الصفحة الرئيسية

كلمة التحرير

الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com

الارشيف

كتب

2 تــمــوز  2005

اقنعة القاع

وجوه تتأبط المرايا

 

كتابات - جمال حافظ واعي

 

ما الوجه الاّ واحدٌ غير انه

                  اذا انتَ عددتَ المرايا تعددا - ابن عربي

1

 

كيف السبيل الى الهرب من الوجوه الملأى بالتقمصات ، نظائر متداخلة بلا زمن ، تسيل مثل معدن مذاب ، تحصد ايامك وتتراكم عليها ،  وجوه مشفرة ، وجوه مصادرة بلا خيارات ، وجوه يؤطرها الذل والرتابة ، وجوه خارج النص تفتعل الهيبة ، وجوه بلا جغرافية نسجتها الدسائس ، وجوه لا تستقرعلى اتجاه مثل طواحين الهواء ، وجوه مبقعة بفتاوى لها اشكال الافاعي ، وجوه مسكونة بالطفيليات التي تتسرب الى غفلة الاخر ، فأي وجهي العملة هو الذي ينبغي ان نقبض عليه مادامت النوايا المتجاورة تتراكض فيهما؟!

للنوايا ميادين مفتوحة على احتمالات الوجود ، تتدافع في مرايا العقل للاستحواذ على ما ترسخ فيه او حيازة ما تترصده ، ففي كثير من الاحيان تهرّب الوجوه في المرايا ، تلك الوجوه التي فاتها اوان التمظهر ، او التي يكون تمظهرها عبئا على المشهد ، وبعض الوجوه اختزلت الظهور الى حد التطابق بين الرائي والمرئي ، فكأنها تعيد ثنائية الرؤية المتقابلة الى نقطة الصفر ، وهناك وجوه محشورة  تتراصف في التعداد الصباحي لادامة يوميات الحروب ، تلك الوجوه التي لا مرايا حقيقية لها ، وحين اوهموها بانهم عثروا على مراياها ، ابصرت حروبا اخرى اشد ضراوة تتناسل على جلودها المتهرئة ، واصبحت البيوت ملاجئ متداخلة والشوارع ارض حرام ، واحتاجت تلك الوجوه الى الكثير من المصنفات لتسمية ما استبد بها ، فيا لوحشة المرايا حين تتوحش في الوجوه!!

 

2

 

نهرب من البوابة التي تحتشد فيها الوجوه ، فندخل بوابة اخرى لاستدراج الوجوه ، تلك هي لعبتنا الاثيرة عند البوابات وفي المداخل ايضا ونتساءل بحرقة : لأجل مَنْ كل هذه الوجوه ، ولأجل مَنْ كل هذه الشبهات؟! لقد انهكتنا المرايا وفتحنا سُبلها على ظلام الانفاق ، فكل وجه شاهدة متقدمة وشاهدة متأخرة ، وكأنه يتكرر في المرايا ، او يتعدد في المشهد الواحد ، اي ان لكل مشهد مراياه ، وما دمتَ متعددا تبعا لتعدد المرايا فأنك عدد مرآوي!!

 

3

 

كان الصينيون القدماء ينظرون الى المرآة بقدسية ، وكانوا يعلقون – المراياالصافية -  في شتى مرجعيات ونواحي امبراطوريتهم ، فهي دالتهم الى الحقيقة ، وهي رمز النور وقيم الخير والجمال حسب معتقداتهم ، والنور هو رمزميتها ايضا في الدلالة الاغريقية من حيث ان هذه المرآة الصغرى هي وسيط تنعكس عليه وفيه المرآة الكونية الكبرى التي تضيء عتمات الانفس وتجلو صفاءها ، ولقد اجتهد الحكماء والفلاسفة في ان يجعلوا من الحكمة الصنو الاخر للمرآة التي ينبغي ان يبصر فيها الحكام انفسهم ، لكي يروا حجومهم الحقيقية واشكالهم الواضحة بلا لبس ولا مواربة ولا زيغ وان يتجنبوا  سراب المرايا‍!!

الكثير ينقل ما تقوله له المرآة – مرآته الخاصة - الى العالم المحيط به ، فيصدق اوهامها المتشابكة مع اوهامه ونوازعه المرضية المتكلسة عليها ، فهو يتمرأى بهواجسه المضطربة ونفسه المتشظية وجوعه المزمن ، لقد تماهى مع مرأته فاصبح عبدا لها .

 ان الحقيقة التي تخص السواد الاعظم منا هي اننا دربنا اوجهنا وروضناها لتؤدي ادوارها المقترحة ، وربما مارس الاخرون القساوة عليها اشبه بالتقسية التي تمارس على المعادن لتغيير اشكالها ، كيما تتجسد كما ارادوا لها ، ذلك لان الوجه يقذفك خارجا اذا فرطت بسره وجعلته مرتهنا بالاخر ، اذ تتقدمه المزادات ، فهو بضاعة جاهزة للتداول؟!

 

4

 

كلما نظرت الى مرآة الوطن تطابقت الفجيعة مع صورها ، واتساءل : هل يتخلى التاريخ عن مراياه لتتسطح الوجوه المتدافعه فيه؟! واية غشاوة تلك التي تستوطن المرايا والوجوه على السواء ، ومتى تستأنف وجوهنا دورتها الطبيعية دون وصاية احد ، ودون ان تصدهما الشواخص المتأهبة ، المتراكمة في المرايا.

للوطن مرآته الصقيلة التي ينظر فيها الابناء حاضرهم ومعنى وجودهم ومستقبلهم وما انفرط من ايامهم وثرواتهم المبددة على ذمة المرايا المشوهة ، ايا كان شكلها ، مرايا الحروب او مرايا الجوع او مرايا الخوف او مرايا اللصوص الجدد ، فمرايا السياسة هي التي تحدد مرتسمات الوجوه ، وهي التي تختبئ فيها اورام السماسرة والمرابين الذين يتقنون لعبة الظهور والتخفي والانزلاق على المساحات الملغومة ، انها الوجوه التي تفتح ابواب الجحيم ، وجوه بلا وجاهة تتقدمك اينما وليت وجهك ، وعليك الافلات من مخالبها!!

 

استراليا

jawaai@yahoo.co.uk