الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

3  نيسان 2005

أقنعة القاع

خرنكَعيو الثقافة

كتابات - جمال حافظ واعي

1

 

المثقف العراقي مراوغ سلبي ، وهذه القاعدة لا تخلو من استثناءات قد تصل إلى حد الندرة ،  بل هو اكثر خلق الله مراوغة ، خائف ومذعور ومرتبك ، يتخفى خلف الآخرين إلى حد النذالة ، ومصاب بمرض اسمه التبرير ، يفر من المواجهة بكل ما أوتى من قدرة على المراوغة ، وعندما تشتبك الأمور ويتطلب الموقف حضوره يفزع إلى الظلام والصمت المطبق ويبني قبرا حول نفسه ،  بانتظار ان تنجلي الامور، وتتضح النتائج ، خطوات الشرطي تقض مضجعه ، مهرج من طراز خاص ، يجيد فن الخطب في البارات ويتفنن في الرقص على الحبال الملاصقة للأرض ، لا الحبال العالية ، لانه فاقد لروح المغامرة أصلا ، يعيش عالة على غيره في كل شيء ، في المعرفة واجترارها ، في التقليد الأعمى للآخر ، في التطفل على ذاكرة الآخرين ، وحتى في أسلوب حياته ومعيشته ؟!اغلبهم يبحث عن حماية تحت ذرائع شتى ، ومن هذه الذرائع ، ان العالم بأسره يطارده ، وان قوى خفية غير مرئية تحشد جيوشها سرا للانقضاض عليه ، ذلك لانه يحمل السر الذي يفتح مغاليق كل شيء… المثقف العراقي مريض بوعي مزيف وادعاء أجوف وامراض تتناسل ، ذات متخلخلة هشة قابلة للشراء في أية لحظة ، ولكن الفرق ان هناك من يقبض الثمن علانية وهناك من يقبض الثمن في الخفاء ، وهذا ما نلمسه جليا في الظروف التي خلقتها حقبة الطاغية المنصرمة ، فمعظم الذين ابتعدوا عن واجهة النشر التعبوي للسلطة كانت لديهم علاقات وثيقة مع رموز ثقافة المؤسسة ، بل يحرصون على التواجد في مكاتبهم أو إدامة لقاءاتهم الأسبوعية وخصوصا الشلل التي كانت تحيط بسامي مهدي أيام الجمع في مقهى حسن عجمي كما يحيط الذباب بجيفة ، وغيرهم الكثير من مسؤولي المؤسسات الثقافية الذين اغلبهم من رجال الأمن ، إذ يحوم حولهم الاتباع  الذين يقدمون لهم معلومات يومية عن زملائهم الأدباء والكتاب ، وهؤلاء بدورهم يكتبون عنهم التقارير التي تبيّض صحائفهم لدى أجهزة الأمن والمخابرات  بل خصصت لهم الدولة مرتبات شهرية اسوة بالشعراء وكتاب القصة الذين يكتبون الأدب التعبوي الذي يمجد حالة الخراب والبؤس. المثقف العراقي من جانب آخر شخصية موهومة واستيهامية ، يتقمص أدوارا ليست له ، ويدعي بما لا يمتلكه ويتاجر بقضية الوطن في جميع الظروف ، وتوحي له هلوساته بأنه حلقة متفردة من حلقات تاريخ الفكر والثقافة ، وانه وحده الذي عبّر الثورة ونشيد الحرية بكتاباته ، الإله المتمركز حول ذاته ، جاء ليخلص المعرفة من إشكالياتها ، فمن خلال وعيه فقط نستطيع ان ندخل القرن القادم بقاماتنا !!

 

2

 

ذات يوم رأيت امرأة عجوز قرب ضريح الإمام موسى الكاظم عليه السلام ، وقد سمعتها تدعو وتطلب من ربها ان يغفر لها - لِعب الصبا !! - كما ورد نصا في دعائها ، ولأن صيغة الدعاء تدعو إلى الانتباه فقد قادني الفضول إلى ان اسألها : أي لعب صبا هذا الذي تقصده ؟! فسرت خلفها لأجد الفرصة المناسبة للسؤال ، وكانت في سيرها غير الطبيعي تضحك مع هذا البائع وتشتم آخر بمرح ، وبعد التي واللتيا ، عرفت من بعض

الباعة ان هذه العجوز هي اشهر عاهرة في تلك المنطقة والمناطق التي تجاورها ، ثم تحولت بتقدم السن إلى – قوّادة – إلى ان طردتها المهنة تماما لأنها لم تعد تصلح لا للعهر ولا للقوادة !!

وهذا هو بالضبط حال العهر الثقافي وحال العاهرين من المحسوبين على الثقافة ، الذين افنوا حياتهم قوادين محترفين يعرفهم القاصي والداني ، ويتمايلون طربا في

حضرة الطاغية وهم ينشدون خزعبلاتهم ، ولم يبخلوا على سيدهم بأي شيء ، ولسان حالهم يردد أبدا : افعل ما شئت ، لبيك سيدي ، بك يبتدئ القول وبك يختتم ، ما قيمة الثقافة ان لم تترنم باسمك ، أنت ضمير الزمن والتاريخ وشاشة أحلامنا و حادي الادلاء ودليل الحداة إلى الغد المرتقب ، فكلنا جنودك وخدمك وعبيدك وجواريك ، فنحن مستودع شهواتك وجموحك وفتوتك ، فعقولنا لك وأجسادنا لك… وهكذا ظلوا تحت سطوة الطاغية يخدمونه بكل جوارحهم وكتاباتهم وجعجعاتهم تملأ وسائل الإعلام المرئية والمسموعة ، والمصيبة انهم لم يتوبوا حتى توبة فرعون عندما أطبق عليه اليم ، وعندما كان باب التوبة للوطن مفتوحا والى آخر الأنفاس ، كما فعلت هذه العجوز ، ولم يسجلوا موقفا واحدا للوطن يشفع لهم ، وان البعض منهم يتحدث اليوم عن الاستلاب والقمع الذي كان يعانيه في زمن الطاغية ، وهو الذي خلع ثيابه بمفرده ، وعرض خدماته على الطاغية أو حاشيته دون ان يجبره أحد ، وتفنن في وضع مساحيق الإغواء والبهرج البلاغي ، بل ان الذين كانوا خدما في المؤسسة الإعلامية ثم غادروا الوطن إلى عمان لشتى الأسباب  ومعظمها اختلاسات مالية لا علاقة لها بالمعارضة  ثم انخرطوا فيما بعد تحت عباءة المعارضة عندما تداخلت الأوراق ، كانوا يتسلمون رواتبهم من حسين كامل أثناء هروبه إلى عمان !!

ولأن العراقي الحقيقي ، طيب القلب والسريرة ، يعرف التسامح والصفح وله في رسول الله اسوة حسنة عندما عفا عن قاتل عمه الحمزة ، إلا ان عفوه اقترن بعدم

رؤيته لانه لا يستطيع النظر إلى وجهه ،  فالعراقي المفجوع بإخوانه وابنائه واقاربه وأصدقائه وماضيه وحاضره   يقول لهم : اغربوا عن وجوهنا ، اغربوا عن ذاكرتنا ، اغربوا عن مناحات أمهاتنا التي لا تنتهي ، فدماء الضحايا لم تجف بعد ، والأرض لا تشرب دم القتيل المغدور ، فكيف إذا كان هؤلاء – المرتزقة –

يغطون الإنترنت بضجيجهم اليومي ، بل ان البعض منهم ينشر مقالاته التي هي أشبه بمذكرات يومية يحكي فيها عن مقاومته الأسطورية للسلطة وهو الذي تقلد

عدة مناصب حساسة في دولة القائد الأوحد ، ومدائحه له تغطي مجلدات كاملة ، سواء باللغة العربية الفصحى أم باللهجة العامية ، وبعضهم كان يكتب قصائده السلطوية وهو خارج الوطن وقد أعطى وكالة خاصة لأخيه أو أحد أقاربه لاستلام مكرمات تلك القصائد ؟!

انهم خرنكَعيو الثقافة ، ديدان العفونة في الأيام الملتبسة ، ارتال الحشرات الزاحفة على البراءة والبياض ، الحثالى والصديد المتقيح ، استوطنوا الواجهات مثل البعوض وحملوا مستنقعاتهم معهم أينما حلوا ، هم تاريخ من النهش اليومي ، وطحالب سامة تتغذى على دماء أهلها في جميع الازمان.

 

استراليا

jawaai@yahoo.co.uk