الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

صفحات خاصة

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

14  شباط 2010

ابحث في كتابات

 

تأليف الفيلم

 

كتابات - ترجمة / عبد الهادي الراوي

 

من فضائح السينما المصرية السائدة، أن الإذاعة المصرية، كانت "تعرض" الأفلام على المستمعين. ولعل هذا وحده يؤشر نوع الثقافة السينمائية التي رضعتها بعض السينمات العربية التي تأثرت بالسينما المصرية، التي تعلمت-بدورها-المشي تقليدا مشوها لسينما هوليود السائدة. في حين أبدعت السينما الأوربية أنماطا رائعة من الأفلام التي تعتمد لغة السينما المتعددة الوجوه، في إيصال المتعة الجمالية للمتلقي. وأحد هؤلاء المبدعين الذين شاركوا في تطوير لغة السينما ذاتها، هو المخرج والكاتب والمونتير والممثل الجورجي ايوسيلياني،المعروف جيدا لدى عشاق السينما، إذ كان للمثقفين السوفييت في الستينات، رمزا أنيقا لروح القوقاز المتعطشة للحرية. هناك من النقاد من يرى أن أناقة جملته المونتاجية، تصبح –أحيانا- هدفا لذاتها، كما يرى آخرون أن نهايات أفلامه الطويلة تثقل تلك الأفلام. لكن الجميع يجمعون على حرفيته الراقية.

يمكن تقسيم إبداع ايوسيلياني إلى ثلاث مراحل:

1-           المرحلة الشعرية الجورجية، ومن أفلامها  (سأكتب أسماء بالإنجليزية، لتسهيل الحصول على معلومات عنها):

 Falling Leaves)) ،Pastorale)   ، (Lived Once a Song-Thrush).

2-           المرحلة الفرنسية ، ومن أفلامها : ( The Favorites of Moon)  ‘  (And Then There Was Light  )

(The Butterfly Hunt)

3- المرحلة الثالثة التي سماها بعض النقاد "الكوكتيل السريالي"  ومن أفلامها: (Brigand-Chapter 7)  ‘   (Farewell Home  Sweet Home) ‘ (Monday Morning)

وقد حصلت أفلام ايوسيلياني على جوائز مهمة،منها دب برلين الذهبي وأخاه الفضي، وجائزة اندريه تاركوفسكي في مهرجان موسكو وجائزة النقاد الأوربيين (FIPPRISCI) لثلاث مرات  وجائزة    (NIKA) وجائزة (Pix Louis Delluk)

 

 

تاتيانا اينسين: في إحدى مقابلاتك أشرت إلى أنك وأنت تصور الفيلم لا تستهدف أن تحكي قصة ما للمتفرج، بل تريده أن يراها.

أوتار ايوسيلياني: لكن ما معنى "لا تحكي"؟ انه يعني، أن لا يخبر أحد أحدا من على الشاشة شيئا، لا أحد يُعْلِم أحدا شيئا، لا يوصل إلى أسماع أحد شيئا بطريقة الكلام. مثلا، في الكادر نرى ثلاثة أشخاص يتكلمون بهدوء، وينبغي أن يكون هذا مفهوما من قبل المتفرج. أو قد يظهر ميزانتسين للموضوع أكثر تفصيلا، فنفهم أن قد حدث بينهم كذا وكذا. أو يختلف هؤلاء الثلاثة ونفهم أنهم يتشاجرون. في كل هذه الحالات، يتفوهون بكلام، لكن قد تكون اللغة التي يتكلمونها غريبة علينا ولا نفهمها، وحتى إذا استثنينا وجود الترجمة، فنحن لا نفقد شيئا في تلقي ما يحدث على الشاشة. بل ربما بالعكس، لأننا إذ لا نفهم التفاهة المحددة للكلام المنطوق، تبدو لنا تصرفات هؤلاء أكثر امتلاء. لكن ينبغي –بالطبع- أن يكون كل كادر من تلك التي أتكلم عنها، يحمل علامة معينة دقيقة، لما حدث . هنا، تعدد المعاني غير مسموح به. زد على أن الكادر ينبغي أن يكون مبنيا على قاعدة الجملة الموسيقية. ينبغي أن يحتوي في ذاته على مزاج ما، حالة ما. لكن حين لا تكون الكوادر –في داخلها- موسيقية، حتى وان وُلِّفَت على طريقة لغة السينما: تنمية الدرامية بقرن الصور ببعضها، مثل ساعة تتكتك أو نقاط ماء تتساقط، جليد يذوب، وما إلى ذلك، فإنها ستكون  رموزا جافة، كتلا تعبر عن فكرة محتملة للمؤلف، لكنها لا تستوعب في داخلها اللحم والدم للصورة التعبيرية الفنية. أعتقد ، أن مثل هذه الأشياء موجودة حتى في فيلم "المدرعة بوتومكين" مثل :الأسد جالس-إطلاق النار-الأسد ينهض، أو العلم المصبوغ بالأحمر المرفوع على المدرعة، كلها تحتوي معلومات علاماتية جافة فقط. لكن في هذه الحالة كان تقديم المادة بهذه الصورة يخدم أفكارا أيديولوجية معينة، هي التي سوغت هذه الطريقة، وبهذا كانت فاعلة. وفي ظروف طريقة إبداعية أخرى تكون وسائل لغة السينما غير كافية.

اينسين : أي من وسائل لغة السينما –بالنسبة لك- مطلوبة؟ فقد تكلمت عن الكادر الذي ينبغي للكلمة أن تلعب فيه دورا مساعدا، فبم يرتبط هذا؟

ايوسيلياني: نحن –للأسف- نعرف قليلا من الأعمال السينمائية الحقيقية. فالأعمال الشاشوية –في الغالب- مبنية على التوسع في الأحداث، في الزمن والفضاء. السينما منذ نشأتها وقعت تحت تأثير الفنون التقليدية الراسخة: الأدب والمسرح. صحيح أن السينمائيين الأوائل اكتفوا في البداية، بما كان ممكن تصويره، مثل وصول القطار، وكيفية تحطم القدح إلى أجزاء، وكيف تحني الريح الشجرة، أي، أنهم كانوا يمارسون السينما على الحقيقة. وبعد ذلك، ولكي تكون لهذه التجارب الشاشوية قيمة تجارية، بأن يكون لها متفرج، بدأ السينمائيون البحث عن طرق أخرى. وبدل أن تطور السينما لغتها الخاصة، اتجهت إلى سبل المتعة المعروفة، وتمكنت من المسرح والأدب بشكل تام. أنا أتكلم –بالطبع- مبسطا ومعمما، بقصد، ذلك أن ما يهمني الآن، ليس التفاصيل ولا قصة معينة، بل ما حدث من اعتماد السينما على عدد معين من الأساليب السينمائية: حبكات مواضيع معقدة التشعب، وشبكة من الذرى، وحلول مثيرة وما إلى ذلك. لكن الأدب (في كثير من الأحيان مجرد نصوص نثرية) لا يشكل حجر الزاوية للسينما. وعلى الرغم من الكثير الذي قيل منذ زمن بعيد، وما زال يقال، عن إمكانيات لغة السينما، وعن نظام العلامات السينمائي، ما زال حكم المتفرج –في الواقع- يتحدد بالتطور التقليدي للموضوع. ويصبح –في الغالب- هدف الأفلام الأسمى بناء الموضوع، الذي لا يعطي أكثر مما يقدر على سرده بالكلام، لا يهم سواء تكلمت أم عرضت بالصورة، فالتأثير ذاته. والسينما سميت بآلهة الشعر العاشرة، لأنها فن خاص، ولأن لغة أعمال الفن الراقية ، لا يمكن وضعها في لغة الكلام. قد يمكن وضعها، لكن سيكون ذلك أكثر تبسيطا ومباشرة وضعفا. وليس بالقوة ذاتها التي تعبر الشاشة بها. فمثلا، أي معنى لترجمة أفلام رينيه كلير إلى كلمات؟ يغنون في شوارع باريس. مطر. شخصان ينظران إلى امرأة عابرة. سيقان عاشقين يسيران. شخصان كانا يحبان بعضهما البعض، لكنهما توقفا عن ذلك، رقصة تانغو. سكران، جالس في المقهى، يدير الاسطوانة ذاتها، إنها عوالم.. عوالم..عوالم ، أو فيلم فيغو "أتلانتا" مثلا، ولد يتبع عاشقين مع غراموفون . من الناحية الشكلية يبدو ذلك رمزا وحيد المعنى، لكنه رمز ماذا؟ فيه شيء لا يمكن التعبير عنه بالكلمات. أو عند بارنيت في فيلمه " قرب أشد البحار زرقة"، شخصان يمضغان الليمون بمزاج سيئ. كل هذه صور خاصة، من تلك التي تحدثت عنها. لكن هناك لغة سينمائية، من النوع الأكثر ميزانسينية. شابلن في العادة، يستعمل الميزانسين. في أفلامه، لا يعبر عن الأحداث بواسطة الصور الخالصة، أي بواسطة اللغة السينمائية الخالصة، بل عن طريق لغة الميزانسينن، القريب من طريقة المسرح التعبيرية. وهذه الطريقة في السرد، القريبة من لغة الميزانسين، ضرورية في السينما أيضا. ففي مقطع طويل تكون مجبرا على تبيان علاقات الأبطال مع بعضهم البعض: من نظر إلى من وكيف نظر، من سكت وكيف سكت، من التفت وكيف، من أنزل رأسه وكيف. وبعد ذلك ينبغي ترتيب كل هذا في الزمن. لكن أهم ما في مجال التعبيرية السينمائية، أن تكون كل الأجزاء لحنية، وأن تكون لها علاقتها الخاصة مع الموضوع الذي تصوره. وهنا لا يهم على الإطلاق، إن كانت المواضيع بشرا أم أشجارا، أحجارا أم خيولا. مهما كانت المواضيع، فهي تتساوى في التعبير عن اللحنية التي تحتويها.

اينسين: كما في "الأنشودة الرعوية"...

ايوسيلياني: نعم. كما في "الأنشودة الرعوية": صباح هادئ، دجاج، رومي في الفناء، مطر خفيف، لا تدري إن كان ينزل أم لا، توقظ عند الجميع مشاعر الحنين. فعدد من هذه اللقطات: "أيقونات" مجَمَّعة في ميزانسين بسيط، يعطي جملة ما من السرد السينمائي. في كل حنين يعرفه الجميع يولد صوت جديد معقد، لا يمكن التعبير عنه بالكلمات، ولا تستطيع الإمساك بمعناه. فما الذي حدث في الحقيقة؟ لم يحدث أي شيء. الناس استيقظت، فجلسوا للفطور، ذهبوا إلى العمل. الممثلون لم يستطيعوا أن يفهموا، متى ينبغي لهم أن يشرعوا في التمثيل، ذلك أنهم قد طُلب منهم أن ينزلوا من هناك وأن يذهبوا إلى هناك. لكن حين تكلف الممثلين أن تكون لهم علاقات معينة مع بعضهم البعض وأن يمثلون هذه العلاقات، فهذا ما يصبح ميزانسينا آنئذ. وإذا كان على الممثل أن يذهب من هنا إلى هناك، أو أن يقطع الأشجار تحت المطر، أو أن يأخذ الأبقار إلى المرعى، أو القيام ببعض الحركات الرياضية، وبكلمات بسيطة، إذا كان على الممثل أن يقوم بأبسط الأشياء العادية، فانه يعرف جيدا أنه لم يشرع في مرحلة التمثيل، وأنه يعيش على الشاشة شخصيته هو، لا شخصيةً ما، أخرى. حين كنا نعمل في فيلم "الأنشودة الرعوية" فرحنا باكتشافنا أن اللهجة الميغريلية غير مفهومة لأكثر من ثلثي جورجيا، لأننا بهذا قد خلّصنا هذين الثلثين والروس والأرمن وغيرهم من مشكلة إعطاء معنى محايد للحوار المعين. ولهذا فحين كان على الممثلين الحديث عن شيء معين، والتصرف أمام الكاميرا بعفوية، كنا نتدرب معهم بحوار ما، لا علاقة له بما يحدث. مثلا، مشهد الطاحونة. الماء يخر والرحى تدور وموسيقيان شابان يجلسان ويتحدثان مع بنت قروية. كنت أحتاج أن يجعلانها تفكر، أن يحركانها، بحيث تقلق. طلبت من الشابين أن يسألانها عن دروسها المدرسية.

وصورنا مادة طويلة جدا، تقرب من 5 إلى 10 دقائق، من غير أن نسجل صوتا. وبعد مشاهدة المادة اخترنا منها ما يقرب من دقيقة، أكثر الأجزاء تعبيرية، حيث ظهر على وجوه الممثلين ،كل ما هو ضروري لتطور شخصيات الأبطال، وحيث نشأ اتصال بينهم. وقد نشأ هذا الاتصال بفضل حديثهم عن أشياء طبيعية، عن أشياء يعرفونها جيدا. لكن بما أنهم كانوا يتحدثون عن شيء ما، فلا ينبغي أن نضع صوت موسيقى تنبعث من السماء على شفاههم المتحركة. كان ينبغي أن نجعلهم يقولون شيئا ما، لا يخرب الحالة العامة للصورة المعطاة. وقد جربت الكثير من الأشياء، أي وضعت على المشهد المصور نصوصا على أن لا تحرك أو تدفع الموضوع، وعلى أن لا تتعلق –مباشرة- بحياة الأبطال، أو تمس علاقاتهم مع بعضهم البعض. وفي النهاية توقفنا على نص حكاية معروفة، تتوقع من كل سامع استجابة مختلفة. الحكاية تقول: إذا أكل الذئب العنزة فتصرفه غير أخلاقي، لأن الإنسان هو الذي ينبغي أن يأكل العنزة. لقد وضعنا هذا الكلام في أفواه الموسيقيين، فمثلا ، يرى الصياد عنزة في الغابة، يلتفت فيرى ذئبا، يطلق الرصاص على الذئب ، ذلك أن عليه قتل الذئب كي لا يأكل العنزة. ترى هل عليه أن يقتل الذئب أم لا؟ السؤال موجه للفتاة. أما في الحقيقة فكانوا يتحدثون عن الجغرافية والتاريخ، عن الكتب المدرسية، وكيفية وضعها، والأشياء المطلوبة قراءتها في المنهج الدراسي. وهذا الحديث لم يكن-بالطبع- صالحا أن يبقى على الشاشة لأنه مسطح جدا. ولو صوتناه أو سجلناه متزامنا، لأعطى للفيلم وظائفية وإعلامية غير مرغوب بهما، مغزاها أن انظروا إلى أهل المدينة كيف يهتمون بتعليم الأطفال في القرية. والذين على الشاشة عندنا ليسوا شخصيات، بل الممثلون ذاتهم، أناس حقيقيون، لا يمثلون ، يسألون فتاة حقيقية عن مدرسة حقيقية. ويبدو لي أن هذا المشهد، ليتكون في تلك الحدود التي تكلمت عنها، كان قرارنا الذي اتبعناه يناسب –تماما- النتيجة المطلوبة. مع أنه لم يكن سهلا بعد ذلك إيجاد نص محايد ، لتحويل هذه الصورة الصامتة إلى ناطقة، مع حفظ علاقات المشاركين مع بعضهم البعض، من غير أن يصبح حوارهم هذيانا.لكن هذه وظيفتي. أظن أنه بالنسبة لممثلين غبر محترفين، أن يكونوا أنفسهم، أكثر طبيعية من ترديد كلام غريب.

في جورجيا –بصورة عامة-يمكن تصوير الأفلام مع ممثلين غير محترفين، لكن القضية ليست في الطبيعة الفنانية المزعومة للأمة. الناس عندنا يحبون حكاية القصص المختلفة، ويمثلونها. وأفضل القصص -في العادة-هي كيف وجد القاص نفسه في وضع أحمق. ويحكون ذلك بكل جدية، بدون ما وراء السطور الذي يعني: أيّ بطل أنا، وأنتم جميعا حمقى. عندنا لا يخافون أن يعرضوا أنفسهم في موقف في غير صالحهم، لا لغرض الكلام المنمق، بل لغرض الإثارة، الإثارة التمثيلية. ولهذا حين اخترت ممثلين غير محترفين للفيلم، اختبرت في كل منهم خاصية واحدة، تلك التي أسميها الفنانية. أن لا يُسقط في يده أمام الناس، وأن يستطيع أن يستمر في العيش والتفكير والنقاش أمام الكاميرا. لهذا صورت الاختبارات بكاميرا صوت محركها مسموع. كنت أصور الشخص وأراقبه، هل يستطيع أن يتصرف في هذه الظروف بصورة طبيعية، وهل تعيقه الكاميرا، هل تشتت انتباهه أم لا.  فمثلا، أنا الآن أكلمك من غير أن ألاحظ المسجل في الغالب، لكن يحدث فجأة أن أتذكر أن كلامي يُسجل، وهذا –طبعا- لا يساعد على الكلام، بل يقيده. لكن بفضله ألاحظ مثلا أني ابتعدت عن ما كنت أريد قوله.

اينسين: لقد بدأت الكلام كيف أن هذه "الأيقونات" السينمائية الخالصة أو تلك التي يدخل الميزانسين عليها ، ينبغي أن تُنظم في الزمن.

ايوسيلياني: بالنسبة لي شخصيا، المعوق الرئيس على هذا الطريق هو التغلب على الموضوع. لأن الموضوع شيء لا يتطور في الزمن، انه مُعلق في الفضاء، وكأنه ينوجد قائما بذاته، بغض النظر عن سيرورة الواقع الفني. انه ليس أسلوب فنٍ زمانيّ. الموسيقى عارية عن الموضوع، وهي -بالطبع-تنتشر في الزمان.

يبدو الأمر مفارقة. ذلك أن الموضوع هو تطور الحدث، لكن هذا التطور محصور في نعش بروكروست مرة والى الأبد، "من –إلى". وهكذا ينقلب التطور فورا، إلى ضده، إلى السكون، إلى الثبات، إلى عدم التبدل المبدئي. في حين إن امتلاء الكادر بالموسيقى(أنا لا أقصد الخط الصوتي الحرفي) دائما متعدد المعاني وواسع في الحقيقة، أي انه موجود-في حد ذاته- في الزمان، يتطور ويأخذ عددا من الطبقات المختلفة.

بالمناسبة، إذا تحدثنا عن الموسيقى ذاتها، فهي –مبدئيا-لا موضوعية. أنا أستغرب دائما، حين يستعملون مصطلحات مستعارة من الأدب، عند الكلام عن الأعمال الموسيقية. نعم، هناك بدون أدنى شك، أشكال موسيقية درامية ببنائها وخاصة السوناتا. شكل السوناتا مثلا،  يتمثل في اصطدام وتطور  ثيمتين متصارعتين ، دورين، في صراعهما وحلهما بعد ذلك. لكن لو كانت السوناتا لا تملك هذا المعنى الروحي العميق، الذي يتمثل في استحالة تصميم الصوت الذي يتشكل في لاوعي الفنان، هذا الصوت الذي يُعد جميلا في حد ذاته، لما كانت متابعة صراع ثيمتين، مرات متعددة، ممتعة لأحد، مهما كانت هاتين الثيمتين. في حين نحن نسمع طيلة حياتنا، الأعمال الموسيقية نفسها، أكثر من مرة واحدة. بتهوفن، مع كل شهرة دراميته، نسمعه بدون نهاية. لكن يوجد في الموسيقى أشكال أخرى مثل الفوغا، أو مثل أي عمل موسيقي يحتوي على  counterpoint، أو تعارض، هذه الأشكال خالية من التصاعد الصدامي للتوتر الدرامي. فعند باخ مثلا، قلما نجد تناميا متدرجا، يعقبه انفجار وهبوط في الدرامية. في الغالب لديه كل شيء يتنامى باتزان، مثلما ينساب النهر، مثل أية ظاهرة طبيعية، هادئة متناغمة في علاقاتها الداخلية. أي،لسنا مضطرون -في هذه الحالة- على الكلام عن أية بنية لموضوع العمل الفني. هنا، القوانين الموسيقية لتطور الموضوع ، لتطور الحدث الفني، الموجودة في أساس العمل الفني، هي التي تتحكم.

أنا –طبعا- لا أدعو لبناء المادة السينمائية على حسب قوانين الأشكال الموسيقية. فقد تكونت هذه –في الغالب- في القرنين السابع عشر والثامن عشر، منطلقة من ثقافة معينة ومنطق معين، ألماني في الأساس، بل ومنطلقة من سمات قومية معينة. لذا فان هذه القوانين لا يمكن أن تكون شاملة. في ما يخص السينما، أنا أقصد تلك المبادئ الموسيقية التي تميز الموسيقى عن أشكال الفنون الأخرى، وبخاصة الفنون الكلامية. تستطيع الموسيقى أن تكون عصية على التعبير عنها بالكلمات، أما السينما فليست كذلك دائما أبدا. وغير ذلك فان الموسيقى تتسم بلغة الشكل التقليدية المجربة(التي أحبها شخصيا)، بصفتها تنظيم المادة في الزمن. مثلا، الثيمة في الروندو تخترق العمل كله، وتتكرر في الأساس، من غير تبدل، وبين تكرارات الثيمة، هناك أجزاء طويلة من التآليف الحرة، استطرادات. لكن لابد من العودة إلى قطعة محكمة معينة، تبدو بعد كل مرحلة ، بعد كل استطراد جديد، وكأنها تجْمِل الكل، وتصدح من جديد بشكل مختلف، جاعلة من نفسها علامة شاخصة. أي، كانت حالة معينة ومزاج معين، وكان كذا وكذا، مشاعر معينة تجمعت، وانصبت في كذا وكذا، وعلى الرغم من ذلك، تستمر قوانين الحياة ذاتها، وسنعود إلى حيث بدأنا، وهذا يعني أننا نبدأ من حيث انتهينا، وننهي بما بدأنا. مغتنين بما عايشنا، وبما كررنا معايشته.

عدا أن في الموسيقى في شكلها الخاص، هناك شكل التنويع، حين تؤلف على الثيمة ذاتها. وهذا كله محصور في بنية محكمة، يأخذ معنى، بالنسبة للمستمعين، لا تستطيع أن تضعه في كلمات حتى ولو انفجرت.

اينسين: إن خصوصية لغة السينما، في استحالة وضعها في كلمات، صارت –كما يبدو- فكرة لا يشك أحد في صحتها، لكن حين تصر على محاولة تجنب-بصورة عامة- الكلمة التي تعني شيئا على الشاشة، فاني أجد حديتك مُبالغ فيها. قد تكون رد فعل سلبي على الأدبية التي ملأت الشاشة، رد فعل على الحالة التي تكونت-تاريخيا- في السينما، حيث ضيعت شعريتها وتفردها؟ لكن عند الكلام عن الخصوصية الخالصة للصورة التعبيرية السينمائية، ينبغي أن نذكر أنه يجمع في داخله عدة أصناف جمالية متعددة، ومن ضمنها الخط الكلامي ، كخط مستقل، وكخاضع للمركب العام. وببساطة قد يكون بالنسبة لهذا المخرج أكثر أهمية،وبالنسبة لمخرج آخر أقل أهمية.

ايوسيلياني: نعم، أنا أفهم ما تقولين، لكن مع ذلك، إذا أجلسنا شخصين لغرض أن نتابع ما يقول أحدهم للآخر، فلماذا نصورهم إذن؟ الغرض أن نزيد بعض المعلومات للمتفرج، عن ما ظهر على وجه من قال الجملة المعينة؟ ستكون هذه الصورة –حينئذ-  مجرد ترجمة للنص الأدبي، وبذلك يصبح دورها خدميا.

يبدو لي ،أن في كل المادة السينمائية المتراكمة_على الأقل بالنسبة لي-قد تكونت قوانين ما، لاختيار اللقطات المعبرة سينمائيا، وتلك التي لا تعدو أن تكون إعلامية، تؤدي واجبات تابعة، ليس لها علاقة بلغة السينما. إذا تذكرين في فيلم غودار "أن تعيش حياتك" يوجد مشهد حيث تجلس مومس في البار، تتحدث مع قس عجوز. انهما يتحدثان عن الحب، عن الحياة، ويعطي تمازج الثقافة والتجربة، لكلامها وزنا. واضح جدا أن القس ذكي جدا. انه يتكلم من غير أن يكتشف حقائق ما، انه ينقل لها ما يعرفه فقط، وهي كونها جاهلة، لكنها تملك تجربتها الحياتية، تخالفه مرة وتتفق معه أخرى، محاولة فهمه وتطبيق أفكاره على ما سبق أن فكرت به هي نفسها. فهنا لا أهمية لما كانا يتحدثان -مباشرة- حوله، أي موضوع كلامهما. لقد قيل لي أن غودار أجلس بطلته مع رجل عجوز لطيف أعجبه جدا، وطلب منهما الحديث حول الموضوع المعطى. علما بأن غودار أعطى لبطلته سماعة وصار يلقنها الأسئلة التي ينبغي طرحها، ذلك انه لم يكن واثقا من إمكانية الممثلة على إدارة الحديث كما يريد. وهكذا فان الذي تحدث مع القس-عمليا-هو غودار نفسه. لكنه كان مهتما بأن تولد فكرة، يولد رد فعل، بأن يجري حوار، أمام أعيننا. الكلمة في هذه الحالة-طبعا- لها أهمية ما، بسبب ظهور نبض الفكرة والشعور، وهذا كله يظهر على الشاشة، مما كان مستحيلا بتكييف نص مكتوب مسبقا. وبذلك تولد "الأيقونة" بالمعنى الذي تحدثت عنه. "أيقونة" كيف يتحدث شخصان حول شيء ما بجدية. إن حالة الشخصين التي تثَبَّت على الشاشة، أكثر رفعة من مضمون حوارهما.

اينسين: بأي معنى أكثر رفعة ؟

ايسيلياني: إنها تعطي فيلم غودار امتلاء جديد، مما يجعلنا نفهم-أفضل- هذه المرأة، القادرة على هذه الحركات الروحية التي نتابعها. نرى كيف تفكر وتشك وتسال، كيف تستطيع أن تكون مهتمة بالآخر، وما يهمنا فيها هي –بالتحديد- إمكاناتها الروحية هذه.

اينسين: قد أكون مخطئة، لكن يبدو لي أنك ضد للكلام الموجه مباشرة، وتنقل ما يضايقك فيه- لا في الممارسة طبعا، بل هكذا، كما تفعل الآن، بالكلام- إلى كل الطبقات الكلامية في اللغة السينمائية. لكن هناك ما يسمى الحوار الجانبي، الذي لا يرتبط-شكليا- بما يجري من الأحداث وبتطورات الموضوع، والذي لا يعبر مباشرة عن حركات الأبطال الروحية، لكنه يسمح بإيصال اكثر العلاقات الداخلية عمقا لما يجري على الشاشة. طبعا، لا ينبغي للكلمة الشاشوية أن تكون رئيسة، بل عليها أن تحمل ثقلا آخر، غير ما تحمله في التطبيق عادة. عليها أن تكون غير مباشرة.

ايوسيلياني: في الواقع، نعم، في الواقع، نعم. أي، أنا –منذ البداية- كنت احتج على أن يصبح الإعلام الكلامي، لا غنى عنه في حركة الحدث الشاشوي. حين تبتعد الأفلام عن طريقة التعبير السينمائي،وبهذا المعنى،تصبح-وبغض النظر عن النوع الذي تنتمي له- مثل قصص الجرائم، حيث يستحيل-من حيث المبدأ- ارتجال الحوارات، ويقتصر الأمر على نطق الحوار المكتوب سلفا. ومهما كان تمثيل الممثلين من جودة وتنوع، فلن يقربنا ذلك إلا إلى الموضوع، إلى الأدب، إلى الميزانتسين، إلى المسرح. أرجو أن تفهميني جيدا، فأنا –طبعا- لست ضدا للأدب أو للمسرح، لكني أعتقد أن للسينما مهمتها الخاصة. وبالمناسبة ففي فيلم غليب بانفيلوف "أطلب الكلمة" في المشهد الذي يقيس فيه رئيس البلدية الجسر بشريط القياس الذي تستمله الخياطات، قد تمكن المخرج –على ما أرى- من العثور على الخلطة المطلوبة من الميزانسين والتعبيرية السينمائية، أما في مشهد الاجتماع الإنتاجي، فقد فشل في العثور عليها. يبدو لي، كان من الأفضل لو ترك المخرج لممثليه ارتجال الحوارات. إذ ترى حتى العين المجردة، كيف ينطق الممثلون الحوارات المعطاة لهم، وكيف يجيب أحدهم الآخر محافظين على الوقفات "الضرورية". حين يظهر على الشاشة مثل هذه الحوارات المحفوظة عن ظهر قلب، فأنا أدرك-فورا- أننا نتعامل مع قوى ما، خارجية، تدفع الموضوع المعطى، وأفقد الاهتمام بما يجري. وحين أفقد ثقتي بالواقع، لا أعود منغمسا فيه. وهناك-أيضا- أفلام قليلة وقوية جدا من حيث لغتها السينمائية، لكن أبطالها محملون بحوارات محددة ومعقدة، تكاد تكون فلسفية. أظن أن في مثل هذه الأفلام ينبع تناقض وعدم انسجام بين ما يحدث على الشاشة، وما يقوله الممثلون.

عبَّر جان فيغو في فيلمه "أطلانطا" عن أعمق الأفكار عن وجود الإنسان على الأرض، لكن لم ينطق أحد بهذه الأفكار ذاتها أبدا.

اينسين: معلوم أن الفكرة التي لا تُقال، أقصر من تلك التي تُقال ، ذلك أن الإنسان حين يشرع في التعبير عنها، تتفرق مثل الدوائر في الماء، مبتعدة عن مركز سقوط الحجر، وهذه الدوائر تسيطر على مناطق متاخمة جديدة أخرى. وهكذا، يبدأ عمل الفكرة ذاتها، وسيرها وتكرار صنعها ذاتها، ولهذا فإذا كنت لا تشَكِّل ما هو جاهز، على المكشوف، بل تسمح للفكرة أن تتطور بحرية، فان هذا سيولد عند المتفرج، تلقيا حسيا لها، لا تمكن –فعلا- ترجمته في كل الأحيان، إلى لغة الكلمة.

ايوسيلياني: نعم، لكن ما دخل الكلمة هنا؟

اينسين: الكلمة هنا لها دخل، كما ليس لها، فقد يكون لها دخل، إذا كان المخرج يبالي بـ"الحوارات الفلسفية" كما قلت، ويمكن أن لا يكون لها دخل، إذا لم توضع في هذه المكانة العالية.

ايوسيلياني: يمكن أن يكون لها دخل، أو لا يكون..إذن، الأكثر أن لا يكون لها دخل، إذا كنت تعمل في فن السينما.

انه كذلك في حالتي أنا. وباختصار، أنا أعتقد أن تخبر الشاشة لنقل، أن أحدهم شاهد زوجة أحدهم تقبل شخصا آخر، أو حين تدخل هذه الشاشة في تأملات شديدة العمق حول أفكار تجريدية، فان هذا في كلا الحالتين، لا يطور التعبير السينمائي. وعدا ذلك، ما الذي يمنع الكلمة المنطوقة على الشاشة، من أن تكون متناسبة مع ذاتها هي؟ الفكرة في الكلام، يمكن تأملها وتقصيها، يمكن الاتفاق معها وتمكن مخالفتها، يمكن وزنها وتحليلها وخزنها في الذاكرة وما إلى ذلك، أيْ، يمكن أن يعمرها كل بطريقته الخاصة. أما في السينما، فالفكرة تعود –دائما- لشخص محدد، بعيون محددة، بشوارب محددة.. وهي تكون مقنعة، أو غير مقنعة، استنادا إلى إقناع أو عدم إقناع تلك الشخصية التي تنطق بها. أعتقد أن استعمال التناسب بين قوى الشخصيات ذاته، والحالات داخل الكوادر، أكثر ثمرا للتعبير عن الأفكار العامة، من وضع أية فكرة ذكية كانت، في فم أي شخصية كانت. كل فكرة تقال على الشاشةـ تصبح سطحية فجة. لها شكل الحقيقة في أخر درجاتها، ولذا كلما كانت أكثر جدية، بدت أكثر تفاهة. ولا داعي لأن نقول أن على المخرج أن يبدع محيطا مناسبا لولادة طبيعية لمثل هذه الفكرة الفلسفية-التجريدية، وإلا فستكون جسما غريبا. لكن المحيط-بدوره- يكون في العمل السينمائي –دائما-خاصا ومحددا، وبذلك يسلب الفكرة التجريدية شموليتها.

وبمناسبة الحديث عن الشمولية. إنها –كما أعتقد- أصعب ما يكون بلوغها. بواسطة وسائل فنية خاصة، تميزك وحدك، أنت تثبت على الشريط السينمائي حالة معينة، في الحين ذاته، يكون هدفك تصميم شيء ما ، يحمل الشمولية في نفسه. هذا "الشيء ما" لا يعبَّر عنه –بالضرورة- في أشكال كونية، فقد يكون تفصيلا، ينبغي له أن يستدعي عند المتلقي موجة كاملة من التداعيات. ومع أنك لا تستنسخ الواقع بل تعيد تكوينه، ( أي تصور هنا شيئا وشيئا هناك، وتلتقط شيئا ما من مجرى الحياة العام، وتحول كل ذلك إلى جمل مونتاجية، مقارنا مختلف الظواهر الحياتية)، ومع ذلك حين يظهر العام، لا الخاص، فحينئذ يولد -فعلا- الإحساس ، بالحياة في حد ذاتها، الذي لا يقارن مع شيء آخر.

اينسين: هناك في السينما-وكأن هذا  قاعدة- تطرفان، أما حكاية الفيلم-إذا استعملنا مصطلحك- وإما أن يكون الفيلم عقليا. حدثتنا عن التطرف الأول، أرجو أن تحدثنا عن الثاني، حين يكون الفيلم محكوما بالإملاء الإرادي الموَجَّه، لهدف المؤلف الأسمى. فالبناء العقلي يسطح الأصل الفني، ويحصر كل شيء في المستهدَف، ويسوق كل شيء  الى شيء عقلاني، على القياس. ففي فيلمك "الأنشودة الرعوية"، تولد الحياة على الشاشة ، كما لو على حسب قوانين التطور الذاتي.

ايوسيلياني: أتمنى أن يكون الأمر كذلك. ينبغي للمخرج أن يتحرر من البناء العقلي ومن الأفكار المتحيزة.

اينسين: فما معنى المونتاج إذن، في هذه الحالة؟ ذلك أن فيه ، لا في شيء آخر، يظهر الإملاء الإخراجي؟

ايوسيلياني: في العادة، تصور أكثر من ما تمنتج بكثير. حين ولفنا " الأنشودة الرعوية" لأول مرة، صارت حلقتين، ثم أعدت مونتاجها من جديد. في كل مادة مصورة هناك بناء واحد لا غير، ينبغي العثور عليه. ولهذا الغرض ينبغي مشاهدة هذه المادة بتدقيق شديد، لتجد لكل شيء مكانه الصحيح. ينبغي أن ترى إلى أين تجرك هذه المادة، وماذا تتطلب. لهذا تجد أن السينما الموضوعية الخالصة، محرومة –بصورة عامة-من هذه الإمكانية، فكل ما يجري ينبغي أن يسير الواحد بعد الآخر، فخط الأحداث لا يتحمل التبديلات في الترتيب. أما أنا، فأعتقد أن على المخرج ، في المونتاج، أن يمتلك إمكانية تبديل ترتيب المشاهد لتقوية الوقع العام، أي من الأصغر إلى الأكبر، أو بالعكس من الأكبر إلى الصغر، على حسب ما تتطلبه المادة المصورة. ولهذا أعد المونتاج لعبة، أو مسألة ينبغي حلها. في الموزائيك تتشكل الصورة من القطع الصغيرة، كل قطعة صغيرة ينبغي أن تجد مكانها، وحينها-فقط-تكوِِّن الصورة شكلها. ويحدث أحيانا أن المادة التي صورتها تنبني على غير ما تصورت أنت، وهكذا تصبح-تقريبا-  وكأنك لست المؤلف. وتبقى الظروف التي دفعتك للبناء بهذه الصورة، سرية وغير قابلة لفك شفرتها. ونتيجة لهذا يظهر عندك شعور، وكأنك لست حرا في ما جرى، وكأن الفيلم انبنى بنفسه،وأنك –مجرد-لم تعرقله في عمل ذلك، لم تعرقل ظهور ذلك القانون الداخلي ، الذي كان موجودا في المادة المصورة ("لا أدري من أين"، "لا أدري لماذا"). أنا –طبعا-أبالغ هنا، ففي الواقع، كل مراحل صنع الفيلم، من السيناريو التنفيذي، واختيار الممثلين والعمل معهم، واختيار أماكن التصوير، ومرحلة التصوير والمونتاج والتصويت، كلها متباينة السمات، ولها حقوقها، التي تملي شروطها، تُنَسَّق في الأساس  -طبعا- مع المعنى العام، وتتحدد بالرؤية الفنية الكاملة للمؤلف. في كل مرحلة تعصُر بما يناسب، لاستخراج من كل العمل ما يتناسق مع الفكرة الرئيسة، التي عملت الفيلم من أجلها.

وفي النهاية، فان الفيلم الجاهز هو وثيقة تشهد على الوسائل الذاتية والموضوعية التي كانت بحوزتك، لغرض تنظيم فوضى المادة المصورة، في هذا الواقع الفني المتكامل الوحيد الممكن.     

أظنني أجبت على سؤالك، وزيادة. مع العلم أن المونتاج ليس مونتاج لقطات ومشاهد فقط، بل ومونتاج داخل الكادر الواحد ذاته. مثلا، فيلم باسكال أوبيه، الذي طوله عشر دقائق "النائم" ، كله ممنتج على هذا المبدأ. لا شيء في الفيلم، سوى شخص ينام تحت شجرة في مرج في غابة. لكننا نرى هذا المرج من نقطة عين الطائر أولا. الهدوء الموحي بالأمن للطبيعة والإنسان، وبعد ذلك تقترب الكاميرا –شيئا فشيئا- من النائم، لنكتشف في نهاية الفيلم أن الإنسان ميت وليس نائما. هذا مثل على كيفية توتير الأحداث بواسطة المونتاج داخل الكادر. لكن للأسف غالبا ما يكون العكس، فحتى المشاهد المصورة على حسب مبدأ مونتاج اللقطات، مثل المنظر الطبيعي والمطر والفتاة، لا يتوحدون في جملة لغوية، وبذلك يبقون بلا معنى.

اينسين: مشكلة المونتاج تقترن بمشكلة الإيقاع. ما ذا تقول عن الإيقاع؟

ايوسيلياتي: حين نفهم المكان الذي يشغله كل جزء في السياق العام، سنفهم أي طول ينبغي لهذا الجزء أن يكون. إن طول مشاهد الفعل الأساسية، تُحدَّد على مبدأ يختلف عن مبدأ مشاهد اللقطات الساكنة، الممنتجة بالحساب البسيط. فمثلا، صورنا صباح موسكو: بيت، سطح، فناء، شارع...فإذا منتجنا على مبدأ التماس الذهبي، فان الجزء الأول سيكون أطول قليلا، والثاني أقصر قليلا، والثالث سيحدد بالتناسب مع الأول. لكن يمكن المونتاج بطريقة مغايرة، بمخالفة القانون قليلا، أو بمخالفته إلى العكس. استنادا إلى الشعور الداخلي للإيقاع، الذي يكون عند كل إنسان شعورا خاصا به، تتجمع كل هذه الأجزاء في خط إيقاعي واحد.وعدا عن كون كل إنسان يحيا في إيقاعه الخاص، و يتصرف بطريقة خاصة به، وله مزاج يتفرد به، فهو يمر بحالات إيقاعية مختلفة، ارتباطا بظروف حياتية مختلفة. لكن طبع، هناك حدود، لا يمكن لهذا الجزء أن يتعداها أو يقل عنها. هذه كلها معارف أولية، لكني –شخصيا- لا أسلم فيلمي لأفضل مونتيرة في العالم، فبما إن كلا منا له وجهة نظر مختلفة إلى العالم، ونبضا مختلفا، كذلك لكل منا شعوره الإيقاعي المختلف. وضعي الإبداعي يختلف عن وضعها الإبداعي، فتصرف أحد الممثلين في المادة المصورة يبدو لها بطيئا، "فتسرعه" في المونتاج. لكن تصرف هذا الممثل، يبدو لي متسرعا، فأحاول تخفيض سرعته بكل ما أستطيع. وباختصار ينبغي أن تلف الأشرطة كلها بيديك، لتحقق في المونتاج أحاسيسك الإيقاعية. ذلك أن كل إنسان لديه نموذجه الخاص لخطه الإيقاعي. حتى في الأجزاء الساكنة. فمثلا، حين تمنتج مجرد تفاحة مع حبة طماطم، فسينتج عن ذلك هذا الخط الإيقاعي، ولكن حين يفعل ذلك غيرك فسينتج عنه خط آخر. بتقسيم الطول الذي نختاره لكل خط من الخطوط، إلى تلك الأجزاء من الزمن، المُعطاة لنا للعرض على الشاشة بسرعة 24/ثانية، نحصل على الإيقاع المعين لحركة الشريط السينمائي. القوانين المحددة، المقررة في الحدود العامة لهذا الإيقاع، تخص –في الأساس- الأجزاء الساكنة. أما إذا كان الشريط يحتوي على حركة، فان إيقاع هذه الحركة يوَصَّف بوحداته وخط بنائه. وبالمناسبة، فان اقتران اللقطات الساكنة مع الديناميكية يولد تأثيرات هائلة، تشبه تلك التي تحدث حين نتفحص عملا معماريا في الزمن. فحين ندور حول بناية ما، فان الزاوية التي ننظر منها إلى هذه البناية في وسط التفحص، وفي نهايته، تكوِّن خطا من إعادة تغطية السطوح. وهي بدورها ،إذ سطحناها في الزمن، مع إيقاع الحركة المختار، وبقدر مرورها، أي بقدر تغطية أحد السطوح (أحد الأشكال) للآخر، تولد ما يشبه تنويعات موسيقية على موضوع واحد. وبالنتيجة، فنقطة تقاطع السطوح هذه، تكون الامتداد في المنظور العميق. وإذا أردنا الاستمرار في المقارنة مع الموسيقى، فإننا نستطيع أن نعدُّ الامتداد في المنظور مشابها للبناء الصوتي، ولون البناية مشابها لجرس الصوت، وما إلى ذلك.

إن هذا الترتيب للمبنى المعماري في الزمن، وتقليبه من زاوية توزيعه الزماني الموسيقي، ينتج خطا إيقاعيا مشابها للنوتة المكتوبة للعمل القادم. صحيحٌ أن في اتجاهات الفن في عصور الانحطاط، يظهر تبسيط لكل القواعد، ويُكَفُّ عن اتباع القوانين الأساسية في النظر إلى الأعمال المعمارية. لكن حين نأخذ معبدا من العمارة الكلاسيكية، فان السير تحت أقواسه، والتصالب المتبادل لمختلف سطوحه، واستطالاتها بملحقات ما، واختلاف الواجهات عند كل زاوية جديدة في نظرنا، كل هذه تولد نوعية جديدة لاستقبالنا هذا المعبد. إذ تنظر إلى  البناية من نقطة ثابتة أو تتحول من زاوية إلى أخرى، فأنت تختار المفتاح لقراءة العمل المعماري المعين، وهذا المفتاح سيعطيك إمكانية الإحساس بهذه الخواص أو تلك لبنيته الإيقاعية. وحين تدخل الباب الرئيس، ستجد نفسك في أكثر أجزاء البناية تمثيلا لها. لكن في الغالب، يُجعل باب المعبد جانبيا، لترى حين تدخله الجزء الجانبي والجزء الأمامي في الوقت ذاته، لتحصل على انطباع عن الكل. وبعد ذلك حين تدور حول البناية، ستلاحظ كل التفاصيل، وستشرع في قراءة كل هذا "النص". في متسختا، فوق الرواق قوصرة ثانية، لكن زاويتها –مقارنة مع الرواق- تكاد تكون منفرجة، وفوقها زاوية أكثر حدة، وبعد ذلك القبة، التي تساوي –بزاويتها- الرواق. إن هذا التخطيط المغلق للزوايا، لا يشترك في أي شيء مع التخطيط الإيقاعي الغوطي مثلا، الذي يعبر عن التوجه العام نحو الأعالي، نحو السماء. ومن الناحية العاطفية، لا يصبح هذا المعبد – بالنسبة لنا- بيتا لله فقط، وإنما بيتا أرضيا مسكونا وقريبا. إذ النموذج المختار فيه، هو زاوية الرواق، التي تتكرر خلال إيقاع محدد، محدثة شعورا إيقاعيا قويا.

علينا أن نلاحظ، أننا قد قلبنا النظر في منشأة معمارية مع الحذوفات. فليس لنا خط متصل للنظر، ذلك أن علينا أولا النظر إلى ما تحت أقدامنا، وأن نتلفت ونتوقف ونتحادث، وحين ندور حول المبنى،لا ننظر إليه إلا في بعض النقاط. ويمكن الكلام عن النظر المتقطع للعمل المعماري، أي عن وجود صور معينة، مطبوعة في ذاكرتنا، كسلسلة من الصور الفوتوغرافية الملتقطة. إن النظر المتصل، حتى وان كان موضوعه طيرا محلقا، غير طبيعي بالنسبة للإنسان. نحن نلتقط الشيء من استمرارية الزمن. مثل السينما –تماما- حين يتحرك الشريط، فلدينا فضاء اسود بين الكادرات، يؤشر الفترات بينها. الانقطاع الموجود بين مكوناتٍ مأخوذةٍ على حدة، لعلامةٍ معينة، تحتوي على إمكانية النمو إلى وصلة مونتاجية ، يمكن أن تضمر أي انقطاع زماني كان، مهما كبر، بين قطعتي الشريط. يمكن تصوير إحدى القطعتين اليوم، الثانية غدا، لكنهما إن صوِّرتا كما ينبغي، فلن تلاحظ ذلك. لكن الذي يهمني الآن، هو تصوير هاتين القطعتين، بانقطاع مُتعَمد، حين يوجد بين الحدث في الكادر الأول أولا، وفي الثاني بعد ذلك، اختلاف، يعطينا إمكانية قراءة القطعتين بالاقتران، كعلامات في السياق. أي أن الانقطاع الزماني فيهما متعَمَّد، بحيث نكون إذ نُجمل هاتين القطعتين، نسترجع الرابط بينهما ونعيد إنشاؤه. ونعد الوقت الفاصل كله، كوقت محذوف عمدا. وبذلك نقرأ "النص" المُقترح علينا. إن مثل هذه الإمكانية-بالتحديد- في قطع سيرورة الحياة الإنسانية الطبيعية، وقرن-في العلاقات الداخلية- أجزاء مختلفة في الزمان والحدث، حولت السينما إلى شكل لغوي خاص.

وهكذا إذا عدنا إلى سؤالك عن معنى المونتاج، فهو –ربما- يكون أولا، في أن يخضع المصوَّر والمختار لقاعدة داخلية عامة ( وهو ما تحدثت عنه بإسهاب آنفا)، وثانيا في الاختيار الصارم، والتخلص من كل القشور والزوائد من اللحمة اللاصقة، وتنقية المادة من خبَث العمل، وثالثا، في أن تكون الجملة المونتاجية التي تكونها، مقروءة جيدا. لكن هذه الأفكار الثلاثة لا تستنفذ مشاكل المونتاج، لكن إذا أردت الحديث في كلمتين،أو ثلاث كلمات –بالأصح- عن عملي شخصيا، فالأمر هو كذلك.

اينسين: قلتَ أن الجملة المونتاجية ينبغي أن تكون مقروءة بسهولة، وقبل ذلك، أن كل صورة ينبغي "أن تحمل في ذاتها علامة محددة وواضحة". كيف ينعكس هذا على الصورة التعبيرية السينمائية؟

ايوسيلياني: تلك مشكلة منفصلة هائلة، مرتبطة مباشرة بالصورة التعبيرية السينمائية. لا يمكن الكلام عنها باختصار. سأتكلم عنها قليلا.

فها أنت تنطق جملة، وقد تكونت بينها وبين ما عنيته فاصلة، مسافة. وهذا يعطي السامع أو المشاهد (إذا كانت هذه الجملة مقولة بلغة السينما) فضاءا للنقاش مع نفسه، وهذا ليس إبداعا بل إكمالا للمعنى. لكنه يمكن يخطئ فهمك، وحين يخطئ فهمك، يمكن أن يطرح على نفسه سؤالا خاطئا، أو يستنتج استنتاجا خاطئا. الجملة غير الدقيقة تستدعي الأخطاء. الجملة الرخوة المقطعة تعطي –دائما- لمستمعك إمكانية أن يفهمها كما يشاء، لا كما تشاء أنت. اسمح لنفسي مع أني لم أقل شيئا مهما، أن أخرج بالتعميم التالي : فن المخرج يكمن في أن يبني كل صورة وكل "جملة" مونتاجية على حسب قواعد اللغة السينمائية، بحيث لا تسمح بتفسيرات متناقضة.  

لكن ما يحدث في الغالب، أننا نريد شيئا في حين يفهم المتفرج آخرا. وفي الوقت ذاته ، هناك نظم علاماتية معينة، بدائية جدا-طبعا- مثل علامات الطرق، يفهمها الناس بالدقة المطلوبة، على الرغم من اختلاف أقطارهم وشعوبهم. لن نستطيع-طبعا- بواسطة هذه اللغة، الوصول إلى التأملات العميقة، لكن فهم هذا "النص" السيميائي، ممكن لأي إنسان، ولا يشكل سرا لأحد.

أما لغة الفن، فتستدعي –دائما- قراءات مختلفة. وذلك لسببين أولا (الثلاثية تطل برأسها من جديد)، الفنان لا يعبر عن فكرته بتقريبها تماما، بل يعطي مجالا واسعا لتفسيرها، ثانيا، يعبر المؤلف عن جهة المحتوى العاطفية في الكادر بعلامة معينة، مضمنة في شكل حي محدد، وتحمل في داخلها لون نبض الحياة الحية، وبذلك تولد عند المشاهد موجة من التداعيات، عامة وشخصية، وثالثا، كل منا لديه نظامه الخاص من الإحداثيات ، ويُسقط كل ما يحدث على نقاطه العقدية والحساسة. كل منا لديه أفقه الخاص، يبدأ القياس منه.

إذا آخذنا شخصين مثلا، نجد أن لكل منهما جذوره: المحيط حيث أمضى طفولته، الناس المحيطين به، سواء كانوا: أشرارا، أنانيين، كذابين، قساة، أم كانوا على الضد من ذلك: رحماء، بشوشين، كرماء.. هذه إحدى الإحداثيات، والثانية هي كمية المعلومات عن العالم، عن الثقافة والفن، التي حصل عليها هذان الشخصان. وحين ينخرط هذان الشخصان في منظومة قراءة "النص"، فيمكن أن يكون لهما إحداثيات متشابهة أو مختلفة في بعض الأشياء. وحين تتوافق الإحداثيات فان احتمالات تفاهمهما تزداد. ما قلته ينطبق –أيضا- على المجموعات الاجتماعية الكبيرة. ما الذي يوحد بين الناس؟ يوحد بيني وبين شخص آخر مثلا، أننا نعيش في شارع واحد، ومع آخر أننا نعمل في مكان واحد، مع ثالث أن لنا عما مشتركا وهكذا. هل تقدر مدى التوافق  الذي ينبغي أن يحصل بين اثنين، ليفهم أحدهما الآخر على الحقيقة. ومدى التوافق في الإحداثيات مطلوب لكي تكون الجملة التي يقولها أحدهما، متطابقة من الناحية الثقافية والعاطفية والأخلاقية، مع ما يفهم الثاني منها. هذا من غير الحواجز الكثيرة التي تعرقل الفهم المتبادل. "أ" يريد أن يقول الحقيقية. لكن "ب" لا يريد سماعها. هذا أول الحواجز، إنها الصعوبة الأشد. أو أن  "أ" المؤهل تأهيلا خاصا، بمعارف خاصة لا تنتمي إلى ثقافة وجذور "ب"، يحاول توصيل هذه المعارف إلى "ب" الجاهل في هذا الحقل. هذا حاجز ثان. ولهذا فان الموسيقي مثلا، لا ينبغي له أن يأمل تقدير مستوى عزفه من الناحية الحرفية قدر حقه، من لدن أكثر من عشرة مستمعين، حتى وان كان الجلوس في القاعة يعد بالمئات.

أشنع الحواجز بين العمل الفني والفرد الذي يستقبله، هو حين يفشل الفنان في الوصول إلى الدقة المطلوبة في التعبير عن فكرته الفنية. في مثل هذه الحالة لن يستقبلها المتفرج في البعد الذي تصوره الفنان. زيادة على أنهما قد يختلفان في الجذور، وفي نقاط الصفر في أنظمة الإحداثيات لديهما. فهل هذا الاتصال اللغوي مستحيل ؟ نعم، على مستوى الفن، انه مستحيل، ذلك أن الاتصال اللغوي –هنا – يتطلب أدق ما تكون الإصابة، وأدق ما يكون التلقي والانفتاح. ولهذا يكون أحد أهم الشروط، لمن يريد ممارسة الفن، أن يكون مخلصا. وأن يكون الفنان مخلصا، فليس عملا إراديا، بل حالة عفوية، ممكنة حين يشعر بكامل مسئوليته عن ما يبدعه من أفعال الفن.

الفيلم يمتلك مزية عدم إمكانية تغيير ما يجري، انه ذلك الزمن القصير، الداخل في حياتنا. وكما يعرف الجميع، فلا شيء يختفي من غير أن يترك أثرا. لا الكلمة المُقالة، ولا العلامة المرسومة. فما بالك بالواقع الذي ثبته العمل السينمائي إلى الأبد. ولهذا فلا معنى لتضييع وقت المتفرجين ووقتك أنت. فأنت تشعر بمسئولية أن تستدعي بعملك الفني عند المتفرج، ذلك التلقي المحدد، الذي أردت أن تنقله له. لا أن تخبره, بل تنقل له في وقت قصير ما، من حياته. وبما أن السينما فن زماني، ومشاهدة فيلمك يُخرج المتفرج من حياته اليومية، ويضعه في حياة أنت صنعتها، فعليك أن تأخذ بالحسبان قوانين زمانية معينة. أنت تلخص ما حدث في فترة زمنية كبيرة، لتركز عليه في الوقت المتعارف عليه لحياة الشاشة. إن وقت التواصل ذاته بين المخرج والمتفرج يوجب عليك أن تختار أكثر اللحظات أهمية من ما تخيلته، وأن تخضعها لقانون الذاكرة. فنحن حين نخرج من البيت إلى الشارع لا نصف كل التفاصيل، كيف كان الدرابزين وكم عدد الدرجات والساحات، مع أن ذلك كان موجودا. ونحن لا نأخذ من وقتنا ووقت السامع ذلك الوقت الحقيقي الذي ضيعناه على الحقيقة، بل نختصر الحدث في جملة قصيرة واحدة. في السينما، أختار لهذا الغرض منظومة علاماتية، أستطيع بمساعدتها أن أحكي –بوقت قصير- ما حدث في وقت طويل،معطيا المتفرج الانطباع ذاته، الذي كان سيشعر به لو أنه عاش مدة الوقت المطلوبة في الواقع الحقيقي.

هناك شيء مدهش أيضا، مرتبط بالسينما، هو أن كل علامات الوقت الاصطلاحية مجسدة. فمهما أدرت الفيلم، سترى على الشاشة، العرض ذاته لتطور الحدث، والصور ذاتها للأشياء. الظواهر وأجساد البشر والأصوات.ولهذا فان واقعية الزمن الشاشوي نسبة إلى واقعية الحياة لا معنى لها. الممثلون المنسلخون عن طبيعتهم مستمرون في الحركة، حتى وان كانوا قد ماتوا، ربما. وحتى أولئك الذين لا يزالون أحياءا -ولله الحمد- فهم موجودون في حالة من الحفظ، مثل مومياء في الكون، ذلك أن الشريط السينمائي هو الزمن المجسد الذي عاشوه يوما ما، الباقي إلى الأبد من غير أن يتغير، حيث لا يمكن أن يوجد تطور آخر أو سيرورة أخرى.

إنها سر أو سحر. ربما لهذا السبب تتطلب السينما هذا القدر من المسئولية. فحين تصنع فعلا مهنيا، لن تستطيع تخليص العالم من خطيئتك، من العنف المسلط على الفن، المتكرر أبدا. فالفيلم لا يمكن إعادته إلى الوراء، لتصحيح شيء ما فيه. الكلمة ليست عصفورا، إذا طارت لن تمسك بها ثانية. ما يكتبه القلم لا تقطعه الفأس. أمثال عبقرية. مقدار ذنب المخرج عن صنعه الفيلم، ينبغي أن يكون مثل ذنب من يقترف عملا، يُقترف لأول مرة ولآخر مرة في الحياة، ولا يمكن تبديله. إنها مسائل أخلاقية، تنطبق على كل فنان، لكني أعتقد أن مسئولية السينمائي أكبر من مسئولية الأديب مثلا، وقد يكون السبب في ذلك أن ما يقال بالكلمات، حتى وان كان قبيحا، فهو غير منظور، غير محدد، في حين كل شيء في السينما واضح ومفضوح بأقصى ما يكون. المقروء أبعد عن الحس من المُشاهَد على الشاشة. والفنان الحقيقي يجب أن يكون شديدا على نفسه، حذرا من سوء الذوق، في تصوير القبيح والمعيب. عليه أن يوضح لنفسه بأن لا أهمية لقوة ما ابتكر، فالمهم أن يكون ما أبدعه بعيدا عن المذهب الطبيعي. مع علمنا أن أية لغة، وحتى أكثرهن اصطلاحية، لا تعطي الإمكانات للتسامي فوق الشيئية الحرفية لمادية العالم، والانصراف عنها. ولهذا يصعب على السينما أن تكون فنا، أكثر من الأدب والموسيقى، حيث يكون موضوعهما حياة الإنسان أيضا، لكنهما يستعملان الظلال والمفاهيم والانعكاسات،وما إلى ذلك، حين يتكلمان عن هذه الحياة. هنا تظهر زاوية أخرى في مشكلة العلاماتية. فالمواضيع المثبتة على الشريط السينمائي، سواء كانت متحركة أم ثابتة، كانت موجود قبل وأثناء التصوير وربما ستبقى بعده -في حد ذاتها- بغض النظر عن هذا التثبيت، وعن الأفكار التي يريد المؤلف التعبير عنها بواسطة هذه المواضيع. أي موضوع مصور على الشاشة-ما عدا الجوهر العلاماتي الذي نعطيه له نحن- يمتلك "وجها" خاصا لا يمكن تكراره، يعود له، بالتحديد. ولهذا فنحن نتعامل مع شيء ما، أكثر سعة من تجربتنا الحياتية، ويمكن أن يحتوي على كمية كبيرة من معان، جد معقدة و-أحيانا- مختلفة. وهكذا ومهما بدا ذلك متناقضا، فان النص السينمائي أصعب بالعديد من المرات للقراءة الصحيحة المؤكدة، من النص الكلامي. العلامة الكلامية أكثر عمومية وأكثر واحدية في المعنى، من السينمائي، الذي يستطيع أن يكون وحيد المعنى ومتعدد المعاني في الوقت ذاته.

انسين: أعرف أنك تستعمل كثيرا اصطلاح "مودلة" فما الذي تعنيه حين تستعمله مضافا إلى الفن؟

ايوسيلياني: الإنسان يدرس العالم بمساعدة المودلة. فحين نصنع الموديل، فنحن نماثله مع ظاهرة حقيقية معينة، ثم نستطيع بعد ذلك التصرف في مجال الظواهر الجارية على الحقيقة، بالتناسق مع الموديل. العلماء يستبدلون الظاهرة ذاتها بالموديل، وعليه يبحثون كيف يرتبط فيه كل شيء مع بعضه البعض، وكيف يعمل وكيف يتصرف في ظروف معينة. ومن ثم يحولون هذه المعطيات إلى الظاهرة الحقيقية. العالم يُعرف عن طريق الموديل. والسينما أيضا تصنع موديلاتها الفنية الخاصة. وبهذا يكون كل فنان مؤلف لفرضية ما عن العالم. وتسمح المودلة زيادة على هذا، أن تشرح سمات علاقات الواقع الخاضع للبحث، الظاهرة للجميع، وأن تكشف علاقات جديدة، غير معروفة لحد تلك اللحظة، غير مكتشفة بالاتصال معه مباشرة. المودلة في العلم، وخاصة في الفلك وفي الميكرو-بايولوجي، مهمة جدا بشكل خاص، ذلك أن العلماء محرومين –في الغالب- من المقاربة الطبيعية لموضوع دراستهم. الإمكانات المتنامية -مع السنين- للمقاربة الموديلية ذات الدقة العلمية الأكبر،  تنفي الطرق القديمة. اليوم مثلا، الجميع يعرفون أن ميكانيكا نيوتن صحيحة فقط، في حدود معينة. وغدا قد تكون النظرية النسبية غير صحيحة في شيء ما. وفي الفن أيضا، صحة الموديل الفني وعدم صحته يقرره الزمن. الموديل في حد ذاته، خشن في شيء ما، خطوط عامة وغير كامل. ومحروم في حد ذاته، من الروح، محروم من ما سبق أن تكلمنا عنه: لا أدري لماذا، لا أدري من أين، لا أدري كيف. كل الفنانين العظام قالوا، أن هناك شيئا ما، وكأنه يقود أيديهم. وهذه الإلهامات اللاشخصية –دائما- أقوى من تلك التي تشترطها رؤيتهم الشخصية للعالم فقط. أما موديل العمل الفني فقابل للتحليل المنطقي. وأهم مقاييسه للحكم، هو تناسب ما يصنعه الفنان بالحياة الموجودة في الواقع. لكن لكل تصوراته الخاصة عن العالم، وبهذا، وجهة نظره عن الفن. ولهذا فان الاختلافات حول الأعمال الفنية، عادة ما يخص الجوهر وليس الطريقة. وهذا مفهوم، إذ كلما كان عمل ما لا يتناسب، لنقل مع ظاهرة اجتماعية ما، أكثر تعبيرا فنيا، وأكبر اقناعا، كان تشويه الواقع أقوى، وازداد الإقناع بترسيم المنطقي قانونا دوغمائيا.   

         

إيوسيلياني-مجلة فن السينما-12/2001 

 

تنويه / كتابات لا تتحمل أيّة مسؤوليّة عن المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر .