|
موسيقى الجوع .. تعزف لكم قبل الانتخابات .!
كتابات
- نعيم عبد مهلهل
((والجوع قاس
كالنساء العاريات))
بيار جان جوف
قرص الرغيف وقرص
الشمس لهما دورة واحدة. كذلك قرص القمر. العيون الحائرة لها دورة منتظمة أيضا.
الدمعة الصادقة كذلك. والقبلة الدافئة. أما كيف ترتبط هذه الظواهر وتلك المشاعر
بالجوع فهذا أمر يحتاج إلى مسح شامل لكل نظرة حزينة لبشر التكوين منذ آدم ع وحتي
مجاعة دارفور.
في قرى أفريقيا
النائية هناك أغنية طوطمية تقول: بطني وفول الصويا في برج سماوي واحد.
تمنحنا مشاعر الجوع
شعورا بمتعة سعادة الكشف عن عاطفة كالتي كنا نتمتع فيها بطفولة الأمس الذي لن يعود
حين كنا نذهب زرافات إلي دور السينما لكي نبكي ونحن نتمتع بمشاهد الجوع في الأفلام
الهندية وكانت تلك المتعة عبارة عن غموض في الأحاسيس والشعور باللذة المطلقة حين
نري الأم الهندية تتضور جوعا ووليدها الذي يكاد أن يكون بنحافة عود البخور وفي
الليل تطل علينا كوابيس الجوع بعد فصل من الشكوي حين نجبر قبل النوم على تناول
الخبز والتمر فقط.
عندما أتذكر تلك
الليالي أساق إلى هاجس الاحتفاء بالرغبة إلى أن انصب نفسي ملكا على الجهات الأربعة
ومع الحلم أدفن رأسي في الغطاء القطني القديم المليء برائحة يوريا التبول وأفترش
سجاديد التمني كما تفترش الحمامة باطنها لذكرها المتعالي.
تسير كلمة الجوع مع
حافلة التأريخ بموازاة منتظمة ويبدو أن ألفة وصحبة حميمية تجمع بينهما وحين تقرأ في
أصول الهجرات الشعوبية تري أن الجوع هو وحده من قادها الى الأمكنة الجديدة ويبدو
أنه سببا رئيسيا لفكرة الغزو قبل أن تكون فكرته طمع الملوك والرغبة بتسلط الضعيف
على القوي أو لنشر مبادئ رسالة ما فطالما تقرأ في الميثولوجيات العالمية والمحلية
ولادات خارقة أتت من بفعل جدب ما أو أن حافز الحصول على الغذاء هو الدافع لأرسال
وهم المخلص كي يجلب معه الرخاء.
ومن التأريخ..الى
زمن الوصول الي المريخ تنطبع صورة الرغيف المدور بشكله المليئ بنتؤات القمح أو
الشعير علي الذاكرة البشرية فيزدهر هاجس التمني ومعه يزدهر الأدب الذي يكاد أن يكون
الجوع والحاجة بعض خصائص ولادته الحقيقية. أنا جائع..أذن أنا أستطيع أن أكتب جيدا.
يعتقد بافلوف وكان
من النحافة بأنه يظهر للرائي أنه لم يذق طعاما منذ أيام: أن سايكولوجية الجوع هي
سايكولوجية للذات الأزلية والشعور بها مرادف دائم عند عموم البشر وليس الفقراء
وحدهم.
هذا يعني أن الجوع
ليس أن تلوك الرغيف. القلب يجوع أيضا. العيون. رغبة الذكورة والأنوثة. لهذا فالبيت
الشعري الجميل لبيار جان جوف القائل: والجوع قاس كالنساء العاريات. هو هاجس لأبعاد
لاتنتهي من التصور ولكي أعطي هذا التصور خيالا من رومانس روحي أذهب بقسوتي الى رغبة
تمني أمراة كانت تتمايل بوركيها كما تتمايل الغيمة في نسمة الصباح النشيطة فيشدني
هول الذكورة الي فقر عجيب من الأستنكار والأستهجان حين اتأمل بنطالي المثقوب وقميصي
العتيق وجيبي الفارغ فيهزني رعاف الشعر وأنطق ببراءة القطط الولودة: ليت رغيف الخبز
يصير درهماً. وليت بالدرهم أغوي هذه المراة؟
تلك هي الدراما
التي يتشح بها بيت الشعر هذا. ومعها حين أنتفض من أحاسيس خيال الجسد وأعود للرغيف
المصنوع من دقيق شعير سني القحط أسمع أبي بسعاله الأسطوري وراتب البلدية الذي
لايتجاوز بضعة دنانير يتلمس في مقولة الأمام علي ع وضعه الأسري وكآبته الملونة
بقسوة نيكوتين السكائر اللف وهو يكرر عبارة الأمام علي ( ع ) الهائلة (لو كان الفقر
رجلاً لقتلته).
هذا المشهد وغيره
في أعتقادي هو من دفع شاعرا كبيرا مثل السياب ليقول في رائعته الشهيرة أنشودة
االمطر: مامر عام والعراق ليس فيه جوع. وبسبب تلك الأسطرة المموسقة بنحيبي وانا أرى
الأغنياء يمزقون الدمي من الملل بقيت حد هذه اللحظة أنتظر فرصة سانحة لأقرأ أنشودة
المطر بطريقتي الخاصة ولو كنت مؤلفا موسيقيا لجعلتها اوبرا تفوق مأساة عايدة أو
بجعات جاكوفسكي بألف مرة لكننا في بيت ابي المصنوع من اطواف الطين والدمع لم نحظ
بشرف رؤية الكمان أو ملامسة خشب آلة العود كلما نملكه ان نجعل قدور الطبخ
(المطعوجة) طبلاً نعزف عليه خيبة أن تلد في جنوب فقير مرمي بين حذاء الجندي الأجنبي
وتأريخ حروب الطوائف والقرامطة وطف كربلاء..وبين هوس الاعلانات المضيئة لأولئك
الذين يريدون صناعة الحلم الفقير من خلال كرسي برلماني وبيت مساحة 500 متر على ضفاف
دجلة .!
المانيا 2010
|