|
|
الكتابات المنشورة تعبر عن رأي اصحابها |
||
|
25 آذار 2005 |
|
أقنعة القاع حوار مع طنطل كتابات - جمال حافظ واعي الطنطل هو نتاج صور المخيلة ، لا تصورات العقل ، إذ تصبح المخيلة بمثابة كمائن منصوبة للذات ، تطوّقها بالخوف من جميع الجهات ، فهذا المخلوق غير المادي أضافته ذاكرة الموروثات الشعبية إلى سلالات الجان والشياطين والعفاريت ، فالأحاسيس الباطنية المتلبسة بالخوف ، والتي هي نتاج المخيلة الشعبية أوحت إليها بتصديق هذه الخرافة التي كونت أشباحها الفكرية والرمزية ، فلقد انخلقت اسطورة الطنطل التي استعبدتنا فيما بعد ، وتحولت الخرافة على مسرح الأحداث اليومية المعاشة إلى مسخ فرانكشتايني أكل الحرث والنسل. يرى البعض ان اسطورة الطنطل جاءت في العصور الإسلامية المتأخرة ، وكانت غايتها الأساسية تخويف الأطفال لإجبارهم على النوم ، وقد وصفه البعض بأنه طويل الجسم ، له خصيتان متدليتان ينطلق منهما صوت أثناء مشيه ، وهو يتراءى للسائرين وخصوصا في الظلام وفي الأماكن المنعزلة والموحشة ، حيث يمارس معهم المخاتلة والتمويه والإيهام. لقد تلقفت الأنظمة الشمولية اسطورة الطنطل ، فنفخت فيها لتصبح بعبعا وغولا متجسدا على جميع الواجهات ، ففي النهار وتحت ضوء الشمس تمارس الطناطل البشرية الجديدة مهنتها مثلما تمارسها في الظلام أيضا ، أي ان السياسة نقلت الطنطل من طور الاسطورة والخرافة إلى طور الحقيقة الواقعية الماثلة للعيان واصبح الذين يملكون زمام الأمور يقودون مجموعات كبيرة من الطناطل البشرية ، الذين نصبتهم على البوابات الداخلية والخارجية للمدن وجعلتهم أشبه بـ – يانوس – اله البوابات في الميثولوجيا الرومانية ، ذلك الذي ينظر إلى الداخلين من البوابات والخارجين منها؟! إذ تم استبدال الطناطل بعسس السلطة ، وقام هؤلاء بخلق اتباعهم الذين يتقنون فن زراعة الخوف والرعب والكوابيس ، وهكذا سرت روح الطنطلة في المجتمع ، وتوسعت الدائرة ، ونمت فصائل من الطناطل البشرية التي ملأت ثقوب الهواء ، واستمرأت الغالبية العظمى هذه اللعبة التي تنتج نفسها باستمرار ، واصبحوا مصنعها المتجول ، فالطناطل في كل مكان ، الشوارع والأزقة ومفترقات الطرق والسطوح مدهونة برائحة الطناطل ، حواراتنا ومآتمنا ومسراتنا ومجالسنا وضحكاتنا وقهقهاتنا تتقافز منها الطناطل ، القطارات الذاهبة إلى الحروب تقودها الطناطل ، وعلى إيقاع الأغاني الوطنية ترقص الطناطل والجميع يصفق بحمى طنطلية ، وتفنن رفاق المسيرة الطنطلية في إسباغ المساحيق على وجوههم من اجل الاقتراب من صورة الطنطل – المثال – الذي يسعون إليه ، فقد أصبحت ملامح الطنطل هي مقياس الجمال والثقافة والوطنية والتفاني والحظوة. وما ان أُزيحَ الطنطل الأكبر ، حتى فقّستْ بيوضه المبثوثة في كل مكان ، وتناسلت حاضناتها ، وبقيت لعبة الظهور والتخفي الطنطلي تتسيد المشهد ، وتضاعف الخوف والذعر واثبتتْ الطناطل الجديدة بأنها أبناء بررة لسيدها الذي علمها سحر التطنطل ، وهكذا اصبح الظفر بالغنائم هو النشيد الوطني الجديد ، فبدلا من ان يكون القضاء على الطنطل الاكبرايذانا بالخلاص وبدء مرحلة مشرقة من التأسيس لقيم وأنماط مغايرة ترتقي بواقع الناس ، اصبح تتويجا للارتكاس والنكوص والبحث عن مستوطنات جديدة للخوف ، فلقد اختلفت الطناطل – حتى على لغة أداء القَسَمْ - في مؤتمرها الأول ، واختلفت على التسميات ، وارتدت الطناطل الجديدة أقنعة الصيارفة وكشرت عن أنيابها في النهب والاستحواذ ، فالوطن الممدد الآن على صالة الإنعاش لايعنيهم ، بل الذي يعنيهم حقائبه المرزومة تحت السرير ، ولاجل ذلك اصبح الوطن مجموعة من الحقائب في عقول الطناطل ، وقديما قال القزويني : وعمل الوهم من طباعهم حتى إذا أرادوا حدوث حادث صرفوا همتهم إليه وما زالوا به حتى حدث ، أو ما زالوا عليه يقتتلون!!ولأنني من منطقة جنوبية ، لها علاقة وطيدة بالطناطل ، بل تشكل سيرتهم إرثا تاريخيا جوانيا متواترا ، وطقسا يوميا يبتدىء من الطفولة إلى أخريات العمر ، ومن اجل معرفة رأيهم بما آلت إليه الأمور ، كان هذا الحوار مع أحد هذه الطناطل :
** مَنْ باعتقادك أول من أطلق عليكم اسم الطنطل ؟ الطنطل : رجل طردته تقاليد المجتمع المتوارثة خارجها ، لأنه خالفها ، فتعلّق بنا. ** إلا تخجل من مهنة تخويف الآخرين ؟ الطنطل : ان صناعة الخوف هي ارث بشري ، ونحن أشباح رسمتموها ، ثم نفختم فيها من أوهامكم ، فنحن ضحاياكم. ** ماهو الجديد في أموركم ؟ الطنطل : أصبحت حياتنا جحيما منذ ان سُرقت أدوارنا. ** مَنْ الذي سرق أدواركم ؟ الطنطل : أولئك الذين - تطنطلوا - علينا وعلى أبناء جنسهم. ** ماهو رأيك بالسياسيين الجدد ؟ الطنطل : انهم درجات متقدمة في السلم الطنطلي. ** بماذا تفسر اختلال الولاء الوطني لدى الآخرين ؟ الطنطل : ذلك لأن فكرة الوطن الواحد متزحزحة في عقولهم ، وكل تزحزح يقف وراءه طنطل ملقن. ** متى يفقد الطنطل صلاحيته ؟ الطنطل : عندما يتاجر الجميع بلافتات الخوف. ** أي الحالتين تتشهى ، التجسد أم التخفي ؟ الطنطل : كلاهما تيه ، وفي جميع الأحوال يسبقك رقمك إلى العدد وغواية الطوابير والحشود المريبة. **هل ثمة استئثار بالكرسي في عالمكم ؟ الطنطل : نعم ، فالطناطل المخضرمة ، لها فتاواها التي تجعلها تتصدر المشهد الطنطلي بلا منافس ، ولها طرقها الملتوية أيضا في استمالة الاتباع. ** أي نوع من أنواع البشر ذلك الذي استوقفك ؟ الطنطل : الذي ينسج الخرافة حول نفسه ولكنه ينتهي كأي طنطل بشري يلهو بأوهامه المسعورة. ** هل تصدق كل ما يقال ؟ الطنطل : نعم ، ولاجل ذلك أصبحت طنطلا. ** كيف ترى الغد ؟ الطنطل : طناطل تعاني من ازدواج الشخصية ، ولذا سوف يصعب التفريق بين الطناطل الحقيقية والطناطل المتنكرة !!
استراليا
|