الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

آب  2005

ومضات خاطفة

المحرقة السياسية الأمريكية لقادة الشيعة العراقيين

كتابات - مهدي قاسم

ثمة حيرة و بلبلة كانت تعصف في رؤوس العديد من العراقيين من جهة عدم فهمهم الأسباب و الكيفية  ، التي من خلالها أفسحت  واشنطن المجال واسعا  أمام زعماء و قادة الشيعة العراقيين ، ليلعبوا ،   في الساحة  السياسية العراقية التي هيمنوا عليها ، مثلما يريدون و يشاءون و على طول الساحة و عرضها . فقد تساءل العديد منهم : هل المعقول أن واشنطن التي احتلت العراق  ، و أسقطت نظام أعتى و أقسى ديكتاتور و   طاغية في العالم  و قدمت  آلافا من جنودها بين قتيل و جريح  ،  و مئات مليارات من دولاراتها كنفقات للحرب اليومية في العراق : فهل من المعقول أنهم  سيقدمون السلطة في العراق على صحن من الذهب إلى بعض  ممثلي  خائميني العراقيين ، و يساهمون إسهاما مباشرا لتقوية و نشر نفوذ خصمهم  الإيراني التاريخي في العراق إلى هذا الحد ؟؟! . ولكن لا يمكن أن يكون الأمريكان ساذجين و بلهاء إلى هذا الحد ! .

أو على الأقل كان هذا هو الانطباع الأول السائد  ! .

بينما  في هذه الثناء ،  كانت هذه الأسئلة توتر رؤوس و أدمغة بعض منا  ، أخذت روائح فضائح عديدة تزكم الأنوف هنا و هناك ، فضائح عن سرقات و اختلاسات وعن  استغلال السلطة و عن المحاباة و فرهدة المال العام  و سرقة نفط الجنوب بشكل علني و سافر ، ناهيك عن  ارتفاع وتائر الفساد الإداري إلى أعلى مستوياتها المنفلتة ، جنبا إلى جنب مع ممارسة الأساليب التعسفية و القمعية ( اللاهوتية ) ضد النساء بشكل عام ، و ضد المحجبات بشكل خاص ،  و ضد الطلبة و الطالبات ، و ضد بائعي  أشرطة الأغاني و الموسيقى و أصحاب صالات السينما ، و لاعبي الدومينو و الطاولة ، و  القيام بعمليات اغتيال و قتل ضد  بائعي الكحول و ضد الحلاقين . في مقابل ذلك ازدادت الأوضاع الأمنية الجهنمية الفلتانة ،  أكثر سوءا و مأساوية ، و بقيت نسبة البطالة مرتفعة ،  إلى حد أضطر الشباب العراقيون العاطلون عن العمل ،  لدفع الرشاوي إلى جهات فاسدة و مرتشية في وزارتي الداخلية و الدفاع ، لقبولهم في وظائف الموت الأكيد ،  و نعني  قبولهم في سلك الشرطة و الجيش ! ، أما الحديث عن الخدمات العامة التي أصبحت أكثر شحة و ندرة ،  كحلم جميل  ، بالنسبة لمعظم العراقيين ، فلا داعي إلى تكراره و دفع القارئ إلى الملل و الضجر  بسبب من كثرة الحديث عنها !! . كل هذا و الأمريكيون يقولون في قرارة أنفسهم  وهم يفركون أيديهم فرحا : حسنا يا أحبابنا المعممين ، خذوا مداكم إلى أقصاه ! .. و أحكموا بكامل ثقلكم (  الديمقراطي ؟؟ ) ، فسوف نرى فيما إذا كنتم تجيدون و تتقنون شيئا على الإطلاق  ،  أكثر براعة و موهبة و خبرة من اللطم و ضرب القامة و الزنجيل و عشق الاستشهاد المجاني ! .. فهل تريدون صياغة الدستور ؟؟! ، طيب تفضلوا و استغلوا أغلبيتكم و  أبدعوا للشعب العراقي بصياغة دستور ، سيكون بالتأكيد تحفة التحف بين كل دساتير العالم السابقة و الراهنة !!! . فإلى أين أدى كل ذلك في واقع الأمر ؟؟! ، إلى أن يشعر العراقيون بمزيد من اليأس و الإحباط  و الخذلان ، من العملية السياسية الجارية في العراق  من ناحية  ،  و بعدم الجدوى  و الفائدة  من هؤلاء ( القادة و الزعماء ) الجدد ، من ناحية أخرى ، و   الذين أثبتوا بجدارة  و بامتياز ،  بأنهم يفهمون في شؤون الحكم و إدارة السلطة و شؤون الدولة ،  بنفس المقدار الذي أنا أفهم في قيادة السفن الفضائية !!! .

و هكذا أخذ هؤلاء ( القادة و الزعماء ، الدينيين السياسيين الطاهرين و المقدسين الأبرار ) يفقدون بريقهم النحاسي ، و رتوشهم المقدس  أمام جماهيرهم ، و حيث تم و  يتم شيهم في موقد المحرقة السياسية الأمريكية ، على نيران هادئة ، تطقطق بتلك الحقائق المريرة  التي يتلمسها المواطن العراقي في تفاصيل حياته اليومية ، إلا وهي  انعدام أبسط الخدمات الضرورية و المهمة  ، في حياته اليومية ، تلك التي يحصل عليها حتى  مواطن أفقر دولة أفريقية ، و ذلك ابتداء من الأمن و انتهاء بنقل النفايات إلى مكان أبعد من سكنه و محيطه ! . لم يقتل أمل و فرح الشيعة العراقيين ، بعد سقوط النظام السابق  أحد  ، أكثر من القادة و الزعماء الشيعة أنفسهم  ، بالطبع إضافة إلى  ممارسة أحزابهم و حركاتهم و تياراتهم و  تنظيماتهم ذات النهج التعسفي و القمعي  ! . و كم فرح  و ابتهج الشيعي العراقي  الفقير و المظلوم على طول تاريخه ، متصورا بأنه قد آن الأوان  ليعيش هو ، و باقي العراقيين حياة كريمة تليق بالإنسان ، و إذا به يتحول إلى درع أمامي يتلقى ضربات الانتحاريين  و رصاصات البعثيين ، ككبش فداء لقادته السياسيين المتحصنين خلف أسوار السلطة و الاحتلال .

و إذا جعلت هذه المحرقة السياسية الأمريكية ،  وجوه هؤلاء الساسة  تتفحم و تتصخم أمام الشعب العراقي ، فأنها في الوقت نفسه  ، قد كلفت هذا الشعب المغلوب على أمره ، شيئا كثيرا بالأرواح و الثروات و في  إهدار الوقت أيضا ! . فأليس من الغريب و العجيب ، و بعد مرور أكثر من سنتين و نصف على سقوط النظام السابق ،  و من وجود استقرار نسبي و متواصل  في مناطق جنوب العراق ، أن يشرب المواطن القاطن هناك مياها  خابطة لا تصلح حتى للحيوانات لأسباب  صحية ، و أن يُعاني من  انعدام أبسط الخدمات الضرورية لحياته اليومية ؟؟! .. بالطبع إذا عرفنا السبب بطل العجب !!! .. و قد عرفنا السبب .. و قلنا فليكن الله في عونك يا الشعب العراقي المظلوم !..  و من ثم  لنردد سوية : وداعا أيها الأمل الجميل و القصير ! .

Qasim3@gawab.com