الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

19  تشرين اول  2008

ابحث في كتابات

 

حانة القراصنة

 

الفصل الثامن

كتابات - حمزة الحسن

 

اذا كنتم تمثلون المستقبل،

فستكون جلودنا أحذية لجنرال قادم.

رواية: سنوات الحريق، عام 2000

 

كان الثلج يغطي كل شيء: أشجار السرو والصنوبر والحور والدردار ويسقط على معاطفنا المطرية في حين كانت كلوديا تقودنا داخل الغابة المغلفة بالضباب والسر والضوء النهاري المعتم بسبب تشابك الأشجار. قبل ذلك كنا قد انتهينا من تثبيت الخيمة على مرتفع مطل على بحيرة ساحرة تصلح مكانا للعيش الأبدي ورتبنا الأطعمة وفانوس الرحلات وجهاز التسخين، أي المطبخ الصغير المتنقل، والفراش، وكل ما يمكن أن يجعل الرحلة ممتعة وممكنة، أغلقنا الهواتف المحمولة، وتركنا كل ما يربطنا بالعالم الخارجي الذي تلاشى في هذه الغابة البدائية الماطرة اختيار كلوديا وهي عادة  لديها منذ المراهقة، كما تقول، في خطف الأصدقاء من المدينة بعض الوقت، والعيش في قلب عزلة نقية ماطرة معطرة برائحة الثلج والأشجار والأرض.

 

ـ الى أين تمضي بنا هذه المجنونة. قال قاسم شريف متأففا وهو يخوض في الوحل والعشب والثلج.

ـ انت لم تسأل هذا السؤال يوم كنت تقاد كخروف العيد من مكان الى آخر. قلت له، ضاحكا.

 

بياتريس تمشي خلفي هادئة ورائقة المزاج ومبتهجة ومحتفلة بكل شيء: بالأحجار الصغيرة، الحشرات الطائرة، الأغصان المتهدلة، بلورات الثلج، جحور غامضة، مخلوقات مجهرية، أي كل ما لا يلفت نظرنا قاسم وأنا.

ـ نحن مخلوقات العتمة. قال قاسم شريف غامزا.

 

بياتريس أمسكت بيدي فجأة وشعرت بحرارة ووهج وطراوة يد مخصصة للنعاس والضحك والشراب والنزهة والبهجة: ماذا جرى؟ قلت.

ردت هامسة: وعل. ألا ترى؟

 

لم يكن وعلاً فحسب بل رؤيا مشعة منبثقة من الثلج والعتمة الهادئة والصمت والوداعة الغابية، من الانسجام العفوي بين كل الأشياء، بين حرارة جسد بياتريس ونظرات قاسم شريف وأشجار الصنوبر المكسوة بالثلج وبين كلوديا الماشية برشاقة سرو، بين عزلة البحيرة والخيمة، بين الأغصان المتشابكة والسماء البعيدة، بين عيون الوعل وبين النبيذ. كل شيء كان يتداخل مع بعضه حتى تمحي الحدود والفواصل، لذلك عرفت لماذا كانت كلوديا تقودنا الى هذه الغابة رغم الجو الثلجي البارد والعزلة الليلكية.

 

جفل الوعل أو بياتريس لأن التمييز بينهما غير ممكن، فبياتريس هي الأخرى وعل انثوي بجسد مشدود كقوس متوتر، مثل كنيسة حجرية منعزلة في غابة أو جبل، ثم اختفى بين الأشجار. في المساء عدنا الى الخيمة. كانت بادرة ومثلجة. كلوديا الخبيرة في الرحلات الجليدية والجبلية وفي الغابات أغلقت باب الخيمة وأشعلت جهاز تسخين غازي، فشع دفء غامر. بياتريس كانت تعد الطعام وقاسم شريف يستلقي على الفراش، لكنني كنت واثقا أنه يقظ ويتحسس كل حركة تقوم بها بياتريس.

 

كان الليل يقبل من كل مكان. لم يكن ليلا. كان هودجا من الأجراس الضاجة بالأصوات والأغاني والخرير والصرير والأزيز والصمت المباغت والخشخشة، أي كل ما قتلته المدن الحديثة. هذا هو المطهر الذي قادتنا كلوديا اليه ومن المحزن أن منصور لم يكن معنا. قالت كلوديا، متحسرة: كان يجب أن يكون معنا.

ـ هذا ما كنت أفكر فيه الآن. قلت.

قال قاسم وهو يقف فجأة: لو كان منصور معنا، لتحولت الغابة الى سجن وتحولت الوعول والأيائل الى سجانين والأشجار الى أسلاك شائكة.

قالت بياتريس: وهذا ما كنت تفعله معي طوال الوقت.

ـ ليس طوال الوقت. رد قاسم بسرعة. وأضاف: نحن خبراء في الحفر والدفن والشنق والرمي والأنفاق والمعتقلات والثكنات وكل الأمكنة المغلقة. هذه حياتنا يا بياتريس ونحن لم نخترها ولم نخترعها.

 

بياتريس وهي تعيش ذكرى ثورة تحطيم زجاج المنزل ردت بهدوء رقيق وصادق:هذا صحيح. ثم شرعنا في الأكل والشرب والثرثرة .

قال قاسم: أعتقد انني صادفت وحشا غريبا في الغابة. غصت كلوديا وضحكت بياتريس. قلت: لم يكن وحشا أيها الثوري المنتوف الريش. إنه وعل، ومن كثرة ما شاهدنا من وحوش بشرية صرنا نتخيل الفراشة والوعل والعصفور وحوشا. 

 

اقترحت علينا كلوديا في أعماق الظلام والسكون ونوم كائنات واستيقاظ أخرى، بين ريح مثلجة ونقر ايقاعي سريع لطائر غابي مجفل الخروج كي نطل على البحيرة. كانت البحيرة تطفو في الضباب والضوء الناعم المنسكب من صخور ثلجية مضيئة محيطة بها. كانت الحياة معدة لمزيد من الاحتفالات والنبيذ والمسرة.

 

قال قاسم هامسا : لذلك يختار الانبياء العزلة.

 

ضحكت في حين كانت كلوديا وبياتريس صامتتين وجالستين في وضعية من يصلي أو يحلم أو يتذكر. مر قمر على نحو خاطف وغاب. مر طائر وصفق بأجنحته وغاب. مرت ذكرى عجلات محروقة في العشب أو الرمل كما هو متوقع. مرت خرائب ديانا في ربيع1974 و1975، مرت جبال زورزك ومعارك هندرين وقنديل وبرسلين،عبور مضيق كلي علي بيك، صعود جبل كورك، الدخول الى كلالة، الدخول الى جومان، رايات، سجن رايات، حاج عمران 1974 ـ 1977، خرمشهر، معارك شرق البصرة في تموز 1982، مضيق كولينا، سربول زهاب، قصر شيرين، سوسنكرد، الفنادق، الولادة على كدس تبن، عبور الحدود الى ايران، التسكع مع قاسم شريف في شوارع طهران،مقهى نادري في شارع جمهوري اسلامي، زقاق كوجة مروي، الهروب الى الباكستان  1989،عبور الجبال، القبض، المحكمة، السجن، السفر الى النرويج1991، بيرغن، الحانات والمراقص، الحصار، الاحتلال، حانة القراصنة، الغابة، الوعل، بياتريس، كلوديا، قاسم، البحيرة، ضوء الصخور الثلجية...

 

يد كلوديا الحارة والعطرة تمسك يدي بنعومة هامسة: انتهيت؟

قلت بصوت تالف وبعيد: انتهيت.

 

عدنا الى الخيمة وكانت دافئة. شربنا وأكلنا الباقي من الطعام. كلوديا وبياتريس نامتا على جانب الخيمة الأيمن وقاسم وأنا على الجانب الأيسر.

همس لي ضاحكا: نحن على اليسار دائما.

 

كانت الريح تصفر في الخارج، وقبل أن أنام كنت قد لمحت ، السيارة البيضاء الصغيرة حاملة التابوت وهي تعبر في شوارع مغبرة وتحت سماء رصاصية بين انقاض وثكنات مهجورة وتماثيل محطمة وأراجيح وحدائق ونوافذ وستائر متروكة تعبث فيها الريح ورعد عبد القادر يعود الى المنزل في الضحى ويعد قهوته ويجلس على كرسي في الحديقة وينام وسط دهشة بلبله المتعجب.

 

*

كانت بياتريس نازلة من سلالم شقة قاسم شريف كوعل ريان، كحقل لوز مشرق، نظيفة ومتوهجة ورائحة ليل شتوي آمن تفوح من جسدها الفتي الصبياني كسهل آسيوي طليق. قالت إنه في المنزل يصغي، ضاحكة، لصرير فئرانه وهي تقرض الزمن. قلت لها شكرا لك على هذا المنظر الزهري المريح ، ضحكت وهي تمضي.

 

فتح الباب كحجل جبلي مداهم وهو الوصف الذي لا يحبه كثيرا لكنه لا يعلق عليه. مرة قال لي إن وصفك لي هذا في سيرة ورواية الأعزل غير معقول لكنه نسي الأمر. سمعت صرير الفئران وهي تتدحرج في الدولاب الصغير في القفص، سمعت مرور الريح عبر النافذة، سمعت صوت قاسم شريف ونحن نعبر الجبال الفاصلة بين ايران والباكستان: احذر من الذئاب ومهربي المخدرات... قبل أيام قتلوا صديقا لي هنا وسلبوه كل شيء وتركوا زوجته تعبر. سمعت صوته ونحن في زنازين سجن كويتا الباكستاني وهو يغني ذلك الغناء الريفي الطالع من عمق الهور وحرائق القصب والبردي وحكايات قرون من الحضارة والحكايات والأشعار والمراثي والجمال والخراب والحب والصيد والقرابين.

 

جلسنا في شرفته المطلة على مقبرة مكسوة بالثلج ومحاطة بأشجار الحور المعمرة والصنوبر والسرو من جهة ومطلة على الميناء من جهة أخرى.

 قلت: أنت في هذا المنزل تمتلك خيارين: الموت والسفر. هناك الميناء والسفن وهنا القبور.

 رد عليّ وهو يضع أكواب القهوة على الطاولة الزجاجية: أنا محكوم بالعيش في كل الأحوال.

قلت: وصرير فئرانك؟

ـ كل واحد منا لديه مثل هذا الصرير حتى لو لم يكن بلا فئران. الفئران لا تخلق الزمن ولكنها تذكر به وهذا ما نحتاجه.

 

واصل الحديث وهو يشرب قهوته بتلذذ وهدوء فسرته  بسبب نوم بياتريس معه الليلة الماضية: في روايتك سنوات الحريق تحدثت عن حريق قادم، ومجزرة قد تكون الخاتمة وهذا عام 2000، على لسان كاظم النجار وهو يحتضر قرب البحر والنافذة مفتوحة على صوت الريح ورائحة الموت وكان يردد بين الاحتضار واليقظة(الحريق، الحريق). كانت رائحة التفسخ تزكم الانوف لكن أحدا لم يشم. كنت تقول ان الذين سيأتون بعد سقوط الوحش سوف لن يفتحوا أبواب الأمل بل أبواب السجون. كيف حصل ذلك؟

 

أتأمل أوراق الأشجار الصفر والمحمرة التي تكسو المقبرة وتبرق رغم الثلج بلون حار في مكان يبدو موحشا قلت: لا يحتاج السياسي العراقي الى منجم أو عبقري لأنه مسطح ويمكن قياس عمقه بعود ثقاب ولكنه يحتاج الى طفل أندرسون يرى الملك، عاريا. كانت رائحة التفسخ حادة كما تقول لكن أحدا لم يشم، وكنا نعرفهم في المنافي وفي السجون والصحف والمقاهي والحانات وكانت رائحتهم تشبه رائحة عطور ثلاجات الموتى، واذا دخلوا مدينة ما في الربيع، أعادوها الى شتاء مبكر، وحولوا الحدائق الى صحراء، كما أننا نهمل التفاصيل الصغيرة ونركز على الشعارات، لذلك تقرأ اليوم دهشتهم وصدمتهم من هذا الشعب الذي قال عنه أحدهم في مقال(إن سلوك هؤلاء الغوغاء أغرب من الخيال) هل تعرف لماذا بوغت بخراب الناس؟ هؤلاء لم يكونوا في وطن بل في نصوص ونظريات وقاعات وصحف ومكاتب وأوطان افتراضية.

 

كانت الفئران تقرض، والريح تمر فوق المقبرة وتكنس أوراق الأشجار الذابلة، ورائحة بياتريس تعطر المكان، والسفن في الميناء تطلق صفارتها نحن قارات وسواحل ومدن وبحار وخلجان ورمال بعيدة، وكنا قاسم شريف وأنا نصغي تارة لمرور الريح وهي تحمل الأوراق أو صفارات السفن المبحرة أو نصغي للأصوات الداخلية العميقة، أصوات عالم آخر لا علاقة له ببياتريس ولا بالثلج ولا مصابيح المقبرة المعلقة في هذا النهار الصريح كفوانيس مشعة بخفوت ودفء.

 

قلت: عملية الصدمة والترويع خلقت عملية صدمة اخرى في ذهنية هذا المثقف. هذا المصدوم بخراب الجماهير وهو يراها عبر الشاشات أو الأخبار أو الرسائل، أو على أرض الواقع وهو عائد إليها من منفاه، أو يراها عبر الشاشات، لم يكن يرى، إذا كان يرى شيئاً، غير جماهير متخيلة مقطوعة الصلة بالأرض تماما مثله.

هذا هو سر دهشة هذا المثقف المهجور والمبعد والمقصي والواهم وهو يشاهد اليوم علامات الكارثة في الوطن، لأنه أصلا كان يعيش ليس في منفى مكاني فحسب، بل في منفى عقلي، أو بتعبير علم النفس  اغتراب عقلي.

هذا المثقف الذي كتب ما كتب طوال سنوات المنفى لم يكن يساوره أدنى شك في فحص فرضياته أو مراجعة منهجه في التفكير لكنه أنساق خلف أجنحة خيال مبتور، وخلف صورة مرتبكة أو متصورة أو متخيلة عن واقع عراقي مفترض يتطابق تماما مع تصوراته الذهنية.

وقع اليوم في ورطة أو صدمة ترويع أخرى حين رأى، إذا كان قد رأى جيدا كل الصورة، الصورة المضطربة للمجتمع وللإنسان العراقي في ضوء هذا الخراب الجديد، أو الذي بدا جديدا  له.

حوّل هذه التصورات والأوهام إلى قرارات، ودفع جمهوره بلغة قهرية حادة باترة إلى تحويل  قناعاته إلى قناعات عامة تصلح، كما آمن، أن تكون مشروعا وطنيا للتغيير.

مع الخراب القديم،كان تخريبه هو الأخطر، لأنه كان يتكلم باسم المستقبل ويتحدث بأحلام وردية ويخاطب جمهورا متخيلا، متصورا، اكتشف في النهاية أنه ليس ذاك الجمهور الذي كان يحلم به، وجيّش الجيوش من أجله بل أن هذا الجمهور، كما يقول، هو جمهور مزدوج، أو تجمع لصوص، أو من أصحاب الأفكار الظلامية، كما لو كانت بيوتنا وخرائبنا وشوارعنا ومدارسنا وأحزابنا في القرن الماضي مركزا للحداثة.

يبدو هذا المصدوم وكأنه أخذ على حين غرة، أو أفاق على نوم طويل، أو على وطن آخر لم يكن يعرفه وفي هذه النقطة يتساوى مع الدكتاتور: كلاهما عاش أو حارب من أجل وطن يجهله تماما، وهذه واحدة من مفارقات الحالة العراقية المليئة بالمفارقات.

هؤلاء هم خليط من يساريين تائبين من الطبقة والثورة والاشتراكية أو أنصاف مقاولين، او من عدميين بسبب الانتظار والسأم وتفسخ الخلايا، او من ابرياء صرعهم الحنين والجنس والذكرى وطول الأمل، أو من أميين أطياز قدموا في ربع الساعة الأخير لأخذ حصتهم من وطن صار وليمة جاهزة للجميع.

 لكن أخطر هؤلاء هو عدو الإمبريالية القديم، الذي تاجر بنا سنوات، ومراحل، وصرنا في كتاباته قطع شطرنج، وجرب علينا كل أنواع الويلات،جاء ليقول لنا اليوم ان الواقع هو غير ما تصوره، وان الحقيقة على الأرض تختلف عن الحقيقة على الورق واننا كنا غارقين في نوم العافية والعقيدة والكتب ونشرات الاخبار. تبقى شهادة هذا المثقف الاختزالي ناقصة ومشوشة، ومضطربة، وملتوية،  فهو لا يزال يظن، عن قناعة أو جهل، ان هذا التخريب في البنية النفسية، هو نتاج سلطة  الأمس فقط، لا شريك لها في الجرم العلني الذي رآه الناس عبر الصور وعلى الأرض  وفي الوقائع والشهادات العلنية والمفتوحة، ولا في تاريخ التخريب عبر قرون. من هنا تأتي دهشته من صورة الواقع العراقي اليوم لتعكس غربتين ـ غربته هو عن نفسه، وعن عقله، أي الاغتراب العقلي ـ وغربته عن واقعه، وهي غربة سياسية وفصام ذهني بلبوس الوعي السياسي.

هذه الغربة هي التي انتجت المثقف الحائر في صحراء لم تعد تنتج أنبياء بل امتلأت بالجيوش. الذهان العقلي هو الأخطر حين تتحول الصور الذهنية المتخيلة إلى مقالات وكتابات ودعوات وحروب ومشاريع وورط ومآزق وويلات وبرامج .

في كل ورطة يدفع لها الجمهور يجد مخرجا لورطته ثم يكرر الفشل على جمهور منهك ومغتصب وحزين، كما لو كان يشتغل في حقل تجارب للفئران وليس على جماهير معذبة. لم لا؟ واللغة العربية قادرة على إيجاد كل المخارج وأبواب الطوارئ الخلفية لمن يريد الهرب من جريمته أو غفلته أو التنصل من مسؤوليته خاصة في مجتمع عراقي لم يتعلم بعد محاسبة سياسي في السلطة أم خارجها على أخطاء مصيرية كبرى أهدرت فيها ثروات ودماء وأحلام ويلعب دور وكيل الجمهور أو التاريخ.

المثقف المعرفي والمتمرد والمغرد خارج السرب غائب ومغيب ومطرود من احتفالات الزور، لأن هذه النخب الفاسدة لا تسمح بذرة مساحة للاختلاف وتربت على القطيع. أين ذهبت محاكمات النهج؟ أين مثلا محاكمة جورج أورويل في روايته الشهيرة 1948 أو محاكمة أيليا أهرنبورغ في روايته ذوبان الثلوج للفترة الستالينية؟ ورواية الدكتور زيفاكو لباسترناك الذي طرد من اتحاد الكتاب وعاش وحيدا في عزلة موحشة بعد رفضه جائزة نوبل ويوم مات دفنه فلاحو المنطقة الذين لم يكونوا يملكون للمراسم سوى جهاز تسجيل مع شريط جنائزي لموسيقى باخ مع عبارة حسب وصيته على الشاهدة: الحياة ليست نزهة في حديقة؟

 

 حلّ المقاول والمليونير والمرتزق والأمي والمهرج محل منتج الرموز والمعاني والواعد بمزيد من الاحتفالات والأمل.

هل خطر ببالك أن أحدهم صوّر عودته الى وطن محتل بعودة كلكامش؟ هنا تبدو صورة الانتفاخ المرضي، وإهانة الجمهور، الجمهور المعذب والمغيب والمكابر والمهان والمحتل، واضحة جلية علنية مفتوحة بدون استحياء.

كلكامش كان باحثا عن معنى الموت والحياة والمصير وكل الأسئلة الوجودية الكبرى، ولم يكن جنديا في جيش الاحتلال، أو في أفضل الأحوال لم يكن ساذجا على هذا النحو المقرف.

هل هي صورة ساخرة حين يصور مثقف مهزوم بلا دور حقيقي أو مشاركة أو فاعلية نفسه على أنه أسطورة؟ وماذا كان سيعرف نفسه لو أنه فعلا حارب واسقط هذه السلطة بنفسه، والعالم رأى كيف بدأت وانتهت الأمور؟

ثم يُصدم، وهو يرى، لأول مرة، مجتمعا فيه لصوص، وبغايا...والخ،  لأنه كان يعيش في اليوتوبيا الفردية، أو في حالة العمى العقلي. إنه يرى ضحاياه، بصورة من الصور، الذين كان قد اعد البرامج لخلاصهم  وظهر أنه يجهلهم عبر سنوات طويلة من تأملهم وهو يتأمل الفراغ والوهم والسراب والضباب.

هناك اليوم لصوص وبغايا وبورديلات وتوجد أسواق للحريم في العراق، يقف فيه طابور من النساء للبيع كما وقف طابور من المثقفين العراقيين لبيع أنفسهم وأعراضهم الرمزية، رأسمالهم الفكري والثقافي مقابل ثمن هو أكبر بكثير من سعر الحريم اليوم. من هو الضحية هنا؟

الفتاة التي تبيع جسدها لكي تعيش، أم المثقف الذي باع شرفه وعرضه الوطني وتركها وحيدة أمام جيش من العزاب وشركات الأمن الإجرامية؟

كيف نستنكر سوق الحريم، إذا كان هذا السوق قد تأسس مثله في الخارج حين باع مثقفون أنفسهم على طريقة المثل الانكليزي (من يدفع للزمار يسمع اللحن الذي يريده) وهو عنوان كتاب عن دور المخابرات الامريكية والبريطانية في اختراق مثقفين وصحف ومنظمات ثورية وأحزاب يسارية بصورة مباشرة أو غير مباشرة في القرن الماضي وجعلها تدري أو لا تدري تعزف اللحن الذي تريد وهي تتصور انها حرة مع ان الخيوط السرية،خيوط الدمى المتحركة، في مكان خفي؟

كيف نحاسب صبية تبيع جسدها في سوق النخاسة، إذا كان  صانع أحلامها الفكرية والرمزية ومنتج المعاني والقيم الفكرية، مناضلها ومثقفها المنتظر، قد باع عرضه الوطني في سوق نخاسة دولي؟ لماذا ندين امرأة تبيع جسدها من اجل الخبز، ولا ندين مثقفا يبيع شرفه من أجل المنصب أو المال الذي لا يحتاجه حاجة ملحة؟

لماذا إذن نحاسب مثقفين كتبوا في العراق تحت فوهات المسدسات وتهديد الموت أو العيش في قبو رطب مظلم مدى الحياة؟ الم يكن هؤلاء ضحايا مثلهم مثل كل الضحايا ماعدا؟ أليس الاحتلال هو أقذر أنواع الاغتصاب؟

العلاقة عضوية ومتينة بين هذين السوقين: سوق النخاسة السياسي هو الذي أسس سوق الأجساد. إذا كانت هذه الأجساد تئن تحت ثقل المشتري المحلي، فإن أجساد زمرة من أهل القلم تئن تحت ثقل المشتري الأجنبي بتلذذ وشهية وتأوه.

هل الفارق في السعر؟ أم في هوية المشتري؟ في مكان السوق؟ أم في أن الحريم تغتصب بصمت وكتمان على وسادة مطرزة دون قدرة لغوية على تبرير هذا الاغتصاب وتحويله إلى ممارسة نضالية من أجل التغيير، يقول المقاول ؟

 

*

  ـ الى أين يمضي بنا هذا الحوذي والعربة خرجت عن الطريق؟ قالت امرأة خائفة.

ـ عد بنا،

عد بنا،

كان خبز القناعة سماً،

وكانت سكرةً، وانتهت بالدوار... قال سامي مهدي عام 1992.

ـ لكن لماذا لم يستيقظ رعد عبد القادر؟ لماذا النوافذ مفتوحة؟ وفنجان القهوة ساخن والكتاب مفتوح؟

 ـ عاد منزعجاً ومبكراً الى المنزل من زيارة صديقه عبد الزهرة زكي الذي تعرض لاستجواب أمني في حضوره صباح 13 كانون الثاني 2003 ـ قال صديق.

 

يروي الشاعر النائم في بلبله المتعجب عن حكمة الثعالب 1996 : أنتم الكهنة والموظفون الحكوميون والطلاب وحاملو صخرة سيزيف وسارقو شعلة أولمبس، والعساكر النظامية، الانكشاريون وشرطة المرور، والراقصون والراقصات وبائعو الوطن والبائعات، الوطنيون بألسنتهم، حاصدو جوائز السباق الطويل، أنتم تكرزون/ اذهبوا الى أعمالكم، مطمئنين، مبتسمين، كأبقار شاغال.           

ـ شاغال رسام روسي فرنسي.

 

قراءة الفصول السابقة من الرواية :

 

الفصل الأول

الفصل الثاني

الفصل الثالث

الفصل الرابع