الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

صفحات خاصة

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

8  شباط 2010

ابحث في كتابات

 

إعتباطيَّة السرد التأريخيّ / إبن الأثير أنموذجاً -2

 

كتابات - باسم الماضي الحسناوي

 

في هذه الحلقة نواصل الحديث عن المهزلة المنهجية في تدوين التأريخ عند ابن الأثير الذي اخترناه ليكون أنموذجاً لما أسميناه اعتباطية السرد التأريخيِّ في حضارتنا العربية الإسلامية، فالرجل يمتع القارئ كثيراً بهذه المفارقات الغريبة التي يسردها عن الشخوص التأريخيين المهمِّين في تشكيل الوعي العربيِّ الإسلاميِّ إلى يومنا الحاضر، وبسبب ابن الأثير وأمثاله أصبح الحكم على مجريات التأريخ الإسلاميِّ عسيراً، ليس على مثلي بالطبع، فأنا قادرٌ على الفرز واستخراج الحقِّ من كبد الباطل بسهولةٍ ولله الحمد، ولكنَّ العسر متعلِّقٌ بغيري من هؤلاء الببغاوات الذين يردِّدون ما قاله ابن الأثير من دون نقدٍ ولا اختبارٍ للروايات، فما دامت الحادثة مدوَّنةً في كتابه الكامل فعلينا أن نقبل بها بحذافيرها مع كلِّ ما يحفُّ بها من الترَّهات التي سردها ابن الأثير في الأثناء، وتلك لعمري طامَّةٌ كبرى شملت علم التأريخ الإسلاميِّ منذ لحظات التأسيس الأولى ولم يتخلَّص من تبعاتها حتى اليوم مع شديد الأسف.

   إنني إذ أقرأ في كتاب ابن الأثير واقعة الحسين أحسُّ أنَّ الرجل كأنما هو مكلَّفٌ بتسوية المشكل بين آل أمية وبني هاشم، بوصفهما بطنين من قريش وقع بينهما نزاعٌ وينبغي إنهاؤه بالطريقة العشائرية المعروفة، ولا أعرف ما الذي يجعل ابن الأثير مكلَّفاً بهذه المهمَّة، فما يجب أن يكون عليه المؤرِّخ من الخلق العلميِّ هو أن يكون موضوعياً وحيادياً وألمعياً بالإنتباه إلى ما يحفُّ بالرواية التأريخية من الأمور التي تجعلها تفقد طابع الحيادية لتخدم غرضاً أديلوجياً ما، فينبِّه خلال السرد إلى مثل هذه المشكلات والملاحظات، ليحقق المزيد من التماسك المنطقيِّ بين الروايات، وتجعل الحدث التأريخيَّ المعيَّن متسقاً ومنسجماً من مختلف الجهات، لكنَّ ابن الأثير لا يعنيه هذا الأمر بقدر ما يعنيه أن يظهر الأمر كما لو أنه نزاعٌ شخصيٌّ أو عشائريٌّ حصل في فترةٍ من فترات التأريخ ويجب تسويته على أساس تبرئة القاتل والمقتول بوسائل لا يعدمها وعاظ السلاطين في كلِّ العصور.

خذ مثلا هذه الرواية:"ثمَّ دخلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه وحدَّثوه، فسمعت الحديث هندٌ بنت عبد الله بن عامر بن كريز، وكانت تحبُّ يزيد، فتقنعت بثوبها وخرجت فقالت: يا أمير المؤمنين أرأس الحسين بن علي بن فاطمة بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلَّم؟ قال: نعم، فاعولي عليه وحِدِّي على ابن بنت رسول الله، صلى الله عليه وسلَّم، وصريحة قريش، عجَّل عليه ابن زيادٍ فقتله، قتله الله". 2/180.

لنفترض أنَّ يزيد قال هذا، لنفترض جدلاً أنه قاله، على أساس أنه يعلم أنَّ موقف زوجته من الأمر سيكون معنِّفاً له، وغير راضٍ على صنيعه، فشاء يزيد أن يبدو بريئاً أمامها من هذه الجريمة الشنيعة بحقِّ الحسين، لكن ألا يتوجَّب على المؤرِّخ الحاذق أن ينبِّه إلى هذا المعنى في تعليقاته الخاصَّة لكي لا يتسبَّب بكلِّ هذا الخلط المنهجيِّ في التأريخ الذي كتب حول الحسين فيما بعد، لكنَّ ابن الأثير يسرد الكلام كما لو أنَّ يزيد كان معتقداً فعلاً بما يقول، أي أنه كان حزيناً على الحسين وغاضباً على ابن زيادٍ لأنه فعل هذه الجريمة بحقِّ الإسلام، من منطلق أنَّ يزيد إنسانٌ في غاية التقى، وأنه لا يمكن أن يفكِّر بقتل الحسين لحظةً، لكنَّ ابن زيادٍ غلبه على الأمر فارتكب تلك الجريمة، وأن لو ترك الأمر ليزيد لكان ينزل الحسين منزلته بحسب ما وصفه في الرواية من أنه ابن بنت رسول الله وصريحة قريش، فيا لله وللمؤرِّخين في الحضارة الإسلامية كم يبلغون من درجات المكر والخديعة والدهاء.

لكن مهلاً، فابن الأثير سيِّد التناقض في السرد التأريخيّ، ولهذا فإنه لن يصبر طويلاً، بل سيفاجئكم أيها القراء الأعزاء في الفقرة نفسها بلا أيِّ فاصلٍ، ليقول: "ثمَّ أذن للناس فدخلوا عليه، والرأس بين يديه، ومعه قضيبٌ وهو ينكت به ثغره، ثمَّ قال: إنَّ هذا وإيانا كما قال الحصين بن الحمام:

أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت ... قواضبُ في أيماننا تقطر الدما

يفلِّقن هاماً من رجالٍ أعزَّةٍ ... علينا وهم كانوا أعقَّ وأظلما

فقال أبو برزة الأسلمي: أتنكت بقضيبك في ثغر الحسين؟ أما لقد أخذ قضيبك في ثغره مأخذاً، لربما رأيت رسول الله، صلى الله عليه وسلَّم، يرشفه، أما إنك يا يزيد تجيء يوم القيامة وابن زياد شفيعك، ويجيء هذا ومحمد شفيعه. ثم قام فولى". الكامل في التأريخ. 2/181.

 

هنا ينقلب المشهد رأساً على عقبٍ بالفعل، فقبل لحظاتٍ يأمر يزيد امرأته بأن تعول على الحسين وأن تحِدَّ عليه، ويعلن براءته من قتله، ويعلِّق الجريمة كلَّها على عاتق ابن زيادٍ ويدعو عليه بأن يقتله الله، فماذا عدا مما بدا يا ابن الأثير، هل هذا التحوُّل المفاجئ في السرد بلا أيِّ تعليقٍ منك يوضِّح الموقف الدراميَّ الذي مثَّله هذا التحوُّل المفاجئ شيءٌ طبيعيٌّ عندك، فإذا كان كذلك فاقرأ على العقل التأريخيِّ الناقد السلام إذن، وليكن المؤرِّخون أغبى الكائنات في العالم.

لكنَّ مشاعر القارئ وإحساساته هيِّنةٌ عند ابن الأثير، إلى حدِّ أنه يضعه في أرجوحةٍ ويهزُّه مثل الطفل الصغير تماماً، فلا يكاد يستقرُّ على وضعٍ شعوريٍّ ما نتيجة الإطلاع على حالٍ من أحوال أمير الفاسقين يزيد حتى يحوِّله إلى حالٍ أخرى رأساً، حتى يكاد القارئ الذي عومل معاملة الطفل في أرجوحةٍ أن ينقلب على وجهه أو قفاه نتيجة الهزِّ العنيف المتواصل لهذه الأرجوحة التي نصبها ابن الأثير في مدينة ألعاب التأريخ. فها هو يدفع بالأرجوحة إلى الإتجاه المعاكس بقوَّةٍ إذ يواصل السرد: "فقال يزيد: والله يا حسين لو كنت أنا صاحبك ما قتلتك." الكامل. 2/181. فهذا الكلام من يزيد دالٌّ على حسن طويَّته، فماذا تريدون أيها المسلمون الآتون بعد مئات السنين أكثر من ذلك ليكون دليلاً على براءة يزيد من دم الحسين عليه السلام، فالقاتل هو عبيد الله بن زيادٍ وليس يزيد إلا ضحية القرار الذي اتخذه هذا الأخير!. كما إنَّ ابن الأثير لا ينتبه إلى أنه سيسرد بعد قليلٍ كلاماً ينقض هذا الكلام الذي أدلى به الآن إذ يقول هو بنفسه: "لما وصل رأس الحسين إلى يزيد حسنت حال ابن زيادٍ عنده وزاده ووصله وسرَّه ما فعل. فالعجب كلُّ العجب من ابن الأثير كيف يجرؤ على الجمع بين كلِّ هذه التناقضات.

الآن سأعود معك يا ابن الأثير إلى ما عرضته مراتٍ عديدةً عليك، وهو أن تستقرَّ روايتك على حالٍ واحدةٍ رجاءً ما دامت لا تحظى منك بأيِّ تعليقٍ أو توجيهٍ، ما يعني أنك لا تحسُّ بوجود مفارقةٍ أو مناقضةٍ في تفاصيل رواياتك التأريخية العجيبة، حتى كأنها فصولٌ من كتاب ألف ليلة وليلة، أو حتى كأنها مسلسلٌ من المسلسلات التلفزيونية التي لا بدَّ أن ينتهي بها الحال في نهاية المطاف إلى حلِّ المشكل بطريقةٍ مفاجئةٍ ما، فيتصالح جميع الأطراف بحسب رغبة المؤلِّف.

سينفِّذ ابن الأثير رغبتي هذه بأن يجعلني أفتح فمي متعجِّباً من تقلباته السريعة، لتأتي روايته بعد ذلك السطر السابق الذي يعلن فيه يزيد أنه لو كان مكان ابن زيادٍ لما أقدم على قتله، فيقول يزيد هذا: " أتدرون من أين أتى هذا؟ قال: أبى عليٌّ خيرٌ من أبيه، وفاطمة أمي خيرٌ من أمه، وجدي رسول الله خير من جده، وأنا خيرٌ منه وأحقُّ بهذا الأمر منه؛ فأما قوله أبوه خيرٌ من أبي فقد حاجَّ أبي أباه إلى الله وعلم الناس أيهما حكم له؛ وأما قوله أمي خيرٌ من أمه فلعمري فاطمة بنت رسول الله خيرٌ من أمي؛ وأما قوله جدي رسول الله خيرٌ من جده فلعمري ما أحدٌ يؤمن بالله واليوم الآخر يرى لرسول الله فينا عدلاً ولا نداً، ولكنه إنما أتي من قبل فقهه، ولم يقرأ: (قل اللهم مالك الملك) ". ابن الأثير. 2/ 181 فلا يعلِّق ابن الأثير على هذا الكلام بحرفٍ واحدٍ، وكأنه يوحي للقارئ أنَّ استدلال يزيد تامٌّ ولا يحتمل الخطأ، فالحسين صادقٌ في كلِّ ما قال، إلا في شيئين بحسب الرواية:

الأوَّل: أنَّ والده ليس أفضل من والد يزيد، لأنَّ الله حكم بينهما بأن استشهد عليٌّ عليه السلام وأصبح الملك خالصاً لمعاوية بعد فترةٍ وجيزة.

فالله الله في عقولنا يا ابن الأثير، كيف لا يصدمك استدلال يزيد هذا، لتقول معلِّقاً مثلاً: إنَّ مثل هذا الإستدلال خاطئٌ، وكاشفٌ عن سطحية التفكير عند أمير المتهتكين الفاسقين هذا، فشهادة عليٍّ عليه السلام كرامةٌ عند الله ما بعدها كرامةٌ، وهي بوعدٍ من الله اختصَّ به أمير المؤمنين علياً ليرفع بها منزلته، ولا تصلح أن تكون استدلالاً على ما تريد.

الثاني: أنَّ الحسين عليه السلام لم يكن فقيهاً برأي يزيد، لأنه لم ينتبه إلى معنى الآية التي يقول الله فيها: "قل اللهمَّ مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزعه ممن تشاء. آل عمران: 26" فيسكت ابن الأثير أيضاً كأنما هو يبدي الموافقة على هذا الإستدلال. ولا أعرف من أين جاء الفقه بالشريعة الإسلامية لآل أمية عموماً وليزيد بشكلٍ خاصٍّ، هل جاءه من مجالس اللهو والخمر التي لم يجرؤ التأريخ أن يبرِّئ يزيد منها، أم جاءه من نزهات الصيد التي كان يصطحب معه فيها القرود وهو فردٌ منها، أم جاءه من استهزائه بالدين الإسلاميِّ وبالوحي الإلهيِّ جملةً وتفصيلاً إذ يقول:

ليت أشياخي ببدرٍ شهدوا   جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلوا واستهلوا فرحاً       ثمَّ قالوا يا يزيد لا تشل

قد قتلنا القرم من ساداتهم    وعدلناه ببدرٍ فاعتدل

لعبت هاشم بالملك فلا    خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزل

ليس هذا فقط، بل إنَّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ولهذا فإنَّ ابن الأثير يهتمُّ بتطعيم القصَّة بكلِّ ما من شأنه أن يعكس هذا المعنى عند يزيد، ولهذا فإنه يورد في خاتمة المطاف كلاماً زعم أنه ليزيد يقول فيه: "ما عليَّ لو احتملت الأذى وأنزلت الحسين معي في داري وحكمته فيما يريد وإن كان عليَّ في ذلك وهنٌ في سلطاني حفظاً لرسول الله، صلى الله عليه وسلَّم، ورعاةً لحقه وقرابته، لعن الله ابن مرجانة فإنه اضطرَّه، وقد سأله أن يضع يده في يدي أو يلحق بثغرٍ حتى يتوفاه الله، فلم يجبه إلى ذلك فقتله، فبغضني بقتله إلى المسلمين، وزرع في قلوبهم العداوة، فأبغضني البرُّ والفاجر بما استعظموه من قتلي الحسين، ما لي ولابن مرجانة، لعنه الله وغضب عليه" فبمقضى هذا الحديث يكون يزيد نادماً على قتل الحسين، لكنَّ النصَّ مع ذلك يفضحه ولا يجعله تائباً، لأنه إنما قال هذا الكلام لو قاله فعلاً ولم يقله بالتأكيد لما رأى أنَّ المسلمين قد تعاطفوا مع قضية الحسين جميعاً، حتى من كان منهم فاجراً بحسب الرواية، فندم يزيد من هذا الباب، وليس من باب الشعور بخطأ الإقدام على انتهاك حرمة الدين الإسلاميِّ بقتله الإمام المعصوم، ويكون من الطبيعيِّ أن يتبرَّأ الطاغية الأكبر من هذا الجرم ويحاول التملُّص منه ليلقيه على عاتق الطاغية الأصغر، فلن يستطيع هذا الأخير أن يتجرَّأ على مولاه ليقول له إنك كاذبٌ، وإني لم أقتل الحسين إلا بأمرٍ منك، فاخسأ ولا تحاول التملُّص من عذاب الله وخزي الأبد.

 

رئيس تحرير مجلَّة الموسوعة

رئيس تحرير مجلَّة المنهج

 

Bs2008aa@yahoo.com

 

تنويه / كتابات لا تتحمل أيّة مسؤوليّة عن المواد المنشورة .. ويتحمل الكُتّاب كامل المسؤولية عن كتاباتهم التي تخالف القوانين أو تنتهك حقوق الملكيّة أو حقوق الآخرين أو أي طرف آخر .