الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

12  حـزيـران  2005

اقنعة القاع

ماقاله عقيل علي في قبره

 

كتابات - جمال حافظ واعي

1

عندما ترتدي المجاز حجابا ، فهذا يعني انك اصبحت مشروعا للعنة ، ادرتَ المؤشر الى جميع الاتجاهات التي تتقلب فيها فصول الانسان ، اوقدتَ شرارة المحرقة التي

ستأكلك في نهاية المطاف . لم تكن الصور التي ظهر فيها عقيل علي الاّ حجابا اخر من عزاءات الانسان ، اجتزاء الوقائع في صورة او صورتين ، وتحميلهما ملاحق

مواربة تفتح الباب على مصراعيه . لماذا نخشى الصور؟ لماذا قامت قائمتنا ضدها ؟ هل لاننا نخشى الحقيقة والمكاشفة ،الكثير من الادباء العراقيين ناموا على الارصفة بصورة او باخرى ، في حديقة اتحاد الادباء او على الارصفة المجاورة للاتحاد ، ولكنهم يتكتمون على هذه الحقيقة فما ان تخبر احدهم بانك رأيته البارحة ممددا في المكان الفلاني او على تلك المصطبة حتى يواجهك بسيل من الشتائم والسباب لا بل يقوم بالتشنيع عليك ، ذلك لانه يعيش ازدواجية مقيتة ، ولا يريد ان يعرف الاخر ما يفعله في اخريات الليالي ،فما يُفعل في الظلام هو من حق الظلام وحده ، وكلما فعله عقيل علي هو انه نقل مائدة الاديب من الاماكن المغلقة الى الاماكن المفتوحة !!

فالادباء العراقيون الذين يشربون الخمر اليومي صنفان ، الصنف الاول منهم بريء وحقيقي وصادق مع نفسه ولا يهمه ان يراه الاخرون ثملا ونائما في اي مكان اما

الصنف الثاني فهو قذر الطوية وسيء النوايا ويحرص على ان يراه الاخرون بمظهر المالك لزمام نفسه ولكن في السريفعل افحش الاعمال واحطها ، فهو يحرص على ان يكون سلوكه بلا شاهد اثبات ، وهذه الحالة لم تقتصر على ادباء الداخل فقط وانما حتى الادباء الذين عايشتهم في الخارج وخصوصا في عمان.

انشغلنا اذا بالصورة وبالورقة النقدية الملقاة الى جانبها وكأن الشحاذ هو من يستجدي اوراقا نقدية لاغير ، اليس الشحاذ هو من يستجدي منصبا غير مؤهل له ، اليس الشحاذ هو نفس شريرة تسرق قوت الاخرين ، اليس الشحاذ هو من يطمع بامتيازات غير جدير بها ، اليس الشحاذ هو من يؤجر الاخرين لينفخوا في شخصيته وفرادته والمعيته  ؟! ثم ماذا نسمي الكثير من الادباء الذين يعيشون في الخارج بلا عمل الاّ بما تجود عليهم الدولة الحاضنة من مساعدات يسعون اليها صاغرين ؟! في ايام التسعينيات عندما كنت ادخل الى الشورجة متفرجا اقرأ على اكياس التمن والسكر والشاي وغيرها عبارة : مساعدات فرنسية او صينية او هندية وكنت اقول في سري : لقد اصبح الوطن شحاذا على ابواب الامم واتذكر  قول جبران خليل جبران : مات اهلي جوعا في الارض التي تدر عسلا ولبنا.

 

2

 

حين خرجتَ من المدينة ، مدينتك الجنوبية ، لم تكن بكافة قواك العقلية ، فالشعر  خروج عن العقل والاّ لما اسلمتَ زمامك للاشباح وشياطين المخيلة ، فما تراه تتورط

فيه ، وهكذا كانت الرؤية ورطتك الاولى ، المدينة تبحث عن تسميتك فيها لا عن مسمياتك الشعرية ، المدينة نوايا غير مقروءة واوراق صفر عليك ان تبصم عليها

يوميا لكي تعبر الى الاخرين ، عليك ان تتزاحم بالجسد اولا قبل الشعر ، فالشعر مرحلة لاحقة لتزاحم الاجساد ، المدينة اميبيا النفاق ، تعلمك اللدغ في لمح البصر

وتعلمك ايضا كيف تواسي الملدوغ ، ضحيتك ، كان عليك ان تملأ المدينة بالادعاء التنظيري ، فالمنظرون يتناسلون فيها اكثر من البراغيث ، وهو بطاقتك الى الحفلة

التنكرية التي تترسخ فيها الاقنعة اكثر من الوجوه ، والمدينة لا تعقب على اسمال الضحية ابدا لأنها تترنم بفخامة وطراز القاتل ، تلك حكمة كان عليك ان تقرأها عند

عند بوابة المدينة – ياعقيل – لكي لا تغادرها بعدئذ مطرودا بلا رحمة وقد كتبت على جسدك النحيل (( مجهول الهوية )).

الموت السهل  مؤامرة يصنعها الجميع ، ذلك لأن المثقف العراقي لا يعرف الايثار قدر ما يعرف الاستئثار ، ولا يعرف التضحية قدر ما يتقن فن التفرج على الضحية .ولانني اعرف عقيل معرفة حقيقية ، فقد كنا نحتسي عرق البعشيقة في الميدان ، وهذا العرق لمن لايعرفه يُصنّع في بيوت الميدان القذرة والمدمن عليه لا ينجو من

الموت الا بأعجوبة ، ولاماطة اللثام عما جرى ، قلت لعقيل في قبره :

** هل كان الرصيف خيارك ام انك استسلمتَ لهذا المنفى الاجباري ؟

- انا بالاساس بلا خيارات ولا عدة لمواجهة متطلبات الحياة فليس بالشعر وحده يحيا الانسان ، كما ان هذا المنفى لم يفرضه علي احد ، وانما هو استجابة لمقتضى الحال ، فانا لم اهجر بيتي مختارا لأسكن الرصيف لأنني بلا بيت ولم اوزع تركاتي لأعاني الضائقة ، كل الحكاية انني حاجة بشرية لم يلتفت اليها احد ، ولا

يريد ان يلتفت اليها احد .

** كيف بدأ الامر ؟

- مادمت مأهولا بالغواية ، فلابد من الانزلاق ، الاخرون ابصروني قصيدة ممزقة ملقاة امام الانظار ، في حين كنت جسدا بشريا مخذولا ونزيفا تتداوله الارصفة.

** اكان عليك ان تستعطف الاخرين وقد تقدمتَ في الموت ؟

- لم استعطف احدا وانما هم الذين قادوني الى مآربهم ، كنت شاهدا على الفضيحةفأستبدلوها بأدوارهم.

** كنت جثة متحركة على الرصيف ، وها انت الان جثة خارجه فما الذي تغير ؟

- ان الذي تغير هو اختلاف عدة التشريح ، اذ اصبح التشريح نهشا عدوانيا يتوخى التعرية الشاملة.

** مَنْ كان يدوّن الاخر ، هل كنت تدوّن الشعر ام كان الشعر يدونك ؟

- اذا كان كلانا يدون الاخر، فهذا يعني ان ثمة لعبة في الخفاء ، الشعر الذي يكتبني اكتبه ايضا.

** هل انت مهرجان من الشعر اختتمه الرصيف ام شاعر بلا مهرجان ؟

- انا لست هذا ولا ذاك لأنني لا اريد ان اكون الخاسر بين الاثنين ، فالمهرجان ايايا كان نوعه هو تحالف ضد الشعر.

اختلفوا حولك او عليك او لاجلك ؟**

- هكذا نحن نصبح مشاريع لتصفية الحسابات ، في حياتنا وفي مماتنا ايضا ، هم لم يختلفوا فيّ ولا عليّ ولا لأجلي ، وانما اختلفوا على شكل الضحية التي تقنعهم.

** عندما كنت حيا كان شعرك مُطاردا ،وعندما متّ اتسع نطاق المطاردة ؟

- ذلك لأن المطاردة هي قصد لذاته حتى وان تأكد الاخرون من بطلان اسبابه ، وسنظل نبحث عن مطاردات الى ما لانهاية مادام المضمار سائبا.

** ما الذي اخبرتك به المراثي ؟

- ان جسد المرثي جسر تعبر عليه انا المرثية.

 

استراليا

jawaai@yahoo.co.uk