الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

15  تــمــوز  2005

ومضات خاطفة

شكرا للأحزاب الدينية .. و للملوك العراة !

كتابات - مهدي قاسم

أنني أرى الأمور المتعلقة بالأحزاب الدينية العراقية ، و خاصة الحاكمة منها  أو المهيمنة و المتسلطة  على إرادة الناسب منطق القوة ، على عكس ما يراه البعض . فأن هذا البعض الكثير  غاضب و ناقم على الأحزاب الدينية ، شاعرا بالخيبة و الإحباط  من سلوك و نهج هذه الأحزاب  ، و نحن هنا عندما نتحدث عن بعض الكتَّاب و القراء و أكثرية المواطنين المحبطين فأننا  نقصد أكثرية المجتمع العراقي المحبطة الآن فعلا و حقيقة ، و  لحد اليأس و اللعنة ، مودعة أمالها و أحلامها مرة واحدة ، و إلى الأبد !. أما لماذا أنني أرى الأمور على عكس من هؤلاء البعض الكثير  ؟؟! ،  فالسبب يرجع ،إلى أننا لو دققنا النظر في هذه المسألة فسوف نجد أن هذه  الأحزاب الدينية و الطائفية ،  قد وفرت لنا جهدا كبيرا ، ووقتا ثمينا كان من الممكن إهداره ، لفضحها و تعريتها ، و تسليط الضوء على جوهرها الإدعائي القدسي  المزيف ، و عن نزوعها الطغياني والقمعي  ، و عن كونها في حقيقة الأمر لا تختلف إلا قليلا ، عن حزب البعث النازي ، من حيث التسلط و الشمولية ،  و الضحك على ذقون الفقراء و البسطاء من الأكثرية الصامتة ــ و لكونها مازالت تخطو أولى خطواتها على صعيد   ممارسة السلطة و الحكم و التحكم بمصائر العراقيين  ــ  و خاصة  على صعيد مصادرة حرية و حقوق الآخرين ، معاملة المواطنين كما لو كانوا قطيعا من العبيد و الخرفان ، و تعبئة و حشو أذهان العراقيين بالخزعبلات و الخرافات و الأساطير الهزيلة ،  الغيبيات المستهلكة لحد التهرؤ ، و كأن ( التثقيف ) البعثي العفلقي للمواطن العراقي ،  الذي أستمر لعقود طويلة من الزمن لا يكفي لتشويه شخصية العراقي روحيا و فكريا و نفسيا و اجتماعيا ! . و ذلك من خلال  السعي إلى تعطيل آلية التفكير الحر ،  وشل و سحق  تكوينات و نوات  الإرادة المستقلة ،  و تسخيف و تسطيح  فكرة الحرية ، و زرع محلها فكرة الخنوع ، و سلوك العبودية  ، ناهيك عن المحاولات الجارية لتقبيح جمالية الحياة و اعتبارها أثما و خطيئة ،  و عديم المعنى و الجدوى ، بالتالي يجب التضحية بها من أجل الآخرة  !! .

يجب أن نكون ممتنين لهذه الأحزاب الدينية و الطائفية لكونها قد فضحت نفسها بنفسها ، سواء من ناحية سلوكها و تفكيرها القمعي ، أو من ناحية  كونها  لم تستطع أن توفر الحد الأدنى ،  من الأمن و الاستقرار و إمكانيات و مجالات العمل ، و لقمة الخبز و الرعاية الصحية ، و غير ذلك من أمور حيوية أخرى  : بل أن الأمور قد ساءت أكثر فأكثر : فكثرت و تصاعدت أعمال العنف و الإرهاب ،  و تزايد العدد اليومي للضحايا العراقيين المسالمين ، بتواز مع تصاعد عمليات السرقة و الاختفاء  ، ل( حصة التموين ) المقدمة لفقراء العراق الجياع ، تلك الحصة المهمة التي كانت توفر الحد الأدنى من العيش المضمون للعراقيين الفقراء  ، و للعاطلين العمل، وهي التي كانت  تشكل ضمانة وحيدة لهؤلاء الفقراء  ،  لكي لا يهلكوا جوعا ، و يُقال أن بعض الفقراء المعوزين ،  أخذوا  الآن ،  يبيعون دمهم لكي يبقوا على قيد الحياة ! .

أن سقوط و انحدار هذه الأحزاب و التنظيمات و الحركات و التيارات الدينية المهيمنة في مناطق جنوب العراق حتى بغداد ، و فقدانها لهالتها المزوقة و المزيفة ،  قد بات واضحا و ملموسا ، بالنسبة  للمواطن العراقي، الذي بدأ يحس و يشعر من خلال معاناته و  همومه اليومية و خيبته الكبيرة  ، كم أن هذه الأحزاب و التنظيمات و التيارات في واد و الشعب العراقي في واد أخر ، و خاصة  عندما تم إهمال مناطق الجنوب الغنية بالثروات النفطية و غيرها ، و حرمانها  من عمليات الأعمار و البناء و تشغيل الأيدي العاملة العاطلة ، على الرغم من وجود الأمن  والاستقرار اللذين  كانا مخيمين نسبيا ،  و يسمحان  بالبدء و المباشرة  بمثل هذه المشاريع الإنشائية و الأعمارية و التنموية ، و تقديم خدمات مهمة و حيوية  عامة للمواطن العراقي ،  الذي أصبح بأوج حاجة إليها .. لم يحدث أي إنجاز مهم من هذا القبيل  على الرغم من مرور سنتين على انهيار النظام السابق .

و لكن الاهتمام و الانهماك بالسرقات و الاختلاسات و نهب و سلب و فرهدة الأموال العامة ، و كذلك استغلال السلطة  و المناصب و توزيعها على أساس القرابة و المحاباة و الحزبيات  ،  كان أقوى و أكثر إغراء ،  و طغيانا ، من الاهتمام بهموم و شؤون الوطن و المواطن العراقي المخدوع و المضلل و المستخدم دائما ، ككبش فداء لأهداف و مصالح فئوية و شخصية !.

فهؤلاء السادة و من شدة تدينهم و إيمانهم  و طهارتهم الشديدة و العميقة !!!!!، لم يفطنوا إلى مثل هذه  الهموم و الشؤون ( التافهة ) ، و لأنهم صرفوا جل اهتمامهم و أوقاتهم  على مراقبة سلوك و أخلاق المواطنين : مثلا  مَن يغني و يرقص في الحدائق  العامة ، و مَن يلبس بناطيل الجينز و يطلق شعره طويلا ، و مَن من النساء و الفتيات ــ حتى ولو كن غير مسلمات !!ــ لا تلبس الحجاب و الجبة ، و أي حلاق لا يمارس مهنته وفقا ، و طبقا  للتعاليم الإسلامية ، و خاصة  بما تتعلق باللحية و الشوارب و الحواجب و العانة ، و الخ ، و الخ من واجبات و فروض كثيرة جدا ، جدا تتعلق بسلوك و أخلاق ، و أنماط تفكير للمواطن العراقي الذي يصرون على إعادة تربيته  ،  تربية دينية  جديدة ،  كتواصل فعال مع الحملة الإيمانية الصدامية السابقة ، ولكن عبر ( رؤية أخرى) ؟! ،  وهي مهمات شاقة و عاجلة ،  ينبغي على ( قديسينا ) الجدد المطهرين ، أن يتفرغوا  لها بالدرجة الأولى و الأخيرة  ، بدلا من التشييد و التعمير و البناء ، و تزويد المواطن بالتيار الكهربائي الدائم  ، وبالمياه الصالحة للشرب ،  و بتشغيل ملايين  العاطلين عن العمل ،  و القضاء على وباء الإرهاب ،  و الفساد الإداري  ، ووقف عمليات النهب و السلب و الفرهدة التي تتعرض لها الأموال و الممتلكات العامة على قدم و ساق . فبالنسبة لهؤلاء ( القديسين و المطهرين الأبرار ) الجدد ، أن  هذه الأمور الدنيوية ( التافهة ) لا تستحق العناية و الرعاية ،  و لا اهتماما أو إهدارا للوقت ، و خاصة أن الآخرة أهم بكثير من هذه الدنيا الفانية ؟!!!! .. بالطبع أن الشعور بكون هذه الدنيا ( فانية ) لا تمنع هؤلاء السادة من حشو جيوبهم بالمال ( الحلال ؟؟) و السطو على ممتلكات الدولة و الشعب و الاستمتاع بمباهج السلطة و الحكم و استغلالهما على احسن وجه ما يكون ،  و بأسرع وقت ممكن ، ليستمتعوا بهذه الحياة الفانية ! .. وما دمنا عند الدنيا الفانية ، فلا يسعنا إلا أن ندعو الرب الذي يرزق من يشاء ،  بأن تبقى جيوبكم المحشوة عامرة ب(المال الحلال ؟؟ )  و خالدة و منتفخة كمخدة الملوك حتى يوم القيامة  !! .. و ندعو أنفسنا إلى توديع الأمل و الحلم ، على صعيد رؤية عراقنا متعافيا و جميلا و مصدر فخر و اعتزاز ! .. إذ أنتم قد أجهزتم على ما  تبقى من القليل ،  القليل  من العراق : أي على ما تبقى ،  و على  ما فلت من معاول صدام .. و لكن ما أسرع ، ما أضحيتم  مرئيين ،  كملوك عراة  أمام معظم العراقيين ، على الرغم من قلة فترة وجودكم في السلطة ! . و لعل كل هذا سيعطينا مجددا بصيصا من أمل جديد.

Qasim3@gawab.com