|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
14 حـزيـران 2005 |
|
اقـنعـة الـقـاع نـبـاح الـعـقـول الى الصديق الشاعر محمد والي
كتابات - جمال حافظ واعي
1
الكل كان يتآمر على العقل ، ذلك اللقيط الذي ينبغي ان نتنكر له ، والجميع يقودك الى برمجته ، الى المغارة التي استمرأ قيحها ، وشهادة الزور هي نشيد السواد الاعظم ، فوساوسهم لا تكف عن النباح ، ينبغي مطاردة العقل والابلاغ عنه فالذات العاقلة هي العدو الاول ، ولكي تكون صحيحا معافى ينبغي ان لا تعترض عما تراه ، فثمة من يراك ، وثمة من يحصي عليك انفاسك ، وغفلتك تتلقفها مصائد الاخرين ، فأملك زمام نفسك ولا تصرح بنواياك ، فالعقل الحارس يتربص بك وصنائع السلطة في كل مكان . عقول نشطت خارج مضمار الادمغة لتستبدلها بالبندقية وتدافع عن الاخر الذي استلبها ووضعها في اكياس القمامة ورماها الى المزابل ، كيف تجرؤ على التفكير وسط هذه الدوامة ؟! لم يجرجر الطاغية كاتبا من بيته ويجبره على الكتابة له ، ولم تقدم وزارة اعلامه اعلانا لتأجير العقول ، وانما العقول هي التي عرضت نفسها وبأبخس الاثمان ، لا بل انها كانت تفاخر بعقولها المؤجرة الى الابد ، وظهر العقل الاقصائي الذي خضعت له كل العقول ، فهو وحده المستبصر المستنير ، لذا فلا حاجة لنا الى بقية العقول وانما نحتاج اجسادها فقط لتنفيذ ما يراه العقل الاول ؟! ذلك كان مسرح عقل الثقافة اليومي ، وظهرت مصطلحات كثيرة للعقل ، العقل المطيع ، العقل الملبي ، العقل المنشد ، العقل السمسار ، وكل عقل له ثمن في بورصة العقول ، لذلك صنفت العقول على فئات ، الفئة الاولى والثانية والثالثة ، ولكل امتيازاته . في هذا الجو المحموم ازدحمت العقول الطامحة بالحصول على اية فئة من فئات النذالة والخساسة هذه ، كما ظهرت فئة العقول المبطنة ، التي تتصدر اليوم الواجهة الثقافية ، والتي هي اكثر حميمية وقربا الى الدولة من العقول الناطقة!! فأينما يممت وجهك ابصرت الوطن وقد تحول الى مزاد علني مفتوح للعقول. اخذت العقول تتبارى وتتنافس فيما بينها وتستقتل من اجل شيء واحد لاسواه ، وهو ان ترتفع اثمانها وتزداد حظوتها ، واصبح حوار الثقافة الوحيد هو : كم تقبض شهريا ؟ وهكذا صار العقل بضاعة في حقيبة جاهزة عند الطلب ، وبعض العقول من فرط التداول اصبحت مثل العاهرة المستهلكة التي ترضى بأي ثمن واي زبون ، كان الوطن ماخورا كبيرا للعقول ، ماهو الفرق بين زنى الاجساد وزنى العقول ؟؟!
2
اذا كان القرن الماضي هو قرن اقالة العقل كما ذهب الى ذلك محمد عابد الجابري فان هذه الاقالة هي عراقية في زمن الدكتاتورية وبامتياز ، فقد أُختزلت مساحاته تماما لينغمس في الحسية واللذائذية ويصبح عقلا نفعيا براجماتيا خالصا ، ووظفت كل مقولات العقل القديمة والحديثة لطلاء واجهة الدولة ، حتى معتقدات العقل الديني اضيفت الى عقل الدولة ، وهذا ما نلمسه في الوفود الدينية التي كانت تتقاطر على الدولة ، وقد انبرى احد رؤساء هذه الوفود ليخاطب الطاغية قائلا : ابصرنا في وجهك اشراق ونور النبوة وفيك حلم ابي بكر وعدالة عمر وسخاء عثمان وشجاعة علي !! اصبح العقل حجابا يخفي جشع الأنا المحتشدة خلفه . الكل صار مفسرا لنظرية فرويد في سيطرة العقل الباطن بما يحمله من مكبوتات نفسية ، جشع ونفاق واستحواذ وشراهة ولصوصية وعبودية ودناءة وفقدان الضمير، وتم اسقاطها على الثقافة ، وقد شبهت مدرسة التحليل النفسي ذلك العقل الباطن بالماء الذي يحمل السمكة ويسمح لها بالسباحة ، اي ان مستنقع الدولة هو المكان الحقيقي لنتانة هذه العقول حتى تلبط فيه على راحتها ، فاذا كانت الفلسفة ترى ان فاعلية العقل تتأتى من كونه مرادفا للفكر والاستدلال ، فانه اصبح لدينا خطابا للغرائز ، وقد عبر عن ذلك جاك لوغون بقوله : ان الخطابات العقلية التفخيمية ، ليست في الغالب سوى لمامة من الافكار الجاهزة من المواقع المشتركة ، من المبتذلات الثقافية التي تشكل متنفسا ملفقا من حطام ثقافات وعقليات ذات اصول وازمنة متعددة.
3
اي فكر ذلك الذي يحاور هذه الاضداد ، وهو يرى ما آل اليه امر العقل ؟ لابد من الجنون ومغادرة صحوة الوعي ، فأنت لا تستطيع فعل اي شيء مع قوى الاستلاب المبثوثة حولك ، لابد من الاستغراق في اي شيء ينأى بك بعيدا ، حتى ولو قادك هذا الجنون الى الموت ، فالموت باختيارك وسط هذا الموت المجاني اشرف من الموت بأيادٍ قذرة تزقك جرعات الموت يوميا ، وحتى لا يكون جنونك بلا غاية ينبغي ان تزرع الالتباس في كل خطوة تخطوها ، لابد ان يكون جنونك محرضا ، وان تكون جملك المجنونة المختصرة ذات نهايات مدببة تنغرز في عقل الاخر الغارق في غيبوبته ، فأنت لست مجنونا حقيقيا ولكن الحقيقة المرة هي التي قادتك اليه ، ولكي تكون مجنونا حقيقيا في نظر الاخر ، لابد ان تخرق القاعدة وتهشم الانساق المتداولة وتقتحم خلوات وعزلات المحسوبين على الثقافة ، بهيئتك الرثة التي تجرح خلواتهم في الركن المخصص لهم في مقهى حسن عجمي ، وهم يتحاورون حوارا ساخنا عن فلسفة العقل في روايات القائد ، فأية هوة تلك التي كانت بين المثقف وغفلته.
4
العقول تنبح في الشوارع ، وفي اكثر الاماكن قدسية ، صار النباح هو اللازمة للحياة ، فلكي تؤكد ذاتك عليك بالنباح ، ولكي تحجز مقعدا في المقدمة لابد ان تنبح بكل ما اوتيت من حيوانية ، ايامنا يباركها النباح وتاريخنا يكتبه النباح ، واذا كان العقل وفق المنطق العلمي لا يصنف ضمن اسماء الذوات ولا تحوز عليه المعاني المدركة او المجردة فأنه تحول عندنا الى لافتة للنباح ، واستحال الكوجيتو الديكارتي : انا افكر اذن انا موجود الى : انا انبح اذن انا موجود .
استراليا
|