|
على هامش التكديش...!
كتابات
- د.مراد الصوادقي
الكٌدش
تعني السَوق والطرد والإستحثاث ويقال : كدَشتُ الإبل أي طردتها , والكدّاش
بلغتنا العراقية تعني المُكدّي , وكدَش لعياله أي كسب وجمع واحتال وكدح.
وكدَشه أي دفعه دفعا عنيفا وهو السَوق الشديد. ولا توجد كلمة كديش أو تكديش
في معاجم اللغة العربية. ولكن في لغتا العامية العراقية نسمي الحمار (كديشا)
وعندما نغضب من عمل غبي نسمي صاحبه كديشا , ونقول لا تكّدش أي لا تكن غبيا
, أو هذا تكديش بمعنى الإمعان بالغباء والفعل الضار بالفاعل.
أحد
الأخوة قد كتب مقالة بعنوان –التكديش- وربما يقصد الغباء وعدم معرفة
المصلحة والجري الجاد نحو تدمير الذات والموضوع. ويبدو أن في ذلك إقتراب
إنفعالي وإعمال للعقل العاطفي الغاضب الذي أخذ يكتب بمداد المرارة واليأس
وفقدان أي رجاء. فإذا كنا منفعلين ويائسين فتعبير التكديش يكون أقرب من
الصواب , أما إذا خرجنا من شرنقة العواطف والإنفعالات ونظرنا بأسلوب آخر
واقتربنا من صلب الموضوع وجذر الماسأة التي تلقي بضلالها علينا جميعا وبدون
استثناء , نجد أن هناك أسباب وعوامل ذات تأثير مرير في صناعة الوجود المضاد
للوطن والمجتمع , والحارق للمستقبل والمدمر للحاضر والغارق في ظلمات الماضي
وأعماق القبور. ويبدو أن سياسة التجهيل الذاتي والوطني والتصحير الثقافي
والروحي والتدمير المبرمج للعقل والفهم والوعي والاقتراب الموضوعي والمنطقي
قد فعلت فعلها عبر الأجيال. فلا يمكن تفسير التفاعلات السلبية المتنوعة
بأضرارها وسيئاتها إلا بمثل هذه الآليات التي حققت استعباد الآخرين
وامتلاكهم ومصادرة إرادتهم وحريتهم , وأسرهم بالتبعية والخضوع المطلق
لإرادة التضليل أيا كان لونها ومدرستها ومذهبها , والابتعاد عن إرادة الوعي
وسلطته وقوته وقدرته الإيجابية. كما أن الصياغة العاطفية الإنفعالية لحالة
التلقي والإدراك قد جعلت الكثير يستلطف حياة القطيع ويخضع لقوانينها
وتقاليدها , ولا يجوز لواحدٍ أن يخرج عنها , لأن الذئاب ستفترسه وتقضي
عليه فورا , ولا يمكن لآخر في القطيع أن يرفع رأسه ويثاغي احتجاجا على
افتراس غيره لأنه أدلى برأيه وأراد أن يأكل حول عرش الذئاب.
إن الواقع
الإجتماعي والنفسي يشير إلى معضلة الوعي والإدراك والتعبير عن المفاهيم
والتواصل مع الحياة وتأكيد دور الإنسان فيها , ونحن في صميم ثقافاتنا
وموروثنا ندفع إلى ثقافة الحزن والموت وتأنيب الضمير واليأس والقنوط
والإستسلام للحرمان والعوز والحاجة وإلقائها على أكتاف ربنا , الذي نفسر
بواسطته عجزنا ونبرر سكوننا وعدم إعمالنا لعقولنا وإنضاجنا لأفكارنا, وإنما
نحن نجد مشجبا أو قميصا لكي نعلق عليه كل عوامل وأسباب تداعياتنا ومآسينا
فأصبح الدين قميصا والرب مشجبا , وتلك محنة حضارية ومأساة وطنية نعيشها
ونئن من ظلمها وجورها الشديد.
والأخ
الكريم في طرحه لمصطلح التكديش الذي يريد أن يعممه قد أخفق بالتعبير عن
مقاصده بوضوح وعقلانية , وأمعن في استخدام هذا المصطلح لكي يحدث هزة أو
يقظة ذات قيمة وفعل يساهم في الخروج من المأزق الذي يرزخ تحت وطأته مجتمع
مذبوح ومدثر بالخطايا والآثام. وقد تكون محاولة نحو ذلك الهدف , لكن سبب
المأساة الخفي أننا لا نقرأ ولا نعرف دلالات الكلمات ونحسب القول قولا وكفى
والكلمات مجردة من الفعل , وإلا فعندنا كل شيء مكتوب وكل مشكلة لها حل مقيم
في أكداس الكتب وعبر مسيرات القرون , لكننا لا نقرأ ولا نتعظ أبدا ,
ونتفاعل مع الأيام وكأننا ولدنا البارحة ولسنا أصحاب تراث وثقافات غنية
ومؤثرة في حياة الآخرين وبنائهم الحضاري.
وهكذا فأن
التكديش كرؤية ومصطلح أسلوب انفعالي يميل إلى التسطح ويهدف إلى استنهاض
الوعي بطريقة بدائية أولية , لكنه لن يحقق هذا الهدف , لأننا لا نهتم
بالكلمات ونتبع إرادة الكراسي ونتمرغ بوحل التضليل وتراب الأسياد.
وفي الختام
لا بد من القول بأن المجتمعات المضرجة بالشدائد لا يمكنها أن تبني نظاما
ديمقراطيا نافعا لأنها لا تستطيع أن ترى بوضوح , وهذا يدفعها إلى أن تناهض
مصالحها وقيمها وأعرافها وتنكر وجودها . فما بالك إذا استيقظت ذات صباح
ورأيت مواضع الأنهار قد تغيرت واتجاهات جريانها تبدلت. ألا ستقف أمام ذاتك
وتكرر وتنكر ما كان فيك من منظومات رؤى وتصورات , وهذا ما تحقق في مجتمعنا
المصاب بالشدائد المقيمة المتواصلة والمتعاظمة التي تستنهض الذكريات
المريرة في الأعماق البشرية , وتدفع بالبشر إلى السلوك المشوش والمضطرب
والممعن في الضياع والخسران , وذلك هو حالنا ومصيبتنا التي بسببها لا
يمكننا رؤية مصالحنا إن لم نخرج من دائرة الشدائد المريرة المغلقة التي
ندور فيها.
|