الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

2 تــمــوز  2005

ومضات خاطفة

بعد جهد جهيد : فسر الماء بالماء ..

كتابات - مهدي قاسم

استغربتُ من رد الزميل نبيل الكرخي ،  في مقال له بعنوان ( مع قاسم و القاسميين ) نُشر مساء أمس في ( كتابات ) ردا على مقال لي الموسوم ب ( أين هي  إنجازات القادة الجدد من إنجازات عبد الكريم قاسم ) المنشور بتاريخ  2005/ 7 / 22 في الموقع نفسه ، و سبب  الاستغراب هذا  ،  لا يكمن في حق الرد نفسه ، بقدر ما يكمن في كون الرد  قد جاء اعترافا لبعض الحيثيات التي احتواها مقالي المذكور*،  و أن كان بطريقة من يركب الحمار بشكل معكوس : أي الإثبات  من خلال النفي !. 

و لعل ( المأخذ ) الكبير الذي يسجله عليَّ ،  الكاتب المذكور،  هو إطلاقي صفة الوطنية على الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم ، بينما يتضح من مقال السيد الكرخي ، بأنه  لم يكن هما أو  غما  للزعيم الوطني الراحل عبد الكريم قاسم  ، غير ( تمرير السياسة الأجنبية على حساب مصلحة المواطن ) ؟! ، و ذلك و حسب اعتقاده بأن"الزعيم الأوحد "   ( قد حارب التيارات القومية وهي تيارات وطنية و أختلف مع عبد السلام عارف بسبب ميوله القومية و توجهه للارتباط  بالجمهورية العربية المتحدة ( مصر و سوريا ) و أتفق الزعيم  مع السياسيين البريطانيين على منع  الرئيس المقبور جمال عبد الناصر من الاستيلاء على العراق تحت ذريعة الوحدة العربية ! فهل الوطنية تعني أن يتم ضرب تيارات سياسية معينة و قمعها وهي ممثلة بقوى نابعة من الشعب ـ و عمد لأجل ذلك أيضا لتقوية الحزب الشيوعي المستورد من قوة عظمى خارجية ( الاتحاد السوفيتي ) و إطلاق يده في الشارع العراقي من أجل تحجيم المد القومي المخيف للبريطانيين ) ! . حسنا !، و كما يلاحظ القارئ الكريم أن هذا ( المختطف ) الطويل من مقال السيد الكرخي ، يحتوي على ( كومة ) من تناقضات صارخة ، ناهيك عن كونها مدحا للزعيم عبد الكريم قاسم من خلال ذمه ! . فنحن نلاحظ من جهة ، أن الزعيم عبد الكريم قاسم ، يتفق مع السياسيين البريطانيين  لمنع عبد الناصر من الاستيلاء على العراق ــ وهو أمر حسن بالفعل و يُسجل لصالح الزعيم الشهيد ــ  و يحارب القوميين العرب ، بينما في الوقت نفسه يطلق يد الشيوعيين المستوردين من جزيرة سبيريا ،  ومن ما وراء القفقاس و بحر البلطيق و منغوليا ؟! ، أي من ( الاتحاد السوفياتي ) السابق ، كما يقول الكاتب الكرخي ،   من جهة أخرى ، وبالطبع ،  كل هذا يحدث في زمن الحرب الباردة  العاصفة ، بين الاتحاد السوفياتي السابق من ناحية ،  وبين  المعسكر الرأسمالي  و حلف ناتو  الراهن  من ناحية أخرى !!! .و نحن لا نفهم كيف يمكن الجمع بين  خدمة المصالح البريطانية في العراق ،  و بين إطلاق العنان و اليد ل( الطابور الخامس من المستوردين الشيوعيين ؟؟ ) لخدمة مصالح الاتحاد السوفياتي السابق ،  ليسطروا على المفاصل  الأساسية للقوات المسلحة العراقية  و على الشارع العراقي ،  إلى حد ،  كان بإمكان الشيوعيين العراقيين أن يأخذوا السلطة  ــ و بكل سهولة ــ من الزعيم عبد الكريم قاسم ،  لو سعوا إلى ذلك ؟؟! . و من ثم أليست الوطنية الحقة  ، هي عدم ترك الوطن ليصبح لعبة ، و دمية رخيصة ، بيد ضابط عسكري مغامر مثل عبد الناصر،  الذي كانت كل  موهبته الوحيدة ،  تكمن في نسج و تدبير انقلابات عسكرية ، في هذا البلد العربي أو ذاك بهدف الهيمنة و فرض نظام ديكتاتوري شمولي  على هذه البلدان ،  ومحاولة  إخضاع كل الشعوب العربية لمزاجه العسكري القمعي و  المتقلب و الوحدوي الفوقي ، مدفوعا بأوهام ضابط عسكري  ، سعى إلى أن يكون إمبراطورا نابليونيا   ، و حاكما مطلقا  لكل العرب ، لينتهي ــ بدلا من ذلك ــ إلى  ( قائد ) عربي مهزوم بشكل تراجيدي و مضحك و مذل  ،  ُمني العرب من جراء ذلك  بأكبر هزيمة مخزية في تاريخهم المعاصر . و كما أننا لا نفهم من سياق مقال الزميل الكرخي ، لماذا تحمل الزعيم عبد الكريم قاسم عناء القيام بانقلاب عسكري ، أو بثورة ضد النظام الملكي الذي نصبه البريطانيون على العراقيين  ــ و حيث رموزه كانوا من العملاء المخلصين جدا للإنكليز كنوري سعيد على سبيل المثال و ليس الحصر  ــ ما دام هو الأخر أيضا كان يسعى إلى أن  يخدم (  مصالح البريطانيين ) ، فأليس المنطق و العقل كان يتطلب منه في حالة كونه ( خادما ) ،  بالفعل ،   للمصالح البريطانية في العراق ،  أن يحبط أي انقلاب عسكري ضد المصالح البريطانية في العراق، بدلا من أن يساهم  به هو  ،  وفوق ذلك ،  بدور رئيسي و فعال  ؟؟! . وما دمنا عند البريطانيين المستعمرين و نفوذهم ، فأليس من حقنا أن نسأل  : لماذا لم يلاحظ العراقيون النفوذ البريطاني في العراق  ، أبان حكم الزعيم عبد الكريم قاسم ، بأي شكل من الأشكال ، بينما الآن ،  أن العراقيين ليس فقط ، يلاحظون و يرون و يلتمسون عن كثب  ــ و بشكل يوخز عيونهم ــ تفاقم و تزايد النفوذ الإيراني في مناطق جنوب العراق ،  و في العتبات المقدسة ، مع كل مرتزقتهم و عملائهم و طبورهم الخامس المتنامي ،  بشكل ملفت للنظر إلى حد أن بعضا من هذا الطابور الخامس الإيراني ،  يطالب بإضافة قومية جديدة على القوميات و الأقليات العراقية الأصيلة ،  إلا وهي القومية الفارسية !!! ، بينما أن قسما أخر يطالب بتعويض الإيرانيين بمائة مليار من الدولارات ،  كتعويض عن الحرب التي أصَّر الإيرانيون إلى تطويل أمدها مع علمهم بأن وقود تلك الحرب هم ،  أو بالأحرى ،  أغلبهم  كانوا من أبناء الشيعة العراقيين الجنوبيين المتطوعين ،  الذين اختاروا مهنة التطوع في  الجيش ،  كوسيلة وحيدة و ممكنة  للعيش بسبب فقرهم المزمن و الدائم و مظلوميتهم التاريخية  . إذن  ، و على ضوء هذه الحقائق ، فلنترك للقارئ الكريم أن يقارن بين وطنية عبد الكريم قاسم ،  و بين وطنية قادتنا الجدد الراهنين ، ليخرج بالنتيجة التي يقتنع بها .  بالطبع نحن نحاول أن نفهم السيد الكرخي ،  ك( كاتب إسلامي ) و على ضوء ذلك أن نفهم وجهات نظره  ، و  طروحاته حول كل مضمار و صعيد ،  و رفضه الدائم  لأي شيء يخرج ،  أو يأتي بعيدا  عن السياق و المنظور الإسلامي البحت : فالزعيم الراحل عبد الكريم قاسم  ،  مهما فعل و مهما قدم من  إنجازات لفقراء العراق و أشباه شحاذيه و مشرديه  و شركاويه و معدانه ، في ذلك الحين ،  و على كل الأصعدة و مرافق الحياة  ،   و مهما بقي متمسكا باستقلال العراق و محتفظا بوحدته الوطنية ، و مهما رسخ و كرس الوعي العراقي و الوطني عند العراقيين ،  بدلا عن الوعي الطائفي البغيض و الكريه المتفاقم عندنا الآن في العراق ، و  بشكل يهدد وحدة العراق أرضا و شعبا ، فنقول :  مهما فعل و قدم و ضحى ،  فأنه سيبقى ديكتاتورا ، و مشبوها و خادما ل ( المصالح البريطانيين ) و للاتحاد السوفيتي السابق ، في نظر السيد نبيل الكرخي و أقرانه ،  و ذلك لكونه لم يقم نظاما إسلاميا صرفا ، و لم  يشرع قانونيا للأحوال المدنية ، الذي من شأنه أن يجعل من النساء العراقيات جاريات و رقيقات و مواطنات من الدرجة الثانية ، و مخلوقات لا تصلح إلا  للمتعة و الإنجاب و خدمة المطبخ فحسب !!.. وأنه ــ أي الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم ــ سيبقى مشبوها و مدانا و مرفوضا ، لكونه لم يشكل شرطة الأخلاق و الأداب ، وجندرمة   ( الأمر بالمعروف و النهي عن النكر ) لتعليم العراقيين أصول الأخلاق و الآداب  و معاني الشرف و السلوك  و أنماط التفكير ( الإسلامية ) ، بقوة السياط و السيوف و الرصاص ، و التدخل في أدق تفاصيل حياتهم اليومية و الخاصة . و من ثم أليس سيان أن يكون عبد الكريم قاسم وطنيا أم لا ، طالما أن الوطنية تتنافى مع شمولية و عالمية و أممية  الإسلام ،  الذي كدين ،  هو  أشمل و أوسع من حدود وطن و دولة  ، و  باعتباره دينا كاملا و متكاملا ( يجب )أن تعتنقه كل البشرية !! . فعليه فنحن نستطيع أن نجزم بأن الذي يهم السيد الكاتب نبيل الكرخي ك( كاتب إسلامي )  بالدرجة الأولى  هو :  إقامة نظام الفقيه ، أو في أضعف الأيمان إقامة نظام إسلامي ، أجل هذا هو أهم شيء و فوق كل شيء  عنده ،  أما ما عدا ذلك ،  فستبقى مسألة ثانوية ، و غير ذي أهمية بالمرة !!!. و لعل هذا هو أحد الأسباب التي تجعل السيد الكرخي أن يصمت عن الأعمال الإرهابية الجارية في العراق ، مع أن أغلب الضحايا  ، هم من أبناء طائفته ، فنحن لم نقرأ له ، في هذه الأيام  ــ و ربما سابقا أيضا ــ حتى مقالة واحدة  ، يدين فيها هذه الأعمال الإرهابية ،  وهي عمليات الإبادة المبرمجة ضد الشيعة العراقيين ، و إنما يحرص على أن يكتب في شؤون إسلامية و طائفية بحتة ، و كأنه يعيش في ماليزيا !!!،  لربما أن السبب في ذلك ،  يرجع إلى كونه  يعتبر (العلمانيين   ) أخطر بكثير ، على الإسلام و المسلمين  ،  من القوى التكفيرية  المسعورة  ، و البعثية النازية ذاتها . و لربما أنه على الحق ، و نحن نسعى أن نفهمه هو و أمثاله ،   ككاتب إسلامي ملتزم : و لكن دون أن يمعنا ذلك من الاعتقاد  ، بأن  السلفي سيبقى سلفيا سواء كان معتنقه وهابيا تكفيريا ،  أو شيعيا(  متحمسا )  جدا ، و من أنصار نظام ولاية الفقيه !!.بدليل أن بعض المعممين المتطرفين في إيران أخذوا ينظمون انتحاريين ليرسلونهم إلى العراق لمحاربة الصهيونية و الشيطان  الأكبر الأمريكي ، ليقاتلوا جنبا إلى جنب مع الزرقاويين و القاعديين ومع  باقي السلفيين و البعثيين  ، بالطبع  دون أن يعني كلامنا هذا ،   بأن الزميل نبيل الكرخي سيكون واحدا  من هؤلاء  الانتحاريين ؟! ، معاذ الله ! ، إذ أن قلمه الملغوم بعدائه المزمن  ضد  أعدائه الوحيدين ، من العلمانيين و الشيوعيين سيعطيه مجالا واسعا لخدمة الإسلام و المسلمين على جبهة صراع الأفكارو العقائد . و لا يسعنا  إلا أن نتمنى له كل التوفيق و النجاح !!! .

* يعترف السيد الكرخي بأن القادة الجدد للعراق المسكين لم يقدموا للشعب العراقي من إنجازات تلك التي قدمها الزعيم الراحل عبد الكريم قاسم و ذلك بحجة ( من يرث احتلالا بغيضا و مشاكل سياسية و اجتماعية عمقها 35 سنة )  ؟! ، و كأن جدتي هي التي جاءت على ظهر  الدبابة الاحتلالية ، و ليس هؤلاء القادة الجدد ، الذين أغلبهم يفتقرون إلى ربع النزاهة التي كان يتمتع بها عبد الكريم قاسم ، و حيث لم يمض كل واحد منهم  في السلطة إلا بضعة أشهر ــ ابتداء من مجلس الحكم و لحد الآن - و إذا بروائح السرقات و الاختلاسات و الفساد الإداري و السلطوي  النتنة و العفنة ، تفوح من حواليهم و بشكل صارخ ، و بغض النظر عن كونهم من ( العلمانيين أو الدينيين ) ، بينما أمضى عبد الكريم قاسم خمسة سنوات دون أن يسرق أو يختلس فلسا واحدا من المال العام . إذن فأن هؤلاء القادة الجدد ــ مع احترامنا للمستثنين و النزيهين منهم  أن وجدوا !  - ليس فقط لم يقدموا إنجازات ملموسة للشعب  العراقي ، و إنما ( أخذوا  ) من جيبه ،  و ذلك من خلال  فرهدة المال العام  . أما على صعيد ديكتاتورية عبد الكريم قاسم فأنه لم يأمر باضطهاد مواطن عراقي واحد  ، و إنما حاول أن يقلم  أظافر الأحزاب القومية التي سعت أن تنتزع السلطة منه بانقلابات عسكرية متكررة ، و بتآمر مباشر من جمال عبد الناصر. بل و عندما تناهت  إلى سمعه تجاوزات الشيوعيين العراقيين ، حَّد من نشاطهم و اعتقل عددا من المتجاوزين ، و أبعدهم عن المناصب العسكرية الحساسة . و تجنبا لأي سوء فهم ، فنحن لا نعتبر الزعيم عبد الكريم قاسم ، نموذجا للقائد المثالي الذي نحلم ! . لقد كان ضابطا عسكريا و ذات نزعة فردية في ممارسة السلطة ، إلا أنه لم يستغل السلطة لمنافعه و مصالحه الشخصية ، و إنما حاول أن يخدم الشعب العراقي ، و قدر ما يستطيع ، و لهذا فنحن عندما نشيد به ليس على أساس أنه النموذج المطلوب و الكامل و الخالي من الأخطاء و الهفوات ، و إنما ننطلق من مقارنات فحسب ،  بينه و بين حكام عراقيين قبله و بعده ، لا أكثر و لا أقل ! .. و ليست صدفة  أنه  قد تحول إلى أسطورة في ذاكرة الأوساط الشعبية و الفقيرة من العراقيين  : فتارة رأوه ساكنا في القمر ، و تارة أخرى مستوطنا الأنهر و الشواطئ و غابات النخيل !، و خاصة عند فقراء الجنوب ! .

Qasim3@gawab.com