الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

17  كانون ثاني 2007

ابحث في كتابات

 

ورقة مباديء للعمل : التركمان والمطالب الكردية الراهنة

 

كتابات - عوني عمر لطفي

 

ان منظورنا إلى المسائل السياسية يستند الى مباديء عامة نؤمن بضرورتها وصلاحها لمعالجة الزلزال العنيف الذي تعرض له وطننا العراق؛ من جملتها:

1- تعزيزالمباديء الوطنية  ووحدة العراق وسيادته وقوته ودوره في المنطقة والعالم وترسيخ الحقوق والواجبات على اساس المواطنةوالمساواة.)المطابقات الوطنية).

2- حقوق الانسان وحرياته الاساسية.

3- مشروعية السلطة القائمة على رضاء الشعب المستقر  والنظام الديمقراطي الناجز القائم على تداول السلطة والتعددية الحزبية.

 ولاشك ان  هذه المباديء وغيرها لابد ان يراعى في اصولها وتفاصيلها التوافق مع القواعد والقيم الاسلامية التي يحترمها عموم الشعب العراقي بكل مكوناته وخاصة الشعب التركماني.

 

بناء على ذلك؛ من الطبيعي أن يكون اقرارالحقوق الفئوية في العراق مهما كان نوعها :للجميع على اساس المساواة التامة والعدالة وبمعايير مركزية واحدة تنطبق على الجميع ؛ويحقق الحقوق والطمأنينة للجميع؛ ويراعي وحدة الوطن وسيادته  ودوره التاريخي بطبيعة تكوينه العام؛ وكذلك الاستقرار والسلام الوطني ومع الجيران. هذه الاسس مهمة للولوج إلى أرضية الحلول لمختلف المسائل الفئوية المتراكمة والموروثة.... والمعقدة في الوقت نفسه بسبب اللجوء المستمر إلى حلول الأمر الواقع والأستحواذ على المكاسب الذاتية الضيقة وربما بأسلوب تمشية الامور وعبور الأوضاع المتأزمة، ولكن من غير تحكيم قواعد العدالة الواسعة أو المعايير الأستراتيجية المعتمدة على التوازنات الداخلية والخارجية البعيدة المدى.

وان منظورنا من الزاوية التركمانية إلى مطالب الأحزاب الكردية الرئيسية كما تبلور خلال السياقات السياسية، وعلى ضوء المباديء المتقدمة ضمن المشروع العراقي العام (الذي نؤمن أن المشروع التركماني أو الكردي جزء متمم له وغير منفصل عنه) هو كما يأتي، وبصورة موجزة وبدون الأحالة الى التخريجات السياسية التفصيلية او التأصيل المبدئي:

1- واقع الشعب الكردي في العراق يحتم شكلا من اشكال الحكم الذاتي؛ مهما كانت المسميات مثل الفدرالية او الولايات او الحكم الذاتي . ولكن ينبغي ان يحصل توافق عراقي عام على هذا الشكل يلائم بين المطالب الكردية والمصالح الوطنية العليا. وذلك لأن أي وضع خارج التوافق العام قد يجر إلى تسلسل الصراع والأزمات مستقبلا. ولن يكون ذلك لصالح العراق، ولا لصالح أي طرف من الأطراف.

2- وان العدل يفرض ان يبنى هذا الوضع الكردي المتميز على معايير معينة، حتى تطبق حيثما  تتحقق من أنحاء العراق،وعلى جميع الفئات القومية أو المذهبية أو الثقافية،ومنهم القومية الثالثة (التركمان)،  وبموجب قواعد العدالة العامة كما ذكرنا آنفا . ولعل ذلك يؤمن ترسيخ الشكل الذي يتوافق عليه وديمومته من جهة؛ ويحد من المطالب الفئوية المتطرفة في عموم العراق من جهة اخرى.

3- نحن ندعم كل ما يعزز وحدة العراق أرضا وشعبا وسيادة. وينبغي ان يحصل تساهل من قبل جميع الفئات العراقية في بعض المسائل التي تثير الفرقة والتنازع لصالح مؤسسات الدولة المركزية وضمان الإجراءات والقواعد المعززة لوحدة الوطن العراقي، وخاصة في النصوص الدستورية التي يقف العراق على أعتاب تعديله.

4- ينبغي اقرار قواعد واجراءات تضمن حقوق غير الاكراد(ونخص التركمان بالذكر هنا) في المناطق الكردية المقررة حاليا،وكذلك حقوق الاكراد في المناطق غير الكردية، والتوسع في الحالتين وخاصة في الحقوق الثقافية والادارية والحريات السياسية. ان وجود اكراد خارج المناطق الكردية ووجود تركمان في تلك المناطق(وكذلك كلدوآشوريين)؛ مع تمتع الجميع بكامل حقوقهم وحرياتهم بضمانات دستورية وقانونية وعملية ناجزة؛ هو بذاته من ضمانات الحل العادل  والوحدة والتلاحم والاستقرار والديمومة في الاوضاع والاجراءات والقواعد المقررة حاليا. فينبغي التفاعل مع التظلمانات المشاهدة والواقعة، وذلك برفعها ودفعها، تعزيزا للثقة بين جميع الاطراف.

5- ان الشعب التركماني في العراق تعرض إلى التذويب القومي والقمع والزعزعة في ثقافته الذاتية والتهميش السياسي والاداري بشكل منظم وإرادي ومتوال، ابتداء من قيام الدولة العراقية وقبل الفئات العراقية المغبونة الاخرى. ثم بلغ ذلك الذروة بالقمع الدموي والمجازر (وفي قمتها مجزرة كركوك سنة 1959 التي تعد انموذجا خالصا وفريدا ومبكرا للقمع العرقي في العراق والهادف الى التطهير والتهجير العرقي). ثم تبع ذلك الأعدامات والمقابر الجماعية، لمجرد القهر الفئوي، ودون مبرر واضح أو حقيقي. ولذلك من الضروري إزالة العوائق امام البناء الذاتي التركماني باعتبارنا القومية الثالثة وتعرضنا الى هذه المظالم البشعة والمرهقة التي زلزلزتنا، وفي الوقت نفسه سلبتنا من الإمكانات الفاعلة للدفاع عن النفس بشكل مبرمج.ولا نود الخوض في هذه الامور أو إيضاح صحتها التي تغيب على كثير من الاطراف العراقية المخلصة في احقاق الحقوق، وذلك كيلا  ننكأ الجراح؛ وحتى نتوجه لبناء المستقبل الواعد. ولكن من حقنا ان نطالب بمراعاة الأنفتاح والتوسع والتفسح في حقوقنا القومية في الوقت الذي تتحق الحقوق والحريات الأساسية في العراق عموما؛ وان لا يلحق بنا ضرر او توضع أمامنا عوائق بنتيجة تحقيق الحقوق لعموم الشعب؛ وخاصة للأخوة الأكراد، كما هو الحال الآن. علما بان التواجد التركماني في الخط االممتد بين القوميتين الكردية والعربية؛ يجعل مراعاة حاجات الأنفتاح التركماني وقدرات التركمان وطاقاتهم في تحقيق ذلك مسألة بالغة الحساسية والضرورة لجميع الاطراف الوطنية،ويساهم في إيجاد الحلول المتوازنة والوسطية في المسائل الخلافية ضمن هذه الجغرافيا. وان كثيرا مما يجري اليوم يلحق غبنا بالغا بالتطلعات التركمانية المشروعة والثابتة حقوقيا وواقعيا وتاريخيا. فينبغي مراعاتها وتعضيدها وتأييدها من قبل الأطراف الأخرى ايضا.

6- ان الحدود الادارية للألوية والمحافظات نجحت بشكل مقصود طوال تاريخ الحكم الوطني، في توزيع التركمان بشكل لا يشكلون اغلبية في اي منها. وزد على ذلك حملات التعريب والتكريد المنفذة بصورة ثابتة ومخططة. ولذلك نتطلع الى اجراء تغييرات في هذه الحدود بشكل يجمع شمل التركمان ويحقق كثافة سكانية عالية بحيث تجعل ممارسة الحقوق المقررة وفق الدستور ممكنة التحقق وليست خالية من المحتوى. وان ساحة هذا الطلب تشمل محافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك واستحداث محافظة في تلعفر تضم النواحي والقرى التركمانية في المنطقة. ولا يخفى ان هذه المناطق في اغلبها هي مناطق اتخذت فيها المؤسسات الكردية القائمة فعلا اجراءات تكرس تكريدها؛ مما يتعارض مع تطلعات الشعب التركماني المشروعة والحياتية ويثير حفيظته في الوقت نفسه. وهذه الامور بذاتها هي من اهم نقاط الاختلاف مع الاحزاب العراقية المركزية ايضا، والتي تتوافق مع ولاء التركمان المطلق للدولة ووحدتها وسيادتها، ولكن لا تضع في اجندتها التطلعات التركمانية. وان منطق الاستقرار السياسي الوطني يتطلب في رأينا ان تعاد الامور الى نصابها بصيغ يمكن دراستها مثل إلحاق القرىوالنواحي ذات الطابع الكردي بأقرب المحافظات المشابهة وجمع القرى والنواحي ذات الطابع التركماني مع بعضها لأزالة الغبن المنظم اللاحق بهم منذ تأسيس الدولة العراقية التي لم ينقطع التركمان عن ولائهم لها ولاء منقطع النظير رغم ذلك؛ وذلك بنتيجة عقلية الدولة الراسخة في تقاليد هذا الشعب الأصيل. وفي خضم هذه العملية لابد من اقرار ترتيبات خاصة بكركوك تحافظ على طابعها التركماني/العراقي وتخرجها عن دائرة المنازعات بالتوافق على برنامج وطني عادل يرضي جميع الأطراف ويخرج كركوك عن بؤرة النزاع حاليا ومستقبلا. فهل يتصور أن لا تكون للقومية الثالثة في العراق محافظة واحدة لممارسة حقوقها الدستورية في ظل نظام الحريات التي اطلقت اوسع الصلاحيات لتكوين الفدراليات والأقاليم؟ وهل يعقل ان يقال ان التركمان يتوزعون في مناطق متعددة فيحرمون من حقوقهم ولا يقال ان توزعهم هو إصلا بسبب سياسات الاضطهاد المنظم التي تجب إزالتها وليس تكريسها؟ وهل من العدل أن يستمر هذا الإجحاف لأن التخريب الذي أصاب الكيان التركماني لا يؤهله لإسترداد حقوقه الطبيعية بقدرته الذاتية التي بددها الإضطهاد الناعم المنظم ونزع من يده سلاح الدفاع عن نفسه؟ وأن لا تدعمه القوى العراقية التي تزايد بالحريات أو تجعل العدل شعارها؟.

   7-  من الطبيعي ان نختلف مع القوى السياسية وتطلعات المكونات العراقية المختلفة في مسائل تفصيلية قد نكون متفقيين معها في اساسياتها وجوهرها؛ وذلك باعتبار النظر في جملة المشروع العراقي. فنحن نعتقد ان أي شكل من اشكال الحكم الذاتي او الفدرالية يكتسب المشروعية بموافقة مجمل الشعب العراقي الذي لديه حق القبول او الرفض او التغيير مستقبلا. وكذلك نرى ضرورة صيانة وحدة العراق وسد منافذ الانفصال في اي بقعة عراقية؛ ويستتبع ذلك الحساسية في صلاحيات وواجبات وحقوق المناطق ذات الادارة الذاتية التي ينبغي أن تقرر من مجمل الشعب العراقي. وكذا نعتقد ان احتواء المناطق الذاتية على امكانات محلية تستغني بها عن المناطق الاخرى، قد يلهب نوازع الانفصال في ظل ظروف عاطفية أو حماسية غير محسوبة العواقب وغير المتحلية ببعد النظر. لذلك نرى إعادة النظر في الضوابط الدستورية التي تقررت على عجل، ووضع معايير تحد وتقلص من حيازة الفدراليات المناطقية على :  آ-  مساحات واسعة  ب-  او تركيز شديد في الثروات الطبيعية أو الهيمنة على مصادرها  ج- او كثافة سكانية عالية. فكل هذا يزيد من مخاطر تقسيم العراق ويلحق بالتالي ضررا بمجمل العراقيين، وحتى بالذين يظنون أنهم الآعظم حظا في المكاسب، وذلك في المنظور السليم البعيد النظر، والشمولي المحيط باوضاع المنطقة التي ينتمي العراق اليها ويشكل جزءا منها بحكم الضرورة والواقع. لذلك؛ ندعو الى وضع موازين تضع هذه المعايير نصب العين لتطبيقها في انحاء العراق كافة وحيثما تطلب وعلى الجميع .... ونحن التركمان منهم. وقد تداولت السياسة العراقية مدة من الزمن معيار التحديد بثلآث محافظات. ومع صلاحية هذا المعيار مبدئيا، فان المجريات السياسية الحالية وتطلعاتنا  ضمن المشروع العراقي يقربنا الى مشروع فدرالية المحافظات، مع غربلة الصلاحيات الواردة في الدستور وتصفيتها من الشؤون الدافعة الى التنازع مع المركز في الامور السيادية الوطنية. وقد نختلف في هذا، ليس مع التطلعات الظاهرية الكردية وحدها؛ بل ربما مع مثيلاتها في فئات اخرى. ولكننا ننسجم مع التطلعات الوطنية العراقية الواسعة، وضمن هذه الفئات أيضا ، والى حد كبير.

8- هناك مسالة اساسية تقف عائقا امام الآمال التركمانية في بناء العراق الجديد والتعايش الاخوي السليم والثابت بين مكونات الشعب العراقي في المناطق التركمانية، وهو: أن اجواء الحرية والحقوق والديمقراطيةالتي عمت في العراق، توسعت في الجانب الكردي على حساب الجانب التركماني؛ ولم يراع الحد الادنى من التوازن المطلوب جماهيريا عند التركمان؛ وكما ذكرنا نبذة من ذلك فيما سبق. وان اهم مسألة لتحقيق الوئام والاستقرار هو الألتفات لمطالب التركمان العادلة من قبل جميع الاطراف العراقية والنظر اليها من زاوية احقاق الحق والانصاف وترك العقلية البائسة التي اثبتت فشلها وقلة جدواها بفرض الامر الواقع وان كان غير منصف. ان العدل والانصاف سيجد طريقة ليحقق نفسه في النهاية. والأولى هو الاستماع الى صوت العدل والحق من البداية.

 

هذه النقاط المهمة المذكورة أعلاه لا تتطرق الى كل القضايا التي يجيش بها الشارع السياسي التركماني ؛ بل الى الساخنة والحاضرة منها فقط. وقد ذكرناها هنا بصورة إجمالية وغير مفصلة . وكنا نتداول هذه المفاهيم منذ سنة 2000 في لقاءات ومحاضرات مع زمرة خيرة من شباب التركمان ورجالهم في تيار تبلور حول اسم (البناء الذاتي التركماني). ولكن الاحداث المتسارعة تجاوزتنا وتجاوزت ببعض هذه الأفكار إلى صيغ  وإلى كيانات أخرى بحكم الوقائع. غير أن المفاهيم المذكورة لا زالت تشكل حلولا يمكن الرجوع إليها والعمل بها، أو تعديل المجريات وفق ما يصلح منها. فأدعو  مخلصا:جميع من يقرأ هذه الأفكار والمفاهيم من المثقفين وأهل الحل والعقد في العراق عموما، ومن التركمان والاكراد خاصة، إلى  وقفة جديدة مع الذات.... لنتطلع الى نهضة لا تغبن أي فئة، وإسنادنا نحن التركمان خاصة، لعدم إتمامنا بناء مؤسساتنا وتعمير ما انهدم من كياننا وثقافتنا وتقاليدنا الثرة والغائبة، والتي أتوسم في إحيائها في نفوسنا خيرا عميما للعراقيين  جميعا. ولا شك بأن العبء الاكبر في عملية بناء الذات يقع على عاتق أولئك التركمان الذين لا زالوا يستشعرون الألم من الضيم الذي لحق بأشخاصهم او بذويهم في كل شؤون الحياة العامة والخاصة منذ تأسيس الحكم الوطني ... رغم إخلاصنا الرائع والثابت والراسخ والدائم للوطن ، واستظلالنا بظله وحده في كل الظروف والأحوال. فليشمر كل من يحس في نفسه شيئا من الحنين الى الثقافة التركمانية عن ساعد الجد، ولينخرط في عملية بناء الذات وبالعوامل الذاتية،التي يشكل ديننا الاسلامي أهم حيثياتها.... من أجل تلك الأحلام التي لم تبرح يقظتنا أو غفوتنا أبدا، ويدا بيد مع كل العراقيين، وكما يليق بتاريخنا المجيد وثقافتنا الغائرة وتقاليدنا الراسخة في الدولة والحكم.

 

avni@maktoob.com