الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

2  آب  2005

ومضات خاطفة

ما قيمة الوقت إذا ولد الدستور مشلولا ؟!

كتابات - مهدي قاسم

مع أن شيئا ملموسا و جذريا ،  لم يحدث في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن العراقي ، على صعيد تحسين وضعه الأمني و المعيشي و الاجتماعي و الخدماتي ، إلا أن ساسة و قادة العراق ( الجدد ) يبدون في السباق الصاروخي  مع الوقت ، و لا سيما بخصوص إنجاز مسودة الدستور الجديد في وقته المحدد ، أي في منتصف هذا الشهر الجاري .

دون أن يهمهم كثيرا أو قليلا ، فيما إذا كان هذا (الوليد الجديد ) سيولد متعافيا في تمام و كمال الصحة أم  مشلولا ، شاحبا خائر القوى و العقل و الفكر و الروح  ، ليصبح عبأ و أثقالا مكبلة لتطور المجتمع العراقي و تقدمه الحضاري و الإنساني و الثقافي و العلمي  ؟ .

إذن فأن الحكمة لا تكمن في سرعة أو بطئ إنجاز الدستور ، و إنما تكمن ما يحتويه هذا الدستور من مفاصل و عناصر و أركان و زوايا و محتويات ، تستحيل إلى مرايا صافية و ناصعة ،  تعكس و تستشرف روحية و ملامح العصر المتجسدة ، في تلك النظم و القواعد و القوانين المعمولة بها ،  في مجتمعات متقدمة و متحضرة ، حيث  أن الإنسان يشكل أعلى قيمة ، و  بحرية مقدسة  و كرامة مصونة ، و معيشة كريمة مضمونة . ، دون أن يعني  كل هذا  ، عدم استفادة  هذا الدستور من كل ما هو مفيد و خير و مضيء في تراث البشرية ، من أديان و عقائد و ثقافات و حضارات  ، كتزاوج بين الماضي و الحاضر ، ليكون  جسرا نحو أفاق المستقبل المضيئة ،  و ليس كهفا طويلا  يقود إلى عتمة الماضي .

أما أن نثقل دستورنا و نشد وثاقه ،  و نكبل نبضات  قلبه   بتراث الماضي ــ بالرغم من قدسيته ــ  بينما نحن ندعي و نزعم  بأننا نبنيه  ،  و نقوم بصياغته  من أجل مستقبل باهر و مشرق للعراق  ، و لأجل أجياله المقبلة ، فهذا يعني أول ما يعني ، هو  الارتداد و الانكفاء ، و التقهقر نحو نقطة الصفر و الدوران و المراوحة مجددا في الحلقة المفرغة ، التي ستزيد محننا و مشاكلنا و معاضلنا و أزماتنا  المعقدة ،  تعقيدا و تشابكا و تداخلا ، إلى جانب استمرارية دوامة العنف و النزعات السياسية و الفكرية و الطائفية و الاجتماعية ، أكثر تأججا و تخاصما و عداء ، إلى جانب عدم الرضا و الشعور بالغبن و الإقصاء من قبل أطياف أخرى * .

إذا عرفنا أن الدستور ليس عبارة عن عقد اجتماعي أو عن  توافق و إجماع  وطنيين  بين أقوام و أطياف و  شرائح اجتماعية  فقط ، و إنما ، أنه أكثر من ذلك بكثير :  يؤسس لكل ما هو يضمن آليات و أنساق  العمل السليم و العلاقات الصحية و الحضارية بين الفرد و الدولة ،  و بين الفرد و المجتمع ،  و بين المجتمع و الدولة ، ضمن أطر و تشريعات  قانونية ، ملزمة للجميع ،  بحيث أن كلا الطرفين يعرف حقوقه وواجباته ويحترمهما و يلتزم بهما بكل دقة و أمانة ، الأمر الذي سيحد من تجاوزات أحد الطرفين على حقوق الطرف الآخر أو مصادرتها بذرائع و حجج معينة .

نحن نعتقد بأن ثقافة و حضارية ،  وكذلك  سمو القيم الإنسانية  عند أي مجتمع من المجتمعات ، تكمن في طبيعة دستوره المنسجم مع تطورات و متطلبات كل عصر جديد ، ذلك الدستور الذي يعتبر الإنسان كأعلى و أثمن قيمة  عند المجتمع و الدولة ، و لا يحتوي على أي بند يحد من حريته في التفكير  و العقيدة و الرأي و التعبير و حق الاختلاف و المعارضة السلمية ، و لا يفسح مجالا لممارسة أي نوع من أنواع  عمليات  القمع  و التعسف و الاستعباد المبطن ،  ضد أية شريحة أو فئة اجتماعية  معينة بحجة  و ذريعة التمسك بالمقدسات و القيم الدينية و الاجتماعية تلك ،  التي جاءت أو أُنتجت لعصر أخر ، لعصر ماض و سحيق ،  كسلطة و نظام حكم و منظومة إصلاحات  اجتماعية و أخلاقية  صارمة و مهيمنة في ذلك الحين .

نحن بحاجة إلى دستور يفصل السياسة عن الدين و الدين عن الدولة ، ويرجع الدين إلى مكانه المناسب في المساجد و الجوامع و إلى  أماكن العبادة الأخرى ، ويترك المواطن يبني و يشيد و يقوي علاقته مع الخالق ،  ضمن الأطر و الوسائل  التي يراها مناسبة و ملائمة له ، ليكون حرا في ممارستها أو عدم ممارستها ، إذ في نهاية الأمر هو الذي سيُحاسب أمام الرب حسب أفعاله و أعماله ،  و ليس غيره ممن ينصبون أنفسهم أولياء على المجتمع  ! .

و هنا لابد من التأكيد بأن مَن كان قلبه عارما بالأيمان بالخالق ،  فأنه ليس بحاجة إلى بنود و دساتير و مرشدين دينيين ، و رجال معممين و أئمة جوامع و مساجد ، و إلى  مواعظ ببغائية ،  ليمارس طقوسه اليومية في الخشوع و العبادة . و في المقابل ، فأن مَن كان قلبه خاليا من قبس الأيمان  ،  فأن كل دساتير العالم و مرشديه الدينيين  ، و أئمة كل جوامعه و مساجده ستكون عاجزة ، عن دفعه إلى هذا الأيمان ، و إذا تم دفعه إلى ذلك الأيمان ،  بقوة السياط و الكرباج ،   فأنه سيكون أيمانا مزيفا و كاذبا و منافقا ، وهو الأيمان الذي لا يسوي شيئا و لا حتى  قيد أنملة ، و لا  الخالق بحاجة إليه ! .

ولكننا نعتقد بأن كل ما نقوله هنا  هو عبث في عبث و حوار طرشان ، خاصة مع أولئك الذين ينظرون إلى المجتمع العراقي من خلال ثقب عماماتهم الحكيمية الخمينية السوداء  ،  أو الضارية الوهابية البيضاء . وهم الذين لم يكن لهم أي فضل في تخلص الشعب العراقي من النظام العراقي الهمجي السابق ، و تحرره من قيود الديكتاتورية و الطغيان ، و مع ذلك فأنهم  يريدون أن يفرضوا على المجتمع العراقي نوعا جديدا  ، من نظام تعسفي ، مع فرق واحد وهو : بدلا من أن يكون أسمه النظام الصدامي فأنه سيسمى لاحقا  بالنظام الدستوري الإسلامي . هذا دون أن نتحدث و نقول بأن صياغة الدستور هو من اختصاص رجال حقوقيين محترفين  و مختصين في شؤون و ميادين  الدستور و على كل مستوياته  ، و ليس من اختصاص أشخاص كل فهم للدستور لا يتجاوز حدود فهم  بائع الرقي في شؤون البطيخ ! ، مع الاعتراف من جانبنا ،  بأنهم لربما يجيدون فهم  الضرب بالسياط و الكرباج  بمساعدة جند الله ، أو التواطؤ مع الجزارين الزرقاويين ، أكثر من غيرهم ، و هذا أيضا ضرب من ضروب العلم و المعرفة أليس كذلك ؟؟؟!!! .

* كنا نتمنى أن يشعر أخوتنا العراقيون من  الكلدوآشوريين و المندائيين و اليزيديين و الشبك و غيرهم :  بأنهم يعيشون في الجمهورية العراقية ، موطنهم الأصلي ، و ليس في الجمهورية الإسلامية !. فهؤلاء أيضا عراقيون  ، و فوق ذلك من سكنة العراق الأوائل ، و أن  لهم أديانهم و قيمهم الروحية المقدسة  ، التي يجب أن تؤخذ بنظر الاعتبار،  كحقوق وطنية مشروعة و شيء مسلم  به ،  و ليست منة من أحد  ! . أم أنهم سيكونون فائضين عن الحاجة في جمهوريتنا الإسلامية المقبلة  ؟؟! .

Qasim3@gawab.com