|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
5 آب 2005 |
|
اقنعة القاع عقد اللصوصية
كتابات - جمال حافظ واعي
1
كان سقراط يصرخ في شوارع اثينا : اعرف نفسك ، ورحم الله امرؤا عرف نفسه في زمن الشبهات والفتن والتباس الامور ، ومعرفة النفس في تلك الحال والاحوال نعمة لا يطالها الا مَنْ اتاه الله حظا عظيما ، يعرف الحدود التي يتحرك فيها والمسالك التي يدب عليها والخطوات المسموح له ان يخطوها ، يزن حمله قبل ان يلقي به على ارض رخوة ، ولا يصرح بنواياه ، فالمرء مخبوء تحت لسانه ، وما تفكر فيه هو في منطقة المحرم ، خصوصا اذا اصبح شائعة تلاحقك ، وانت في منصبك الجديد ، ايها السياسي الصاعد ، لص تحت التجربة!! فلا تظنن بنفسك الظنون ولا يجمح خيالك فيما ليس لك ، فصورتك يجب ان تبقى في اطارها المحدد لها ، والدائرة التي رسموها لك هي مستقرك فاياك ان تتدلى اطرافك خارجها ، واياك ان تفكر بحصص الكبار فيما وراء الاسوار وفي الاماكن المخفية ، فهم صنعوك وهم ادرى بما تلقفه يداك ، ويعرفون المواضع التي تدس فيها ما تلقف ، فالجميع تحت الرقابة ولايستطيع احد الافلات من هذا الطوق ، ولهم الحق وحدهم في ان يستغفلوك ولا ضير في ان تتفرج على استغفالك ، فانت صنيعتهم ، ولابد لك ان تنفذ ما القمك اياه المبرمج ، وان جرؤت عليه فلا شفاعة ترتجى لك ، فلقد جئت شيئا نُكرا ، وجاوزت المدى ، وحاولت التلاعب بذيلك ، فما انت الا اداة تنفيذية وبيدق في شطرنجهم الكبير ، فلا تتحرك بمحض ارادتك وما تمليه عليك وساوسك ، واياك والاخلال باشتراطات اللعبة ، فما توجده اللعبة تقصيه ايضا!!
2
اعرف نفسك ثانية ، فما هذه المعرفة الا من اجل ان تكف عن نوازعك المحتدمة التي تتشهى الخروج ، ولملمة اشتات جشعك ، فاللص الاكبر له زوايا ينظر اليك منها وانت لاتبصرها ، فلا تنافسه في اللصوصية لأن مكرك ليس مكره وحيلتك تقصر امام حيلته ، وخبرته في السرقة يشهد لها التاريخ ، انت لص صغير تحت التدريب في نظره بغض النظر عن تجاربك السابقة في الخطف والنشل والسرقة ، واعلم ان مواهبك هذه ومهارتك في السرقة والنصب والاحتيال هي التي جعلته يرشحك لمنصبك الجديد ، فلا تتخطى مساحة اللصوصية التي حُددت لك ضمنا او باتفاق موقع ، ربما تكشفه الايام القادمة عندما تُنشر الصحائف !! لا تستبدل ما رتبوه ولا تغير مواضع الاشياء ، فقد رتبوها وصففوها بعناية فائقة وحفظوا اماكنها ، وبتسلسل لا يخطر لك على بال ، والكومبيوتر شفيعهم الذي يذكرهم ان نسوا ، فاللاحق يتبع السابق والسابق يتبع الاسبق منه ، هي دورة ، مثل دورة الموجودات في الطبيعة ، ولكن الفرق ان التسقيط هنا يُمارس احيانا قبل أوان السقوط ، ان اقتضت الحاجة وخذلتهم النتائج النهائية التي كانت خارج توقعات مجساتهم ، لذا فانهم يمارسون التسقيط والاستبدال وتغيير الادوار وحقن الوجوه التي بقيت في المضمار بشحنات اضافية او اقنعة جديدة لتؤتي أُكلها كما خططوا لها او كما ارادت مختبراتهم . ثم اعرف نفسك ، ولا تحاول القفز وانت في نشوة الصعود والتسلق فقد تسقط سقطة مميتة خصوصا انهم وضعوا لك سلالم مكسورة ليختبروا قوة انتباهتك وحقيقة توازنك امام المغريات ، كما ان هذه السلالم لا تتحمل خطواتك الطحلبية ، فلا تنفخ جلدك امام الناس ولا تزهو بريشك ولا تكثر من ذكر – الأنا – فأناك ليست لك ، وربما تدخل الاخر في اختيار القيافة التي ترتديها والوقفة التي تقفها والجلسة التي تتخذها ، فكل شيء محسوب عليك ، وكل شيء بقدر ، فلا افراط ولا تفريط ، وانتبه جيدا لما يمليه عليك الملقن وما ينبغي ان يقال ، فلكل مقام مقال وملقن ! ، فأحفظ وصاياه جيدا ، ايها السياسي الصاعد ، فأنت في حقيقتك مشروع يومي للاختبار والتحليل والاستنتاج وفي نهاية الامر انت جرذ على طاولة تشريحهم؟!
3
ولا بأس هنا من ان اروي لك حكاية الاسد والذئب والثعلب ، وسأقوم باجتزاء ما يهمنا هنا في هذا الموضوع ، تقول الحكاية ان الاسد كان يتجول في الغابة بحثا عن فريسة له وفي تجواله رأى ذئبا فعقد معه صفقة على تقسيم ما يصيدانه في اخريات النهار – هل يحتاج القوي الماكر الى ان يعقد صفقة مع الاضعف منه !!- ثم ابصرا ثعلبا وادخلاه معهم في الصفقة – سياسة التوريط - ، مرت ساعات الصيد ما بين ترقب ومطاردة الى ان صادوا غزالا وارنبا وجربوعا ، وفي نهاية المطاف طلب الاسد من الذئب - وبتواضع القوي المقتدر - ان يقوم بالقسمة فيما بينهما ، ولأن اللعبة انطلت على الذئب فتصور نفسه في منزلة الاسد حين اقتسام الغنائم في نهاية الحرب ، او ان له سهما في حضرة الاسد ، او انه يستطيع ان يجرؤ ويقول هذه حصتي ، فانه بدأ بتقسيم الغنائم كما يلي : الغزال للاسد والارنب لي والجربوع للثعلب ... حين سمع الاسد ذلك انتفض وارعد وزفر غاضبا ثم ضرب الذئب ضربة قاتلة طرحته ارضا ، وبعد ذلك طلب من الثعلب ان يقوم بالقسمة فقال الثعلب : الغزال لعشائك ايها الاسد والارنب لغدائك والجربوع وجبة خفيفة بينهما !! لقد تعلم الثعلب الدرس جيدا وايقن في قرارة نفسه ان الاقوى هو من يوزع الفتات دائما ، وانه والذئب كانا مجرد اداتين لنزواته وشراهته في الاستحواذ وحروبه التي لا تنتهي ، لأن الغابة \ العالم ، ينبغي ان تكون له وحده ، شاء الاخرون ام ابوا. ونقول للسياسي الصاعد ، ان القوي غالبا ما يستخدمك لتصيد نيابة عنه في الارض التي يخشى احتمالاتها ، فلا تمثل دور الصياد الماهر امامه حين تظفر بفريستك ولا تطالبه بحقك فيها ، واعلم انك انت والفريسة لقمة سائغة بين يديه ، وانك رقم يتم استبداله وبسرعة البرق بأحد الارقام التي تنتظر دورها في مسطر السياسيين !!
استراليا
|