الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

14  آب  2005

ومضات خاطفة

شتان بين المثقفين المصريين و بين المثقفين العراقيين !

كتابات - مهدي قاسم

أعلن عدد كبير من المثقفين و الفنانين المصريين ، و ضمن مبادرات شخصية ، عن تأسيس حركة ( أدباء و فنانون من أجل التغيير ) و التي ضمت مئات من الكتاب و الشعراء و المفكرين ، و المخرجين و  الفنانين المعروفين  ، و حيث عبروا عن قلقهم من كون أن بلادهم مصر ( تعيش  مأزقا تاريخيا )  ، الأمر  الذي دفعهم إلى الشعور بالمسئولية التاريخية الملقاة على عاتقهم  ، كمثقفين و كتَّاب و فنانين إزاء هذا ( المأزق التاريخي ) الذي تمر به بلادهم ، في هذا  الوقت العصيب ، و من ثم التشاور حول كيفية  البحث عن السبل الكفيلة التي من شانها ، أو بالأحرى ،  من خلالها  يمكن تقديم نوع من الإسهام و الدعم و الجهد الجماعي ،  بهدف الخروج من هذا المأزق إلى شاطئ الديمقراطية الحقيقية ، و الأمان  و الاستقرار و الازدهار ،  و التنمية الاقتصادية و الاجتماعية .

تدل هذه المبادرة على أن هؤلاء  المثقفين و الكتَّاب و المفكرين و الفنانين المصريين  يملكون وعيا وطنيا صادقا و عميقا ،  و حبا غير محدود لوطنهم المصري ، ليتحول هذا الوعي و الحب الوطنيين عندهم إلى شعور عميق بالواجب العظيم  و بالمسئولية الكبيرة  ،  و يدفعهم إلى القيام  بعمل شيء ما ، ببذل جهد ما ،   من أجل مساعدة شعبهم المصري  ليخرج من مأزقه الراهن .

هذا  بينما لا تجري في مصر لا عمليات قتل جماعية و لا تفجير سيارات مفخخة بشكل يومي ، بالطبع  إلى جانب  تدمير منظم ،  لما تبقى من كيان الدولة وكذلك   الثروات الوطنية ، ناهيك عن  استحالة الحياة إلى ضرب من  جحيم يومي ، كما هي الحال بالنسبة للشعب العراقي  ، طيلة السنتين الماضيتين و لحد الآن .

و مع ذلك ، نكرر و نقول :  و مع ذلك  فأن عددا كبيرا جدا من المثقفين العراقيين كتَّابا و شعراء و روائيين ، و  فنانين و نقادا و فنانين تشكيليين و ( مفكرين ) ، و الذين يبلغون آلافا مؤلفة ،  مع كل دعي و متظاهر زائف ، ما زال أغلب هؤلاء   يلزمون جانب الصمت و الحياد ،  إزاء ما يجري في وطنهم العراقي ، من كوارث و محن و مآس و فواجع ، و كأن الأمر لا يعنيهم  ، لا  من قريب ،  ولا من  بعيد ، وهم يراوحون بين حدود الصمت و الحياد ، في حين أن  الإمعان السادر في قتل العراقيين ،  قد وصل إلى حد ،  دفع بعضا  من الكتَّاب العرب و الأجانب  إلى أن يكتبوا مستنكرين هذه المذابح و المجازر التي تُرتكب ضد الشعب العراقي ، بينما ( مبدعينا ) الكبار و الصغار ما زالوا بكما و صما و لا ينطقون  !.

و لكن الأمر يبدو  برمته ،  متجسدا بذلك الخراب العاصف في الوعي الوطني العراقي العام ، و بغض النظر عن كون هذا العراقي (  مثقفا نخبويا ) أو ( عاديا ) ، ففي كلا الحالتين يتم التفرج إلى احتضار وطن يموت ببطء ، بلامبالاة و عدم اكتراث ،  قلما نجد لهما مثيلا في تاريخ الشعوب الأخرى ! .

و هنا نصطدم بالمفارقة الغريبة و المريرة : ففي الوقت الذي تستيقظ الأصالة الوطنية متجذرة في وعي المثقف المصري القلق دوما  على مصير بلده الذي يعيش ــ بالرغم من كل مظاهر الفساد السلطوي ــ  في استقرار و هدوء راسخين ، نجد هذه الأصالة الوطنية قد انقرضت و اندثرت من وعي  المثقف العراقي ، الذي اعتاد أن يدير ظهره لمسئوليته الوطنية و الأخلاقية و الاجتماعية ليتستر متحصنا  وراء نصه  الإنشائي أو الشعري الهزيلين ، ذلك النص الذي بات سهلا لكل من هب و دب ، ممن  يجيد القراءة و الكتابة ، و اللعب على الكلمات ،  أن يمارسه بكل بساطة ،  متلاعبا بتسطير الكلمات و السطور و العبارات المرقعة  و ، ، و اللعبة الشعرية أو الإنشائية ، إلى حد يجلس هذا ( المثقف *)  بحياد متفرجا إلى موت وطنه البطيء ، دون أن يحرك إصبعه ساكنا  ، على أساس أنه مثقف و مبدع و بالتالي لا  ( يليق ) به الاهتمام بأشياء تافهة مثل مصير الوطن أو الشعب ، حتى لو أوشك هذا الوطن ،  أن يكون في خبر كان ! .

الأمر الذي يدفعنا إلى هذا السؤال المشروع : هل حقا أن النظام السابق ،  قد قتل عند المثقف العراقي وعيه الوطني إلى هذا الحد و بالكامل ؟؟! ، أم أن هذا المثقف قد نشأ و ترعرع دون أن يعير أهمية لشيء مقدس يسمى بالوطن ؟؟! .. أم أن الوهم يدفع بهذا المثقف أن يشعر أن ( فضاء )  روحه  أوسع بكثير  من فضاء الوطن ، و بالتالي فأن محنة الوطن تبقى ثانوية و عادية ،  بالمقارنة إلى محنة ذاته المتورمة  و لكن الخاوية و الجوفاء ؟؟! .

المثقف المصري ،  أينما ذهب و حل ،  يبقى متشبثا بجذوره و أصالته  الوطنية ، بينما المثقف العراقي ، كلما ابتعد عن وطنه ،  يمعن في تقطيع هذه الجذور ، بنكران غريب و نسيان عجيب ،  لتربة مقدسة سبق له أن ولد فيها ب( الصدفة  ؟؟ ) وهي التربة التي سُميت تاريخيا  بالعراق . ذات يوم ستكتشف الأجيال العراقية  القادمة ،  أن المثقف العراقي ، ما هو إلا عبارة عن  أصابع مرتخية تسيل وهما و سرابا ، كذبا و خداعا  ،  زيفا و تدليسا  ، شيئا لا طائل تحته و لا معنى أبدا  ..  إنما قبضة من العبث ، و القصبة الفارغة ، تصفر بين طرفيه المثقوبين رياح كسولة و ضالة ، و لا أي  شيء أخر إطلاقا  ! .. أي تورم ذاتي أجوف ، تماما مثل قصبة فارغة فحسب ! .

* و لكن لو أصبحنا منصفين لتحتم علينا  الاعتراف بأن الكتَّاب البعثيين و المحسوبين عليهم من القومجيين و المرتزقة ، و  من  بعض(  الشيوعيين و  اليساريين  الثورجيين و الستاليين  ؟؟ )  المتبعثين ، يشكلون حالة استثنائية ، و  بشكل ملموس و محسوس  ، بين جميع المثقفين العراقيين : إذ أنهم كفيلق إعلامي بعثي غوبلزي  نشيط ،  يكتبون ليلا و نهارا ، و لا يفوتون فرصة ،   ليثبتوا لنا و للعالم بوقاحة نادرة  :  كم كان جيدا و حسنا  و رائعا ، نظامهم الصدامي ــ البعثي العفلقي النازي السابق ، و في الوقت نفسه ، يكتبون بدون ملل  أو كلل ،  تحريضا و تشجيعا للملثمين ( المقاومين ) القتلة ،  و تبريرا لجرائمهم و مذابحهم الجماعية اليومية ، ضد الشعب العراقي : فالكاتب البعثي ما زال يقوم بمهامه وواجباته الحزبية و السياسية ، رافعا عقيرته متحديا باستفزاز نادر ،  أمام مئات  المثقفين المحايدين  و الصامتين ،  الذين يبدو أنهم لا  يشعرون بأي ذل أو عار ، من هذا التحدي الوقح و الصلف ، ولكن لمَ الاستغراب  بعد كل ما ذكرناه أنفا  ؟؟! .      

Qasim3@gawab.com