الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

11  آب  2005

اقنعة القاع

البراءة المنتهية

كتابات - جمال حافظ واعي

1

 

التلقين اليومي يفسد التلقائية ويفتك بخيط البراءة الذي يشدنا الى الوضوح الانساني ، انه فخاخ منصوبة ومضمر يتم تسريبه ولعبة شد للاطراف وتداخل مواقع ، حيث يفقد الحوار عفويته وتغلغله في عقل الاخر بلا مقدمات وبلا هواجس تسوق تلك المقدمات ويصبح المبيّت في الحوار اكثر من المعلن فيه ، وبدلا من ان يتلبسك القول بلا وسائط يتراءى لك جيش من المفسرين يقودونك الى ما يلتبس فيه المعنى .

 تنامتْ عكازات القول اكثر من القول ذاته وتهتكت تلك العقود المبرمة بين القول ومتلقيه واستطالت الاقفاص بين الوجوه المتقابلة واخذت الوجوه تتلفت الى جميع الاتجاهات بحثا عمن ينقذها من هذه الرطانة ، فقد تعددت ممرات القصد ، وقد يفلت منك وانت تحاول ان تمرره عبر الشبكات الخفية الملتوية التي تتوخى اللف والدوران وتسويغ المكائد. .

 

2

 

البراءة سلطة لها من المرايا بقدر ما للحقيقة من اوجه ، هي العفوية والنقاء الانساني والتطابق بين الظاهر والباطن ، لا المماطلة وصناعة الدسائس والنوازع المبيتة ، البراءة هي ان تتآلف مع خطواتك وان تتعرف على ذاتك في الذوات الاخرى وان تُستنفر المصائر لحظة الخطر لا بأبواق خارجية وانما بنشيد داخلي ، فما البراءة الا الاحتشاد خلف الكل وما الكل الا صيحة محتشدة ، وفي الوطن متسع للطاقات والمهارات المختزنة ، فلا تنافس الا من اجل الاكثر سموا ولا تزاحم الا من اجل توطيد السبل الجديدة ، هكذا تقول شرائعها .

 ليست البراءة رمزا نتكتم عليه او نخشى مجاورته صراحة ولا طفولة تتراكض وراء ابوة مزعومة ولا ايام تتيبس على مصاطب الزمن ، انها ساحة مكشوفة للابانة والتنوير والانفتاح والمكاشفة ، اما المرضى والممسوسون فهم الذين ينصبون مصائد الغفلة للبراءة ، يطاردونها بحمى اليائس الذي فقد كل شيء ولا يجد ضالته الا في الوحشية والتمزيق وتشويه كل ما هو سوي ، وما اجمل ما تحارب العالم بالبراءة ، ليس بمعنى استغفال نفسك وتقديمها لغة سائغة وتوريطها بما لايحمد عقباه ، ولكن بمعنى ان تكون البياض الذي يزيل عفن الاشياء ويعري أورامها المزمنة او الخارجة عن السيطرة من اجل التماس معها والوقوف على حقيقتها ، والبراءة هي اعدى اعداء السياسة اذ لا يوجد سياسي بريء وتاريخ السياسة هو تآمر على البراءة وبأسم البراءة يساق الابناء الى الحروب ، وباسم البراءة تستطيل طوابير العسس الليلي وتتزاحم اللافتات التي لاتقول شيئا وباسم البراءة تكتب الخفافيش دستور الظلمات وبيانات الغد المريب وتجوّع الناس وتسرق اقواتهم ، والبراءة بلا بطانة تحجب ما ينبغي ان يراه الاخرون على حقيقته ولا تصنعها الفتاوى المشبوهة الممهورة بنزوات الاخر ولا دكاكين للاستغفال يتم تأجيرها مع البشر لكي يتحدث فيها كتاب العرائض الجدد عن البراءة والابرياء !!

 

3

 

اصبحت البراءة في هذا الزمن جثثا تتساقط  كل يوم من افواه الخطباء والادعياء والمتسلقين وسدنة التزوير ومستشاري الخيبة والخائبين ، وتتراكم في الصفقات المشبوهة والظلال المريبة الزاحفة وفي الوعود التي لن تتحقق ، وذلك لأننا فقدنا براءتنا منذ ان اصبحت حريتنا مرتهنة بالادعاءات التي قدمها لنا الاخرون على طبق غير بريء ! ومنذ ان شيّعنا الامل على منابر فقهاء السياسة واباطرة التخدير والشعارات...  فلماذا نواسي انفسنا لنمثل دور الضحية التي افاقت من كابوسها بمؤازرة براءة الاخرين المزعومة ، ولماذا لا نعلن اننا لم نكن ابرياء بما يكفي لنثأر لبراءتنا المنتهبة ؟!

 ولكن : هل كنا ابرياء حقا ام كنا مخدّرين بأوهام البراءة التي تخفي تحت طياتها وحوشا لا تهادن؟ وهل ان الترويض اليومي لنا ولأيامنا خلق حول هذه الوحوش المختبئة فينا طبقة عازلة بحيث نبدو كأننا مسالمين نتعايش بحميمية وود والفة ولكن ما ان اُزيلت هذه الطبقة حتى أحتدم جنون الغرائز المتطرفة ؟! هكذا يبدو الأمر الان ، وما ظنناه براءة كان عبارة عن حيوان شرس جاثم في اعماقنا وهو يغط في اغفاءة قصيرة او قيلولة بانتظار ان يؤدي ادواره المرعبة.

لقد تبرأت منا البراءة منذ ان تبرأنا من انفسنا واودعناها في سلال الاخر وقايضناها في المزادات ومنذ ان اخفينا شراهتنا بمهارة فائقة واضحى كل شيء لدينا سلعة تباع وتشترى وتخضع لقانون العرض والطلب ، بدءا من الضمير وانتهاءا بشهادة الوفاة في المستشفيات !

وحدهم الابرياء مغفلو هذا الزمن..

وحدهم من يدفع الضرائب عن القبح الذي يغلف الوجوه نيابة عن الاخرين...

انهم اضاحي الازمنة المرة...

الرؤوس الجاهزة للقطاف في مواسم العطب الانساني الشامل...

 

استراليا

Jawaai@yahoo.co.uk