الصفحة الرئيسية

كلمة كتابات

الكتابات المنشورة  تعبر عن رأي اصحابها - الرقيب ضمير الكاتب

زوايـــــا

دراسات

 kitabat@kitabat.com <<<  webmaster@kitabat.com

الارشيف

كتب

28  آب  2008

ابحث في كتابات

 

فنجان شاي اخير مع كامل شياع

 

كتابات - شروق العبايجي

 

اغتيالك ياكامل صعقنا جميعا، اصدقاءك ومحبيك ، وفتح في الوقت نفسه مسارب اكتشاف مناطق جديدة من اختبار الالم ،. الالم الذي اصبح يفاجئنا بقدرته على الذهاب بعيدا، بعيدا الى مناطق مجهولة ، مثيرا اسئلة محيرة في امتحان طاقة التحمل القصوى . ونحن ننساق وراءه متسائلين بخوف ، هل يوجد ما هو اكثر؟

لم اكن اتصور بانني ساجرب بعدا اخر للالم بعد فقدان الصديقة امال معملجي بحادث مماثل منذ زمن لست اعلم الان ان كان بعيدا ام قريبا، احداث كثيرة مرت منذ ذاك، وهاهي صدمة فقدانك تضعني في دوامة مشاعر اخرى، لا اعلم ان كانت بعض المفردات المحدودة التي نستخدمها تعبر عن بعضها :  المرارة ، الحزن ، الالم، الاسى، اللوعة...  ليس الوصف هو المشكلة انما تعريف الحالة ، ومع ذلك  ساحاول:

 

اللوعة  لفقدانك كصديق رائع بشفافيته وكامل بانسانيته

الحزن على خسارتك مثقفا نادرا بعلمه وتواضعه

الاسى على وطن لم يعرف كيف يحافظ عليك ولايعي قيمة ما قدمته له

الالم لرؤية قتلتك وهم مستمرون في هوسهم بدون اي رادع وليس هناك من يجرؤ حتى على التفكير بمحاسبتهم على جريمتهم البشعة

المرارة للشعور بالعجز عن معرفة مايمكن عمله لايقاف هذا الاندفاع المجنون نحو الضياع النهائي

 

والان انا اتساءل وانا اتذكر نقاشاتنا المطولة، ان كان علي الشعور ببعض الندم ايضا،لانني كنت اعتب عليك باستمرار، كونك ارتضيت لنفسك دور الموظف الحكومي، وكنت اراك اكبر من اية وظيفة حكومية مهما علا منصبها . كنت احاول ان استفز المفكر فيك لينتصر على الموظف ، لكنك في النهاية انتصرت على الاثين وبلورت لنفسك تجرية فريدة مازجا بينهما . كنت اريد من المفكر فيك ان يفك طلاسم هذا الواقع السوريالي الذي نعيشه وانت تراقب تفاصيله المتشابكة عن قرب، فهل حل اغتيالك بعضا من هذه الطلاسم ام جعل الصورة اكثر قتامة وقنوطا؟

 

اتذكر، انه في يوم الثامن من اذار عام 2005 ، وقد تملكني شعور منذ الصباح باني اريد ان احتفل بهذا اليوم بشكل مميز، يوم المراة العالمي في بغداد. كانت الاختيارات محدودة جدا، فلم يكن امامي سوى ان اذهب الى احتفالية وزارة الثقافة بهذه المناسبة ، ذهبت ووجدت المكان يغص بالحاضرين والمحتفلين من المسؤولين والعامة . لكن الاجواء كانت تعج بالصراخ والشعارات المتشنجة والخطب المليئة بمدائح المسؤولين في الوزارة ، شعرت بانني يجب ان اخرج من هذ االمكان ، فرايتك وانت تخرج ايضا من القاعة والتقينا عند الباب، قلت لي بانك كنت مدعو لالقاء كلمة بهذه المناسبة وانك قد كتبتها بعناية لكنك لاتريد ان تلقيها وسط هذا الهرج ، ودعوتني الى غرفة مكتبك المتواضعة لتطلعني عليها ، والقيتها على وكنت انا جمهورك الوحيد،  كانت من اروع ماسمعت وقرات بحق المراة ، كانت كلمة امتزج فيها الفكر بالشعر بالرؤية الانسانية العميقة للمراة ودورها في الحياة وفي صنع كل ما هو جميل فيها .

 

نقاشاتنا التي بداناها على التلفون بين بلجيكا والنمسا ، حتى قبل ان نلتقي،  والى اخر مكالمة بيننا على الهاتف قبل رحيلك ببضع ساعات ، كنت فيها دائما متفائلا بالاتي بالرغم من اشمئزازك لما يحصل من بشاعات، ليس فقط فيما يتعلق بدوامة العنف المستشري وانما حتى من تفصيلات حياتية صغيرة، كنت محاطا بها بحكم العمل وبحكم تخليك عن كل المظاهر التي يحرص المسؤولون على الحصول عليها مثل الحماية والسكن والامتيازات الاخرى.

 

بغداد 2006 و2007 كانت مدينة الموت الاولى في العالم ، الخوف كان يمكن لمسه ورؤيته ، كنا نكسر تلك الاجواء القاتلة  بلقاءات نفرضها على ملك الموت الهيستيري، لنصنع اجوائنا الخاصة بنا ، مجموعة من الاصدقاء   والصديقات نلتقي لنتحدث وننتناقش ونسمع الموسيقى ونروي النكات ونتمتع بالاكلات التي كنا نتشارك في طبخها ، كنا نحاول ان نصنع عالما طبيعيا نعيش فيه ولو لساعات قليلة، كنا نتسائل بعدها عند عودتنا الى ايقاع الحياة العنيف من حولنا، هل كانت تلك الساعات التي قضيناها في بغداد ام على كوكب اخر؟ وهل اصبحت بغداد فعلا عالما اخر يمتلكه فقط السراق والفاسدون والمجرمون والقتلة ولامكان فيها للحالمين من امثالنا؟

في مكالمتك الاخيرة لي قبل رحيلك المفجع ببضع ساعات، كنت تخطط فيها للقاء مماثل قريب مع نفس المجموعة من الاصدقاء او من تبقى منهم  ولكن هذه المرة في بيتك الذي استاجرته مؤخرا ولم تستكمل تفاصيل تاثيثه بعد ، قلت: ساطبخ  لكم  بنفسي...

 

لقد اتفقنا ايها الغالي على تلبية دعوتك، ، و سنلتقي في بيتك لنودعك بالشموع والموسيقى والشعر وكل الاشياء الجميلة التي كنت تحبها   وسنشرب الشاي معا  للمرة الاخيرة .........

 

دعوة الى كل محبي كامل شياع للعمل على جمع كتاباته واصدارها في كتاب يجمع افكاره ورؤاه ، لنقول لقتلته الجهلة بانكم اضعف من تغتالوا فكره .

 

 

shabayachi@yahoo.com