الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

صفحات خاصة

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

19  آذار 2010

ابحث في كتابات

 

فن النحت الاشوري

 

كتابات - د. زهير صاحب

 

اشتهر الاشوريون بين الامم القديمة بكثرة ما تركوه للبشرية من منحوتات ، توزع معظمها بين قاعات ومخازن المتحف العراقي والمتحف البريطاني ومتاحف العالم الاخرى . ولعل غنى العصر الاشوري بنتاج النحت مرجعه  الى توفر المواد الخام اللازمة للعمل الفني . فقد كانت منطقة اعالي دجلة ، وهي تختلف عن سهول اواسط العراق وجنوبه الخالية من الحجر. إذ كانت ومازالت غنية بالمرمر والجبس واحجار الحلان والكلس التي يسهل استخراجها من المقالع المحلية ، كما ويسهل نحتها  بوصفها من الاحجار الهشة نسبياً . فضلا عن ذلك هناك سبب اخر من اسباب هذا النتاج الهائل للمنجزات الفنية، وهو رغبة الملوك الاشوريين في ان يظهروا بصفة تصويرية تفوقهم في جميع ميادين الحياة ، لاسيما في ميادين الحرب . فكانت الوقائع المصورة تكمل السجلات المدونة . لقد كان الملك يرغب وربما يلح في ان يرى اعماله مصورة حتى بالتفصيل الدقيق . ففن النحت  الاشوري خلق لخدمة الملك والدعاية لملوكيته وعظمته وفتوحاته ، أي انه كان فناً رسمياً إمبراطورياً موضوعه الاساس التعبير عن فكرة الملك القوي الفاتح المنتصر . لذلك مال النحاتون الاشوريون الى استخدام النحت البارز اكثر من استخدامهم للنحت المجسم ، لانهم يستطيعون بواسطته وبفضل خواصه الفنية من تصوير اعمال البطولات التي انجزها ملوكهم فالنحاتون الاشوريون كانوا يشعرون بنوع من الكبح في اختيار موضوع عملهم الفني وكانوا من المنفذين الخاضعين تحت سيطرة ملوك اقوياء هدفهم الاول تمجيد مأثرهم الحربية .

 

فن النحت المجسم الاشوري :

حقق فنان النحت المجسم الاشوري تنوعاً كبيراً في مواده ، فقد استعمل الحجر بانواعه المختلفة والبرونز والعاج ، وموضوعه الاساس هو تمثيل ملوك اشور العظام مع قلة نماذج النحت المجسم من هذا العصر، فقد حكم بلاد اشور منذ تأسيسها حتى سقوطها اكثر من مئة وستة عشر ملكاً ولم يتم العثور الا على عشرة تماثيل لهم ، كانت تتماثل في خواصها الفنية والتشريحية ، فهذا الفن كان موجهاً باصرار، ومُقّوْلباً بشكل منقاد ، إذ نحس انه ملتزم بمهمة تعظيم مقام الملك وتمثيله كرجل أسمى . ذلك لان شكل الملك ينتهي الى مجرد طراز لشكل ما ، ويمتزج النموذج الحي في وظيفته وكانه يفقد كل عناصر شخصيته ، فالواقع ان كل الملوك الاشوريين يظهر عليهم وكأنهم متشابهون ، وان من المستحيل التمييز بينهم فيما لو اختفت الكتابات التي تذكر اسماؤهم فهو على الدوام ينحتون في اشكال مهيبة وبجلال وتقوى .

مثل ملوك الاشوريين في اغلب الاحيان باجسام ممتلئة ، وبوقفات جامدة ، خالية من الحركة ، يمسكون بايديهم كقادة عسكريين ادوات الحرب ، ويرتدون لباساً طويلاً يغطي الجسم ويترك اصابع القدمين ظاهرة فقط ، وقد حزم وسط الجسم بحزام عريض فتحول الجسم الى كتلة هامدة لا حركة فيها ، ترى هل ان فنان النحت المجسم الاشوري قد عجز لاسباب تتعلق بمهارة تقنية النحت من اظهار حركة وتفاصيل اجزاء الجسم تحت الملابس فيكسب تماثيله - لو فعل ذلك - مرونة عالية وجمالاً بديعاً ، ام انه كان قاصداً بذلك التركيز على الوضعية الجامدة اشبه بالكتلة الحجرية الضخمة من اجل اكساب الملك شكله الامبراطوري الرصين. ومع ذلك فقد حقق فنان النحت المجسم الاشوري نجاحاً كبيراً في ابراز التفاصيل الدقيقة لتماثيله فقد ابدى براعة في صياغة ملامح الوجه بشكل يليق بمقام الملك من معالم القوة والصرامة والكبرياء والشجاعة .

كما تمكن من صياغة شعر الرأس والذقن الطويل بشكل مهندم ومنتظم وواضح ، وعالج عضلات الجسم واظهرها بوضوح ليعبر تعبيراً حيوياً عن مدى قوة الملك وعظمته، واعطى اهتماماً كبيراً في توضيح تفاصيل الملابس وزركشتها واهدابها التزينية .

احسن مثال لفن النحت المجسم الاشوري هو تمثال الملك شلمنصر الثالث ، الذي عثر عليه في مدينة النمرود ، والمحفوظ حالياً في متحف اسطنبول ، يظهر الملك بوضعية الوقوف وقدماه مستقرتان احداهما جوار الاخرى ، اما اليدان فاحدهما منسابة باستقامة تامة بموازنة الجسم وتمسك بسيق قصير والاخرى منحنية انحنائة شكلية حادة امام الصدر لتمسك بصولجان المعركة ، ويرتدي الملك رداء طويلاً يصل حتى مستوى القدمين ، ويتمنطق بحزام عريض غرس فيه عــــــدداً من الخناجر القصيرة ، فالملك بوقفته الهادئة الجبارة كانه ينتظر بثقة رأي الاجيال فيه ، ولعل افضل ما فعله النحات الاشوري هي تلك اللمسات الفنية الماهرة التي شكل بها شعر الرأس والذقن بكل دقة وانتظام . فشعر الذقن هنا مثل بثلاث صيغ ، اذ مثل شعر الشاربين بخطوط قصيرة في حين مثل شعر الرأس والذقـن الملامـس للوجه بصفوف عمودية بأشكال دوائر حلزونية ، بينما مثل الجزء الحر المنساب منه بشكل صفوف من حبال عمودية طويلة نوعاً ما ، ومع ان الفنان قد اظهر شرائط الاهداب التي تزين الملابس الا انه عجز عن اضفاء تصور عن حياة نابضة تحتها، والانطباع العام عن هذا العمل هو تجسيد شخصية الملك العظيم ، ملك كل الملوك ، ملك العالم.

الشيء الذي يلفت النظر في تماثيل النحت المجسم الاشورية هو انها عملت بالحجم الطبيعي للانسان ، وإن نسب اعضاء الجسم تقترب لتكون صحيحة مما يرجح ان النحات كان يرسم الخطوط العامة للتمثال وخطوط نسب اعضاء الجسم على الحجر قبل البدء بنحته، وفضلا عن تماثيل الملوك هناك عدد قليل جداً من تماثيل الالهة الاشورية لها بعض الصفات التقليدية لفن النحت المجسم السومري القديم في وقفات ووضعية الايدي التي تعبر عن الوقار والسكون والتقوى .

 

أستاذ مادة تاريخ الفن القديم

كلية الفنون الجميلة – جامعة بغداد

 

تنويه / كتابات لا تتحمل أيّة مسؤوليّة عن المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر .