|
التحليل النفسي للشخصية العراقية
مزيدة
ومنقحة
كتابات
- خضير طاهر
شخصية تدمر
نفسها
تناول الشخصية العراقية من منظور التحليل النفسي
أمر في غاية الأهمية، ويفترض أن يكون من أولويات المؤسسات العلمية
والنخب العراقية، فما نشهده من تشوهات إجتماعية ومصادرة للحريات
وإنعدام إحترام حق الاختلاف والفساد الاداري وسرقات للمال العام
وعمالة لأجهزة المخابرات الايرانية والسورية المعادية للعراق،
وجرائم الخطف والارهاب وقطع الرؤوس، وقبلها سلسلة الانقلابات
والسجون والاعدامات والمقابر الجماعية...
كل هذه البشاعات هي عبارة عن ظواهر ( ونتائج ) تقف خلفها (أسباب)
سايكولوجية إستوطنت في الشخصية العراقية.
هل توجد شخصية عراقية واحدة؟.. الجواب بالنفي، فبعد
إستبعاد وفرز المشترك العام للنوع الانساني والمشترك القطري
الواحد.. ستتجلى لنا تنوعات الشخصية العراقية كالشخصية الشيعية
والسنية والكردية وبقية الاقليات الاخرى وسنجد تنوعاً لدرجة
التعارض أحيانا.
تقف الشخصية بشكل عام على ثلاثة أركان:
- العقلي
- النفسي
- الجسدي
وهنالك علاقة تفاعلية عضوية تربط منظومة الذات
الانسانية هذه، و في حال حصول أدنى خلل سيؤثر
حتما ًعلى
كل كيانها، والسؤال الكبير الذي علينا مواجهته هو : هل الأسرة
العراقية تمتلك الوعي التربوي العلمي لإنجاب أفراد أصحاء؟.. وهل
المدرسة والجامعة لديهما المناهج العلمية وألاساتذة الأسوياء
لصناعة شخصيات سليمة تتمتع بالصحة النفسية؟.. ماذا عن سلطة القبيلة
والمؤسسة الدينية والاحزاب والتقاليد والاعراف وقمع الدولة
والمفاهيم المغلوطة المكونة لهوية الشخصية العراقية ورغم وجود
الاختلاف مابين ما سوشية الشيعة وسادية السنة وزئبقية الاكراد
وأنطوائية الاقليات الاخرى.. توجد ( بنية ) نفسية ترسم الإطار
العام الشعوري واللاشعوري للشخصية العراقية.
ونحن هنا نعاود المحاولة مرة أخرى ـ كانت المحاولة
الاولى قبل عشر سنوات نشرت في بعض صحف المعارضة العراقية ـ تناولنا
فيها بعض جوانب الشخصية العراقية التي تؤثر على التفكير والسلوك
السياسي، فبعد زوال الشماعة التي علقت
عليها كل أوجه الخراب بزوال نظام صدام الذي كان ( نتيجة ) للتشوهات
النفسية وليس ( سبباً ) لها وإنكشاف المخبوء ونزف قيح التخلف
للعلن... أصبح لزاماً علينا مواجهة الذات والأعلان من أننا شعب
مصاب بالوباء النفسي والعقلي الجماعي .
ماسوشية الشيعة
الشخصية الشيعية هي نتاج التاريخ بإمتياز بمعنى
إنها ليست شخصية عفوية، وإنما هي ترزح تحت إكراهات التاريخ
والايديلوجيا وعملية ( التفريس ) التي مارسها اللوبي الايراني منذ
أكثر من ألف عام لقولبة شيعة العراق، ونتيجة لعملية غسيل الدماغ
الجماعي وإدخال أفكار وطقوس وممارسات بعيدة عن الفطرة الانسانية
وطبيعتها العفوية.. ظهر مرض (( الماسوشية )) في المجتمع الشيعي
العراقي على وجه الخصوص .
من أبرز أعراض مرض (( الماسوشية )) النفسية وليس
الجسدية هي التواري خلف الصفوف الامامية وعدم الجرأة في أخذ زمام
المبادرة والطليعية وإستمراء الخضوع للافكار والطقوس والاشخاص،
وأخطر مافي هذا المرض هو التوجه بصورة لاشعورية الى إتخاذ مواقف
وسلوكيات تؤدي الى الاخفاق من أجل الاستلذاذ بعذابات الفشل ونشير
إننا لانعمم على جميع الشيعة وإنما نتحدث عن الغالبية العظمى.
العناصر المؤسسة لمرض (( الماسوشية )) لدى الشخصية
الشيعية هي:
- المنبر الحسيني
- طقوس عاشوراء
- تقليد المراجع
بالنسبة للمنبر الحسيني فمنذ مئات السنين يقيم
الشيعة مآتم الحزن والعزاء بصورة مستمرة سنوياً على ذكرى إستشهاد
الامام الحسين بن على بن أبي طالب، ومن طبيعة عمل هذه المنابر هو
القيام بضخ وتكريس مفاهيم تحقير الذات والشعور بالذنب والإضطهاد
وعدم جدارتها بالحياة، وعادة ماتكون مصحوبة هذه المآتم بالعويل
والبكاء، وتعتبر هذه الاجواء والممارسات بيئة مثالية لتحطيم الذات
وقتل شعورها بالاعتداد وتشويه إحساسها بالحياة وجمالياتها.
أما طقوس عاشوراء فهي مناسبة تستمر لمدة أربعين
يومياً لدى الشيعة وتعتبر تطبيقاً عملياً لمرض (الماسوشية) وتعذيب
الذات جسدياً ونفسياً، فليس من الطبيعي وفق قوانين الصحة العقلية
والنفسية قيام الشيعة بضرب أكتافهم وظهورهم بالسلاسل كل يوم وطوال
العشرة الاولى من شهر محرم، ثم تأتي ذروة عملية تعذيب الذات في
اليوم العاشر من محرم حينما تخرج المواكب لضرب الرؤوس بالسكاكين
وإخراج الدماء بصورة مقززة تتعارض تماما مع تعاليم الاسلام التي
تؤكد على أن النظافة من الايمان وتحريم إيذاء النفس.
طبعا ليس هذا فحسب ، وانما يتخلل السنة العديد من
مناسبات وفيات الائمة الاثنى عشر وتتم فيها ايضا طقوس اقامة المنبر
الحسيني والعزاء والبكاء والعويل .
وبخصوص العنصر الاخير المسبب للمرض وهو تقليد
المراجع الذي يتخذ شكل نمط علاقة (الراعي والقطيع) بصورة فيها
إمتهان ومصادرة لآدمية وكرامة الانسان وحريته في التفكير والارادة،
فكما هو معروف أن القرار الديني والسياسي لشيعة العراق يهيمن عليه
اللوبي الايراني منذ اكثر من الف عام وينحصر دور الشيعة فقط في دفع
أموال الزكاة والخمس وتقبيل أيادي رجال الدين الفرس الذين يضربون
طوقاً حديديأ على المرجعية ويتصدون بشراسة الى كل عنصر عراقي عربي
يحاول البروز وقيادة أبناء وطنه من داخل المؤسسة الدينية.
وواضح ان الهدف من آلية عمل تقليد المراجع هو إحداث
(خصاء نفسي) جماعي وشل الارادة والعقل وقيادة الجموع بصورة عمياء
وفق أهواء اللوبي الايراني.
لقد وصلت تآمر المرجعية ورجال الدين الفرس على شيعة
العراق الى درجة إصدار فتاوى في السابق منعتهم من الانخراط في
وظائف الدولة ودخول المدارس الحكومية بغية تكريس المزيد من الجهل
بينهم ومنع تنامي مشاعرهم الوطنية والمشاركة في بناء العراق.
وستبقى أزمة الهوية الوطنية لدى الطائفة الشيعية
العراقية قائمة مالم يثوروا على هيمنة اللوبي الايراني على قرارهم
السياسي والديني ، فالمطلوب من شيعة العراق البرهنة على وطنيتهم
العراقية بالثورة على كل ماهو ايراني قبيح سواء داخل المرجعية او
احزابهم ومؤسساتهم ، فمن العيب على شيعة العراق والعار انهم يدفعون
الخسائر والتضحيات والمقابر الجماعية ... ثم يأتي الايراني من خارج
الحدود ويستلم أعلى المناصب الوزارية ويحتل مقاعد البرلمان ومن
سراديب النجف يتم التحكم بمصيرهم السياسي والديني من قبل المرجعية
الايرانية بينما شيعة العراق العرب مجرد عبيد وخدم ووقود للقتل
والمقابر الجماعية وخيرات وطنهم يستولي عليها اللوبي الايراني !!
سادية السنة
كان الطرف الصانع لتاريخ العراق منذ أكثر من ألف
عام هم السنة أبتداءاً من عملهم مع الدولة الاموية في الشام الى
السيطرة المباشرة للدولة العباسية في بغداد حتى عند حصول الاحتلال
العثماني البغيض كانوا الطرف المقرب منه بحكم الرابطة الطائفية
الواحدة وصولاً لتأسيس الدولة العراقية الحديثة ولغاية إسقاط نظام
صدام ... لقد نجحوا في الهيمنة على السلطة وخسروا القيم والمباديء.
وقبل الحديث عن النزعة السادية لدى الشخصية السنية
لابد من الاشارة الى إننا لا نعمم كلامنا على كافة السنة وانما
نتكلم عن الغالبية العظمى ويجب الحذر هنا من الوقوع في فخ الطرح
المثالي الذي يريد إلغاء مشكلة الشر من الاساس ورؤية مجتمع فاضل
بلا مشاكل وتشوهات وبالتالي سنصطدم بالبديهيات والمنطق ونتجاهل سنن
الحياة وقوانين الواقع .
مرض السادية يكثف معاني السلوك العدواني بمعناه
الشامل، وبالاضافة الى الاسباب التقليدية لهذا المرض كالبيئية
والوراثية والخلل العقلي والنفسي... فأن عوامل محلية عراقية معززة
للسلوك السادي تتمثل في :
- طبيعة المكان الصحراوية
- الجذورالبدوية
- الجذورالتركية
- تضخم مفهوم توكيد الذات
بالنسبة للعامل الاول، فأن معظم المدن التي يقطنها
سنة العراق تعتبر مدن صحراوية قاسية ماعدا أجزاء بسيطة ، ومعروف
تأثير طبيعة المكان عندما يكون بهذه المواصفات على تشكل الشخصية
من حيث الميول والاتجاهات والمشاعر والافكار ودرجة الاحساس بالقيم
والجمال ونوعية التعامل الاجتماعي وكيفية مساهمته في بلورة شخصية
خشنة عنيفة.
أما الجذور البدوية لسنة العراق فهي العامل الاكبر
في تعزيز السلوك العدواني، فقد كانت الاعراف البدوية التي تمجد
القوة والغزو وإخضاع الاخر لها دور كبير في التفكير والممارسة
السياسية للسنة.
وبخصوص العامل الاخر وهو الجذور التركية لقطاعات
واسعة من السنة، فأن هذا الموضوع كان من الأسرارالمعتم عليها
دائما، فالتواجد التركي قديم في العراق أذ أستقدمت الدولة العباسية
أعدادا كبيرة منهم لحمايتها وتم إسكانهم في مدينة سامراء التي كان
تشمل مدينة تكريت أيضا، و أثناء الاستعمار العثماني تغلل الكثير من
الاتراك ضمن صفوف العشائر السنية ، اضافة الى مجاورة مدينة الموصل
لتركيا وتسرب الاتراك اليها ، ومعروفة الطبيعة الخشنة للشخصية
التركية .
أما عامل توكيد الذات فقد وجد البيئة الشاذة التي
غيرت مساره الايجابي ، وأتجهت به صوب ميول متضخمة لدى سنة العراق
لتوكيد الذات والشعور بالقيمة والاعتبار عن طريق الاستيلاء على
السلطة وإخضاع الاخرين بالقوة والبطش والمذابح.
لم تكن عمليات قطع الرؤوس مجرد عمل إجرامي أُرتكب
كرد فعل على فقدان السلطة من قبل السنة ، بل هو إمتداد لتقاليد
وأعراف وقناعات دأبت منذ مئات السنين على إلغاء الاخر وسرقة حصته
من ثروات بلده وخطف النساء من الشوارع وإغتصابهن وحفر المقابر
الجماعية لأبناء الوطن.
هل السلوك العدواني يقتصر على ابناء الطائفة السنية
فقط ؟ .. الجواب مؤكد لا وألف لا ، فأجهزة نظام صدام التي كانت
تفتك بالشعب العراقي كانت من : الشيعة والسنة والاكراد وبقية
الاقليات ، وما تقوم به اليوم الميليشيات الشيعية من جرائم وحشية
هو عمل سادي بشع يعبر عن همجية شوهت كثيرا صورة الشيعي .
ولكن النقطة الجديرة بالأشارة هي ان العدوانية
السياسية والتسلط وإلغاء الاخر أقترنت بالسنة من حيث المبادرة
والتخطيط والتنفيذ ... والسؤال الهام هل سيتغير سلوك السنة وعموما
الشعب العراقي ؟
زئبقية الأكراد
يكره الاكراد وضعهم ضمن النسيج الاجتماعي العراقي،
فرغم عدم إعتراض الاقليات أخرى كالتركمان والصابئة والأزيدين
والكلدوآشور على النظر اليهم كمواطنين عراقيين، نجد الاكراد حتى
الذين عاشوا في مدن الوسط والجنوب وبغداد لمدة مئات السنين فهم
جميعاً يرفضون إعتبارهم جزءا من الشعب العراقي، ورغم تمتع الاكراد
بخيرات وثروات العراق في كل مجالات معيشتهم، فأنك حينما تسأل
الكردي العراقي من أي بلد أنت؟ يجيبك أنه كردي دون ذكر أسم العراق
حتى لو كان يعيش هو وأجداده في بغداد منذ مئات السنين فلا يوجد
كردي واحد على وجه الارض يشعر
بالولاء والانتماء للعراق بل ان الاكراد يعلنون
صراحة عن مشاعر الكراهية لكل ماهو عراقي.
ويتصف المجتمع الكردي بالطابع العشائري الذي يتخذ
شكل جمود صخور الجبال التي تتحطم عليها كل محاولات بلورة وعي نقدي
تنويري، فالمحرك الاساسي للشخصية الكردية ليس البديهيات والمنطق
والعقلانية، وإنما هو التعصب العرقي العنصري الشوفيني والعناد الذي
تشتهر به هذه الشخصية ، وأمام إفتراس مشاعر التعصب لهذه الشخصية
يتساوى هنا المثقف والشخص الأُمي الكردي في عدم الايمان ورفض
مفاهيم : المواطنة والعيش المشترك وإحترام حق الاختلاف
والديمقراطية وحقوق الاقليات.
بل المضحك أن العناصر الكردية في الحزب الشيوعي
العراقي قامت بالانشقاق وأسست حزباً شيوعياً كردياً، فتصوروا
المفارقة الشيوعيون الذين ينادون بالاممية والمساواة يوسسون حزباً
شيوعياً على أساس عرقي قومي.
لقد صنعت الجبال سلوك الاكراد وطبعته بطابع خاص أخذ
شكل التخفي والأفلات من أية تعهدات وإلتزامات، فالحماية التي
وفرتها الجبال لهم شجعت الاكراد على التمرد والخروج على القانون
والهرب والتخفي في الكهوف والافلات، ولهذا تعد بحق شخصية (زئبقية)
تجمدت على عتبة المفاهيم العشائرية والشحن الايديولوجي العنصري
البغيض وكراهية الاخر شريكها في الوطن، وأمام هذا الجمود المزمن
يصبح من الصعب حدوث أي تطور نوعي في المجتمع الكردي فكل قيم
الحضارة والتنوير كالحرية والمساواة ومفهوم المواطنة لاتجد لها
آذان صاغية أمام التمترس خلف صخور التعصب والانغلاق.
وسيبقى الاكراد كورم مرض السرطان ينخر في جسد
العراق ولن تنفع معهم كافة الحلول السياسية والاتفاقيات والمواثيق
، لذا لايوجد حل للمشكلة الكردية ألا باللجوء الى منح مدن : اربيل
ودهوك والسليمانية فقط حق الانفصال وتشكيل دولة كردية مستقلة
من هذه المدن الثلاثة
وقيام
الحكومة العراقية بتسفير الاكراد وترحيلهم من مدن كركوك وديالى
والموصل وبقية المدن الاخرى بأعتبارها مدناً عراقية ولايحق لهم بعد
الانفصال الاقامة فيها ويتم قطع كافة الحصص المالية التي تدفعها
الحكومة العراقية من ميزانية الدولة
لهم
اذ ان الاكراد يشكلون عبئا ً اقتصاديا ُ ولايستفاد منهم العراق
بأي شيء.
دوافع الانخراط في
النشاط السياسي
كل سلوك بشري يقف خلفه دافع شعوري أو لاشعوري من
أجل تحقيق هدف ما، وقضية الدوافع من وراء إنخراط أبناء المجتمع
العراقي لممارسة النشاط السياسي تبدو واحدة من أخطر التشوهات
النفسية التي أصابة الشخصية العراقية، فأذا كان الفرد المسيس بشكل
عام غير مؤمن بالمباديء السياسية التي تخص المجتمع والوطن مثل :
الأيمان بحق المواطنة للجميع والديمقراطية كقيمة وممارسة داخل حزبه
ومع الاخرين وفي ظل غياب واضح لمشاعر الانتماء الوطني للعراق
وتفضيل مصالحه العليا على المصالح الشخصية والحزبية والعرقية
والطائفية.
فالسؤال الهام هو: لماذا إذن الانخراط في مجال
العمل السياسي اذا كان الساسة لايحترمون مباديء العمل السياسي
النبيل التي تهدف الى خدمة الوطن؟.. وبأستثناء العناصر الانتهازية،
فأن دوافع الفرد العراقي اللاشعورية التي دفعته للعمل السياسي
وتحمل معاناة الملاحقة والاعتقال والاعدامات ليست لها علاقة بالشأن
العام، وإنما هي دوافع شخصية محضة، فلو حللنا دوافع عناصر التيارات
الرئيسية الثلاثة : الماركسية والقومية والاسلامية سنجد مايلي :
التيار الماركسي
:
كان عنصر جذب للكثير من أبناء المجتمع ليس بسبب
الايمان بمباديء الماركسية، وإنما لأن الحزب الشيوعي كان يوفر لهم
البيئة المناسبة للتعبير عن تمردهم وإحتجاجاتهم على القمع الأسري
والعشائري والاجتماعي والديني وإضطهاد السلطة وإعطاء شرعية ودعم من
قبل جماعة تشاركهم نفس الميول، وكما هو معروف كان أغلب عناصر الحزب
الشيوعي من طبقة العمال والفلاحين البسطاء وكان أكثرهم لايجيدون
القراءة والكتابة ولايفقهون شيئاً عن الماركسية، وحتى الحديث
بالماركسية والايمان بها من قبل البعض الذي يأتي لاحقا هو غطاء
للدوافع اللاشعورية الأصيلة الرافضة للتقاليد والسلطويات المختلفة
و ليس له علاقة بالسياسة وأهدافها.
التيار القومي :
ونقصد به العربي وكافة الاحزاب الكردية مهما كانت
تسمياتها فهي أحزاب قومية، وكذلك التنظيمات التركمانية، أن تحول
الهوية القومية الى أيديولوجيا سياسية عنصرية هو إمتداد لتقاليد
ومفاهيم القبيلة بكل ما تعنيه من تخلف وظلامية، ودوافع إنخراط
الافراد في الاحزاب القومية هو إحياء لحياة القبيلة وتكريس
للعنصرية، ومن الناحية النفسية يحصل الفرد هنا على نفس المشاعر
التي تمنحها القبيلة للافراد من مشاعر الامان والقيمة والاعتبار
ويتخلص من مشاعر الدونية والنقص من خلال التماهي بالجماعة القبيلة
/ الحزب، وتغذية نرجسيته عن طريق مقولات وشعارات تلعب على وتر
التعصب العرقي والاعلاء من شأنه عبر عمليات الحفر التاريخي والبحث
عن أمجاد الماضي وإستحضارها ونفخها وإسباغ صفات البطولة والتفوق
بمساعدة أكداس من القصائد الشعرية والحكايات الاسطورية.
التيار الاسلامي :
دخول الاسلام السياسي الى الحياة السياسية يعد من
أخطر فصول تاريخ العراق الحديث، إذ أن هذا التيار يعتبر تهديداً
حقيقياً للوحدة الوطنية نظراً لطبيعة توجهاته الطائفية، وكذلك يشكل
خطراً كبيراً على الحريات العامة والديمقراطية وتنمية المجتمع
بأتجاه العلمنة والليبرالية، كلنا يعرف أن أعداداً كثيرة من أبناء
المجتمع انخرطوا في التيار الاسلامي وتعرضوا للاعتقال والاعدامات،
ولكن رغم كل هذه التضحيات الهائلة فأنهم لم يكن لديهم أي مشروع
سياسي وطني لصالح عموم البلد ، فدوافع إنضمام عناصر هذا التيار
ليست لها علاقة بالشعارات المعلنة من قبيل محاربة الظلم
والدكتاتورية ونشر العدالة والقيم النبيلة في المجتمع، وإنما ترجع
الى عوامل لاشعورية تدفع الفرد الى خيار الاسلام السياسي - وليس
الايمان بالعقيدة الاسلامية المقدسة - فهذا التيار إستقطب الافراد
الذين لديهم ميول (( ماسوشية )) عميقة تدفعهم لمعاقبة الذات عن
طريق توريطها في نشاط خطر يؤدي بها الى تلقي العذاب والموت تحت
ذريعة الجهاد ونيل الشهادة. لاحظ الاحتفاء والتباهي
الغير
طبيعي بحوادث الاعتقال والتعذيب والاعدامات من قبل التيار
الاسلامي، فليس من المعقول كل هذه الاحتفائية والافتخار الدائم
بهكذا مشاهد بشعة، ولو كان الهدف كسب مرضاة الله تعالى ودخول الجنة
فأن تحقيق هذا الهدف لايحتاج الى ممارسة العمل السياسي ضمن الأحزاب
الدينية، وإنما مجرد العمل الصالح لخدمة المجتمع وأداء العبادات
كفيل بتحقيق هدف المؤمن بدخول الجنة.
أن العملية السياسية برمتها و بمشاركة كافة الاحزاب
طوال تاريخ العراق الحديث كانت عبارة عن صراعات وإنقلابات دموية
وعبث وتوريط أبناء الشعب ودفعهم الى المعتقلات والاعدامات ولعل
أخطر ما فيها هو ان النشاط السياسي للفرد العراقي المتحزب كان
دوماً يفتقر للأهداف الوطنية المخلصة التي تهتم بمصالح العراق
أولاً بعيدا عن المصالح الشخصية والحزبية والطائفية والقومية ،
ولاغرابة من فشل الاحزاب والنخب السياسية منذ تأسيس الدولة
العراقية الحديثة 1921 ولغاية الآن في بناء دولة وطنية علمانية
حديثة لأن من يقود العملية السياسية كانوا ومازالوا مجرد أناس
مشوهة نفسيا وع |