|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
7 آب 2005 |
|
ومضات خاطفة لقد أصبحنا كل شيء ما عدا عراقيين ! كتابات - مهدي قاسم بدأ الفصل الجديد ، من مأساة و محنة العراق ، مع توزيع السلطات و آليات الحكم على أساس المحاصصة الطائفية و القومية و الأقلوية . و قد كان لقوات الاحتلال دورا رئيسيا ، و خبيثا ، و قذرا في ترسيخ هذا الاتجاه الذي سرعان ما أخذ يشق طريقه علنا في وعي أغلب المواطنين على مختلف انتمائهم الطيفي . في هذه الأثناء دب الخلل و الاضطراب في الوعي الوطني العراقي ــ كانتماء أصيل إلى الوطن و الأرض والشعب و الدولة العراقية ــ ذلك الوعي الوطني العراقي ، الذي تقهقر منزاحا و منزويا أمام طغيان و هيمنة الوعي الطائفي و القومي و الأقلوي المقيت و البغيض ، و الأخذ بالتبلور و الوضوح ، و بشكل قاس و مدمر و فاتك ، تماما ، مثل تشكل مخالب السرطان في الأثداء و الأمخاخ الطرية . و هكذا حلت الطائفة و القومية محل الوطن ، مع هويات انتمائية جديدة : فلم يُعد هناك ثمة مَن يعرَّف العراقي على أساس أنه عراقي فحسب و نقطة ، لا أكثر و لا الأقل ، و إنما على أساس أنه شيعي ، أو سني عربي أو سني كردي ، أو كردي فيلي ، أو تركماني أم كلدو آشوري ـ أرمني ، أو صائبي مندائي ، أو يزيدي أم شبكي أو غجري ، بل و قد توسعت و تعددت هذه الهويات الانتمائية و تكاثرت فأصبحت عندنا ملل قوميات جديدة : كالفارسية و الدغستانية و الهندية و غيرها . بينما في السابق كنا نحدد الآخرين على أساس انتمائهم السياسي فقط : كأن نقول مثلا : هذا بعثي ، و ذاك شيوعي ، و ثالث ناصري ، و رابع أخوانجي و خامس لبرالي ، و سادس اشتراكي و سابع عبثي و ثامن وجودي ، و الخ ، و لكنهم كانوا جميعا ، في أذهان العامة من أبناء الوطن ، عراقيين فحسب ، و لم يكن ينتاب الشك أحد ما ، في أصالة عراقيتهم ، باستثناء بعض القومجيين العنصريين القلائل . و لا كان يخطر على بال أحد ما تجزئة العراق و تقسيمه إلى كانتونات ميني جيبية : للشيعة و السنة و الأكراد و التركمان و لباقي الأقليات الأخرى ، مثلما تجرى الآن محاولات من هذا القبيل ، بكل صفاقة ، و صلافة ، و قلة حياء وطني . و كأنما بات العراق قطعة كبيرة من الجبنة الفرنسية أو الهولندية ، يمكن تقسيمها كيفما كان !!! . ففي ذلك الزمان القريب كان يُعتبر ضربا من الكفر بالمقدسات مجرد الحديث عن تقسيم العراق ! . و بالمناسبة توجد في الدول المجاورة للعراق نفس القوميات الموجودة في العراق ، و ربما بنسب أكبر و أكثر ، و مع ذلك ، فلا أحد يفكر مجرد تفكير في تقسيم إيران أو تركيا أم سوريا أو الأردن ذات الأغلبية الفلسطينية ، ناهيك عن لبنان . فلماذا يا ترى يتم التركيز على تقسيم العراق من بين تلك الدول الأنفة الذكر ، عبر فيدراليات و اتحادات و كونفدراليات كخطوة أولى للتقسيم القادم ؟؟! . أ لأن العراق قد بات أسدا عجوزا و مشلولا ، فتتبول عليه ثعالب من كل حدب و صوب ، و لكن بالدرجة الأولى ، ثعالب من ( أبنائها ) العاقين ، الأذلاء ، و المتسكعين ردحا من الزمن الطويل ، في دهاليز المخابرات الأجنبية ؟؟! . أجل أن الطاغية الأرعن البائد ، قد جعل من العراق أسدا عجوزا منهكا و مشلولا ، عبر حروبه الداخلية و الخارجية ، ليقدمه أخيرا ، على رماح صدئة نازفا محطما ، للغزاة القادمين ليجعلوا منه حلبة صراعات ، و تصفية حسابات دموية بينهم و بين عملائهم القدماء من ( القاعديين ) التكفيريين و البعثيين النازيين ، و حيث أغلب الضحايا ، كانوا وما زالوا هم من العراقيين المسالمين . بالطبع ، لو لا التمهيد لانتشار جرثومة الوعي الطائفي و القومي الشوفيني ، بهذه الحدة ، على حساب غياب الوعي الوطني العراقي الأصيل ، لما تجرأت هذه الثعالب لكي تتبول على الأسد العراقي بهذه الوقاحة ، و تطالب بتقسيمه و تفكيكه و تمزيقه في المستقبل القريب ، على شكل كانتونات بائسة ستتحكم بها أحزاب شمولية و قمعية . نحن نعتقد و نظن بأن الوعي الوطني العراقي العام يمر بأزمة كبيرة و خطيرة ، بسب انتشار و هيمنة جرثومة الوعي الطائفي و القومي الشوفيني ، في أوساط المجتمع العراقي و بين أطيافه المتعددة ، الأمر الذي يتطلب منا التصدي لها و تعريتها ، لأن المروجين لها أناس لا يفكرون بغير المال و السلطة ، لكونهم يشعرون بأن عراقا موحدا واحدا متعافيا ، و ديمقراطيا حقيقيا ، و مزدهرا متحضرا ، سيهدد مكانتهم السلطوية و نفوذهم السياسي و سطوتهم الدينية ، إذ أنهم يسعون بالفعل إلى خلق كانتونات معزولة ــ مثلما فعل القذافي مع الشعب الليبي و صدام حسين مع الشعب العراقي ــ و مغلقة أمام التيارات المتدفقة من الحركات الفكرية و الثقافية و العلمية العالمية ، ليتسنى لهم تبليد و تغبية العراقيين و تكريس تخلفهم الاجتماعي و المدني و الحضاري ، عبر حشو أدمغتهم و عقولهم بثقافة الكهوف و السراديب المعتمة بثوابت الماضي المتحجرة ، و تاليا ، الهيمنة عليهم ، و التحكم بمصيرهم إلى أمد طويل . و من ثم أليس غريبا أن تنظم كل خمسة سنوات دفعة جديدة من دول أوروبية إلى الاتحاد الأوروبي ، بينما ثعالبنا العراقيين يسعون إلى تقطيع أوصال الأسد العراقي ليتفردوا بحصتهم المسلوبة بنذالة الضباع النهمة ؟؟! .. بينما أرض الرافدين ، و كما هو معروف لكل دان و قاص ، هي أرض الخيرات و الوفرة بإمكانها أن تعيل ليست فقط أقوام و ملل العراق ، و إنما أقواما أخرى أيضا ! . و كل ما ينقصها هو نظام حكم ديمقراطي تعددي و ذات وجه إنساني و حضاري ، يعتبر الإنسان أعلى و أثمن قيمة ، و أهم من العقائد و الأيديولوجيات التي ابتكرها و أبدعها الإنسان نفسه ! . الشيء الذي لم أستطع فهمه حتى الآن وهو : أن أنظمة حكم عربية عديدة و كذلك قادة و زعماء أحزاب و حركات و تنظيمات عربية ، كانت أو مازالت لها علاقة ما ، أو مرتبطة ، بشكل أو بأخر ، بأجهزة مخابرات أمريكية أو غربية أو بغيرها ، و مع ذلك فأن رؤساء هذه الأنظمة و قادة هذه الأحزاب لا تفكر إطلاقا بتفكيك بلدانها ، أو تقسيمها إلى اتحادات أو إلى فيدراليات ستؤدي إلى زوالها كدولة وكوطن ، بل أنهم حريصون أشد الحرص على وحدة أراضي وطنهم المقدسة ! .. أم أن ثعالبنا عملاء من طراز خاص ، و فوق ذلك ، من أسوأ الطراز ؟؟! .. لربما ! .. و هذا ممكن لأن حظ العراق التعيس ، و خاصة قدره كان سيئا و قاسيا على طول تاريخه الطويل و العاصف و الدموي ! .. أنني لا أريد تخوين أحد ما ؟! ، و إنما ، كلما في الأمر ، أطرح سؤالا مشروعا ، أملا أن يجيبني عليه واحد ، من هذه الثعالب المتبولة على الأسد العراقي المنهك ، بقصد إغراقه في بركة بوله الآسنة .
|