الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

8 أيـــلول  2005

اقنعة القاع

أورام اللماذا

كتابات - جمال حافظ واعي

 

لماذا حصل الذي حصل ولماذا لم تكونوا على اهبة الاستعداد ، لماذا تثاقلتم في تلك اللحظات الحاسمة ، لماذا تركتموهم يسرقون الثروات ، لماذا لم تتحصنوا ضد الاوبئة ، لماذا لم تتهيأوا للعاصفة ، لماذا استدار بكم التاريخ الى مضائقه الخانقة ، لماذا وسّعتم مساحة الموت داخل ضيق الحشود على الجسر ، هذه اللماذائيات هي جرحنا اليومي النازف ، فما نحن الا اسئلة اللماذا وحيرة اللماذا وسذاجة اللماذا ، المعقبون على الخراب باللماذا ، انها اللماذا التي خرجت من الزمن ومن احتدام السؤال المرتبك لتدخل نفقا اخر لا يمت الى الاسئلة الحقيقية بصلة ، فهي تشكيك ونوازع مبيتة وثارات قديمة ومصالح خفية ، هكذا يبدو سؤال اللماذا في هذا الزمن الذي تُستثار فيه خصومات التاريخ واورام الجشع ، وهي في حالتها تلك مبرأة من النوايا النبيلة وتنكأ الجراح القديمة وتنبش القبرالذي طمرته الرياح وسوّته العاصفة ، والاّ فما معنى تكرار الاسئلة التي انتفت الحاجة اليها والاصرار على الالتفات الى الوراء دائما ، وهل نظل نركض خلف التاريخ ونطلق عليه قذائفنا اللماذائية التي تنسف الابنية وخرائطها ، وهل تنوب لماذا الماضي عن لماذا الحاضر ؟!

 

2

 

خلقنا من اللماذا عسسا واوقفناه في المفاصل الحساسة للتاريخ لينوب عنا في رعاية الاوهام ومحاكمة الافكار والمعتقدات ، فكل فرقة زرعت عسسها واطمأنت له في حراسة عقول اتباعها النائمة ، المخدرة ، واستسلمت لتقارير وسجلات هذا العسس وتم تمرير محكمتها في اليومي المتداول ؟!

وهكذا وبكل سهولة اقصت هذه اللماذا الحوار الحقيقي واسئلته الجوهرية فأخذ سؤالها يسعل بلا انقطاع مؤرقا ايامنا ونوايا العقل واصبحت سوطا لا يكف عن التهديد متلبسا اكف الوقائع الغامضة.ان هذه اللماذا هي لحظة فات أوانها ، يتناسل حولها المريدون والاتباع بعصائبهم التي تعمي كل شيء من حولهم ، فهي جواب مفخخ لا يخضع لقانون الحوار والمحاورة وانما هو يقين استبد بعقل السائل وترسخ عبر التلقين الاعمى ، انه توارثُ الجواب لا استنباطه ، فنحن مَنْ يورّث الاجوبة الاخيرة والقناعات النهائية لأسئلة الماضي والحاضر والمستقبل!!

فقدتْ اللماذا منطقها في البحث عن الاسباب والظواهر والمقدمات والنتائج وامّحت في الدوائر الضيقة للالتباس ، وصارت سؤال الماضي الملفق الذي  يعقّب على الموت اكثر من تعقيبه على الحياة ، فقد انتفى قصدها المعرفي والعلمي واصبحت الريب والشكوك والمخاتلات قصدها الاوحد ، انها لماذا خبيثة ، موبوءة ، فالكل يتلو علينا رواياته واخباره ، التي يقول انه اخذها من مصادرها الحقيقية ، لكن الحقيقة ان الكثير من هذه الروايات والاخبار ملقى في نفايات التاريخ وسلال مهملاته ، وهو بذلك لا يسعى الاّ الاجابة عن لماذاه الخاصة ، التي تعنيه هو وتغذي قناعاته ، حتى لو كان الجواب في سلال النفايات هذه !!

 

3

 

حين تكون اللماذا طائرا في حقول العقل فاننا سنحلق على ذرواتها الشاهقة ، اما حين تكون مرتهنة بأقفاص تسحلها الى الوراء ، فان الظلام القادم سيكون تكملة للظلام الحالي ، فعندما تكون اللماذا مجردة من الشوائب والتبعات واطنان الروايات التي لا طائل من ورائها الاّ من اجل زرع الفتن ، فانها تتمثل آفاق العقل وقدرته على التوغل في المستقبل واستنفاره بالبحث عن الحقائق التي تهم الناس وترتقي بهم ؟‍ انها سؤال الحياة عندما تكون في صف الحياة من اجل الخلق والابتكار ، وهي تجاوز لمؤرخي التهريج الذين جعلوا منها حقلا خصبا للاحقاد والطائفيات وملأوا صفحات التاريخ بـ قال فلان وروى فلتكان وكأن خرائط وجودنا محكومة باقوال الاخرين المشبوهة .

 انني هنا اتحدث عن اللماذا التي يُلوى عنقها لتصبح مرعى للدسائس ؟!

 

4

 

اننا بحاجة الى لماذا لا تشبه اقرانها ، لماذا متفوقة لا توضع في البداية مثل لغم ، لماذا لا تؤسس الاّ لثقلها في الزمن ، لماذا هي بمثابة روح متحركة .

اللماذائيات المسكونة بالتيه تتربص بنا ونحن نلقم افواهها المفتوحة بوعي او بدونه في كثير من الاحيان ، انها اورامنا المستعصية وضآلتنا في الوجود وتوابيتنا المستنسخة التي تنتظر لحظة سقوطنا.

متى نتجاوز لماذا الوهم الى لماذا الحقيقة ؟

متى نطهر انفسنا من سخام لماذائيات الماضي المشبوهة ؟

اما آن الاوان لنكتشف اننا مخدوعون بتاريخ اللماذا وبجرائها التي تنبح خلفنا ؟

الذين تجاوزوا حقول الغام اللماذا حملوا بريد التاريخ.

وحدها الاجساد المُداسة والساقطة من على جسرالاعظمية كتبت على صفحة السماء وبلغة الخيبة :

 لماذا التلاعب بالعقول والمصائر ؟!

 

استراليا

jawaai@yahoo.co.uk