الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

18  آب  2005

اقنعة القاع

الموت في كراج النهضة

كتابات - جمال حافظ واعي

 

1

 

صباح الخير ايها الموت ، صباح الازمنة الموكولة بك ، وصباح النوايا التي تصنع طرازك في برمجة دؤوبة للابادة ، وصباح الاشلاء التي تكلل هامتك ، انت تعرف طريقك الينا لا ريب في ذلك ، لكن الادلاء ، قرناء السوء ، يصرون على ان يقودونك ، فأخلع عنك ما تتحجب به فأنت طفلنا المدلل ولا يليق بطفولتك هذا الحجاب ، نحن نعرف انك كف ممدودة ولكن ليست للمصافحة ، ولكن من اين يبتدئ الحوار معك ؟ هل يبتدئ من الجثث المتناثرة في كراج النهضة ام من اخر ضحية تنتظر دورها على توقيت الانفجار القادم ، واية ارقام   تلك تدّعيك او تلك التي تدّعيها ، فثمة ارقام تضاف الى الموت وثمة ارقام يضاف الموت اليها وقد اختلفنا حول ذلك ؟!

ما الفرق بين فانتازيا المتخيل في افلام الرعب وفانتازيا الاجتياح الدائم الاغارة على الوجود ، ومتى يحوز مشهد الموت على اكتماله وما هي المسافة بين استقدام الموت بالخيال وبين استقدامه بالصورة الواقعية الحية ، وما الفرق بين مختبرات هوليود وبين التجسيد على ارض الواقع ؟. ان صورة الموت اكبر من كل خيال وخياله اكبر من التصور ، لكننا نعرف ان لامفر من الموت ، لقد حفظنا هذا الدرس جيدا ، ولكن هل تصلح هذه الحقيقة كمقدمة منطقية للتواطؤ على الفرار من الحياة ؟!

لقد ابتدعوا للموت مكاتب هائلة للسكرتارية وكلها تدلهم عليه كلمح بالبصر ، كل شيء يهتف له وبه ولأجله وفي كل بيت له سرير وشهوة محمومة ووجوه محدقه ، فهنيئا لنا ربيعه فينا ، فهو مَنْ يواسي المنسيين على واجهة الحياة ، يطرد عنهم الوحشة والرتابة وهزال ايامهم ورعب الليالي فجميع الابواب اغلقت بوجوههم الا ابوابه  ولأجل ذلك تكرست احتفالاته فيهم!

 

2

 

الحمى بريد الموت ، حمى الخوف ، تلك اللعنة المتجولة التي تستوطن الاجساد والارواح بفجائعيتها ، فعندما يكون الموت بلا معنى فأن من الحمق ان تسأل عن اسبابه ودوافعه ، انه موت لذات الموت ، موت تزييني ، من اجل بهرجة الغياب!

 لقد ادمناك ايها المقيم الماكث فينا وغدوتَ سكرتنا الوحيدة ، فلا تسمية لنا خارجك في هذه البقعة المجوفة المليئة بالكراهية والتي يمعن في توسيعها الملوثون ، انت الوحيد الذي باستطاعته ان يلوّن ارقامنا فقد جعلوها مستباحة لك وحدك واصبحت الارقام المنساقة الى المقابر مضمارا لتسمين سجلاتك ، فلا تخجل من تقديم نفسك لنا ، انت الهدية التي يقدمونها لنا في هذه الحفلة – الفخ ، التي يسمونها الحرية ، وسنقبلها شئنا ام ابينا بل ان قبولها او رفضها امر خرج من ايدينا ؟!

 

3

 

 انهم ينحتون ايامنا ويبتزونها لتستحيل بعض مقتنيات متحف الموت المتجول هذا ، فهل يكون التاريخ منتصرا وهو يسحل خلفه جثث الابرياء ، وهل تكون الحرية منتصرة وهي تستحم بدماء ابنائها ، وهل تحتاج الحقيقة الى توصيف عندما تكون مرارتها في الافواه ، هذا التطويح المتصل لزحزحة المصائر ، لا شأن يحركنا سواه ، فنحن نحصد ما زرعوا بأجسادنا ، فهل رأيتم آلات للحصاد كهذه ، ولا اتذكر من قال - ان الموت فاكهة لا تنبت الاّ في حقول الجياع – اصبح جوعنا موتا متطرفا واتخذت الوردة شكل اللغم وتخلت الاشجار عن وظائفها من اجل تقديم دفعات يومية من التوابيت ، وبتلك المهارة الفائقة نترقب فسائل الغد والدستور المزعوم !!

فكل شيء خارج اوانه وخارج منطقته والايام حواجز نتخطاها بالقفز كأننا حيوانات تعيش في بيئة غير بيئتها ، والوجوه ترتدي ذات الملامح ، الموت يمر من هنا ، اجل تلك رائحته وايقاعه وطبوله ومراثيه ، فأية ذروة من ذروات هذا العالم وجب علينا ان نتسلقها لنعلن اننا اقزام بما فيه الكفاية واذلاء بما يكفي وقد وجب علينا ان ندل انفسنا عليه ونروضها لقدومه ونمنحه خطواتنا وطرقنا ، نحن العميان ، عميان اللحظة العابرة ، التي ليس لها ثقل في الحاضر والماضي والمستقبل ، عميان الاحقاد والطائفية والاهواء والمصالح واللصوصية ، العميان الذين قذف بهم الحظ الاعمى الى هذه اللحظة التاريخية الفاصلة بين عماءين ؟!

 

4

 

وحده الانتحاري مسرور بموته ، ذلك الموت الذي يشبه لعبة الدمبلة كما تروجه له ثقافة الافناء وغسيل المخ الذي يرافقها ، فما ان تخرج روحه من نفقها المظلم حتى تتلقفه حوريات السماء زرافات ووحدانا ، حينها يصرخ باعلى صوته : دمبلهْ !!

 

 

استراليا

jawaai@yahoo.co.uk