|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
7 نيسان 2005 |
|
أقـنـعـة الـقـاع حوار مع حمار كتابات - جمال حافظ واعي
من حمار
الشاعر بشار بن برد الذي مات فجأة ثم أتاه في المنام ليخبره ان سبب موته هو
حبه لـ – اتان – أنثى الحمار – وقد رفض صاحبها تزويجها إياه فمات عشقا بها !!
إلى حمار الحزب الديمقراطي الأميركي الذي اتخذه رمزا وشعارا ديمقراطيا له
وبشّر العالم بديمقراطية الحمير وتولّهَ بحب الشعوب المستضعفة وكتب لها اجمل
القصائد على إيقاع الصواريخ ، ومرورا بحمار توفيق الحكيم وغيرها
ما زلت أتذكر صاحبي الذي كان يذبح الحمير في بغداد لتقديمها كوجبات يومية إلى الحيوانات التي تأكل اللحوم في حديقة حيوانات الزوراء ، كان حزينا لمهنته تلك فهو يكره ان يقتل تلك الحيوانات المسالمة ، ولكن ما باليد حيلة ، وقد سألته ذات يوم عن كيفية ذبحه للحمار ، فقال انه يقوم بضربه من الخلف – بعد ان يكرع قنينة عرق كاملة – بقضيب حديدي على رأسه فيفقد الوعي ويسقط على الأرض فيذبحه. وفي فترة التسعينيات طردوه من عمله ، بعد انتقال حيوانات الحديقة إلى المزارع الخاصة للطاغية وأولاده وحاشيته ، وقد ارتفع سعر الحمار خلال هذه الفترة ارتفاعا كبيرا بسبب الحصار الاقتصادي ، واصبحت له هيبة وقيمة بعد ان كان سائبا في الشوارع ، وغريبا بلا أهل ولا مأوى ولا وطن ، تماما مثل الجنود الذين خرجوا من الحروب المتتالية وهم لا يملكون إلا أجسادهم المتهالكة ؟! بل ان أصحاب الكثير من المعامل وخصوصا المعامل التي يتطلب العمل فيها تحميل المواد ونقلها ، كانوا لا يشغلون العمال لديهم وانما يستعيضون عنهم بالحمير ، التي يملكها أحد تجار الحمير وذلك لرخص أجورها مقارنة بأجور البشر !! ونستطيع القول ان الحمير هي المتضرر الأكبر من سقوط الطاغية ، إذ عادت إلى الشوارع ثانية بعد ان تدفق عدد كبير من مختلف موديلات السيارات من الدول المجاورة وبأسعار زهيدة مما أدى إلى الاستغناء عن الحمار ، وقد ذكر تقرير لمعهد الحرب والسلام يشرح أحوال الحمير وما حل بها ، ان هذه الحيوانات تواجه مستقبلا غامضا في العراق !! لكن الملثمين أنقذوها من عطالتها واوجدوا لها مهنة اخرى هي مهنة الموت بعد ان فخخوها بالعبوات الناسفة واطلقوها في الأماكن المأهولة لتحصد أرواح الأبرياء…
كلما نظرت إلى الحمار وحدقت فيه مليا ، وجدته ينتمي إلى سلالتنا نحن ، أو ننتمي إلى سلالته لا فرق – سلالة المستضعفين – اجتماعيا ، ودول العالم الثالث سياسيا ، فهو مواطنها الأول بامتياز ، الذي يلهث اناء الليل وأطراف النهار دون ان يظفر إلا بعلف بطنه مثل أقرانه من البشر ، ذلك الصابر على تقلبات الطبيعة والسياسة ، المحدق إلى الأرض بعيون منكسرة ، اقترن اسمه اقترانا شرطيا بالغباء وكأنه الوجه الآخر له ، أو صورته الأخرى ، وتفننت ذاكرة المجتمع في منحه الكثير من التسميات التي تحط من شأنه ، لكن إحدى الفرضيات العلمية تقول إذا نهق الحمار فذلك لانه يسمع أصواتا قادمة من عوالم بعيدة ، لا تستطيع الأذن البشرية التقاطها ، وهو مزود بإذنين طويلتين لهذا الغرض ، ومَنْ يدري ربما أراد الحمار بنهيقه هذا ان يقول لهذه الكائنات البعيدة انه الوحيد الذي يفهمها وان البشر لم يصلوا إلى مرتبته تلك لكي يجيبوا على تلك الأصوات ؟!
قلتُ للحمار المربوط إلى جذع النخلة ، قرب المقهى الذي اجلس فيه ، وكان يبدو عليه الهزال :
** أية مداولة تلك التي تجري بينك وبين التاريخ ؟
الحمار : في لحظة تداوله لي يعمد إلى المقارنة بين أجناس المخلوقات ويقصيني جانبا لأن التاريخ لا يصفق إلا للفصيلة المفترسة ، وفي لحظة تداولي له يكون ظهري قد امتطاه الآخر ، لذلك ترى هزالي داخل التاريخ وخارجه ؟!
** هل ان صبرك حكمة أم طبيعة الكائن ؟
الحمار : الصبر صبران كما يقولون ، صبر على ما تحب وصبر على ما تكره ، وأنا بينهما مسلوب الإرادة ومجرد من أي خيار.
** ما الفرق بين صوتك وأصوات الآخرين ؟
الحمار : هو نفس الفرق بين النهيق الطبيعي والنهيق المصنّع ، سواء كان بشريا أو إلكترونيا.
** هل أقودك إلى حكمتي أم تقودني إلى حكمتك ؟
الحمار : حكمتك لك ، أو لأبناء جنسك على اقل تقدير، اما حكمتي فهي للآخرين بلا استثناء ، حكمتك تنأى عن الوقع في كثير من الأحيان ولكن حكمتي لهاث يومي ، قد تعجز حكمتك عن الفعل إلا ان حكمتي رؤية توضيحية له.
** ما الذي يجعلنا نختلف؟
الحمار : لنا أثقالكم ولكم امتيازاتها ، ذُلّلنا لكم ، مثلما ذَللتمْ أنفسكم لشهوات الأيام .
** كيف ترى الأيام ؟
الحمار : حمولات يتم تفريغها وأخرى يتم استبدالها ، وأخرى تضيع في منتصف الطريق ، ولكن الجميع عيونهم على الحمولات التي لم يتم شحنها بعد ، وهم الذين تتساوى أيامهم مع حمولاتها.
** لماذا لا يشيع وجهك الالتباس ؟
الحمار : ذلك لأنني نص مشاع للجميع ، بلا استعارة ولا مجاز ولا تورية ، أنا الوضوح وكل وضوح تعرية !!
** هل ان الحمار هو شهية مفتوحة لاستعباد الآخرين ؟
الحمار : هو بساطة خارج الرهان ، تستطيع ان تضع عله أثقالك وأسفارك ومفخخاتك أيضا!!
** إذا كان الكل يرتقب البشارة وقد أنيط بك حملها فماذا ستفعل ؟
الحمار : سأرفض حملها بالتأكيد ، لان البشارة ستتحول إلى بضاعة ، وكل بضاعة تفقد بريقها بالتداول ، وهذا ما يسمونه انتظار المنقذ الذي لن يأتي ، والذي يتاجر بقدومه الآخرون.
** سأعتلي ظهرك الآن والقي خطبتي الأخيرة ؟
الحمار : ستذهب خطبتك أدراج الرياح ، لأن الناس في هذا الزمن تأبه للمنبر والمنصة اكثر من الخطيب وخطبته.
** متى تشعر انك مشروع ظلامي في عقول الساسة ؟
الحمار : عندما يحمّلونني البضائع التي انتهت صلاحيتها.
** ماذا يعني كثرة الحمير في البلاد ؟
الحمار : يعني ان البلاد عادت إلى حالتها الطبيعية بعد ان انتهت حفلاتها التنكرية !!
استراليا
|