|
المسرح في
مواجهة الخراب
كتابات
- محمد الأمين
على رغم
الأحداث الدامية والأوضاع الأمنية المتردية يحرص الفنان المسرحي العراقي
المغترب " صالح حسن فارس" أن يتواصل مع فن المسرح في بلاده التي زارها منذ
سقوط النظام الديكتاتوري خمس مرات، أقام أثناء تواجده فيها بعرض أعماله
المسرحية الني سبق له أن قدمها للجمهور العراقي والهولندي في أمستردام ومدن
هولندية أخرى.
على قاعة
مسرح كلية الفنون الجميلة قدم "صالح" مسرحية "اشتغال –انطفاء"، وسط أجواء
حزن سادت بغداد اثر انفجارات إرهابية أدت إلى مقتل مئات العراقيين، وسعى
إلى أن يتمثل أحزان مهرج عراقي عذبته أعوام الغربة ومأساة الوطن على حد
سواء. إن الحيرة هي رفيقة درب المهرج في ترحاله غير المنقطع بين الوطن
والمهجر، وهي مقرونة بسؤال الهوية كما يصفها "فارس" في هذا المقطع المعبر:
لا أعرف..
أيّ حلمٍ جاء بي إلى هنا؟
أيةُ أجنحة
حملتني إلى هنا؟
كيف تمكنتُ
من اختراق الجليد والضباب ؟
كان الجليد
والضباب بالنسبة لي ألوان الجنة.
الآن أريدُ
أن أغادر هذه الجنة.
لكني لا
أستطيع.
مجهول
أنا.. لا أحد يعرفني..
لا أحد سوى
أشباحِ الحرب الطرقِ الممتدةِ بلا نهاية.. الأشجار العارية.. الطيور
المتساقطة..
والسماءِ
اللانهائية.
رأيت كل
شيء.. ولا شيء.
وفي حديث
لشريط تطرق "فارس" إلى مواضيع ذات صلة بالمسرح العراقي الذي يراه غنيا
وتنوعا وزاخرا بتجارب قيمة:
"قد حصد
المسرح العراقي جوائز معتبرة كان آخرها مسرحية "الصدى" للفنان حاتم عودة
والتي خطفت جائزة هامة من مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي رغم العنف
والدمار في العراق، ثمة نشاطات مسرحية تبعث على الأمل والتفاؤل. لكنها لم
تكسب اهتماما يتناسب مع مكانتها".
ويضيف فارس
:
"إن النشاط
المسرحي في العراق أبعد عن أن يكون محط اهتمام المؤسسات الرسمية فمسرح
الرشيد الذي كان مركزا حيويا للفنانين المسرحيين العراقيين والعالميين
والذي شهد عروضا مميزة مثل مسرحية هاملت للفرقة الشكسبيرية اللندنية وتجارب
الفنان صلاح القصب، تعرض للدمار والنهب في السنوات الأخيرة الحال نفسه
ينطبق على مسرح المنصور ومسرح بغداد، وليست هناك أية خطوات عملية من قبل
مؤسسات الحكومة العراقية تدل على الاهتمام والحرص على إعادة الرونق للمسرح
العراقي "
وعن اهمال
دور المسرح في العراق وعدم الاهتمام بها من قبل المؤسسات الحكومية
يوضح فارس:
"يتذمر
الفنانون المسرحيون من هذا الإهمال، منهم صديقي الناقد المسرحي "عبد
الخالق كيطان" الذي قال لي كتبت عشرات المقالات في الصحف العراقية عن هذا
الموضوع الموجع دون جدوى.
نقابة
الفنانين المسرحيين تسعى جاهدة في موضوع ترميم وإعادة المسارح لكن المشكلة
أن هذه المشاريع لا تدخل حيز التنفيذ، فالقيمون على المجال لثقافي والفني
في وزارة الثقافة لا يعنيهم الأمر بالكامل وتنظر إلى المسرح وكأنه ترفا،
وبعضهم عين على أساس المحاصصة الطائفية وهم أميون لا يفقهون شيئا في الفن
والثقافة، ويتحمسون لفكرة تحويل قاعات المسارح إلى مساجد وحسينيات للخطب
الدينية الإنشائية، كما هو الحال بالنسبة لمسرح الرشيد الذي يتحول قريبا
إلى قناة فضائية، محسوبة على جهة سياسية محددة ".
هل الحاجة
إلى فضائية جديدة أكثر إلحاحا من ترميم المسارح في بلد لم يعد الجمهور ذا
صلة بهذا الفن؟ يتساءل الفنان "صالح حسن فارس"، لكنه سرعان ما يشير إلى
نقطة أخرى وإهمال آخر :
" وسائل
الإعلام العربية تهمل المسرح العراقي ولا تتناوله بموضوعية، أنها لا تسلط
الضوء على الأعمال المسرحية التي تقدم في العراق، الحدث الطائفي هو الأهم
وكأن قدر العراقيين مرتبط بالتطرف الديني، وهذا يجعل الشعور بالإحباط
مسيطرا على معنويات بعض الفنانين المسرحيين".
جمهور
نخبوي
حينما قدم
حسين علاوي مسرحيته في المسرح الوطني أو عواطف نعيم على المسرح ذاته، كان
الجمهور المسرحي يتكرر ولا يستقطب وجوها جديدة، إنه جمهور نخبوي، وهذا
يتنافى مع الحياة الثقافية في السبعينات والثمانينات.على عكس المناسبات
الدينية حيث تكتظ بالناس، كذلك هو الحال مع العروض غير الفنية، أو
الديسكوات والابتذال السائد والأذواق الهابطة .
قدم الفنان
المسرحي صالح حسن فارس مسرحية "أين الهناك" على خشبة المسرح الوطني في
العام الماضي، وفي هذا العام قدم مسرحية "اشتعال انطفاء" على خشبة مسرح
كلية الفنون الجميلة. وقد لاقت المسرحية اصداء طيبة من قبل المسرحيين
ووسائل الإعلام. وفاجأتني الآراء المنشورة في المساحة المخصصة للتعليقات في
الصحف والمواقع، أعلبها ينتصر للمسرح والإبداع في وجه الإرهاب والظلام،
وكانت تنطلق بتأثير من العمليات الإرهابية التي حالت دون حضور بعض من
المشاهدين إلى العرض، منهم "سميرة عبد الأنيس" التي قتلت في الانفجار
الدامي الذي استهدف وزارة المالية في شارع الجمهورية، لقد فات المهرج أن
يلتقي أناسا من وطنه ولهذا ارتأى أن يضمد جراحه مرة أخرى في المهجر على أن
يتواصل مرة أخرى مع الهنا والهناك .
إصرار صالح
حسن فارس على أستلهام التجارب المسرحية في هولندا، وربطها بصميم النشاط
المسرحي العراقي، تعكس في وجه من وجوهها إصرارا دونكيشوتيا على التمسك
بالحلم وتعبيرا فنيا عن إنسان يواصل البحث عن ذات مشطورة بين الوطن
والمهجر، وهي جزء من سيرة فنان يراهن على الفن والجمال في مواجهة الخراب
والدمار وإن تقمص بورتريه مهرج على خشبة المسرح.
مواقع ذو
صلة:
الزيارة
الخامسة لبغداد..انفجار دمعة كبيرة :
http://www.rnw.nl/arabic/article/69698
موقع
الفنان المسرحي صالح حسن فارس:
http://www.salehhassanfaris.com
موقع شريط
:
www.shreet.com
|