الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

28  آب  2008

ابحث في كتابات

 

أخر عمالقة السينما العربية يوسف شاهين

 

كتابات - ظافر جلود

 

عند فندق المنصور ببغداد كنت على موعد صحفي معه ، كان ذلك في عام 1984 وكان حينها المخرج العبقري يوسف شاهين في جولة عمل عربية يبحث فيها عن منتج لبعض أفلامه المعاصرة ، لم يكن الحوار مع شاهين بالشيء الهين ، انه فنان صاخب أحيانا لا يجمع بين مفردات كلامه ، لأنه بالتالي مهووس بالتغيير حتى بنمط حياته وشخصيته ، لقد رفض شاهين الكثير من طلبات الصحفيين لحواره ، لكني وللحق اذكره لولا وساطة صديقي القاص والصحفي المعروف أمير الحلو الذي كان يربطه بجو" اسم الدلال " علاقة متفردة ما كنت وجها لوجه معه ، لا أتذكر مجريات الحوار ألان ، لكني وفي قرارة نفسي أن هذا الرجل يملك ذهن وعبقرية رهيبة لا تجدها إلا عند الفلاسفة والمفكرين من عصور مختلفة ، انه لا يجلس بانتظام ولا يريد أن تقطع عنه سلسلة أفكاره ، عليك أن تتبعه ، وتحمله على الكلام ، وفي النهاية كأنك أمام رجل تطارده الأفكار .

 يوسف شاهين، أو "جو" كما كان يحب أن يلقبه تلاميذه ومحبوه، استحق من خلال أفلامه التي صنعها على مدى 58 عاما أن يكون فنانا عالميا، لا عربيا ومصريا كما تدل شهادة ميلاده وجنسيته. فقد حاول أن ينقل حسه الإنساني إلى العالم من خلال أفلامه التي اعتبرها نقاد السينما بصمات في تاريخ السينما المصرية ومحطات لا يمكن تجاوزها عند التأريخ لفن السينما في العالم، رحل يوسف شاهين عن عالمنا بعد أن أثرى حياتنا العربية ومجتمعها بالصخب والتمرد والحوار والتحريض من خلال مجموعة من أفلامه في مرحلة نضوجه الفكري وامتلاكه للغة السينمائية الخاصة به وبعالمه "المتحرك" وتأكيده في على انه ليس مخرجا للتسلي،  وربما يرجع هذا التواصل الإنساني ليوسف شاهين مع العالم إلى تعدد الروافد التي شكلته في سنوات التكوين. فهو ابن لأسرة من أصل لبناني، هاجرت إلى مصر في أواخر القرن التاسع عشر. وهو أيضا ابن لمدينة استثنائية، حيث ترعرع في الإسكندرية عندما كانت من أهم موانئ البحر الأبيض المتوسط وملتقى لجاليات أجنبية من شتى أصقاع أوروبا. هذه الروافد المتنوعة هي التي أفرزت فكر يوسف شاهين الذي شاهدناه متجسدا في أفلامه مثل فيلم اليوم السادس (1986)، الذي حاكى في بعض مشاهده سينما هوليوود الموسيقية خلال خمسينيات القرن الماضي. هذه الروافد أيضا هي التي أفرزت أفلام السيرة الذاتية ليوسف شاهين والتي يمكن أن نلحظ فيها بوضوح تأثرا باتجاهات سينمائية مختلفة، أبرزها تلك القادمة من فرنسا وهوليوود الخمسينات والستينات. فيلمه حدوتة مصرية الذي خرج إلى النور عام 1982 مثال واضح على ذلك. ولم تتوقف تأثير الروافد المتنوعة ليوسف شاهين عند حدود تكنيكه السينمائي، بل امتدت لتشمل موضوعات أفلامه. ففي مرحلة مبكرة من رحلته السينمائية أخرج فيلم جميلة عام 1958 عن المناضلة الجزائرية جميلة بوحريد والتي تعامل معها كرمز لثورة الجزائر. ثم وتأثرا بفكر القومية العربية ومفاهيم الصراع مع الغرب والتحرر من الاستعمار التي كانت سائدة خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي في مصر والمنطقة العربية أخرج يوسف شاهين فيلم "الناصر صلاح الدين" عام 1963، وهو الفيلم الذي اعتبر نقلة في مسيرة السينما التاريخية في العالم العربي. ففيلمه العصفور الذي أخرجه عام 1972، عبر عن المأزق السياسي والاجتماعي الذي أدى إلى هزيمة حرب عام 1967، وهو هنا نقل مفهوم الهزيمة من الوطن إلى النظام السياسي، بل وتنبأ بالانتصار الذي حققته القوات المصرية عندما عبرت قناة السويس عام 1973 وهنا كانت المفارقة التاريخية. فالفيلم الذي أحرقت بسببه دور العرض التي عرضته في بيروت هو أيضا الفيلم الذي كانت أغنيته الرئيسية هي الأغنية التي أذيعت خلال حرب 1973 وفي كل ذكرى لها بعد ذلك. وعندما خاضت مصر حربها مع المتطرفين، وهي الحرب التي سبقت الحرب على الإرهاب بعقد كامل، كان يوسف شاهين عنصرا فاعلا في تلك الحرب عبر فيلمه المصير (1997) الذي أتى كرد فعل منه على ما حدث بسبب فيلمه المهاجر (1994) والذي تعرض فيه لقصة النبي يوسف عليه السلام في مصر. وبالطبع لم يكن يوسف شاهين غائبا عن علاقة العرب مع الغرب وتحديدا الولايات المتحدة من خلال أفلامه مثل الآخر (1999) والجزء الأخير من سيرته الذاتية، إسكندرية - نيويورك (2004) ،وحتى هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 التي وقعت في نيويورك وواشنطن، كان ليوسف شاهين رأي فيها وحولها، عبر عنه في الجزء الخاص به في فيلم September 11 (2002) والذي اشترك فيه 11 مخرجا من 11 دولة حول العالم. وفي نهاية رحلته كانت بوصلة جو الفكرية قد أشارت عليه بالتوجه إلى الداخل المصري من خلال فيلمه "هي فوضى" (2007) الذي أخرجه بالاشتراك مع تلميذه خالد يوسف وتعرض فيه للفساد في مصر اليوم.

حتى أيامه الأخيرة، قبل أن تداهمه الغيبوبة، ظل الراحل الكبير يوسف شاهين يبدع في عمله السينمائي. وهو رغم أعوامه الاثنين والثمانين لم يتوقف لحظة واحدة عن التفكير في السينما وما تقوله السينما ، وما تضفيه على حياة المشاهد من جمال وتفكر في علاقات البشر بالبشر والبشر بالسلطة والبشر بالتاريخ،كان يوسف شاهين يؤمن بسينما المؤلف ، فيصنع أفلامه بنفسه في معظم الأحيان.. يكتب سيناريوهاته ويكتب الحوار ويتشاور مع طاقمه من ممثلين ومساعدي إخراج وفنيين لكي يصنع سينما مدهشة فارقة في تاريخ السينما المصرية. كان بالفعل عاشقا للسينما يرى حياته لا تصلح إلا بها وفيها ، ولذلك استطاع أن يصل بأفلامه إلى خارج مصر وخارج العالم العربي متوجا عمله الممتد على مدار ستين عاما في أهم مهرجانات السينما العالمية ليكرمه مهرجان كان قبل سنوات بجائزته الكبرى التي يمنحها لمخرج عالمي كبير على مجمل أعماله وإنجازه غير المسبوق في السينما.

بعد كل هذه المسيرة الحافلة سينمائيا، لم يكن غريبا إذن على العالم أن ينعي "أحد أشهر المساهمين في الفن السابع" أو يرثي "رحيل مخرج أسطوري" يتساوى في المرتبة مع فليليني إيطاليا أو دافيد لين انجلترا. فيوسف شاهين كان ملكا للعالم بمقدار ما كان ابنا لمصر.