الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

30  تــمــوز  2005

ومضات خاطفة

مطبات و كمائن في مسودة الدستور الجديد

كتابات - مهدي قاسم

لم نحذر  نحن و غيرنا ، و كذلك  العديد  من الكتَّاب و المثقفين العراقيين ، لم نحذر المجتمع العراقي عبثا و مرارا  ، من ألاعيب و التفافات الأحزاب الدينية ،  سواء منها الشيعية ، أو السنية ، و خاصة تحذيرنا  من محاولاتهم الدائمة ،  لفرض نوع من  الدستور على الشعب العراقي ، يحتوي على بنود تكرس نفوذهم السياسي و الطائفي و الديني ، و من ثم  ليفرضوا على المجتمع العراقي المتنوع  بأطيافه الكثيرة و المتعددة ، أنماطا معينة من التفكير و السلوك و العيش المتقاطع و المتداخل  بالحواجز،  و التحديدات والكوابح ، و المحرمات و الممنوعات والتقييدات ، تقوده باتجاه مخلفات البداوة و الكهوف ، و  البدائية ، أو إلى  نوع أخر من الجاهلية الجديدة ،  بدلا من المستقبل  و الأفق الحضاري المفتوح .

و سبب تحذيرنا هذا ، كان نابعا  في حقيقة الأمر، من  الدروس و العبر ، التي منحنا إياها تاريخ  شعوب ابتليت بهذا النمط من ( مرشدي و أمراء ) البداوة و الكهوف و خفافيش الظلام ، و البرابرة الجدد المتسربلين بأسماء الله و القاتلين  باسمه و من أجله ، و لعل تاريخ مملكة آل السعود ، و دولة الطالبان الأفغانية ، و بلاد  الفرس الخمينية أكبر دليل على ما نقول .

و بما أننا نعرف طبيعة تفكير و سلوك هؤلاء المتحصنين بالدين و الطائفية ، لتمرير أهدافهم و مصالحهم الشخصية و الحزبية و الطائفية  ، فلم  نثق بهم من بداية الأمر !. و كنا نعرف جدا  بأنهم  سيستغلون هيمنتهم على مقاليد الأمور و الشؤون في المجتمع و الدولة و الحكومة ، مستغلين  حالة الإحباط و اليأس عند المجتمع العراقي  المنهك ، و المثقل ، حاليا ،  بالهموم و المعاناة و الخيبات  و الخذلان ،  لتمرير بنود و مواد في مسودة الدستور الجديد ،  بهدف تكريس و ترسيخ نفوذهم السياسي و الحزبي و الشخصي ، و من ثم الهيمنة المطلقة على رقاب الشعب العراقي ،  إلى أمد بعيد ،  كما هي الحال في السعودية و إيران  ، على سبيل المثال . و لعل هذا هو السبب الأساسي دفعنا إلى أن لا نثق بهم ، و نشك بنواياهم و مقاصدهم الخبيثة و الألتوائية  ،  و أن نقف لهم بالمرصاد ،  لنفضح هذه النوايا المبيتة ، التي كانت تفتقر دوما إلى النزاهة و النقاء ، و المصداقية ،  و لا سيما أن السيد عبد العزيز الحكيم رئيس المجلس الأعلى للثورة(  الإيرانية ) الإسلامية  في العراق ، قد أعطانا سببا مقنعا و منصفا لهذا الشك ، عندما أستغل رئاسته الدورية  لمجلس الحكم السابق الهزيل ، لينقض على قانون الأحوال المدنية ، و فوق ذلك ،  بغفلة حتى عن بعض أعضاء مجلس الحكم الآخرين ! . 

لقد كذبوا علينا ــ بالطبع  نحن كنا  نعرف ذلك  و هذا هو سبب عدم ثقتنا بهم  دوما ــ عندما أكدوا مرارا و تكرارا ، بأنهم سوف لا يسعون إلى  فرض الدين الإسلامي  ، كمصدر رئيسي أو أساسي  للتشريع ، لأنهم يدركون و يعرفون جيدا ؟! ــ كما زعموا لمرات عديدة ــ  بأن المجتمع العراقي  مجتمع متنوع دينيا و أقلويا ، و سوف يأخذون هذه المسألة بنظر الاعتبار ، إلى حد سيثبتون الدين الإسلامي في بنود الدستور الجديد ،  كأحد المصادر و ليس المصدر الرئيسي للتشريع . بالطبع  لم نصدقهم !. لأننا كنا نشعر و نحس و نلتمس على مستوى الواقع اليومي، كم  أنهم يقولون شيئا ،  و يفعلون شيئا أخر تماما  ، شيئا مناقضا لما يقولونه ، كمن يضحك على ذقون الآخرين . و قد ضحكوا على ذقوننا بما فيه الكفاية ! .

و إذا بهم يفلحون الآن ، ليفرضوا الدين الإسلامي  في إحدى مواد مسودة الدستور ، مصدرا رئيسيا للتشريع ، واضعين الأقليات الدينية  العراقية الأخرى : ككلدو آشوريين ، و المندائيين الصائبة و الأيزديين و الشبك و غيرهم ، تحت عمامتهم السوداء أو البيضاء ، هذا ناهيك عن تحويل نصف المجتمع العراقي من النساء إلى أشباه عبيد و رقيق ، كل ذلك  ، بهدف وضع مطبات و كمائن و عراقيل  أمام آليات  تطور المجتمع العراقي على صعيد المستقبل  ، و منعه من اللحاق بركاب  المجتمعات المتقدمة و المتحضرة . فالنسبة لأصحاب العمائم السوداء أو البيضاء أم الخضراء ،  : كلما أصبح المجتمع العراقي متخلفا و منقطعا عن تيارات فكرية و ثقافية عالمية ، و منكفئا على ظلامية و مخلفات الماضي ،  تزداد فرصتهم ، ليجعلوا من المجتمع العراقي قطيعا من الخراف يسهل توجهه والسيطرة عليه ،  و على طبيعة تفكيره ،  مثلما يريدون و يبغون ، كما هو الأمر ، الآن ،  في إيران أو السعودية ، أي تحويل أفراد المجتمع إلى أسراب من ببغاوات تزقزق بتلقينيات  و يقينيات جاهزة و راسخة و مكررة و مستعادة  من المهد حتى اللحد ! . و هل فعلا  أصبح قدر الشعب العراقي ، لعينا و منحوسا ، إلى هذا الحد ، بحيث يتحتم عليه أن يمضي حياته كلها مكبلا  و مثقلا  و مترنحا تحت أثقال الأيديولوجيات الضاغطة و الخانقة و الساحقة ، لبراعم حريته و أفكاره و إبداعاته ،  و تطوره و تحضره ،  و العيش طليقا حرا بلا وصايا ،  وبدون توجيه  ، أو إرشاد من قبل الرفيق المرتدي  للزيتوني ،  أومن قبل مولانا  المعمم المقدس ؟؟! . أم أنهم يعتقدون بأنه شعب قاصر إلى هذا الحد ،  و متخلف و بدائي بالفطرة ، بحيث يجب حشو دماغه و عقله و ذهنه و كل ذرة من مخه  ، بحشوات أيديولوجية شمولية  مختلفة ، و بشكل دائم ، لكي لا يتحول إلى الطفل المنغولي المريض  ؟؟!!!!! . لقد كتبنا ذات مرة : " أن الطاغية البائد قد دمر و قضى على القسم الأكبر من العراق ، بينما  الأحزاب الدينية ، سواء  منها الشيعية أو السنية  ستقضي على أخر ما تبقى منه " ، ويبدو ، مع الأسف الشديد ، هذا ما يجري تحقيقه في الوقت الراهن ، سواء عبر ممارسات طائفية أومن خلال  فرض نمط معين  من تفكير ظلامي على المجتمع العراقي ، بأساليب إجبارية و تعسفية ، تأخذ أحيانا طابع القتل و التصفية الجسدية . و أخيرا ،  ألا يحق لنا أن نتساءل : لماذا يعتقد هذا البعض ، بأن الدين الإسلامي لا يستطيع الحفاظ على ديمومته و استمراريته ،  إلا على أساس من قيود صارمة و شديدة  ، و في إطار ضيق من أساليب  إجبارية و إكراهية ، و أن تطلب الأمر بالعنف أيضا ! .

 

Qasim3@gawab.com