|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
20 حـزيـران 2005 |
|
اقنعة القاع
الحكمة في غرفة الانعاش
كتابات - جمال حافظ واعي
1
يبدو ان ولع الاخر بالمفاهيم الهلامية المائعة ، قادته الى اللغة التي تنزلق على سطح العقل ، متوهما بأنه يصنع اسطورته في هذه اللغة التي تتشكل بعيدا عن نفسها ، لغة الميادين المفتوحة او اللعب على اطراف سائبة ، فان تتحكم بك لغة الاسطورة غير ان تنتج اسطورتك الحية في اللغة ، ففي الاولى يُقصى العقل بعيدا وفي الثانية تتقدم الحكمة المعقلنة. هل ان الانهماك القولي هو طراز من التتابع الذي تستنزفه اللغة ، وهل تنسى الحكمة نفسها عندما تلجأ الى تغليف القول باطار شكلاني محض ، وهل ثمة حكمة مفبركة يلجأ القوّال الى ترسيخها ، وهل ان ما تقوله هذه الحكمة داخل اللغة هو نفس ما تقوله خارجها ، والاّ ما معنى الانسياق وراء الانشاء المبطن لذاته ولقواه التزيينية ، وما معنى ما تترنم به وتتصوره حكمة وهو في حقيقة الامر استبدال موقعي يتم داخل اللغة ، او استطراد تخلى عنه القصد. ان الحكمة المفبركة هي التي تقودك الى ما عجزتْ عنه حكمتك ، فعندما تنكتب الحكمة بسهولة فهذا يعني ان اللغة تخدع نفسها ، لأن الحكمة خلاصة والخلاصة لا تُكتب بلا مقدمات، ذلك هو اللهاث وراء الحكمة العاطلة. ان الحكمة العاطلة هي دمى طفولية تتلهى بها شيخوختك المبكرة وهي التي تجعلك مسترخيا في حواسك وانت تقف في نهاية الطابور متفرجا على ضآلتك وانعدام ثقلك في الموازين ، لكنّ وساوسك تجعلك اسيرا لأوهامها ، مادمت عاجزا عن بلوغها ، وانت في سرك تبيّت النية لتصبح راوية في مجالسها ، فكأنك تبحث لها عن وجهة اخرى تخصك وحدك ليسترخي الاخرون على ايقاع نبرتها المخدِّرة فتسوقهم كالقطعان ، بدكتاتورية اللغة التي تبتكر مرادفاتها وتحفر ممراتها في عقل الاخر، وبمرور الزمن تتقمص هذه الحكمة ، حكمتك ، لغة السياط التي تهزأ بكل شكل من اشكال الحوار ، لتستحيل الى تلقين عقائدي اعمى .
2
للحكمة قوانينها الفطرية ونسيجها العضوي ، وهي ليست عبودية تستلب العقل والحواس ، لأنها تتسامى حتى على اطارها المرجعي لتجعل من الذات الاخرى مرجعية لها ، فما بين اللاوعي اللغوي واللاوعي التاريخي تنتج الحكمة نفسها باستمرار ، وهي ليست وصفة جاهزة لسد ثغرات العقل ، ولا انطلاقة سوبرمانية خارقة تتجاوز النظام الطبيعي للموجودات ، ولا خيمة متفردة يقصدها التائهون ، وربما كان تعريف - ابن القيم - لها يقترب من المعنى الذي نتوخاه عندما قال بأنها : (( فعل ماينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي )) . أن تمضي ببصيرتك يعني ان تكون ملاذا للحكمة ، لا ان تكون الحكمة ملاذك ، وان تؤسس كيانك فيها ، قبل ان تؤسس كيانها فيك ، ان تكون عقلها لا ان تكون عقلك ، ان تبشر بك قبل ان تبشر بها ، ان تفتح الابواب التي تفضي اليها لا ان تكون بوابا للخارجين منها. ان يقظة الذات لا تعني ابتزاز الحكمة ، فأن ترتقي الذرى بأجنحة بدائية خير لك من ان تقتحمها بهواجسك المريضة ، فعندما تلوّح لك الحكمة بمناديلها فهذا يعني ان ثمة مسافة تقصيك عنها ، وهذا التلويح هو علامة من علامات الاقتراب والدنو ، فلا تجعل الحكمة تتعطل عند مقترباتك فتشيخ صورتك فيها ، ولا تركض اليها كالمجنون فتحتويك حقول الغامها ، وان قبضت عليها فلا تسرف في طلائها لكي لا تكون جزءا من ديكورها الخارجي القابل للتلف والتصدع ، واحذر ان تتعرى امامها حتى لا تبدو اشبه بالستر الذي يواري سوءتك !! في ازمان التعمية والاشتباك والتراشق المريب تفقد الحكمة صلاحيتها لدى الاخر الذي تستنسخ الظلمات عقله ، فهو يرى نفسه فوق الحكمة وفوق الحوار وخارج الشبهات ، لايأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، مادام عرابا للموت الذي يقنّعه بشتى المسميات ويسبغ عليه اوصافا لاحصر لها ، فالموت العاجل لا يبتغي الحكمة ولا يرضخ الا لمشيئة لحظته ، لحظة القتل ، فالتيه هو الراية التي ترفعها حكمة الظلام ، والرطانة هي لغتها المحشورة في التوابيت ، فهل رأيتم حكمة تفتش عن انسابها في فصائل الدم المسفوحة على اسفلت الخيبة ؟! السياسة تتآمر على الحكمة بترسيخها لمنطق الصفقات ، ولكنها تقول انها تتقدم في نص الحكمة ، تلك كذبتها الكبرى ، التي تتداولها بياناتها المتلاحقة ووعودها التي تجد مصداقيتها في القبور المتراكمة بسرعة البرق ، في هذا الوطن المغلوب على امره ، فللحكمة السياسية اولويات ومن اولوياتها توفير - شواهد القبور - لكي لايكون الموت السابق واللاحق بلا تسمية وبلا مراسيم !! ومن اجل ان لا تُتهم الحكومة بأنها عاطلة عن الحكمة الرشيدة ، ومادام الانسان ميتا في الحالتين ، لأن توقع الموت في اية لحظة هو موت آخر اشد قسوة ومرارة ، فلا بد من ايجاد صيغة بديلة توفر على الدولة الكثير من العناء ، وهي ان تُصنّع - قبورا متحركة - وتجعل الانسان يحمل قبره معه في حله وترحاله؟! اليس الوطن اليوم قبرا متحركا لمن يبصره بعين الحكمة ؟؟
استراليا
|