|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
3 نيسان 2005 |
|
أقنعة القاع خرنكَعيو الثقافة كتابات - جمال حافظ واعي 1
المثقف
العراقي مراوغ سلبي ، وهذه القاعدة لا تخلو من استثناءات قد تصل إلى حد
الندرة ، بل هو اكثر خلق الله مراوغة ، خائف ومذعور ومرتبك ، يتخفى خلف
الآخرين إلى حد النذالة ، ومصاب بمرض اسمه التبرير ، يفر من المواجهة بكل ما
أوتى من قدرة على المراوغة ، وعندما تشتبك الأمور ويتطلب الموقف حضوره
2
ذات يوم رأيت امرأة عجوز قرب ضريح الإمام موسى الكاظم عليه السلام ، وقد سمعتها تدعو وتطلب من ربها ان يغفر لها - لِعب الصبا !! - كما ورد نصا في دعائها ، ولأن صيغة الدعاء تدعو إلى الانتباه فقد قادني الفضول إلى ان اسألها : أي لعب صبا هذا الذي تقصده ؟! فسرت خلفها لأجد الفرصة المناسبة للسؤال ، وكانت في سيرها غير الطبيعي تضحك مع هذا البائع وتشتم آخر بمرح ، وبعد التي واللتيا ، عرفت من بعض الباعة ان هذه العجوز هي اشهر عاهرة في تلك المنطقة والمناطق التي تجاورها ، ثم تحولت بتقدم السن إلى – قوّادة – إلى ان طردتها المهنة تماما لأنها لم تعد تصلح لا للعهر ولا للقوادة !! وهذا هو بالضبط حال العهر الثقافي وحال العاهرين من المحسوبين على الثقافة ، الذين افنوا حياتهم قوادين محترفين يعرفهم القاصي والداني ، ويتمايلون طربا في حضرة الطاغية وهم ينشدون خزعبلاتهم ، ولم يبخلوا على سيدهم بأي شيء ، ولسان حالهم يردد أبدا : افعل ما شئت ، لبيك سيدي ، بك يبتدئ القول وبك يختتم ، ما قيمة الثقافة ان لم تترنم باسمك ، أنت ضمير الزمن والتاريخ وشاشة أحلامنا و حادي الادلاء ودليل الحداة إلى الغد المرتقب ، فكلنا جنودك وخدمك وعبيدك وجواريك ، فنحن مستودع شهواتك وجموحك وفتوتك ، فعقولنا لك وأجسادنا لك… وهكذا ظلوا تحت سطوة الطاغية يخدمونه بكل جوارحهم وكتاباتهم وجعجعاتهم تملأ وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ، والمصيبة انهم لم يتوبوا حتى توبة فرعون عندما أطبق عليه اليم ، وعندما كان باب التوبة للوطن مفتوحا والى آخر الأنفاس ، كما فعلت هذه العجوز ، ولم يسجلوا موقفا واحدا للوطن يشفع لهم ، وان البعض منهم يتحدث اليوم عن الاستلاب والقمع الذي كان يعانيه في زمن الطاغية ، وهو الذي خلع ثيابه بمفرده ، وعرض خدماته على الطاغية أو حاشيته دون ان يجبره أحد ، وتفنن في وضع مساحيق الإغواء والبهرج البلاغي ، بل ان الذين كانوا خدما في المؤسسة الإعلامية ثم غادروا الوطن إلى عمان لشتى الأسباب ومعظمها اختلاسات مالية لا علاقة لها بالمعارضة ثم انخرطوا فيما بعد تحت عباءة المعارضة عندما تداخلت الأوراق ، كانوا يتسلمون رواتبهم من حسين كامل أثناء هروبه إلى عمان !! ولأن العراقي الحقيقي ، طيب القلب والسريرة ، يعرف التسامح والصفح وله في رسول الله اسوة حسنة عندما عفا عن قاتل عمه الحمزة ، إلا ان عفوه اقترن بعدم رؤيته لانه لا يستطيع النظر إلى وجهه ، فالعراقي المفجوع بإخوانه وابنائه واقاربه وأصدقائه وماضيه وحاضره يقول لهم : اغربوا عن وجوهنا ، اغربوا عن ذاكرتنا ، اغربوا عن مناحات أمهاتنا التي لا تنتهي ، فدماء الضحايا لم تجف بعد ، والأرض لا تشرب دم القتيل المغدور ، فكيف إذا كان هؤلاء – المرتزقة – يغطون الإنترنت بضجيجهم اليومي ، بل ان البعض منهم ينشر مقالاته التي هي أشبه بمذكرات يومية يحكي فيها عن مقاومته الأسطورية للسلطة وهو الذي تقلد عدة مناصب حساسة في دولة القائد الأوحد ، ومدائحه له تغطي مجلدات كاملة ، سواء باللغة العربية الفصحى أم باللهجة العامية ، وبعضهم كان يكتب قصائده السلطوية وهو خارج الوطن وقد أعطى وكالة خاصة لأخيه أو أحد أقاربه لاستلام مكرمات تلك القصائد ؟! انهم خرنكَعيو الثقافة ، ديدان العفونة في الأيام الملتبسة ، ارتال الحشرات الزاحفة على البراءة والبياض ، الحثالى والصديد المتقيح ، استوطنوا الواجهات مثل البعوض وحملوا مستنقعاتهم معهم أينما حلوا ، هم تاريخ من النهش اليومي ، وطحالب سامة تتغذى على دماء أهلها في جميع الازمان.
استراليا
|