الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

صفحات خاصة

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

16  آذار 2010

ابحث في كتابات

 

التنجيم يا عرب أوهام

 

كتابات - تحقيق / احمد الحاج

 

في خبر مثير للجدل نشرته صحيفة الأخبار العراقية بعددها 46 في 6 ربيع الأول 1431هـ أفاد ان عددا من مرشحي انتخابات مجلس النواب الأخيرة قاموا بإرسال  من ينوب عنهم الى بعض العرّافين والمنجمين لشراء الأحجار الكريمة والتعاويذ السحرية والتمائم التي تجلب الحظ وتطرد العين (بزعمهم) ووصل الأمر(بحسب الصحيفة) الى حد الاستعانة بالمنجمين المعروفين في جنوب شرق آسيا والهند لغرض التعرف على حظوظهم بالفوز في الانتخابات الأبرز في تاريخ العراق!!.

المفارقة التي حملها الخبر الذي وقع على القرّاء وقع الصاعقة انه جاء بعد 60 يوما فقط من الضجّة الإعلامية التي إثارتها بعض القنوات الفضائية المحلية حين تداولت وبكثرة تنبؤات المنجمين بالأحداث المستقبلية التي ستحدث في العراق خلال عام 2010، وكانت قناة الديار ببرنامجها (أبواب الرجاء) الذي يقدمه الدجال ابو علي في مقدمة القائمة، تليها قناة الشرقية ببرنامجها (البرج العالي) الذي يقدمه المنجم خلاّت خليل ابراهيم، وقناة السومرية ببرنامجها (أسرار الفلك) الذي تقدمه المنجمة اللبنانية جاكلين عقيقي، وبرنامج (أنت والحظ) الذي يقدمه المنجم البكري.

تخرصات هؤلاء وأكاذيبهم أحدثت إرباكا حقيقيا في الساحة العراقية وعلى مختلف الصعد، الأمر الذي أعاد الى أذهاننا تنبؤات المنجميّن حميد الازري، والآلوسي التي ملأت تنبؤاتهم الصحف والمجلات اللبنانية أبان الحرب الأهلية 1974/1990 دون ان يتحقق منها شيء على ارض الواقع إطلاقا، وبصفتي ابن بار للسلطة الرابعة، وجنديّ من جنود صاحبة الجلالة ومهنة المتاعب(الصحافة) لم اكن لأفوت مثل هكذا فرصة وادعها تمر مر ّ السحاب دون ان أتقصى عن حقيقة الأمر، فتأبطت أوراقي وهرولت الى عدد من الباحثين في علوم الشريعة، والتربية، والاجتماع، والنفس، والفلكلور، لاستجلاء الحقيقة وكان حوارنا الأول مع الباحث الاجتماعي سعيد محمد فدار بيننا الحوار الأتي:

*لقد أصبح التنجيم لبعض الناس ومع شديد الأسف قدرا لا يتحركون الاّ بمقتضاه فما هي حقيقة التنجيم وما مدى مصداقيته؟.

- لندع العلماء يجيبون على سؤالك فقبل سنين خلت قامت الجمعية البريطانية للبحوث الروحانية Society for psychical research بأجراء اختبار علمي للتأكد من حقيقة التنبؤات المستقبلية وبأشراف العالم البريطاني ويست فانتهت الى نتيجة مفادها ان ادعياء التنبؤ لم يتمكنوا من معرفة المستقبل ولم يوفقوا في معرفة الحظ والطالع ولو على سبيل التخمين.

وفي عام 1985 قام العالم شون كارلسون من جامعة باركلي الأمريكية وبالتنسيق مع الجمعية الرئيسية للمنجمين في امريكا national council for acosmic research باختبار التنجيم علميا فخلص الى ان المنجم انما يتوصل الى ما يتوصل اليه بالحظ المجرد ليس الاّ، ولا يوجد فن تنجيمي على الإطلاق، ولم يتمكن المنجمون من الاعتراض على نتائج البحث على الرغم من نشر نتائجه في المجلة العلمية الشهيرة (نايتشر).

بعدها قامت مجلة (ناشيونال انكوايرر) الأمريكية برصد مجموعة كبيرة من التنبؤات لدراستها واختبار مصداقيتها فخرجت بنتيجة قاطعة مفادها ان التنجيم محض افتراء لا يصمد أمام الحقائق العلمية حيث لم تنجح سوى اربع توقعات فقط من اصل مئات منها وهذا احتمال ضئيل جدا لا يمكننا ان نثبته كمنهج علمي وهذه الاختبارات العلمية الثلاثة وضّحت لنا وبما لا يدع مجالا للشك ان التنجيم مجرد أكاذيب ليس الاّ.

*يتساءل الكثير من القراء عن الكيفية التي تمكنهم من التفريق بين علم التنجيم وعلم الفلك الذي يعنى بدراسة الكواكب والنجوم وطبيعة المذنبات والمجرات والثقوب السوداء والأنواء الجوية وما الى ذلك؟

_بداية يجب ان نفرق بين علم الفلك Astronomy وبين علم التنجيم Astrology صحيح ان العلمين كانا مرتبطين بعضهما ببعض في الأمم الفرعونية والبابلية والهندية والصينية لتحديد مواعيد الزراعة والفيضان والاستدلال بالنجوم في حركة القوافل البرية والبحرية بالإضافة الى أعمال السحر والشعوذة التي مارسها كهّان المعابد في ذلك الوقت، الا ان العلمين ما لبثا ان افترقا كليا بعد ان تخصص علم الفلك بدراسة الكون دراسة علمية جادة وأصبحت له فروع تدرّس في أرقى الجامعات العالمية، ظل التنجيم قاصرا على قراءة الحظ والطالع انطلاقا من فكرة (مظللة) مفادها ان النجوم ذات تأثير في الناس وفي شؤونهم الحياتية اليومية.

*الا يعرف المنجمون هذه الحقائق العلمية ام انهم يغضون عنها الطرف؟

_قطعا انهم يغضون عنها الطرف لان قراءة حظوظ الناس باتت تجارة رائجة تجلب كل يوم زبائن جدد من المغرر بهم هم على اتم الاستعداد لبذل الغالي والنفيس في سبيل معرفة حظوظهم في التجارة والسفر والزواج ... الخ لا فرق بين متعلم وجاهل، ولكن هذا الأمر لم يمنع بعضا من المنجمين ممن سئموا خداع الناس الى الاعتراف بالحقيقة فهذه المنجمة البريطانية بيتابيشوب تقول وبالحرف (أنني اعلم ان الكثير من الناس يتمتعون بقراءة الطالع وزاوية الأبراج كل صباح ولكن هذا لا يعدو ان يكون مجرد نوع من الهذيان والهراء، لأننا لا نستطيع ان نقول لأحد ما ان شيئا سيحدث في المستقبل اعتمادا على تأثير كوكب معين في حياته وتصرفاته).

ويقول موسى ديب الخوري نائب رئيس الجمعية الكونية السورية (لا تزال النجامة ترتكز على المبدأ البطليموسي القديم الذي يجعل من الأرض مركزا للكون وهذا واحد من أفدح مشاكلها، ولا يزال المنجمون يعتمدون على هذه الاسس الخاطئة علميا في فهم العالم وقراءة الطالع).

*وحاورنا الباحث التربوي سلمان عبد الله بشأن خطر التنجيم وتهديده للمنظومة الاجتماعية والأخلاقية، فأجابنا قائلا:

دأب التربويون على التحذير من مغبة الاعتقاد بالعرّافين والمنجمين وتصديقهم لأسباب عدة منها:

ان مواقع الأبراج تتغير باستمرار بسبب ترنح الاعتدالين ولذا فإن المنجمين يعتمدون على جداول لا تتوافق مع إن تاريخ ميلاد الأشخاص لأنهم ابقوا الزودياك (مواقع الأبراج) كما هي منذ 19 قرنا من دون تغيير مع الأبراج تتغير مواقعها باستمرار كل 2148 سنة وتعود الى مواقعها كل 25778 لذا فإن الابراج التي يعتمدها المنجمون خاطئة.

وبناء على ذلك فإن فريقا من علماء جامعة ستانفورد الأمريكية اقترحوا نشر تحذير في زاوية الأبراج اشبه ما يكون بالتحذير الذي أصدرته منظمة الصحة العالمية على علب السجائر، ارتأت ان يكون نَصّه (ان الأبراج هي للتسلية فقط وللمتعة وأنها محض كلام لا يستند الى اية حقائق علمية).

ناهيك عن ان الحركات الهدامة كلها تتخذ من التنجيم وقراءة الطالع منطلقا لها لتضليل الشباب وخداعهم بدأ بالويكا، والرائيلية، وطائفة اوم، وما يسمى بعبدة الشيطان، وبوابة السماء، وهاركريشنا، والبابية والبهائية والقاديانية وغيرهم.

الأمر الذي يفتح الأبواب على مصاريعها لاشتغال الناس بالسحر والنجوم وظهور الأدعياء ومن لف لفهم ما لم يتنبه التربويون لهذا الخطر ويحذرون منه.

ولهذا قام العالم الانتروبولوجي فرانسس هكسلي بدراسة بشأن التنجيم وقراءة الطالع في عدد من المدارس الاوربية الثانوية خلصت الى ان التنجيم مجرد هراء ولا بد من تحذير الطلبة من خطر الوقوع في شراك المنجمين وحبائلهم.

*ألهذا الحد يمكن ان يشكل التنجيم خطرا على ابناءنا وبناتنا؟

-بكل تأكيد فهذه مجلة نيوز ويك الامريكية بعددها21 آب/1989 تؤكد على ان الشباب في ألمانيا باتوا يلجأون الى العرّافين لفحص الأراضي التي ينوون بناء مساكنهم عليها، وان 70% من الطلبة في غانا يعتقدون ان المستقبل يتكشف أمام العرافين وأنهم قادرون على قتل البشر بما يعرف بالسحر الودوني، وفي استفتاء اجري في الولايات المتحدة اظهر ان 55% من الشباب والمراهقين يؤمنون بالتنجيم الى حد يصل ببعضهم الى اختيار الزوجة والوظيفة بناء على ما يقوله العرافون!!.

وفي ايطاليا أعلنت لجنة برلمانية عن وجود اكثر من 100 محفل لعبدة الشيطان في البلاد يمارس اعضاؤها التنجيم والعرافة، الأمر الذي دفع جامعة الفاتيكان الى تنظيم دورات منذ عام 2005 لتأهيل طلبة اللاهوت نفسيا وعلميا للحد من الظاهرة.

وحاورنا الباحث الفلكلوري كاميل صبري بشأن الموضوع مناط البحث وسألناه عن رأيه في ما نشرته الصحيفة آنفة الذكر (الأخبار العراقية) فأجابنا قائلا:

-ليس بإمكاني تأكيد الخبر او نفيه ولكنني اقطع جازما وفي حال صحته ان بعضهم قد مارس هذه الأباطيل استنادا الى بعض الممارسات المعروفة فلكلورياً أبرزها ما يسمى بالاستخارة بالقران وهي بدعة لا أصل لها شرعا خلاصتها ان يفتح احدهم المصحف لا على التعيين ثم يترك سبعة اسطر من الصفحة اليمنى ويتلو الآية التي تليها ثم يفسرها ثم يقدم على العمل الذي نوى الاستخارة من اجله، والاستخارة بالمسبحة وهذه بدعة أخرى حيث يأخذ عدة حبات لا على التعيين ثم يقرأ عليها (الله محمد علي.. ابو جهل) فإذا انتهت الحبة الأخيرة بابي جهل كانت دليلا على فساد خيرة المستخير، وهناك ما يعرف بطشت الغجرية للكشف عن المستقبل، والاستخارة بفنجان القهوة وقراءة الكف والضرب بالرمل وما شاكل من الأمور المستهجنة شرعا وعرفا وقانوناً.

ولمعرفة رأي الشريعة بالموضوع سألنا الشيخ علي الحنفي عن حكم التنجيم والعرافة شرعاً، فأجابنا قائلا: هناك عدد كبير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تحذر من التنجيم  والاعتقاد به، حسبنا ان نذكر بما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من تطير او تطير له، أو تَكهَنّ أو تُكهِن له، أو سَحر أو سُحر له، ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما انزل على محمد)، رواه البزار باسناد جيد وقوله صلى الله عليه وسلم (من أتى عرّافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة اربعين يوما) رواه مسلم، وهناك أثر يظن الناس خطأ انه حديث نبوي ويلفظونه لفظا غير صحيح، حيث يقولون (كذب المنجمون ولو صدقوا - بالقاف) والصحيح (كذب المنجمون ولو صدفوا – بالفاء)، بمعنى انه جاءت توقعاتهم موافقة بالمصادفة، وحسبنا ان نذكر بواقعة عامورية حين قرر الخليفة المعتصم ان يفتحها عنوة ليطلق سراح الاسيرة المسلمة التي صاحت (وامعتصماه) فنصحه بعض المنجمين بعدم الخروج الا بعد نضج التين والعنب لعدم موافقة الطالع، فضرب كلامهم عرض الحائط وخرج فقتل وأسر 90 الفا من الروم وحرر المرأة وعاد ظافرا فأنشد ابو تمام رائعته البائية:

السيف اصدق إنباء من الكتب

في حده الحد بين الجد واللعب

ونختم بقول المنجمة التائبة (جوليا باركر) التي قالت: (ليس بامكان المنجم التنبؤ بالمستقبل لانه لا يستطيع ذلك، ولكننا نخبر الزبون بما يريده هو ان نخبره به، نعرف ذلك من وجهه او صوته او كلامه، فليس بوسع احد ان يخبر عن شيء سيقع مستقبلا لانه في ضمير الغيب).

فعلى المسلمين ان يحذروا من هذه الاباطيل فضلا عن تصديقها.

 

تنويه / كتابات لا تتحمل أيّة مسؤوليّة عن المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر .