|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
4 تشرين الأول 2005 |
|
اقنعة القاع
احفاد المفارقة كتابات - جمال حافظ واعي
1
نحن احفاد المفارقة ، ادلاؤها في الاستباحة وطلائعها في الاجتياح وسدنتها في النعيق ، ابتداء من الوقائع المزورة وانتهاء بالشعارات واللافتات المتزاحمة بلا رحمة والتي سمّمت الجدرن والعقول والوجوه وحتى الهواء ، فأي مأزق هذا الذي تقودنا اليه المفارقة ونحن نعهد اليها بحقيقتنا المشوشة لتتدافع نيابة عنا وتسجل حضورنا في بريدها اليومي الذي هو اشبه بالغياب المزمن وتقول لنا في نهاية المطاف : انا واقعكم اليومي المعاش ولست قطيعة ظاهرية او مفارقا ماورائيا ، فأنا مَنْ يدوّن سطوركم واترك لنفسي حرية كتابة ما اشتبه فيه ؟! تسعى المفارقة سواء في الفلسفة او الادب وكل نواحي الحياة الى استنبات الدهشة وتشييد مناخات متباينة بين الواقعة وتمخضاتها ، فهي الحامل لأجنة المغاير ونوايا الاضداد المتجاورة حين تتقافز للظفر بالنشوة ، انها كولاج النقائض ونسخة تبحث عن اصل لم تحسم تسميته بعد ، تلك هي المقتربات المؤدية اليها ، فليس سرا ان تحشّد قواك وتتقدم ولكن المفارقة تكمن في ان يكون سرّك خلفك اشبه بالتابع المنسي ، فالمفارقة هنا تقودك ايها الاعمى وتوهمك بأنها عصاك التي تتوكأ عليها ثم تتركك في منطقة التلاشي والامّحاء التي تتطابق فيها مع ظلك باحثة عن ضحية اخرى وعنواين اشد وضوحا للاحتواء. كل ما حولك مفارقة فلا تتدحرج امامها مكشوفا ليسهل اقتيادك ، تلك وصية السلف السابق التي لم ينتبه اليها اللاحقون ، فالايام التي طحنتنا ما كان لها ان تستمر لو لم تتخذنا المفارقة مطية تسعى عليها ، بل علقت اشلاءنا كوسائل ايضاح ، بمعنى انها جعلتنا شهودا على انفسنا ليتاجر الاخرون بشهادتنا هذه ، اي بالمفارقة التي صنعتنا ، فهي ليست حوارا اشكاليا ولا معطيات يجري تداولها خارج النسق لنزجها في حروب التأويل ولكنها الواجهة التي تستعرضنا ليل نهار؟!
2
ايها الراوي العليم والراوي المضمر والراوي الذي تلقنه السياط ، هل كانت المفارقة تتناسل في مروياتكم مثل غدة مسمومة ؟! وهل يلملم التاريخ فسائله من اصابع ضحاياه ليجعل منها كفا لمصافحة الغد المزعوم ، اليست هذه الوعود التي اتخمونا بها هي خلاصة هذه المفارقة؟! لقد أُستنزفت الحواس بما لا يُطاق وبما لا يُحتمل حتى غدت الحياة حولنا الغاما نترقب لحظة تفجرها في اية لحظة وفي ذلك ليس مفارقة بل صورة طبق الاصل للواقع الذي نعيشه والايام التي تلهبنا سياطها ، فأنت مثلا تستطيع ان تضع اي شيء فوق رأس الحمار وتكيّفه طبقا لمواصفات ذلك الرأس ولكن المفارقة ليست في الحمار الذي وضعت على رأسه هذا الشيء الذي قد يكون : سدارة او عمامة او عقالا ، ولكن المفارقة هي فيما تم الاتفاق عليه من انه استقر على الرأس الذي هو ليس برأس ، والذي اوهمنا انفسنا على انه رأس ، ولكي لا تستغفلنا المفارقة اجبرنا انفسنا على تصديقها وتبنيها لكي تُساس المصائر !!
3
بدأ التاريخ بمفارقة وسينتهي اليها ، لذا فأنه سيتفرج مثلنا على كوميدياه او مأساته حتى تتلبس المفارقة قيافة المنقذ الكوميد \ مأساوي ، فما نحن الا تواطؤ المفارقة ، ازياؤها التي نتفاخر بها في مناسباتنا القابلة للتقليب مثل اوراق المنسيين في دار العجزة ، تلك الدار التي هي خلاصتنا في هذا الزمن ؟! ذات يوم قرأت في احد ملفات دار العجزة في بغداد عندما كنت نزيلا فيها لفترة من الزمن المعلومات التالية التي دونها الموظفون عن شخص ما : دخل دار العجزة بتاريخ كذا ، لا نعرف اسمه الحقيقي ولا نعرف اي شيء عن عائلته ، وجدناه مشردا في الشوارع ، لا يتكلم الا نادرا وكان يتمتم بعبارات غير مفهومة ، ولا يبدو عليه الجنون او اختلال العقل ، مات بتاريخ كذا ، لم يزره احد طيلة تواجده في الدار ودفن من قبل فاعل خير !! اتوجد مفارقة اكثر شراسة من هذه ، ان تصبح حياتنا وايامنا ذكرى مجهولة يكتبها ويختمها مجهول مثلما يفعل المفخخون اليوم؟!
4
لقد اصبح العقل ، عقلنا ، نكتة سوداء تغذي بديهية المفارقة ، فعلى مقربة مني ومنك وفي ذات اللحظة التي تتمثلنا تنعقد الصفقات من حولنا ونحن نتشاور حول اقرب السبل المؤدية للفرار ، الفرار الذي يؤوله التاريخ فيما بعد كونه مواجهة رمزية لم تستكمل ابعادها ! المفارقة هي العكازات اللامتناهية التي يدبّ عليها الامل وهو يجوب ارواحنا وايامنا المقفرتين.. هي في ملامح الابرياء الذين زُحزحت وجوههم باتجاه مرايا لا وجوه لهم فيها.. هي سلاحنا الذي نضحك به على انفسنا..
استراليا
|