الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

صفحات خاصة

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

8  شباط 2010

ابحث في كتابات

 

السينما والعنف

 

كتابات - ترجمة / عبد الهادي الراوي

 

يبدو أن العنف قد أصبح في السينما موضوعا سائدا قد غطى على كل المواضيع الأخرى . وانزوى الظلم الاجتماعي والسياسي والعرقي في ركن مظلم لا تكفي إنارته للظهور على الفيلم السينمائي على الرغم من الحساسية العالية التي تتمتع بها الأفلام الخام في الوقت الراهن. وأصبح –الآن – ظهور فيلم يتحدث عن نضال البشر من أجل حياة أكثر عدلا ، ظاهرة نادرة.

أود أن يطمئن القارئ ،فلن أبحث في أسباب ذلك .ذلك أن الكلام في هذا الموضوع ،ذو شجون ،كما يقولون. وأنا لا أريد أن أشجن أحدا.إن الذي دفعني إلى هذا الكلام ،ما حدث في مهرجان كان في يوبيله الخمسين. إذ غلبت النقاشات عن العنف كل المواضيع والأفكار الأخرى .وادعى فريق أن لوس أنجلوس أكثر المدن خطورة ،في حين أكد آخر أن لندن من تستحق قصب السبق في هذا المجال . وخالفهما ثالث متحزبا لباريس .وتحدا خامس من يستطيع اللحاق بسراييفو في الخطورة . لكن الغريب في الأمر أن أحدهم ذكر اسم بيت ريفي مترف ، واقع على شاطئ بحيرة نمساوية ، وقال :انه أكثر الأماكن خطورة .وبعد هنيهة من الهرج والمرج والنظرات المستغربة المتسائلة ،أوضح المتكلم بأنه يقصد مكان أحداث الفيلم النمساوي "الألعاب المسلية " للمخرج ميخائيل هانيكه . إذ احتوى هذا الفيلم على عنف جعل القائمين على عرضه يحذرون المتفرجين من وجود مشاهد تكاد تكون غير محتملة .وإذا كان الشيء بالشيء يذكر ، فان هذا يذكر بفلم آخر تم تحذير المتفرجين من بعض مشاهده حين عرض في مهرجان كان قبل عدة سنوات .انه فيلم " Reservoir Dogs" للمخرج الأسطورة تارانتينو ،الذي لم يكن –في حينه-قد أصبح أسطورة بعد .وهذا التحذير كل ما يجمع بين المخرجين . إذ أن هانيكه –بكل المقاييس –هو الضد لتارانتينو . فالعنف عنده ليس "جديدا "بل مكثفا .وتسوغه طبيعة الإنسان وظروفه المعاشية ،لا الأسلوب ولا الميثولوجيا.

يبدأ الفيلم حين تزور الفيلا مجموعة من الجيران طلبا لأربع بيضات (للأومليت )، لكن ذلك ينتهي إلى إبادة شاملة لعائلة كاملة بدون أي سبب واضح .إذ يتضح أن الضيوف الأعزاء ،قتلة ساديون. وحين تخطف إحدى الضحايا البندقية لتنتقم من السفلة ،يهلل المتفرجون . لكن سرعان ما يتبين أن ذلك كان التماعة خيال فقط.أما في الواقع فإننا نرى تفاصيل الحفلة المتهتكة والتفنن في ارتكاب الجرائم من دون ما رادع .

ويؤكد مخرج فيلم " الألعاب المسلية " أن فيلمه ليس فيلما من أفلام التحقيق في الجرائم،بل فيلم عن فيلم التحقيق في الجرائم .انه هجوم عنيف على السينما المعاصرة ،المجنونة بالعنف والتي تقدم -في الوقت ذاته -النهايات السعيدة ،إرضاء للجمهور.لكن كلما ازداد هذا الهجوم شدة، ازداد الشك الذي يولده . ذلك أن الدافع اللاواعي الذي يرافق عرض العنف أقوى من المواعظ الأخلاقية.ويقول أعداء هذا الفيلم " إن عمل فيلم مليء بالعنف بغرض فضح العنف ،يشبه عمل فيلم عن مساوئ التعري بتضمينه مشاهد عديدة من العري والممارسات الجماعية . فالأفضل أن تكون صريحا وتعمل فيلم تعر وممارسة جماعية ".ويبدو أن لجنة التحكيم في المهرجان كانت-أيضا- من أعداء هذا الفيلم .لذا تجاهلت الفيلم بصورة استعراضية .

ولد هانيكه في ميونخ ويعيش في فينا .بعد أن زاول كتابة المواضيع النفسية والفلسفية لعد سنوات تحول حبه إلى المسرح ،وكتب مسرحيات للإذاعة وللتلفزيون ،وعمل مخرجا (free lance )وأخرج عدة مسرحيات في المسارح الألمانية.لقد بدأ نجم هانيكه بالصعود في السينما حين حصل فيلمه " القارة السابعة " على جائزة الفهد البرونزي في مهرجان لوكارنو سنة 1988 . وبعد أن هدأت الضجة التي أثارها الفيلم نسيت الأوساط السينمائية المخرج ،ولم تتذكره إلا في سنة 1992 حين عرض فيلمه " أشرطة بيني الفيديوية " في مهرجان كان.وعلى الرغم من أن الفيلم عرض خارج المسابقة ،إلا أنه كان قنبلة المهرجان .وبعد أن عرض الفيلم في كثير من بلدان العالم نال جائزة "فيليكس النقاد " عند استحداثها لأول مرة  .وأصبح هانيكه مخرج النقاد المفضل منذ ذلك الحين .

إن أفلام هانيكه من بين الأفلام المصنفة ضمن الأفلام المكروهة ، ليس من قبل جمهور كان الأنيق فقط ، بل ومن قبل كل الجمهور الذي يستهويه سحر البرجوازية والرأسمالية حين تتنكر بوجه إنساني . ولنتوقف قليلا عند فيلمه  "أشرطة بيني الفيديووية " الذي يحتوي على بذرة فيلمه الجديد " الألعاب المسلية ": بيني شاب صغير لوالدين محترمين ،يتلهى بمشاهدة أفلام الفيديو لوحده مرة ،ومع رفاقه أحيانا . وكان والداه المشغولان بجمع المال وزيادة أرباحها من مزرعة تربية الخنازير التي يملكانها ، يتصوران أنه يمرح ويقضي جل وقت فراغه مع رفاقه بمشاهدة أفلام الرعب وأفلام التعري فقط . في حين كان –في الواقع- يدرس تقنية القتل بواسطة الكهرباء (الطريقة التي يقتلون بها الخنازير في المزرعة). ثم أراد أن يجربها ،فاختار صديقته لهذا الغرض . ويرتكب جريمته فعلا . وحين يعلم الأب بذلك ويريد أن يعرف السبب، يجيبه الولد بأنه أراد أن يشاهد العملية . هكذا بكل بساطة وبدون شعور بالذنب أو الندم . والآن والجريمة قد ارتكبت ،يجد الوالدان نفسيهما أمام أمر واقع ولا يبقى لهما سوى إنقاذ ولدهما .فتأخذ الأم ولدها إلى مصر ، إلى الأهرامات ( يخبرون المدرسة بأن الولد ذهب لحضور جنازة أحد أقربائهم ) . وتصاب الأم هناك بنوبة عصبية ،أما الولد فيبقى هادئا ،في حين يقطع الوالد أوصال الجثة ويدفنها .وبذلك ينتهي هذا الكابوس ويحذف هذا المشهد المؤلم من حياة العائلة .ويعود مستقبل الولد مشرقا ،كما كان . لكن بيني يذهب إلى الشرطة ويقدم لهم شريط الفيديو الذي صور عليه جريمته .فلماذا فعل ذلك ؟ انه لا يعرف –أيضا- كما لم يكن يعرف لماذا قتل الفتاة .فتذهب العائلة كلها إلى السجن .

على الرغم من وجود ايحاآت في الفيلم تشير إلى التأثير المخرب لأفلام العنف على المشاهدين،إلا أن المخرج يفلح في التخلص من التعليمية .إذ تحس في جو الفيلم شيئا بشعا ومرضيا بدرجة تكاد معها لا تعود تحتمل –فيزياويا -أسلوب الفيلم التقريري .

وفي هذا التباين يكمن جوهر تصور هانيكه للسينما الذي طرحه في حينه ،والذي يطرحه الآن وقد أوصله إلى صورته النهائية .وإذ يدرس المخرج أعراض العنف في المجتمع الحالي ،فانه يرفض كل تفسير له من بين تلك التفاسير ذات المحتوى المابعد حداثي ، التي يقدمها الاتجاه السائد .فما أن يصل الحديث إلى جرائم القتل المتسلسلة والتي لا أسباب لها ،حتى ترى أنصار هذا الاتجاه يلجأون إلى الوصفات الجاهزة . وأهمها الغيبية أو الانحراف الجنسي أو القضايا النفسية-الوراثية ، بخلفية عن زنا المحارم على الطريقة الفرويدية . ويمكننا أن نلاحظ أن جوهر ذلك لم يتغير بالمقارنة بأدب القرن الماضي ،بما يحتويه من العقلانية والبحث عن الإجابات المعقولة.أما إذا أردنا الحديث عن " مدرسة تارانتينو " المتطرفة ، فإننا سنجد أن العنف والاغتصاب الجنسي قد أوصلتهما هذه "المدرسة " إلى الشكلانية ، حين حولتهما إلى مستوى أسلوبي ، وصارا لعبة تجريدية بالدمى الدموية .

إن هانيكه لا يلهو ، لكنه –أيضا- لا يطمئن المتفرج بترديد ما يقدمه الاتجاه السائد ،مثل : "لقد أصبح المجرم مجرما لأنه لم يشبع من حنان أمه في صغره ". إن العنف في أفلامه يثير الفضول بغموضه الذي يستعصي على التقويم ،بسبب طبيعته اللاعقلانية ،وبسرد القصة الذي يبدو –ظاهريا-جافا وتقريريا، وبهجوم واضح على وسائل الاتصال الجماهيري.

إن هانيكه مثل كثير من معاصريه من زملائه يصف المجتمع المابعد صناعي بعقدة الذنب والعدوانية التي تسيطر عليه (لا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى).لكن المقترب والطريقة عند هانيكه تختلفان .إذ لا يرضيه أن تعطي السينما إجابات سهلة على أسئلة صيغت خطأ ، كما اعتادت هوليود أن تفعل وهي تلعب مع الجمهور (لعبة الضرب من تحت الطاولة).كما أن عدم وجود الأجوبة وعدم وجود الأسئلة (لعبة المثقفين المابعد حداثيين)لا تقنعه أيضا.لأنه يؤمن بأن الحياة والموت والحب والألم ،كلها ستبقى بعد المابعد حداثية .

 

تنويه / كتابات لا تتحمل أيّة مسؤوليّة عن المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر .