الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

14  تــمــوز  2005

ومضات خاطفة

أطفال العراق يُقتلون بين الحلوى الأمريكية و السيارات التفخيخية لـ ( المقاومة ) ؟!

كتابات - مهدي قاسم

مع أننا لم نذق طعم الدم البشري ، بالطبع من حسن الحظ ..  و لكن مذاق الحلوى نعم ! ..  إلا أننا  نظن بوجود فرق كبير بين مذاق الدم البشري  الساخن  المهدور ، وبين مذاق الحلوى اللذين اختلطا ببعضهما ، اليوم ، ليتحولا بين لحظة و أخرى ، إلى مذاق مَّر كالحنظل  ، حاملا نكهة الموت الخاطف .. وهي النكهة الحادة التي  تحجرت في حلق أطفال بغداد كقبضة من رمال كثيفة و ملتهبة ..  و إذا بهم يتمزقون أربا ، أربا ،  و كذلك قطع الحلوى التي كانوا يمسكونها بين راحتهم الصغيرة قد تفتت كأناملهم الصغيرة المتناثرة ..  و إذا بأصابعهم النحيلة  تتجمد بغتة في الهواء .. تتجمد  بين المسافة المهتزة عند  حدود شفاههم و اندفاعة أناملهم التي شلتها العاصفة النارية المباغتة : و إذا بقطع  الحلويات تهتز ،  لتمرق مسرعة من بين أصابعهم الرقيقة ،  و تطير  منطلقة كحمامات و سحابات  ملونة و نيازك  ، تتماوج منزلقة  على حرير الأفق ..  تتبعها عيون الأطفال عالقة آسفة ،  ذاهلة ، و مندهشة  على حرمانهم من هذه الحلوى ..  دون أن يدركوا ، بأنهم كانوا يطيرون أيضا خلف قطع  حلوياتهم ، و لكن دون أن يتمكنوا  من الوصول إليها ..  لأنهم  فجأة  بدءوا يتساقطون في هوة الحلم العميقة الساخنة ،  و الخانقة و الثقيلة كصخرة ملتهبة ،  كما تهمي متساقطة و مشتعلة  الفراشات في فوهة تنور متأجج بألسنة نيران عالية .. ماتوا كما لو كانوا قد وقعوا من أرجوحة مندفعة  ، كقطار مسرع في نفق مظلم يتجه نحو الهاوية  ..  لربما قال أحدهم قبل أن يغمض عينيه و يموت بهدوء ،  كفرخ طائر في ضراوة  العاصفة ..   وهو  يحلم  متابعا طيران قطع الحلوى : آه على الأقل لو تركونا أن نأكل شيئا من هذه  الحلوى ! ..

أنهم أطفال عراقيون ، كان  عندهم أمهات و أباء و الأشقاء و الأخوات ، و أصدقاء و أصحاب في  المحلة أو المدرسة .. كانوا البارحة يملئون سكون الحياة بضوضاء لعبهم و ضحكاتهم و مشاجراتهم البريئة ، ليضفوا على العالم حضورا غضا و ديمومة  ، و نسغا و سرا مقدسا  ،  و معنى  للوجود.. لقد كانوا أطفالا عراقيين : فربما كان هذا هو ذنبهم الوحيد ،  و سبب موتهم الأكيد ! .. كانوا فحسب ! .. ولكنهم الآن ،  لم يعودوا كذلك .. لأن ثمة (وطنيين شرفاء  و مجاهدين مقاومين ) قرروا أن يجعلوا من هؤلاء الأطفال قرابين و نذورا رخيصة  ، من أجل استرداد السلطة المفقودة ، و من أجل العروبة و الإسلام ، و الهيمنة الطائفية ؟! ..

لا بأس !! .. أن بعضا من أطفال العراق بدلا من أن يذيقوا طعم الحلوى اللذيذ ذاقوا طعم الموت الحنظلي ..

لا بأس أيها الرب العادل !!!! ..  يا من خلقت الإنسان على صورتك المشرقة ؟! ،  بما فيهم البعثيين العفالقة النازيين  ، و الإسلاميين التكفيريين و السلفيين الجزارين ،  و كل الأشرار و الساديين و القساة   ! ..

لا بأس أيها الشيطان ! ..  أيها المتمرد الجميل دوما و أبدا  .. و يا عاشق الحرية الولهان ! ..  ويا  رافض الذل و العبودية و الخنوع لأي كان ! ..إذن لترتفع رايتك عاليا كما هي هامتك الشامخة  ..

لا بأس  ! ،  يا مَن تحتضنون الانتحاريين الأوغاد ،  في بيوتكم و أوكاركم الإجرامية ، و من ثم ، ترسلونهم لقتل الأطفال العراقيين في أثناء تذوقهم لطعم  الحلوى .. حتى يذيقوا  طعم الموت الزؤام ! ..

لا بأس أيها السيد السيستاني ! .. و أنت  تلجم القطيع ،  و لا تبالي بالذئاب الرمادية الكاسرة  وهي تهاجم ، و تقضم حتى رؤوس أطفال  هشين  .. أطفال لا يفقهون شيئا ، لا عن الطائفة ،  ولا عن  طائفية الأحقاد و الضغائن و الكراهيات القاتلة  ..  و لا عن السلطة الطائفية المتوارثة، أو الجديدة  ،  و لاعن نفط  العراق ..

لا بأس ! ،  يا ساسة العراق الجدد السلطويين ، أحموا أنفسكم المتقزمة  الجبانة  ،  خلف مؤخرة اليانكيين ، و دعوا أطفال العراق يتمزقون و يُبادون بكل هذه القسوة و الوحشية  !..

أجل أنهم أطفال العراق ، الذين  قُتلوا و ماتوا بين الحلوى الأمريكية  ، و بين السيارات التفخيخية ل( المقاومة ) الشريفة .. ماتوا و قُتلوا  دون أن يكون لهم أي ذنب يُذكر ،  ماعدا كونهم  أطفالا عراقيين !.

لا بأس أيها السادة جميعا ، لا بأس ! ، لنتحمل و نصبر .. و أن الله يحب الصابرين !!!! .  

Qasim3@gawab.com