيطان يقول محاججا :

ــ و ماذا عن المكتوب على الجبين ، و عن كل ما يقع و يحدث لإنسان من سيئات و حسنات .. من مصائب ماحقة ،  و من  نجاحات  باهرة ؟؟! ..  فأليس كلها  تعكس إرادة الرب  و رغبته و قدرته الجبارة ؟؟! .. إذن فما ذنبي أنا ؟؟ ، لأصبح حمارا محمولا و مترنحا ،  بكل ذنوب وأثام  البشرية جمعاء ؟؟! .. فأين العدل من كل هذا ؟؟!

 هكذا تساءل الشيطان شاكيا متذمرا و مستاء ، و كأنه يلومني أنا  على ما حل به من غبن و ظلم و سوء فهم :

ــ : الله يخليك أيها الشيطان الرجيم ، عفوا أيها المتمرد القديم  ! : اسألني عن أي شيء أخر ،  ما عدا عن العدل ! ، لأنني لا أؤمن بوجوده  إطلاقا  ، لا في هذه الدنيا و لا في غيرها ! . إذ أنني أمضيتُ عمري كله  ، بحثا و تنقيبا و تفتيشا عنه ، و لكنني  لم أجد غير الباطل المكعب ، الذي أتعثر به أينما ذهبتُ أو حللتُ في هذه الدنيا الظالمة ! .

صاح الشيطان بحماس شديد :

ــ أنك على الحق تماما يا أخي الكريم ! ، و لكنهم مع ذلك  يقولون ، و سيقولون أنا السبب لعدم وجود العدالة على وجه الأرض ! . فهل رأيت مهزلة أكثر من هذا ؟؟! .. فأنا سبب كل الشرور و السيئات  في نظرهم  ، فكل مَن يسرق و يزني و ينهب و يقتل و يذبح ، يقول أنا السبب الأول و الأخير في حدوث ذلك ، و كأنني أنا الذي دفعته و حرضته على ذلك الفعل الشنيع و الوضيع  ..  بينما  يمتلك كل الإنسان عقلا و تفكيرا و منطقا و إرادة حرة ، ليفعل ما يريد  ، و يمتنع عن فعل  كل ما يريد ؟؟! .. أو ليس كل هذا مهزلة ما بعدها مهزلة ؟؟! .

أجبتُ باستياء مصطنع ، متسائلا  :

ــ آه  يا عزيزنا  الشيطان :  ماذا كان يكلفك ،  قليل من التواضع و الخشوع لجدنا الأول آدم ، لكنا الآن جميعا ،  ننعم و نتمتع  بفوائد الجنة و حسناتها وملذاتها العديدة و الكثيرة !! .. بدلا من هذا الدوران و المروحة في  الجحيم الأرضي الذي لا يطاق و لا يُستساغ بأي شكل من الأشكال ! . . و لكنك بدلا من ذلك ورطته بقضم تفاحة و كسرت  رقبه و رقبتنا في آن واحد  ! .. و جعلتنا نكد و نكدح على الأرض ،  مثل بغال الجبال اللاهثة و المنهكة ، بدلا من التمتع بالجنات التي تجري من تحتها الأنهار، مع الحوريات الحسناوات ،  و الغلمان الحلوين المخلدين ! .

نظر لي الشيطان بنظرة كسيرة و مؤلمة كمن تعرض إلى ظلم كبير ، كمن يقول في سره : " و  أنت أيضا يا بروتس ؟ " إلا أنه سرعان ما رد مدافعا عن نفسه :

ــ سواء تصدقني أم لا ! ،  فأنا  ضحية  كل العصور و الأزمان و العهود ! .. وقد جعلوا  مني  كبش المحرقة الأبدية ، و بدون أي ذنب أكون قد ارتكبته أبدا ! .. و إلا  فهل من المعقول أن قضم تفاحة يكون سببا في النفي من الجنة ، بينما أن السيد آدم ، كان أول مَن  ارتكب خطيئة  الزنى على الأرض ، إذ أنه قد زنى بحواء دون إذن أو تصريح  من الرب ! ، أليس كذلك  ، أم أنا غلطان في هذا أيضا ؟؟!.

أجبته بلهجة جافة أقرب إلى النفي منه إلى الاتفاق :

ــ لو لا  إرادة الرب لما  حدث و تم ذلك ! .

أجاب الشيطان محاججا :

و لماذا لا ينطبق ذلك على حكاية قضم التفاحة المحرمة أيضا ؟؟!  . أليس هو الآخر أيضا  انعكاس لإرادة الرب و رغبته و قدرته الخارقة ،  مثلما تقول الكتب المقدسة ؟؟! .

قلت في داخلي " آه  ! ،  لقد أفحمني هذا الشيطان الرجيم  " ! .. ثم تصاعد صوتي المتقهقر برَّد ،  فيه تراجع أكثر مما هو صمود بعينه :

ــ   إنما  أنها كانت تجربة  ، لا أكثر و لا أقل ، و إذا بسيدنا آدم يسقط و يرسب في أول امتحان بسيط له ، فكيف به بالامتحان الصعب و المعقد ــ و استدركتُ مردفا ــ و لكنني  لم ألتق معك لنتناقش في مواضيع  و أحداث الأساطير و الخرافات و الكتب المقدسة ، و إنما لأبلغك عن وجود زاوية دافئة لك بين قلوبنا العراقية ، إلى حد ندافع عنك حتى في جمعيتنا الجديدة ! .

نظر لي بدهشة  و استغراب ، و قال سائلا بنبرة من الشك :

ــ حقا ؟؟! .

ــ حقا  ، و فعلا  ، و طبعا ! .. و سوف يمتنع عدد كثير منا عن لعنتك و مسبتك ! ، ماذا تقول عن كل هذا  ؟؟! .

أجاب الشيطان بلهجة فرحة ،  و لكن بشيء من الشك أيضا :

ــ أنه لأمر يدعو إلى الابتهاج  حقا ! .. صدقوني أنا مظلوم  يا ناس  يا عالم  يا أهل الخير و محبي الحرية ! ..  أنا مظلوم بالفعل !! ، ــ بعد تفكير قصير تساءل ــ و لكن لمَن نعزو هذا التحول الكبير في تقيمكم الإيجابي  لي ؟؟! .

ــ إلى تسامحنا و تفهمنا و مرونتنا  ، و قوبلنا للآخر من أبناء وطننا و من  غيرهم أيضا ، و بغض النظر عن كون هذا الآخر : مَن يعبد ، أ  شيطانا مثلك  .. أو يعبد  بقرة ، أم  مثلنا يعبد  ربا غامضا و مجهولا ، لا نراه  إلا عبر نور عقولنا  ومن خلال عيون حواسنا ! .

قال الشيطان بنبرة مفرحة  :

ــ لم أكن أعلم أن ثمة أناسا بينكم يعبدونني ، أن الأمر برمته يدعو إلى الفخر و الاعتزاز ! .

ــ  نعم ! .. أنه لكذلك ! ، و أنت جدير به ! .

ــ و لماذا أنا جدير به  حسب رأيك ؟؟! .

ــ لأنك كنت الأول مَن تمرد على أساليب  فرض العبودية و الخضوع و الركوع  للإرادة المهيمنة و الطاغية و المتكبرة ! ..  وبالتالي فقد تحولتَ إلى رمز للحرية و التمرد و الثورة  ، و للإرادة الحرة و الطليقة !.. فكل هذا ليس بالأمر الهين بالمرة ! .

رد الشيطان شاكيا أو متباهيا  ، لا أعلم :

ــ  آه  ! ، لو تعلم  كم كلفني ذلك ، ثمنا باهظا و فادحا جدا ! .. فقد كنت ملعونا و منبوذا ،  منذ الولادة الأولى للبشر الفانين و لحد الآن ! ..  و من حسن الحظ أن تلك المعاناة و الجهود المضنية والشاقة لم تذهب عبثا أو هباء   أدراج الرياح ! .

ــ أجل !..فوجود مرديك و أتباعك الصابرين و  الطيبين الكثيرين ،  لهو دليل على حسن اختيارك لقدرك القاسي و المؤلم ! .. فيجب أن تكون لكل تضحية ثمرتها الملموسة ، و إلا  فكل شيء يصبح عبثا في عبث  ، و عديم المعنى ،  تماما كالعدم و الخواء ذاتهما  ! .. و لكن إلا ترى ، بأنه قد آن الأوان ،  لكي تتصالح مع الرب ، بعد كل هذه المقاطعة الطويلة ؟؟! .

فهز الشيطان رأسه بالنفي قائلا بلهجة قاطعة  :

ــ لا يمكنني المساومة على حريتي أبدا ! .

قال ذلك ،  و من ثم  فجأة  قد اختفى سريعا  كشهقة ضوء ، مثلما جاء كنيزك منزلق بسرعة زواله المباغت ! .. أم كنت أحلم دون أن أعرف ذلك ؟؟! .. مَن يدري ؟؟! .. لربما ! .

Qasim3@gawab.com